ومن قال إن هؤلاء لا يحبون الله ورسوله؟
(مفهومُ الاستقامة بين المظاهر والمخابر والتصورات)
لـ
د. سعد بن مطر العتيبي

تكاثرت صفوفُ المصلين في الصلوات.. وهذه هي الليلةُ الثانيةُ من ليالي هذا الشهر المبارك شهرِ القرآن، وهو أمرٌ يشهدُه المصلون كلَّ عام.. وفي صلاة التراويح هذه الليلة كانت هذه الواقعةُ التي لا أظنّها غريبةً على كثير منّا رجالاً ونساءً، ولا سيما في مثل هذه الأيام؛ ففي أثناء قراءة الإمام لآيات من الكتاب العزيز، بصوت ندي يتبين فيه معاني ما يقرأ، كان بجانبي شاب مصري، ليس على محياه ولا في مظهره ما يكشف رُوحَ التدين لديه لو لم يكن موجوداً في المسجد.. لكنّه لم يستطعْ إخفاءَ موجة بكاء كان يكتمُها، حتى نطق بها اضطرابُ بدنه، مع أزيزٍ كأزيز المرجل.. وبقي تأثرُه ظاهراً حتى بعد انصرافنا من الصلاة..
هذه الحادثة أرجعتني لمسوّدة مقال له صلةٌ بالموضوع كتبتُه منذ مدّة ولم أنشره، ولكن الواقعة أعلاه شجعتني على وضعه الآن بين يدي القراء الكرام، وإن كان جُلّه وصفاً لا تعليقا ولا تحليلا.. وهذا نصه:
قال أحدُ الأشخاص في مجلس عام: ما شاء الله! مظاهرُ الصحوة في فلسطين تبشرُ بخير ولله الحمد..
فقاطعه آخرُ: لو كان فيهم خيرٌ ما رأيتَ نساءهم كاشفاتٍ!
انتهت الواقعة! لكنني لم أستطع الصمت إزاءها..

وقبل الدخول فيما جرى، وقراءة هذه الواقعة، ينبغي أن أُبيِّن ثلاثة أمور، أحدُها عام، والآخران مرتبطان بقصة الحجاب:
الأول: ينبغي التنبيهُ على الفرق بين وصف الواقع وبيان كيفية التعامل معه، وبين الإقرار بمشروعيته وقبوله بخطئه.
وأنا هنا لا أتكلمُ عن واقع مُسْلمٍ قد ذاب تمامًا حتى خرج من دينه، ولكنني أتحدث عن المسلم الذي ما زال ينتمي لإسلامه ويفخر به، ويحافظُ على ما بلغه علمُه من الواجبات، ويتحفّظ عما بلغه علمُه وقناعته من المنهيات..

الثاني: أنَّ مراد المعترض بكلمة (كاشفات): أي كاشفات عن وجوههن، لا أنهن متبرجات تبرج الجاهلية..

الثالث: أنَّ الخلاف في كشف الوجه بين العلماء ليس على إطلاقه كما قد يفهم بعضُ الأفاضل من كلام المفتين به، أو كما يريد أن يروِّج أهلُ التهوين من أدعياء تحرير المرأة.. والكلام في هذه المسألة مفصّل في مظانّه وما كتب فيه بخصوصه، وقد وضحتُ ذلك في جواب محرّر لسؤال طرحتْه بعضُ الأخوات الفاضلات في أحد البلاد الغربية منذ بضع سنين.

1) وعوداً على بدء؛ فإنَّ هذه الواقعة التي ذكرتُ، تكشفُ لنا أن مفهومَ الاستقامة وصدقَ التديّن لدى بعضنا، صار مرتبطًا بالهيئة الظاهرة ارتباطًا لا يتردّد بعضُنا في جعله معياراً للحكم على مدى تديّن الأشخاص ذكوراً أو إناثاً! ولربما بلغ الأمرُ ببعض المتعجلين إلى درجة القذف أو السب والشتم، كأنْ يصف امرأةً كاشفة الوجه بأنها فاجرة! أو حليقَ لحيةٍ بأنَّه ليس متدينًا أو لا يهتم بالدين!
من هنا وفي أجواء هذه الإشكالية، استشعرتُ أنّني أمام حالة لا يسعني فيها السكوتُ، ولا سيما أنَّها تتضمنُ جهلاً بالحال من جهة، وقدحاً في الصالحين والصالحات من جهة أخرى، فبدأتُ بتحرير محلِّ الإشكال بين الشخصين، وإثبات قوَّة الصحوة الإسلامية في فلسطين الرباط، بل وفي العالم كلِّه، وجعلتُ ذلك دليلا على حسن القصد وصدق مشاعر الانتماء، ولِم لا؟ وهي الصحوةُ العابرة للقارّات بأكثرَ من خمسين مليون مسلم يتكاثرون في بلاد الكفر بلْه غيرها.. تلك الصحوة التي أقضّت مضاجعَ حماة الكفر وآخرين من دونهم من أهل النفاق والشقاق ومن اغترّ بهم من السذّج ومن خدعهم الأجنبيُّ جسداً أو فكراً بوصف مثقف أو خبير!!

2) ثم عرّجت على تصحيح فهم المعترض ومن حوله مستشهداً ببعض الأحاديث، وبعض الشواهد والوقائع التي مرّت عليَّ في هذا الموضوع في مواقع مختلفة.. فكم من رجلٍ وامرأةٍ وفتى وفتاة، يُرى في مظهر أحدهم ما قد يُحقَر به ظنا بأنَّه إلى قلّة الديانة أو عدمها أقربُ، فلا يُمْهِلكُ لإسداء واجب النصيحة -إن اقتضاها الحالُ- حتى ترى منه ما يجعلك تستبعد سوء الظنّ به..
- ذات يوم كنت أنتظرُ أحدَ الزملاء في مكان عام أمام أحد جوامع مدينة الرياض -وكنت قد سبقتُ الموعد بما يقارب عشرين دقيقة احتياطًا للطريق- لننطلق معاً في زيارة أحد كبار علمائنا -حفظهم الله- وقد مضى على أداء صلاة الظهر جماعةً نحوُ ساعة؛ وإذْ بسيارة رياضية شبابية تأتي مسرعةً لتقف بالقرب من سيارتي، وما إن وقَفَتْ حتى نزل منها شابَّان، لا تبعد سِنُّهما عن العشرين عامًا تزيد سنة أو سنتين أو تنقص نحوها تقريبا، وكان لباسَ كلٍ منهما: قميصٌ تنحسر يداه عن العضد ولكنه يستر المنكب، وتوحي صبغته بأحدث ما يتلقَّفه الشباب من (الموضة)، وعلى كلٍ منهما بنطال (جِنْز) مُنْحَسِرٍ عن الساقين، يقارب ما يُعرف بالـ(برمودا)، ويستر عورة الرجل.. نزلا مُسرِعَين واتجها نحو مصلى النساء! توقفتُ عن قراءة كُتَيِّبٍ كان بين يديّ، لِما رابني من هذا التصرّف! ولكنهما لم يمهلاني لاستعراض احتمالات ما أرى في لحظة خاطفة.. إذ سرعان ما خرجا واتجها نحو أماكن الوضوء!.. ثم لم يلبثا طويلاً حتى خرجا واتجها نحو باب المسجد.. رأيتُ أن أكمل انتظاري داخل المسجد وكنت أظنّه مغلقًا قبل أن يدفعا الباب.. دخلته بعد بضع دقائق، وإذا كل منهما قد انفرد يصلي! ورفع أحدُهما يديه داعيًا، ثم انطلقا متماسكين بيديهما، ولوح أحدُهما بيده اليمنى وتبعه الآخر مسلِّمين مبتسمين! فبادلتُهما التحية والابتسامةَ بأحسنَ منها وأزيد.. ابتسامة مقابل ابتسامة، وأزيد منها من فرط فرحتي بهذا المشهد الذي قلَّ أن يعدله مثلُه فيما رأته العين وهو غير ما تعبِّر عنه الحروف.. لقد كان ما شهدته هو الفصل الأخير من المشهد حيث كانا -حين دخولي- يصليان الراتبة..
وأصدقكم أنني لم أستغرب هذا المشهد تماما.. ولولا المكانُ، لما كان مُستغربا أصلا.. فقد رأيت أمثالَه في بلدان إسلامية وغير إسلامية من إخوة وأخوات محلّ ثقة في تدينهم وحبِّهم للخير، بل ورأيت تَبَنِّي بعضِهم لمشاريعَ دعويةٍ تتسم بالإبداع لا الابتداع..

- وهذا شاب قد عبثت بمظهره الموضةُ إلى حدّ التشويه، يتقدّم إليّ مع بعض الإخوة لينطق بكلمات هامسة: بالله سَمّعنا إيمانياتٍ! وهذه الكلمةُ ربما يستغربها من لم يعش في مجتمعات اعتادتها عند رؤية من يظنون به خيراً.. وآخر من مثله رأيته في الصيف الماضي إذْ جاء يسأل: أين أجدُ تسجيلا للقرآن الكريم كاملا بقراءة الشيخ حسين آل الشيخ!

- وهذه فتاةٌ لم تلتزم بحجابٍ تامٍّ تسأل سؤال تديّن: لو لم أصم يوم الخميس بسبب الامتحان هل أكون آثمة لتركي عملا كنت أداوم عليه؟!

- وأخرى تلبس قميصاً وبنطالاً، وتلف ما اعتادته من حجابٍ على رأسها، تسأل بحسرة: أخي يستمع للموسيقى فكيف أقنعه بتركها؟!

- وهذه طبيبة لم تلتزم بالحجاب مطلقا، لكنها تُلحّ عليك بإحضار بعض الكتيبات التي تتحدث عن الإسلام، بغية إهدائها لزميلتها الكافرة التي ما زالت تسعى في إسلامها وتتحاور معها عن فضل الإسلام ومحاسنه.. وتتمنى أن تسلم على يديها!

- وهذا كهل يلتف حوله أبناؤه في بلدٍ من بلاد الكفر، وقد خِلته وخِلتهم من غير المسلمين لما تراه من مظاهر، لولا أنه سلّم عليك مبتسماً وحيّاك، ثم سألك: أيجوز لي أن أقصر الصلاة مع أني سأجلس في هذا النُزُل (الفندق) أكثر من أربعة أيام؟!

- وأغرب من ذلك كلِّه ما تجده في أجواء الجاليات الإسلامية، فمن المعقول أن تسمع فتاة من أسرة مسلمة! تسألك سؤالاً جاداً لا هازلاً: لماذا يجوزُ لأخي أن يتخذَ صديقةً ولا يجوزُ لي أن أتخذ صديقاً!! وهي قصة قد أشرت إليها من قبل في مقال بعنوان: مسلسل الخَور اللعين.

- وأما ما يدعو للاستغراب بحق فهو أن تقف على لقاء مع مغنية، تثني فيه على الله وتبتهل إليه بدعاء! من نحو: الحمد لله! سيخرج ألبومي الجديد هذا العام إن شاء الله! يا رب!.. كنت أظن هذا ونحوه ضربًا من التعوّد أو السخرية، حتى علمت من بعض الدعاة في تلك الأجواء بأنَّ الأمر ليس كذلك على كل حال، وأن من تلك الغافلات من عاشت في بيئة جهلٍ، ولبّس عليها غيرُها حتى ظنَّتْ حسناً ما ليس بالحسن!

- وصدق، فقد كنتُ قرأتُ مقابلةً مع إحدى الفنانات التائبات من أرض مصر -بلاد الأزهر- فوجدتها تصرِّح فيها بأنها لم تعلم أن الحجاب واجب شرعًا إلا بعد توبتها بسنتين!! وأن سبب علمها بوجوبه من غير إلزام الزوج به كما كانت تظن! هو أنشودةٌ في الحجاب ردَّدتها بعضُ الصغيرات احتفاءً بها في بيت إحدى الداعيات بالمدينة النبوية قبل أن تعود لبلادها من رحلة عمرة وزيارة للمسجد النبوي..

- ولعلّ بعضكم يتذكر تلك المشاهد التي تكررت في شوارع مدن بلاد الإسلام.. شباب لا يظهر عليهم من أثر المحافظة ما يُميزهم عن غيرهم، لكنهم كانوا يوزِّعون الملصقات التي تبيّن حقوق المصطفى -صلى الله عليه وسلم- والملصقات التي تطلب من المسلمين مقاطعة المنتجات الدنمركية..

- ولعل بعضكم أيضاً قرأ أو سمع بتلك المرأة المتبرجة التي كانت مكشوفة الرأس والشعر والعنق وشيء من الصدر، قد انحسر لباسُها عن ساقيها في مظهر بلغ من التفرنج غايتَه، في عاصمة من عواصم الفرنج الكبيرة، ولكنّها مع هذا المظهر المزري لم تحتمِل كلمات عِدَاءٍ صليبيٍ في حق نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- من قسيس بلغ منه الحقدُ مداه فوقف يصرخ بها بين مقاعد الحافلة التي كانت المرأةُ تجلس في الصف الأخير من مقاعدها، فما إن سمعته حتى اتجهت إليه لتصفعه وهي تردد: إلا محمد! إلا محمد! وبدنها يرتجف من شدّة الغيظ وحرارة الغيرة! في حين عاد القس لمقعده في حالة من الذهول ووقع الصفعة غير المتوقعة!
وها هي ذي مظاهرات المسلمين والمسلمات، تخترقُ طرقَ العواصم التي يُذكر فيها نبيُّ الرحمة بسوء، أو يُستهدف بإهانة، فتنقلب المكيدة على أهلها، وينضم إلى ركب الإيمان بنبوة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- أقوامٌ كثر؛ صحوةً من غفوة أو إسلامًا بعد كفر!

3) أيها الكرام إنَّ تحت المظاهر التي قد يتقالّ البعضُ أصحابَها مخابرَ لو علمها المتقالّ لربما احتقر نفسَه أمامها.. وإنَّ انتشار بعض الآراء الفقهية –وإن كانت لا تنهضها أدلتها وفق الأصول– في بلاد دون أخرى وتكوُّنها جزءاً من الثقافة الإسلامية لمجتمع ما، لا يعني أن أتباعَه محادّون لله في شرعه، أو متنكِّبون عن قصدٍ سنة نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- فرسوخُ الآراء الفقهية مع الزمن يجعلُ الأتباع -حتى من بعض طلبة العلم- لا يتوقفون كثيراً عند المراجعة الشرعية التأصيلية للمسلّمات المتوارثة في المجتمع، ولا سيما إذا تلقاها علماءُ بلدٍ أو غيره عن آخرين ممن يثقون في تدينهم.. فيرقى الأمرُ عند بعضهم حتى يبلغ طالبُ العلم مرتبة المشيخة وهو يتلبّس مخالفةً يشير إليها عيباً قادحاً عوامُّ بلدٍ ساد فيه القولُ الراجح وَفق أصول الترجيح المعتبرة.

4) إنَّي لأنظر إلى هذه المشاهد التي ذكرتُ بعضَها ونبّهتُ على غيرها، بوصفها بعضَ المباهج التي تظهر في أوقات التمايز.. ولكن بعض أحبتنا يتشاءمون.. وليس ثم داعٍ لذلك لمن عرف تطور الصحوة؛ فليبشروا بالخير، وليسألوا كبار السنِّ عن الشباب في زمن شبابهم وعن الشباب زمن كهولتهم ليعرفوا أنَّ مجتمعاتِ أمتنا تقترب من دينها وتأوي إليه شيئاً فشيئاً، وإن ظهر منها ما يوحي بخلاف ذلك، لجهلٍ أو غفلة أو صبوة شباب أو غيره.. فشبابنا مهما ساروا خلف الموضة، ووقعوا فيما لا يزينهم شرعًا من مخالفة، فهم منا وقلوبهم منعقدة على حب الله ورسوله، وإن نال منها الإعلامُ، ووطَّأ لهم سنُّ المراهقة وصبوة الشباب..

إن التوبة في صفوف الغافلين، وما يعرف (بأهل الفن) مثلا، أو الشعور بالإثم في عبارات بعضهم مع تمني التوبة، لهو رحمةٌ من الله لهم، تتمثل في بقايا ضميرٍ حيٍ لم تُفلح في اجتثاثه جرعاتُ السوء المتتالية، فلا أمن لأهل الباطل من عودة ضالٍ إلى الهدى، ولا فرحة لهم في غواية فتاةٍ ولا صبوة شاب..

إنَّ لحظات الإيمان لتتجدّد في ظروف؛ منها ما يمكن تفسيره، ومنها ما لا يعلم سرّه إلا الله تعالى.. فمن ذا الذي كان يظن إسلام عمر رضي الله عنه وعظيم جهده في نصرة الحق، بلْه خلافته في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- وعبقريته في فهم الإسلام؟!

5) وهي رسالة للمتربصين بشبابنا: على رسلكم! فمهما كانت مظاهرُ شبابنا ذكوراً وإناثاً، ومهما سَرّكم من مناظرهم، فهم ليسوا منكم في شيء ولستم منهم في شيء، وإن أصررتم، فمصيرُ جهدكم، قد بيّنه الله تعالى في كتابه: {ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون} [الأنفال: 36].. حماهم الله شرَّه وشرَّ كلِّ من فيه شرّ من أهل الباطل من غلاة وجفاة.
وهذه الحسرة رأيناها رأيَ العين في تصرفات القوم ومقالاتهم.. فهذا أحدُ منظري العلمانية -المرجعيين عند كتابها- في العالم العربي يقولُ متحسراً على العمر الذي أمضاه بين المسلمين في حوارات الترويج لفكر غيره -أو كما يعبّر الأستاذ (فهمي هويدي): في الدفاع عن (القبيلة العلمانية)!- يقول هذا المنظِّر المسكينُ العجوز متحسراً: إنَّ الجمهور في تلك الحوارات كان "مغلقاً أمام تأثيري وتأثير أمثالي، لأنَّ له ثقافتَه الخاصة التي لا تريد من حيث المبدأ أن تنفتح على نوع الثقافة الذي أمثله... الهدف الحقيقي لنشاطنا، لا يصل إليهم حرفٌ واحد مما نقول"! ويقول: إنَّ رفع أحد الحاضرين صوتَه بطريقة خطابية "يمحو تماما تأثيرَ كل ما أجهدت نفسي فيه"! فسبحان من أنطقه!!

د) يا أهل الإسلام ودعاته.. إنَّ الوقائع أعلاه حقائقُ تذكرني بقول الله عزّ وجل: {ولا تمنن تستكثر} [المدثر: 6].. فمهما قدّم المنسوبون للدعوة على اختلاف مناشطهم، فالمطلوبُ أكبر وأكثر.. ومهما ظننا أن الجميع قد علم وأنَّ البلاغ قد حصل، فإنَّ الواقع يكشفُ لنا الكثيرَ من القصور، ويطالبنا بالمزيد والمزيد.. فقبل أحداث (منهاتن) كان بعضُ المسلمين لا يعرف من الإسلام إلا يوم العيد! وكان بعضُ الأمريكيين ممن سمعوا بالإسلام يظنونه نادياً رياضياً! واليوم تنفد الكتب العربية من مكتباتهم حتى كتب الطبخ بحثاً عن الإسلام!! كما يقول الداعية الأمريكي المسلم (يوسف أستس) حفظه الله!

هـ) يا إخوة الدين والعقيدة في البلاد أو المجتمعات التي منّ الله على أهلها أو جلّهم أو كثير منهم بالعلم والمناهج الشرعية والمحافظة السلوكية: على رسلكم! فلا تحملوا نياتِ من ترون على ما ترون من مخالفات، فكم بين المظاهر والمخابر من خفايا تصرخ بضدِّها، وكم في أمة الإسلام من خير، وكم تحت المناظر المكروهة من مخابر محبوبة..
ويا إخواننا وأخواتنا ممن تأذى من غَيرةِ بعض الغيورين ممن عاشوا في بلادٍ أو مجتمعاتٍ محافظة حتى وقع الإنكارُ منهم على ما اعتادوا، ظناً منهم أنَّ مَن أمامَهم ممن عرفوا الحق وأعرضوا عنه.. رفقاً بإخوانكم فقد سمعنا نقداً يشكو من الإشكالية نفسها لكنها من الطرف الآخر.. لتعذروا من عاش في أجواء الفضيلة وحماها، حين يرى لبّها يُستنقَص ممن ينتمي للإسلام، فإنَّهم ربما لا يتصورون عدم بلوغ الحق لكم كما بلغهم، ولا أثر الحياة التي تعيشونها في تلك الديار على أجيالكم.

وأخيراً أختم بهذا الحديث الذي كان مستندي النبوي في أهمية طرح هذا الموضوع وإن كان ثمة مستندات أخر: فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنَّ رجلاً على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كان اسمه عبد الله، وكان يُلقَّب حِماراً، وكان يُضحِك رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد جلده في الشَّرَاب، فأُتي به يوماً فأِمرَ به فجُلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه! ما أكثرَ ما يُؤتَى به؟! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ إلا إنَّه يُحبّ الله ورسوله) رواه البخاري.

هذه بعضُ التأملات التي رأيتُ تدوينها لما فيها من فوائد دعوية -وإن لم أقتنع بكمال صورتها– ورأيتُ أن أُظهرها للمتأملين قبل أن تُؤخِّر تدوينها الأولوياتُ..


وصلِّ اللهم وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
http://www.alukah.net/Articles/Artic...ArticleID=1476