الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 2 من 11 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 157

الموضوع: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

  1. #1
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين،
    إن علم أصول الفقه من أجل العلوم الإسلامية، وهو من العلوم التي تميز بها التشريع الإسلامي الذي لم يسبقه إلى مثله تشريع آخر،

    ومن أهم بحوث علم أصول الفقه المباحث المتعلقة "بالحكم الشرعي" .
    وسوف أخصص هذه السلسلة المباركة للحديث عن هذه المباحث
    وذلك بالرجوع إلى كتب أصول الفقه المعاصرة والحديثة لوضوح عبارتها وسهولة تبويبها
    وأخص بالذكر كتاب
    بحوث في علم أصول الفقه
    أ.د. أحمد الحجي الكردي

    *********************
    أرجو من الله أن ينفع بهذه الدروس طلاب العلم وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم،
    وأن يعفو عما يكون قد زل به القلم أو أخطأه الفكر.
    والله تعالى من وراء القصد.

    والحمد لله رب العالمين



  2. #16
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو عبد الله المصلحي مشاهدة المشاركة
    يبدو لي ان هذا الجواب ليس قويا. لان الله تعالى امر في كتابه بطاعة الوالدين وطاعة الزوج وطاعة الامير... الخ. فكون وجوب الطاعة بايجاب الله لها في القران تدخله ضمن الحكم الشرعي سيقودنا الى ادخال طاعة المذكورين في الحكم الشرعي لان طاعتهم وجبت بايجاب الله لها في القران ، وهذا لا قائل به
    يا أستاذ أبو عبد الله:
    أشكرك على متابعتك للموضوع والتدقيق العلمي له
    ولكن كنت أعتقد بأن الآية التي اعتمد عليها من جعل السنة داخلة في خطاب الله
    قوله تعالى : "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" . وهذه مختلفة عن الأمر بالطاعة التي
    تحدثتم عنها من طاعة الوالدين أو الزوج أو أولي الأمر
    فهذا أمر باتباع مطلق لما جاء به الرسول وانتهاء مطلق عما نهى عنه
    أليس هذا الدليل صحيحاً
    هذا سؤال وإن كان تغيير التعريف إلى خطاب الشارع فيه خروج من هذا الإشكال
    وجزيتم خيراً

  3. #17
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    الأستاذ بسام سيف:
    جزاكم الله خيراً على اهتمامكم بالموضوع ومتابعته.
    الأستاذ أبو عبد الله:
    بارك الله فيكم
    وأشكركم على متابعتكم للموضوع - كما وعدتم -
    والتنبيه على ما ترونه يحتاج إلى تنبيه أو تصحيح من مسائل قد ننقلها من بعض الكتب دون تبين خطئها أو عدم دقتها
    وسوف تكون هذه الملاحظات القيمة مادة علمية تثري المذكرة التي سوف تجمع لاحقاً بعد الانتهاء
    من هذه الدروس
    نسأل الله للجميع التوفيق والسداد،،

  4. #18
    :: متـابـــع ::
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    الكنية
    أبو محمد
    الدولة
    اليمن
    المدينة
    عدن
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    أصول فقه
    العمر
    39
    المشاركات
    70
    شكر الله لكم
    25
    تم شكره 47 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    وجزاك خيراً نسأل الله أن يبارك لنا في أوقاتنا ويجعلها في طاعته ومرضاته .
    حين قرأت مشاركت الأستاذ أبو عبد الله رأيت أن له وجه ولم أستحضر الأمر المطلق لاتباع النبي التي تفضلت به الاستاذه الفاضلة فأرى أن يكون حكم شرعي من هذه الوجهة اضافة الى قوله تعالى ((وما ينطق عن الهوى...)والله أعلم

  5. #19
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    الدرس الخامس
    الواجب: تعريفه وأقسامه:

    تعريف الواجب:
    قدمنا أن الواجب هو ما طلب الشارع فعله بطريق الجزم، وهذا هو تعريف الجمهور له، أما الحنفية فقد عرفوه بأنه ما طلب الشارع فعله بطريق الجزم بدليل ظني، فإن كان الدليل قطعياً فهو الفرض، وقد تقدمت الإشارة إليه.

    وقد عرف كثير من الأصوليين الواجب بتعريفات أخرى أهمها:


    1ـ ما جاء في شرح العضد من تعريفه للواجب أثناء تقسيمه للحكم قوله(1): (فإن كان ظنياً للفعل غير كف ينهض تركه في جميع وقته سببا للعقاب فوجوب).
    أي إن الواجب ما طلب الشارع فعله على وجه يكون تركه في وقته موجباً للعقاب، وهو معنى الجزم في التعريف الأول نفسه، وقد جاء قيد (في جميع وقته) في التعريف ليدخل الواجب الموسع كما سوف نرى، فإن تأخيره عن أول الوقت لا يوجب الإثم.


    وقد نقل صاحب فواتح الرحموت من الفقهاء زيادة قيد (من وجه) فيكون تعريف الواجب (هو ما استحق العقاب تاركه في جميع وقته من وجه) وقد زيد هذا القيد ليدخل في التعريف الواجب الكفائي، فإن تاركه يعاقب من وجه ولا يعاقب من وجه، ذلك أنه إذا فعله غيره سقط عنه كما سوف يأتي معنا في تقسيمات الواجب إن شاء الله تعالى(2).

    2ـ وما جاء في التلويح على التوضيح من تعريفه للواجب أثناء تقسيمه للحكم التكليفي قوله: (فإن كان هذا أي كون الفعل أولى من الترك مع منع الترك بدليل قطعي فالفعل فرضي وبظني واجب)(3). وهو التعريف السابق نفسه في معناه كما هو ظاهر.

    أقسام الواجب:

    ينقسم الواجب من حيثيات متعددة إلى أقسام مختلفة يمكن أن نضعها في أربعة أقسام، هي:
    1- من حيث ارتباطه بوقت معين أو عدم ارتباطه به.
    2- من حيث كونه محددا بحد معين من قبل الشارع أو غير محدد.
    3- من حيث الملتزم بفعله أهو معين أو غير معين.
    4- من حيث كون المطلوب فيه معينا أو غير معين.
    ____________________
    (1) انظرفي ذلك العضد على ابن الحاجب 1/232، وانظر أيضاً في هذا التقسيم

    فواتح الرحموت 1/57 ـ 57
    .

    (2) انظر فواتح الرحموت 1/62.

    (3) انظر التلويح على التوضيح 2/123.


  6. #20
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    الدرس السادس
    1- التقسيم الأول من حيث ارتباطه بوقت أو عدم ارتباطه به:
    فإنه ينقسم إلى قسمين:
    أ‌- واجب مطلق، أي مطلق عن الوقت غير مرتبط به، وهو ما لم يقيده الشارع بوقت محدد من العمر(1)، مثل الكفارات والنذور المطلقة والزكاة وغير ذلك مما هو مرتبط بوقت معين لا يسع الإنسان الخروج بالواجب عنه أو أداؤه في غيره.
    ب‌-وواجب مؤقت، أي مقيد بوقت معلوم من قبل الشارع لا يسع المكلف إخراج الواجب عنه دون إثم(2)، مثل صوم رمضان، فقد أناطه الشارع بوقت محدد له هو شهر رمضان، فلا يسع المكلف أداء الصيام خارج رمضان إلا مع الإثم، بدليل قول الله سبحانه وتعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة:185)، فإن الله سبحانه وتعالى ربط الأمر بالصوم بشهود الشهر، ومن ذلك أيضا الصلاة المكتوبة، فإن الشارع ربطها بأوقات محددة لها لا يسع المكلف أخراجها عنها ...
    ومن ذلك أيضا النذور المؤقتة، فإنه لا يسع الناذر إخراجها عن وقتها إلا بأثم نظرا لتعيينها بالنذر.

    الفائدة من هذا التقسيم:
    ويترتب على هذا التقسيم للواجب حكم شرعي، هو أن الواجب المطلق يسع الإنسان المكلف به فعله في أي وقت دون إثم يلحق به، ويسمى فعله هذا أداء، ويعبر الفقهاء عن هذا المعنى بأنه واجب على التراخي، وقد نص صاحب التوضيح على التنقيح على ذلك، فقال: (أما المطلق فعلى التراخي لأنه أي الأمر جاء للفور وجاء للتراخي، فلا يثبت للفور إلا بالقرينة، وحيث عدمت يثبت التراخي لا الأمر يدل عليه، لأن المراد بالفور الوجوب في الحال، والمراد بالتراخي عدم التقيد بالحال لا التقيد بالمستقبل، حتى لو أداه في الحال يخرج عن العهدة، فالفور يحتاج إلى القرينة لا التراخي)(3).
    أما الواجب المؤقت، فيجب على الإنسان فعله في وقته، ويترتب عليه بطلان الفعل لو كان سابقا على الوقت، وصحته مع الإثم لو كان متأخرا عنه لغير عذر، ويسمى قضاء لا أداء، وسوف يأتي معنا تعريف الأداء والقضاء قريبا.
    _____________________
    (1) انظرفواتح الرحموت 1/699-72. والتوضيح على التنقيح 1/202 وما بعدها.
    (2) انظرفواتح الرحموت 1/69.
    (3) انظرالتوضيح على التنقيح: 1/202، وكذلك التلويح عليه في نفس الموضع.

  7. #21
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الكنية
    أبو عبد الرحمن
    الدولة
    اليمن
    المدينة
    عدن
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    لغة فرنسية دبلوم فني مختبر
    العمر
    42
    المشاركات
    1,225
    شكر الله لكم
    683
    تم شكره 1,739 مرة في 674 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    بارك الله فيك وفي وقتك

  8. #22
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    الدرس السابع
    أنواع الواجب المؤقت:
    ينقسم الواجب المؤقت إلى عدة أنواع من حيثيات متعددة، هي (1):
    أ‌- الواجب الموسع:
    هذا الواجب هو الذي وقته يتسع له ولغيره من جنسه، أي إن الوقت فيه أكبر من الواجب المرتبط به، مثل أوقات الصلاة المكتوبة، فإن كل وقت فيها يتسع للصلاة الواجبة فيها ولغيرها من أنواع الصلوات الأخرى، فروضا كانت أم واجبات أم سننا.
    وهذا الوقت يسميه الجمهور (موسعا)، لأنه أوسع من الواجب المرتبط به، ويسميه الحنفية (ظرفا)، والظرف في اللغة الوعاء(2) الذي يضم أجزاء الشيء الموضوع داخله بصرف النظر عن كونه ممتلئا بالشيء الذي بداخله ولا يسع غيره معه أولا، وهو قريب من المعنى المصطلح عليه، لكنه يفترق عنه في أن الظرف في اللغة لا يفيد اشتراط زيادته عن المظروف وإن كان اتساعه لغيره معه وإن كان يحتمله، والمعنى المراد تحديده هنا يشترط فيه ذلك، فإطلاقه عليه غير دقيق، ولذلك كان إطلاق الجمهور عليه (موسعا) أدق في نظر بعض الأصوليين. وعلى كل هو اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.

    ب - الواجب المضيـق:
    هو الواجب الذي لا يتسع وقته لأكثر من الواجب المرتبط به، أي أن الوقت فيه بقدر الواجب المرتبط به ولا يتسع لغيره من جنسه، كرمضان، فإن الصوم المفروض المرتبط به مقدر به لا ينقص عنه ولا يزيد عليه، فلا يتسع شهر رمضان لصوم غير الصوم المفروض فيه، ولا يضر أنه يتسع مع الصوم لعدد كبير من الصلوات، فإنها ليست من جنس الواجب المرتبط به وهو الصيام.
    وهذا الواجب يسميه الجمهور (مضيقا)، لأن الوقت فيه يضيق من غير الواجب المرتبط به، ويسميه الحنفية (معيارا)، والمعيار في اللغة العيار، وهو ما يقاس به غيره في الكيل(3)، أي ما جعل ضابطا لغيره كيلا، وهو المعنى المراد للأصوليين من الوقت الضيق نفسه، فكان إطلاق اسم المعيار عليه إطلاقا دقيقا جدا.

    ج - الواجب ذو الشبهين:
    وهو الواجب الذي يتسع وقته للواجب المرتبط به ولا يتسع معه لغيره من جنسه، ولكن الواجب فيه لا يستغرق كل الوقت المقدر له، مثل الحج، فإنه مؤقت بوقت معلوم لا يصح إلا فيه، وهو شوال وذو القعدة والعشرة الأولى من ذي الحجة، وهذا الوقت لا يتسع إلا لحجة واحدة، بمعنى أن الإنسان لا يستطيع أن يأتي بحجتين أو أكثر في ضمن هذا الوقت، فهو لهذا يشبه الواجب المضيق، ولكن هذا الوقت غير مستغرَق كله بالواجب، فإن أفعال الحج لا تحتاج إلا إلى جزء يسير منه فقط، وهو في هذا يشبه الواجب الموسع، ولهذا الشبه المزدوج بكل من الواجب الموسع والمضيق أفرد باسم خاص به، وسمي بالواجب ذي الشبهين.

    الفائدة المرتبة على تقسيم الواجب إلى موسع ومضيق وذي شبهين:
    يترتب على تقسيم الواجب إلى هذه الأنواع الثلاثة بيان حكم تعيين النية عند أداء الواجب.
    فقد اتفق الفقهاء على وجوب تعيين النية في الواجب الموسع، لأن الوقت محل له ولغيره من الواجبات الأخرى التي من جنسه، فلا يكون الفعل متمحضا له إلا بتعيين النية، كصلاة الظهر مثلا، فإن وقتها يتسع لها ولغيرها من الصلوات الأخرى، فلو صلى الظهر بنية واجب آخر لم يصح عن الظهر، وكذلك لو صلاها بمطلق النية، فإن صلاته تقع نفلا ولا تقع عن الظهر باتفاق الفقهاء.

    ولكنهم اختلفوا في الواجب المضيق، أيجب فيه تعيين النية كالواجب الموسع أم لا يجب فيه ذلك؟
    فذهب الجمهور إلى أن الواجب المضيق في حكم تعيين النية حكمه كحكم الواجب الموسع تماما، فيجب فيه تعيين النية.
    وذهب الحنفية إلى أن الأمر يختلف في الواجب المضيق عنه في الواجب الموسع، لأن الواجب المضيق وقته لا يسع غيره من جنسه فكان متعينا له من قبل الشارع فينصرف الفعل إليه عند إطلاق النية، وكذلك عند النية المخالفة، لأن الواجب المخالف المقصود للمكلف يلغى لمخالفته لتعيين الشارع، فإذا ألغي وقع الفعل عن الواجب المربوط بالوقت المحدد له شرعا، كرمضان مثلا، فلو نوى في المكلف غير صوم الفرض، فإنه يقع عن رمضان عند الحنفية، لأن الوقت محدد له من قبل الشارع، فإذا حدد المكلف شيئا غير ذلك، ألغي ذلك التحديد لمخالفته لتحديد الشارع، فيتمحض الصيام لفرض الوقت بتحديد الشارع.
    لكن الجمهور ردوا هذا الاستدلال، ونصوا على أن عدم صحة تعيين المكلف لا يفيد وقوع الفعل عن الفرض، إذ لا لزوم بينهما أبدا، لأن النية إذا لغت وقع الفعل بغير نية، فيقع باطلا، لأن النية شرط صحة العبادات بالاتفاق.
    يضاف إلى ذلك أن المكلف مجاهر وقاصد عدم وقوع الفعل عن فرض الوقت، فلا يجوز صرفه إليه، خلافا لقصده، فلو صام رمضان بنية فرض آخر وقع صومه باطلا، ولا يقع عن رمضان، لأن المكلف لم يقصده، بل قصد غيره بصراحة لفظه ونيته.
    والراجح - والله أعلم - رأي الجمهور في هذا المسألة لقوة دليلهم، فإن النبي e يقول: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى)، والنية هي عمل القلب، ولا يمكن أن يحمل عمل إنسان على خلاف ما قصد، وناوي فرض آخر لا يمكن أن يعتبر ناويا فرض الوقت بحال، ولهذه القوة في دليل الجمهور مال الكمال بن الهمام المحقق في المذهب الحنفي إلى ترجيح رأي الجمهور على رأي مذهبه، نزولا عند الدليل، فقال: (الحق معهم – أي مع الجمهور – لأن التعيين شرعا لفرض الصوم يقتضي عدم صحة ما نوى، لا صحة ما لم ينو، كيف وهو ينادي أنا لم أرد صوم الفرض، والأعمال بالنيات)(4).
    هذا ولا بد من الإشارة إلى أن مؤدى دليل الجمهور ينتهي إلى تصحيح فرض الوقت المضيق بمطلق النية، فلو نوى في رمضان مطلق الصوم جاز صرفه إلى فرض الوقت، لأنه لم يظهر من المكلف قصد يخالف قصد الشارع حتى يحكم عليه بالإلغاء، ولما كان الوقت محددا لفرض معين من قبل الشارع، جاز صرف قصد المكلف إلى الواجب الذي حدده الشارع، لاحتماله إياه وعدم وضوح ما يخالفه، وذلك بخلاف الواجب الموسع، فإنه لا يمكن تصحيحه بمطلق النية، لأن الوقت لم يتمحض له من قبل الشارع.
    وأما الواجب ذو الشبهين، فقد كاد الفقهاء يتفقون على أن الحج عن النفس يتأدى بمطلق النية، إلحاقا له بالواجب المضيق، لشبهه به، وأنه لا يصح بنية النفل أو بنية واجب آخر كالحج عن الغير، إلحاقا له بالواجب الموسع، لشبهه به أيضا(5).
    _________________________ ___
    (1) انظرفواتح الرحموت 1/69 – 72.
    (2) انظر المصباح المنير – مادة (ظرف).
    (3) انظر المصباح المنير ومختار الصحاح – مادة (عير).
    (4) انظرفواتح الرحموت 1/69، فإنه أشار لترجيح الكمال لمذهب الجمهور وذهب إلى مخالفته وترجيح مذهب الحنفية وتوجيهه.
    (5) الخضري: ص 39-41، وفواتحالرحموت 1/72.

  9. #23
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    الدرس الثامن
    حكم الوقت بالنسبة للواجب المؤقت:
    اتفق الفقهاء في الواجب المؤقت الموسع على أن الوقت فيه سبب للوجوب شرط للأداء ظرف للمؤدى (1)، وسوف يأتي معنا في الحكم الوضعي تعريف كل من السبب والشرط وحكمهما، أما الظرف فمعناه أن يقع الواجب في ضمنه.
    وأما الواجب المضيق، فالوقت فيه شرط للأداء معيار للمؤدى، وأما من حيث سببيته للوجوب فذلك على قسمين: قسم يكون فيه الوقت سببا للوجوب كرمضان، فإن الوجوب يتم عند شهود الشهر، وهذا دليل لسببيته، وقسم لا يكون فيه الوقت سببا للوجوب، كالنذر المعين، وذلك تفريقا بين تحديد الله للوقت وتحديد المكلف له، فما كان الوقت فيه محددا من قبل الله تعالى كان الوقت فيه سببا للوجوب، وما لا فلا.
    وقد بنى الحنفية على هذا التفريق أن أجازوا رمضان بنية واجب آخر، ولم يجيزوا النذر المعين بنية واجب آخر(2)، ويتعين على اعتبار الوقت كذلك أحكام متعددة، أهمها:
    1- أنه لا يجب أداء الواجب المؤقت ولا شيء منه قبل دخول الوقت، لأنه سبب الوجوب، ومعنى السبب أن ما ارتبط به من الوجوب لا يثبت قبل تحققه، فلا يجب على المسلم أن يصوم رمضان قبل شهود الشهر، ولا يجب عليه أداء صلاة الفجر قبل دخول وقتها، وهكذا، حتى إن المرأة لو حاضت قبل دخول وقت الفجر مثلا لم تجب عليها صلاة الفجر، ولم تدخل في ذمتها.
    2- لا يصح أداء الواجب أو جزء منه قبل دخول الوقت، لأنه شرط للأداء، ومعنى الشرط أن ما ارتبط به لا يصح بدونه، فلو أدى الصلاة قبل وقتها لم تصح، وكذلك الحج والصوم.
    3- يجوز فعل الواجب في أي لحظة من لحظات الوقت إذا كان موسعا، لأن الوقت كله ظرف له، ففي أي جزء من الوقت وقع وقع الواجب في محله، فإذا كان الوقت مضيقا وجب البدء بالواجب مع بدء الوقت، لأن الوقت فيه على قدر الواجب، وإذا أخره عن أول الوقت لزم منه فعل بعض الواجب خارج الوقت، وهو قضاء وليس بأداء كما سوف يتضح بعد قليل، لأنه لا يتحقق إلا بفعل الواجب كله ضمن الوقت(3).

    تحديد جزء الوقت الذي يعتبر سببا للوجوب المؤقت(4):
    مادام الوقت سببا للوجوب في الواجب الموسع، وفي بعض أنواع الواجب المضيق، كان لابد من معرفة الجزء المعتبر سببا للوجوب في هذه الواجبات، أهو الوقت كله، أم جزء منه فقط، وإذا كان جزؤه فقط فما هو هذا الجزء؟
    الاتفاق قائم على أن السبب بالنسبة للواجب المضيق الذي يعتبر الوقت فيه سببا للوجوب إنما هو أول الوقت، ليستطيع المكلف أداء الواجب كله في وقته.
    أما الواجب الموسع فقد اتفق الفقهاء فيه على أن السبب ليس كل الوقت، بل هو جزء منه فقط، وذلك لأننا لو اعتبرنا الوقت كله سبب الوجوب فإن الحال لا يخلو من أن نعتبر الأداء واجبا في الوقت أو بعده، وكلاهما باطل، ذلك أننا لو اعتبرناه واجبا في الوقت لزم من ذلك تقدم السبب على المسبب، لأن الوقت مادام كله سببا فإنه لا يوجد ما لم ينقض كل الوقت، وحصول الوجوب داخل الوقت ينافي ذلك، فكان باطلا.
    ولو اعتبرنا الوجوب حاصلا خارج الوقت وبعد تمامه للزم من ذلك الأداء خارج الوقت، وهو باطل، لأن فعل الواجب خارج الوقت قضاء وليس أداء.
    ولذلك كان لابد من اعتبار أن السبب هو جزء من الوقت فقط لما تقدم، وهو ما اتفق عليه الفقهاء.

    ولكنهم اختلفوا في الجزء المعتبر سببا للوجوب، أهو أول الوقت أو آخره أو غير ذلك، على خمسة مذاهب هي
    :

    1 – مذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين (5): وهو أن السبب هو أول الوقت على وجه التوسع، بمعنى أن المكلف مخير في أن يوقع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت المحدد له دون حرج أو إثم، ويكون فعله في ذلك أداء، كالصلاة، فإن سبب وجوبها في الذمة إنما هو أول الوقت، ولكن للمصلي أن يبادر إلى الأداء أول الوقت كما له أن يؤخر الأداء إلى نصف الوقت أو آخره، وكل ذلك يعتبر أداء ولا إثم فيه، لكنه ترك الأفضل إن كان بلا عذر مشروع، لعموم فضيلة أول الوقت، وخروجا من الخلاف.
    وهنا ينبغي أن يتنبه إلى أن أول الوقت هو سبب الوجوب بالنسبة لمن أدركه هذا الجزء وكان مكلفا، فإن كان ليس من أهل التكليف أول الوقت، ثم أصبح مكلفا في آخره، كالحائض تطهر آخر الوقت، والغلام يبلغ آخره، كان جزء الوقت المرافق لتكليفه هو سبب الوجوب في حقه، لا الجزء الأول من الوقت، لأننا لو قلنا بأن الجزء الأول هو سبب الوجوب لما وجبت عليه الصلاة، لأنه لم يدركه وهو مكلف، مع أن الاتفاق منعقد على وجوب الصلاة عليه.
    وقد استدل الجمهور لمذهبهم هذا بأن الله تعالى أرسل جبريل عليه السلام صبيحة فرض الصلاة، فأم بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وصلى به أول يوم الصلوات في أول وقتها، وصلى به في الثاني في آخر وقتها، ثم أعلم النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بذلك مبينا لهم أول وقت كل صلاة وآخره، وقال: الوقت ما بين هذين، فدل ذلك على أن الوقت كله ظرف للصلاة يخير الإنسان بأدائها في أي جزء منه دون تعيين، وبما أن الصلاة لا تصح قبل ثبوت سببها، وكان فعلها في أول الوقت صحيحا بالاتفاق، فإنه يلزم منه اعتبار أول الوقت سببا للوجوب، وصلاة جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم أول يوم في أول الوقت يدل على أنه الأفضل.

    2 - مذهب الحنفية، وهو أن السبب إنما هو جزء الوقت المتصل بالأداء، فإن تأخر الأداء إلى آخر الوقت كان السبب هو جزء الوقت الأخير مطلقا عند جمهور الحنفية، وذهب زفر إلى أنه الجزء الأخير المتسع لأداء الواجب.
    فإن أخرج المكلف الواجب عن الوقت ولم يؤده فيه كان السبب هو الوقت كله في حق القضاء(6)، ولا اعتراض هنا على اعتبار الوقت كله سببا لما تقدم، مع أننا رددنا هناك اعتبار كل الوقت سببا لما يترتب عليه من اعتبار التقدم على السبب أو تأخر الأداء عن الوقت، وهو هنا منتف، فلا ضرر في اعتباره كذلك.
    احتج الحنفية لمذهبهم هذا، بأنه لا يمكن جعل الوقت كله سببا للوجوب لما تقدم، فتعين جزء منه فقط هو سببا للوجوب، ولا يمكن تعيين جزء خاص منه سببا، فإذا بدأ المكلف بأداء الواجب تعين الجزء المرافق لأدائه سببا للوجوب ضرورة تصحيح فعله، لأن المسبب لا يصح قبل انعقاد سببه، وصحة هذا الفعل هي محل الاتفاق، فإذا لم يؤد أول الوقت وانتظر إلى آخره كان الجزء الأخير مطلقا أو المتسع للواجب هو السبب ضرورة عدم الانفلات من التكليف.
    فإذا خرج الواجب عن الوقت كله، كان الواجب هو الوقت كله، لعدم ترجح جزء على جزء منه في السببية(7).
    وقد رجح الكمال ابن الهمام الحنفي في هذا رأي الجمهور على رأي الحنفية لقوة دليلهم في نظره، وأنا أرى ترجيح رأي الحنفية لما قدمته من الاحتجاج لهم، فإنه في نظري كلام لا غبار عليه.

    3- مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة من المتكلمين(8)، وهو أن السبب إنما هو الجزء الأول من الوقت، فإذا أخر المكلف الأداء عنه إلى منتصف الوقت أو آخره كان عليه أن يعزم على الأداء في الجزء السابق من الوقت بدلا عن الأداء فعلا، ويتعين الجزء الأخير للأداء فعلا بحيث لا ينوب عنه العزم فيه، فلو ترك العزم في الجزء الأول أثم، وقد استدل الباقلاني ومن تبعه على سببية أول الوقت بما استدل به الجمهور، وقد تقدم ذلك، كما استدل على وجوب العزم في أول الوقت إذ لم يحصل فيه أداء بأنه لو لم يكن العزم واجبا عند عدم الإتيان بالفعل للزم ترك الواجب بلا بدل، وهو باطل، لأنه يجعل الواجب غير واجب، إذ أن الواجب هو مالا يجوز تركه بلا بدل.
    وقد رد الجمهور على هذا الدليل بعد موافقتهم على تعريف الواجب بأنه ما لا يجوز تركه بلا بدل، بأن العزم لا يصلح بدلا عن الفعل، لأن البدل هو ما يقوم مقام المبدل منه بحيث يسقط به، والعزم على الفعل لا يقوم مقام الفعل في ذلك، فلا يعتبر فعلا، ولا يسقط به الواجب باتفاق الفقهاء.
    ولا يمكن أن يرد على هذا القول بأن مؤداه ترك الواجب لا إلى بدل بعد تحقيق السبب، ذلك أن معنى الترك في الواجب الموسع هو تركه إلى ما بعد خروج الوقت، لا تركه ضمن الوقت، فإنه لا يضر، بل إن معنى التوسع هو ذلك.

    4- وذهب بعض الأصوليين، قيل هم بعض المتكلمين، وقيل بعض الشافعية، إلى أن السبب هو أول الوقت فقط، فإذا أخر الواجب عنه كان قضاء لا أداء، ولكن هل يأثم المكلف بهذا التأخير؟ خلاف بين أصحاب هذا المذهب، فذهب بعضهم إلى التأثيم، وذهب آخرون إلى عدم التأثيم.
    وهذا المذهب يعني التسوية بين الواجب الموسع والواجب المضيق، أو إلغاء الواجب الموسع من أصله، وقد استدل أصحاب هذا المذهب بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وفي آخره عفو الله)، فإن العفو لا يكون إلى عن ذنب، ولو كان آخر الوقت سببا في الوجوب لما كان أداء الصلاة فيه ذنبا يستوجب العفو من الله تعالى، فدل ذلك على أن أول الوقت هو السبب، وتأخيره عنه قضاء وذنب يستوجب العفو من الله تعالى.
    وأجيب عن هذا الدليل بأن أقصى ما يفيده الحديث الشريف أن أداء الصلاة في أول الوقت أفضل من أدائها في آخره، وأن ترك الأفضل مخالفة تستحق العفو من الله تعالى، فيحمل الحديث عليها، ولا يمكن أن يصل هذا التقصير إلى درجة العقوبة، وإلا لصرح الشارع بها كما صرح بالعقوبة المترتبة على إخراج الصلاة عن وقت، ولكنه لم يصرح بالعقوبة، فكان ذلك دالا على الوقت الأفضل فقط، وليس ذلك محل خلاف، إنما الخلاف على الوقت الذي هو سبب الوجوب، وهذا ما ليس في الحديث دلالة عليه(9).
    5- مذهب بعض الحنفية (10)في غير المشهور عندهم، إذ المشهور ما تقدم، وهو أن السبب هو الجزء الأخير من الوقت، فإذا قدم المكلف الواجب عنه بأن فعله في أول الوقت وقع نفلا يسقط به الفرض، كتقديم إخراج الزكاة على انتهاء الحول، فإنه نفل يسقط به الواجب بعد تحققه، وقد ذهب أبو الحسن الكرخي من الحنفية إلى هذا المذهب، إلا أنه قيده بشرط، وهو: (أن لا يبقى المكلف على صفة التكليف) كأن يجن أو يموت، فإن بقي على صفة التكليف وقع عن الواجب منذ فعله، أي إن الفعل عنده موقوف على نهاية الوقت، فإن انقضى الوقت أو بقى منه أقل مما يسع الواجب والفاعل مكلف، وقع الفعل عن الواجب منذ فعله، وإن خرج الفاعل عن التكليف قبل آخر الوقت، وقع الفعل نفلا من أصله.
    استدل أصحاب هذا المذهب بأنه لو وجب الفعل فيما عدا الجزء الأخير من الوقت لما جاز تركه فيه، لأن شأن الواجب أن لا يجوز تركه، لكن الفقهاء متفقون على جواز ترك فعله قبل الجزء الأخير، فدل هذا على أن السبب في الوجوب إنما هو الجزء الأخير لا غير.
    ونقض هذا الدليل بأن جواز ترك الواجب فيما عدا الجزء الأخير لا يستوجب عدم وجوب الفعل في هذا الجزء، بل يحتمل وجوبه فيه على التوسع، لأن معنى الواجب الموسع هو ذلك لما تقدم، والدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال.
    ---------------------
    انتقال الواجب الموسع إلى مضيق:
    اتفق الفقهاء على أن الواجب الموسع قد ينتقل إلى مضيق في الحكم، فلا يجوز عندئذ للمكلف أن يؤخر الواجب عن أول الوقت، لأن حكم الواجب المضيق هو ذلك.
    ويتم هذا الانتقال من الموسع إلى المضيق إذا ظن المكلف العجز عن أداء الواجب قبل آخر الوقت، فإنه يتضيق عليه الواجب بذلك، ويُستحق عليه وجوب الأداء فورا، وذلك كمن حُكم بالإعدام مثلا، وسحب إلى المقصلة مع دخول الوقت، وظن أنه لن ينظر إلى آخر الوقت، وكذلك المرأة إذا ظنت أنها تحيض في منتصف الوقت استنادا إلى عادتها في ذلك، فإنه يجب عليهما في هذه الحال المبادرة إلى أداء الواجب فور دخول الوقت، لأن الواجب انقلب في حقهما مضيقا لغلبة ظنهما، فإن غلبة الظن تقوم مقام اليقين في الأحكام العملية.
    ولكن الحائض والمحكوم عليه بالموت لو أخر الواجب عن الوقت الذي ظنا أنهما لن يدركاه بحالة التكليف، ثم سلم المحكوم عليه ولم تحض المرأة، فأوقعا الواجب قبل خروج وقته المحدد له شرعا، أيكون ذلك منهما أداء أم قضاء؟
    اختلف في ذلك الفقهاء، فذهب الجمهور إلى أن فعلهما أداء وليس قضاء، لأن الأداء هو ما كان فعله في وقته المحدد له شرعا أولاً، وهذا كذلك، ولا عبرة بغلبة الظن هنا بعد أن تعين بطلانها، مثلهما في ذلك مثل من ظن خروج الوقت فصلى، ثم تبين له أن الوقت لم يخرج بعد، فإن فعله الواجب أداء بالاتفاق، لظهور بطلان ظنه، وهنا كذلك.
    وذهب القاضي أبو بكر الباقلاَّني إلى أن فعله الواجب يقع قضاء، لأن الوقت انتقل في حقه من موسع إلى مضيق بناء على غلبة ظنه، فكان إيقاعه له كذلك إيقاعا خارج الوقت، فكان قضاء لذلك، لأن الإنسان يحاسب على ظنه.
    هذا من حيث كون الفعل قضاء أو أداء، أما من حيث الإثم، فالاتفاق على ثبوته، بحيث لو أخر الواجب عن الوقت المضيق الذي انتقل إليه في حقهما أثما بالاتفاق، والإثم هنا مبني على غلبة ظنهما، ولا يمكن أن يقال إن غلبة الظن بطلت فلا تصح أساسا للإثم، لأن الإثم قد استقر بمجرد خروج الوقت المضيق، فلا يسقط بعد ذلك(11).
    وعلى كل فالخلاف بين القاضي والجمهور لفظي ماداما متفقين على التأثيم، إلا أن يشترط القاضي وجوب نية القضاء، وهذا ما لم يثبت عنه.
    _________________________
    (1) فواتح الرحموت 1/69.
    (2) انظر فواتح الرحموت 1/69-71، والتوضيح 1/212.
    (3) انظر فواتح الرحموت شرج مسلم الثبوت: 1/69.
    (4) انظر في هذا الموضوع المستصفى: 1/62، وفواتح الرحموت 1/76 وما بعدها والتلويح على التوضيح 1/206 وما بعدها، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب: 1/341 وما بعدها.
    (5) انظر فواتح الرحموت – شرح مسلم الثبوت: 1/76، والتنقيح: 1/206 والعقد: 1/241.
    (6) فواتح الرحموت 1/76، والعضد وحاشية السيد عليه: 1/242.
    (7) انظر في ذلك بحثا مطولا في فواتح الرحموت 1/76-77.
    (8) انظر العضد على ابن الحاجب: 1/241، ومذكرات أبي النور زهير: 1/107-108.
    (9) انظر العضد: 1/241، وأبو النور زهير: 1/108-109.
    (10) انظر العضد وحاشية السيد عليه: 1/242، وأبو النور زهير: 1/110-111 والتنقيح: 1/306.
    (11) انظر شرح العضد على ابن الحاجب: 1/243-144، وفواتح الرحموت 2/86-88، وأبو النور زهير: 1/112.

  10. #24
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    المغرب
    المدينة
    مراكش
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    أصول الفقه
    المشاركات
    20
    شكر الله لكم
    2
    تم شكره 3 مرة في 3 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    جزى الله تعالى الأخت الفاضلة أم طارق خيرا وزادها بسطة في العلم، ولي تعقيب على كلامها:
    الفائدة من هذا التقسيم:
    ويترتب على هذا التقسيم للواجب حكم شرعي، هو أن الواجب المطلق يسع الإنسان المكلف به فعله في أي وقت دون إثم يلحق به، ويسمى فعله هذا أداء، ويعبر الفقهاء عن هذا المعنى بأنه واجب على التراخي، وقد نص صاحب التوضيح على التنقيح على ذلك، فقال: (أما المطلق فعلى التراخي لأنه أي الأمر جاء للفور وجاء للتراخي، فلا يثبت للفور إلا بالقرينة، وحيث عدمت يثبت التراخي لا الأمر يدل عليه، لأن المراد بالفور الوجوب في الحال، والمراد بالتراخي عدم التقيد بالحال لا التقيد بالمستقبل، حتى لو أداه في الحال يخرج عن العهدة، فالفور يحتاج إلى القرينة لا التراخي)(3).
    هذا الكلام ليس على إطلاقه، لأنه إذا ورد الأمر بالواجب مطلقا غير مقيد بوقت فقد اختلف الأصوليون على مذاهب في إفادته الفور أو التراخي.
    المـذهب الأول: إن الأمر المطلق يقتضي الفور، بهذا قال المالكية والحنابلة كما يدل عليه ظاهر مذهبهم[1]، وهو مذهب عامة الظاهرية قال ابن حـزم: "وهذا الـذي لايجوز غيره "[2]، ونسب القول بالفور إلى الحنفية من قبل أصوليي الشافعية[3] والباجي من المالكية[4]، مع أن المحققين من أصوليي الحنفية لم يقولوا بالفور بل قالوا بالتراخي، وشذ عنهم الكرخي كما يدل على ذلك كتبهم[5].

    المـذهب الثاني : إن دلالة الأمر المطلق على التراخي، فيجوز تأخير فعل المأمور به عن أول وقت الإمكان ، و هو مذهب معظم الشافعية كالآمدي[6]وابن السمعاني[7] والشيرازي[8]والغزالي[9]، وذهب كثير من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه على التراخي [10].

    قال البزدوي:" والذي عليه عامة مشايخنا أن الأمر المطلق لا يوجـب الفور بلا خلاف"[11]، وعلى هذا نص السرخسي حيثقال:" الذي يصح عندي فيه من مذهب علمائنا رحمهم الله أنه على التراخي، فلا يثبت حكم وجوب الأداء على الفور بمطلق الأمر "[12].

    المذهب الثالث: يقول بالوقف، بمعنى ان الأمر بالواجب إذا ورد مطلقا لا يحمل لا على الفور ولا على التراخي إلا اذا دل الدليل على أحدهما.

    وقد ترتب على الاختلاف في هذه المسألة اثار في بعض الفروع الفقهية منها:

    -قضاء الصوم لمن أفطر في رمضان بعذر: كسفر أو مرض أو حيض.. فعند الحنابلة -الا ابن رجب منهم- يلزم المبادرة إلى القضاء، ولا يصح صوم النافلة حتى تؤدى الفريضة[13]، وإلى مثل هذا ذهب الشافعي ومالك رحمهما الله.

    وذهب الحنفية ماعدا الكرخي إلى أن القضاء على التراخي، وعلى هذا يجوز صيام النوافل قبل قضاء الواجب من الصيام.



    [1] - ينظر البحر المحيط 3/326 وروضة الناظر2/623.
    [2] - الإحكام لابن حزم المجلد الأول ج3 ص307.
    [3] -ينظر مثلا الإحكام للآمدي 2/242 والبحر المحيط 3/326 وقواطع الأدلة 1/ 75 والمحصول للرازي 2/189 والتبصرة ص: 53 والبرهان 1/168.
    [4] - في إحكام الفصول ص: 102.
    [5] - ينظر أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار 1/519 وأصول السرخسي 1/26.
    [6] - ينظر الإحكام 2/242.
    [7] - ينظر قواطع الأدلة 1/ 75.
    [8] - ينظر التبصرة ص: 52-53 واللمع ص: 15.
    [9] - ينظر المستصفى مع فواتح الرحموت 2/14.
    [10]- تخريج الفروع على الأصول ص108
    [11] - أصول البزدوي مع شرحه 1/511.
    [12] - أصول السرخسي 1/26.


    [13] - صحيح أن الصوم كالدين واجب السداد بمجرد الاستطاعة، ولكن قامت قرينة صرفت الأمر عن الفور إلى جواز التراخي، والقرينة حديث رواه الجماعة عن عائشة رضي الله عنها قالت:" كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم". ففي الحديث دلالة على جواز التأخر في قضاء صيام رمضان من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يستبعد جدا عدم علم الرسول عليه السلام بفعل زوجه عائشة في قضاء الصيام، كما أنه ثبت عنها رضي الله عنها صيامها للنوافل مع النبي صلى الله عليه وسلم منها ستة أيام من شوال.

  11. #25
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    جزى الله الأستاذة الفاضلة ام صفاء على تعقيبها
    وقد كنت أعد لاستكمال الدرس التالي الذي يتعلق بما عقبت عليه
    وانتظرت انتهاءك أخيتي من تحرير المشاركة لمتابعة الدروس
    فلك الشكر على المتابعة
    ويسعدني مرورك
    ومعذرة لو كررت بعض ما ذكرت في الأعلى

  12. #26
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    الدرس التاسع:
    أنواع الواجب المؤقت من حيث وقت فعله والإتيان به:
    ينقسم الواجب المؤقت من حيث وقت فعله إلى ثلاثة أقسام: أداء، وقضاء، وإعادة، ومن الفقهاء من ذهب إلى تقسيمه إلى قسمين فقط، هما: الأداء، والقضاء وجعل الإعادة قسما من أقسام الأداء، ولكن الدكتور الحجي الكردي رجح فصل الإعادة عن الأداء بقسم مستقل ثالث، ليكون ذلك أوضح في الأذهان. وعلى هذا سنسير :
    ثم إن من الفقهاء من خص هذا التقسيم بالواجب دون غيره من أنواع الحكم الأخرى، كالمندوب مثلا، ومنهم من أطلقها في كل العبادات، فجعل هذا التقسيم من أنواع العبادات كلها بما فيها الواجب وغيره.
    ثم إن منهم من قصر هذا التقسيم على الواجب المؤقت دون غيره، ومنهم من أطلقه في كل الواجبات مؤقتة كانت أو غيرها(1).

    1 - الأداء :
    اختلف الأصوليون في تعريف الأداء بالنظر لاختلافهم على طبيعة انتماء هذا التقسيم:
    أ‌- فمن ذهب إلى أنه من تقسيمات العبادة المؤقتة مطلقا واجبة كانت أو غير واجبة عرَّف الأداء بأنه فعل العبادة في وقتها المحدد لها شرعا أولاً، أو ما فعل في وقته المقدر له شرعا أولاً(2).
    ب‌- ومن ذهب إلى أنه من تقسيمات الواجب المؤقت لا غير، عرف الأداء بأنه فعل الواجب في وقته المحدد له شرعا أولاً.
    ج- أما من ذهب إلى أن هذا التقسيم من تقسيمات المأمور به مطلقا، مؤقتا كان أو غير مؤقت، واجبا كان أو غير واجب، فقد عرَّف الأداء بأنه تسليم عين الثابت بالأمر، فإنه يدخل فيه تسليم الواجب المؤقت في وقته المحدد له شرعا، كما يدخل فيه كل حقوق العباد الأخرى، فتسليم الصوم في وقته أداء، لأنه تسليم عين الثابت بالأمر، بخلاف فعله خارج وقته المحدد له شرعا، فإنه تسليم مثل الواجب لا عينه، وهو قضاء كما يأتي، وكذلك تسليم عين المغصوب، فإنه أداء، بخلاف تسليم قيمته، فإنه قضاء، لأنه مثل الثابت بالأمر لا عينه(3).
    وقد اختار هذا التعريف فخر الإسلام، ورجحه صاحب فواتح الرحموت واعتبره التعريف الجامع، وهو ما نرى ترجيحه، لأنه جامع لكل أنواع الحكم التكليفي.

    شرح التعاريف وبيان محترزاتـها:
    التعريف الأول:
    فعل العبادات: يشمل الواجب والمندوب والمباح دون تخصيص، لأن العبادة تطلق عليها جميعا، ويدخل في هذا العموم ما كان من العبادة مؤقتا أو غير مؤقت، كما يدخل فيه ما كان وقته مقدرا من الشارع أو لا، كما يدخل في ذلك ما كان فعله في الوقت أو لاً أو ثانيا، ولما لم تكن هذه من المعرف أخرجت بالقيود الآتية.
    في وقته: قيد أول يخرج به ما لم يكن له وقت من المأمورات، كالنوافل المطلقة، والكفَّارات والنذور المطلقة، فإنها لا تدخل في هذا التقسيم على هذا التعريف، لأنها غير مؤقتة.
    المقدر له شرعا: قيد ثان يخرج به ما كان تقديره من المكلف نفسه، كالزكاة إذا عين لها الإمام شهرا، فإنها غير مؤقتة في الأصل من قبل الشارع، وتأقيت الإمام لا يجعل تأخره عند خروجه عن الأداء إليه قضاء، لأنه ليس تقديرا من الشارع.
    أولاً: قيد ثالث يخرج به ما كان فعله في وقته المقدر له شرعا ولكن ليس أولاً، بل ثانيا، جبرا لما وقع في الأداء الأول نفسه، كإعادة الظهر في وقتها لخلل أصابها من تأخير ركن أو ترك واجب، فإنه داخل في قسم الإعادة لا الأداء على ما يأتي.
    هذا إذا كان فعلها أولا صحيحا ناقصا كترك الفاتحة في الصلاة عند الحنفية، فإذا كان باطلا كان فعلها ثانيا أداء، لعدم الاعتداد بالفعل الأول، فإن الباطل وجوده وعدمه في اعتبار الشرع سواء، وكالصلاة بلا قراءة مطلقا لغير المؤتم، فإنها باطلة، فإذا أعادها كان الفعل الثاني أداء لا إعادة، لعدم الاعتداد بالفعل الأول مطلقا(4).
    هذا ولا بد من فعل العبادة أو الواجب كله في الوقت حتى يسمى أداء، أما فعل بعض العبادة في الوقت وبعضها خارجه فلا يكون أداء على هذا التعريف، ولكن جمهور الفقهاء على أن فعل أول العبادة في الوقت كاف لاعتبارها أداء، ولو كان بعضها الآخر خارج الوقت، فمن أدرك أول صلاة العصر في الوقت ثم غربت الشمس وهو في صلاته فإن عصره يعتبر أداء، ولذلك أدخل الفقهاء في التعريف قولهم: (فعل ابتداء العبادة)(5)، ليدخل ما نصوا عليه، ولكنهم مع ذلك اختلفوا في الجزء الذي يعتبر إيقاعه في الوقت كاف لاعتبار الصلاة أداء، فذهب الحنفية إلى أنه التحريمية فقط، وذهب الشافعية إلى أنه ركعة على الأقل، فلو أحرم بالعصر ثم غربت الشمس كان فعله أداء عند الحنفية قضاء عند الشافعية، لعدم وقوع ركعة كاملة في الوقت.

    التعريف الثاني:
    التعريف الثاني كالأول تماما، ولا يفترق عنه إلا في تخصيص التعريف بالواجب دون غيره، فهو يخص هذا التقسيم بالواجب فقط، وهو ما طلب الشارع من المكلف فعله على سبيل الإلزام، فيخرج عن هذا التعريف جميع المندوبات والمباحات والمكروهات، أما المحرمات فإنها داخلة فيه، لما فيها من معنى الواجب وهو الإلزام بالترك.

    التعريف الثالث:
    هذا التعريف جامع شامل لكل المأمورات، سواء أكان الأمر فيها على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب أو على سبيل الإباحة، وهو يشمل المأمورات المؤقتة وغير المؤقتة على حد سواء، كما يدخل فيه ما كان من حقوق الله تعالى وما كان من حقوق العباد، لذلك كان التعريف المرجح لدى جماهير الأصوليين، لشموله وصدقه على كل أفراده.
    والمقصود بعين الثابت بالأمر، الإتيان بالمأمور به – أي المطلوب فعله – على الوجه الذي طلبه الشارع تماما، من غير مخالفة، مثل رد المغصوب عينا، فإنه هو الذي طلبه الشارع، أما رد القيمة عند هلاك العين فذلك ليس عين المطلوب من الشارع رده، بل هو بدل عن رد العين، يصار إليه عند الضرورة، وكذلك أداء الصلاة في وقتها، فهو عين المطلوب من الشارع، أما أداؤها بعد الوقت فذلك بدل للمطلوب، يصار إليه عند الأعذار والضرورات، فكان مثل المطلوب فعله لا عين المطلوب فعله.
    ------------------------
    2- الإعـــادة:
    الإعادة تعريفها تعريف الأداء نفسه تقريبا وقد جرى فيها من الخلاف مثلما جرى في تعريف الأداء، فلا حاجة لنا إلى تكراره هنا.
    والفارق الوحيد الذي تفترق به الإعادة عن الأداء هو أن الإعادة لا تكون إلا بعد سبق أداء الواجب ناقصا، أما الأداء فلا يكون إلا أولاً، وقد تم تفصيل ذلك في تعريف الأداء.
    وينبغي الإشارة هنا إلى أن الحنفية اختلفوا في الإعادة أيكون الفعل الأول فيها مسقطا للواجب ويكون الثاني جابرا لنقص الأول، أم يكون الثاني هو المسقط للواجب.
    فذهب إلى الأول جمهور الحنفية، بدليل أنه لو لم يعده لكان الفرض ساقطا عنه بالاتفاق، وهذا دليل وقوع الفرض بالأول، لأن الإعادة لم ترد عليه بالنقص بل بالتكميل فقط.
    وذهب أبو اليسر من الحنفية، إلى أن الفعل الثاني هو المسقط للواجب بعد الإتيان به، لأنه يستجمع كل أوصاف الواجب، فلم يعد هنالك حاجة إلى الالتفات للفعل الأول والاعتداد به(6).
    والأرجح- في نظرالدكتور الحجي الكردي- القول الأول، لما تقدم من الدليل الناهض.
    ------------------------
    3 - القضـــاء:
    اختلف الفقهاء في تعريفه كاختلافهم في تعريف الأداء، لأنه نقيضه، فأصحاب التعريف الأول للأداء عرفوا القضاء بأنه: (ما فعل بعد وقته المقدر له شرعا أولا استدراكا لما سبق له وجوب)(7) فشمل ذلك تأخير الواجب عن وقته عمدا أو سهوا، كما شمل التأخير عن الوقت مع التمكن من الأداء، كالمسافر مثلا، أو مع عدم التمكن منه كالمريض والحائض والنائم.
    وقد قيد بعض الفقهاء هذا التعريف بكلمة عليه، فقال: (.. استدراكا لما سبق له وجوب عليه) ليخرج به النائم والحائض والمجنون عن حد القضاء، لعدم تأكد الواجب في ذمتهم أثناء العذر، فإن الخطاب متجه عليهم في الجملة، ولكنه لم يتأكد في حقهم، فعلى التعريف الأول يدخل فعلهم الواجب بعد الوقت في حد القضاء، لتوجه الواجب عليهم بالجملة، وعلى التعريف الثاني ليس بقضاء، لعدم تأكد الوجوب في حقهم، للمانع الشرعي المبيح للتأخير.
    وأصحاب التعريف الثاني مثل أصحاب التعريف الأول تماما، إلا أنهم قصروا التعريف على الواجب دون غيره، فلا يعتبرون من القضاء فعل النوافل خارج وقتها.
    أما أصحاب التعريف الثالث فقد عمموا هذا التقسيم – كما تقدم – على كل مأمور به، سواء كان حقا لله تعالى أو حقا للعباد، مؤقتا أو غير مؤقت، فعرفوا القضاء بأنه: (تسليم مثل الثابت بالأمر)(8) والمراد بكلمة مثل هنا هو تسليم المأمور به ناقصا بعض أوصافه الشرعية، كأداء الصلاة خارج وقتها، فإنها ناقصة الوقت المرتبطة به، وتسليم قيمة المغصوب عند هلاك عينه، فإنه ناقص تسليم ذات العين الثابت بحكم الغصب، وقد تقدم تفصيل ذلك في تعريف الأداء.
    ---------------------
    دليل قضاء الواجب وحكمه:
    اتفق الفقهاء على أن الواجب إذا لم يؤد في وقته وجب أداؤه بعد الوقت قضاء، كالصلاة والصوم إذا لم يؤدهما المكلف في وقتهما المحدد لهما شرعا وجب قضاؤهما بعد الوقت، سواء أكان التأخير لعذر كالمرض والسفر والسهو، أو لغير عذر كالعمد.
    ولكنهم اختلفوا في الدليل الموجب للقضاء، أهو الخطاب الذي وجب به الأداء نفسه، أم هو خطاب جديد غيره:
    فذهب الجمهور وفيهم الشافعية والمالكية وبعض الحنفية إلى أن القضاء إنما يثبت بسبب جديد غير سبب الأداء.
    وذهب جمهور الحنفية والحنبلية وأهل الحديث إلى أن القضاء يجب بما يجب به الأداء، ولا حاجة إلى دليل جديد له.
    وذهب جماعة إلى أن القضاء بمثل معقول لا يحتاج إلى دليل جديد، أما القضاء بمثل غير معقول فهو الذي لا بد له من دليل جديد، حتى إن صاحب التلويح ادعى على ذلك الإجماع، فقال: (لا خلاف في أن القضاء بمثل غير معقول يكون بسبب جديد، واختلفوا في القضاء بمثل معقول..)(9) إلا أن صاحب فواتح الرحموت رد على ذلك، وأثبت أن الخلاف في المثل المعقول وغير المعقول على حد سواء، وأنه لا فرق بينهما، فقال: (وقد بان لك أن الفرق بين القضاء بمثل معقول وبمثل غير معقول ليس في موضعه، فإن الأداء كما كان مفرغا للذمة عن اشتغالها بأصل الفعل، كذلك الإتيان بمثل غير معقول أو بمثل معقول ..)(10).

    الأدلة:

    • استدل الجمهور لمذهبهم بأدلة منها(11):

    1- بأن الأمر بالأداء لم يتضمن أمرا بالقضاء، ولا يمكن أن ينتظم لفظ الأمر كليهما معا على وجه يحصل به المطلوب بفعل أي منهما، إذ إن ذلك معناه التسوية بين الأداء والقضاء من كل وجه، وهذا باطل، لما في القضاء من إثم التأخير، مثل ذلك مثل من قال لغيره: صم يوم الخميس، فإن ذلك الأمر لا يعني صوم يوم الجمعة اقتضاء عدم الجمع بينهما، وهذا كذلك.
    2- بأن الأمر بالأداء يستوجب أمرين هما: أداء الفعل، وكونه في وقته المقرر له شرعا، وليس مطلق الإتيان بالفعل فقط، أي إن الأمر اقتضى واجبا متصفا بقيد، فإذا تعذر حصول القيد لم يعد التفريغ على الوجه المطلوب ممكنا، فاحتيج إلى دليل جديد للقضاء.


    • واستدل الحنفية لمذهبهم(12):

    1- بأن الأمر فيه شغل الذمة بالواجب بقصد التفريغ بالأداء، وكون ذلك في الوقت قيد تكميلي، فإذا تم التفريغ في الوقت فقد تم التفريغ على الكمال، وإذا أخرج عن الوقت بقي الواجب في الذمة، ولزم أداؤه ما دام الكمال متعذرا، وهذا النقص هو محل المسؤولية والإثم، ثم إن لفظ القضاء يدل على ذلك أيضا، لأنه لو كان ثابتا بدليل جديد لسمي أداء ولم يسم قضاء، فإن لفظ القضاء يدل على انشغال الذمة بالأمر السابق.
    2- بأن فوات الأصل (الأداء) يستلزم أحد أمور ثلاثة لا رابع لها، هي:
    أ - العفو عن الواجب بالكلية، وتفريغ الذمة منه بتاتا، وبالتالي عدم المطالبة بالواجب خارج الوقت قضاء.
    ب - بقاء الواجب في الذمة كما كان رغم خروج الوقت.
    ج - ثبوت المعصية ثبوتا لا رافع له دون مطالبة بالفعل.
    فأما الاستلزام الأول فلا سبيل إليه، لأن القضاء واجب باتفاق الفقهاء، سواء أكان ذلك بسبب جديد أو بالسبب السابق، وهو ينافي العفو.
    وأما الاستلزام الثالث فلا سبيل إليه أيضا، وذلك لأن المعصية المترتبة على إخراج الواجب عن الوقت معصيتان، الأولى بسبب تأخير الواجب عن وقته، وهذا لا رافع له إلا كرم الله تعالى وجوده، والثانية بسبب ترك نفس الواجب، وهذه تجبر بالقضاء باتفاق الفقهاء.
    فلم يبق إلا الوجه الثاني، وهو انشغال الذمة بالواجب على وجه لا تفرغ فيه إلا بالتنفيذ فعلا.
    3- لو كان القضاء لا يثبت إلا بخطاب جديد، لما وجب قضاء الصلاة على تاركها عمدا، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها) لا يشمل التارك للصلاة عمدا، ولا دليل غيره يوجب القضاء عليه مع أن الفقهاء كنفقون على وجوب القضاء عليه، فلزم منه ثبوته بالدليل الأول.

    • وقد نقض الحنفية والحنبلية مذهب الجمهور من عدة وجوه:

    فردوا على الوجه الأول بأنه لو كان مرادنا شمول دليل الأداء للقضاء لفظا لكان دليلهم صحيحا، ولكن قصدنا ليس كذلك، بل هو أن المطالبة بشيء تتضمن المطالبة بمثله عند فوته تضمنا، فكان دليل وجوب الأداء شاملا لوجوب القضاء ضمنا لا لفظا، وكان إيجاب الأداء موجبا للقضاء، إذ هو مثل الأداء، فيصار إليه عند فوت الأصل ضرورة تفريغ الذمة.
    كما أنهم ردوا على الوجه الثاني بأن الوقت مكمل للواجب لا أصل مثله، فليس الثابت بالأمر شيئين هما الواجب وكونه في الوقت، بل إن الثابت به هو فعل الواجب فقط، وأما كونه في الوقت فذلك وصف مكمل له، بدليل أنه لو أخرج الواجب عن وقته ثم فعله صح الواجب وسقط عن ذمته، وأما الإثم فهو نتيجة الإخلال والكمال وهو كونه في الوقت، ولو كان الوقت مقصودا بالأمر الأول كالواجب سواء بسواء لما سقط الواجب به قضاء، ولكن يسقط الواجب باتفاق الفقهاء بالقضاء، فكان مكملا له لا أصلا لذلك.
    فإن قيل إن المكمل لا يوجب فواته الإثم لأنه بمثابة المندوبات، والقضاء يثبت فيه الإثم بالإجماع، أجيب بأن المكمل نوعان: نوع يكون واجبا، كقراءة الفاتحة في الصلاة عند الحنفية، ونوع يكون مندوبا كعقد اليدين في القيام، وتفويت الواجب يوجب الإثم بالاتفاق، فكان اعتبار الوقت مكملا للواجب إنما هو من النوع الأول، فلم يعد هنالك اعتراض على استحقاق الإثم بتفويته(13).

    • وقد رد الجمهور على الحنفية والحنبلية في دليلهم الرابع:

    بأن قضاء الصلاة على التارك لها عمدا إنما وجب بالحديث المتقدم نفسه بطريق دلالة النص، فإن حالة الترك عمدا أولى بالقضاء من حالة الترك سهوا أو النوم، ودلالة النص حجة عند الحنفية والحنبلية.
    ثم إن القضاء على التارك عمدا ثبت بإجماع الفقهاء عليه من غير نكير، والإجماع حجة قطعية بالاتفاق، فصلح ذلك أن يكون دليلا جديدا لوجوب القضاء.
    ______________________
    (1) انظر فواتح الرحموت 1/85-86، والمستصفى: 1/95 وما بعدها.
    (2) انظر فواتح الرحموت 1/86،والعضد 1/233.
    (3) انظر فواتح الرحموت 1/85-86،والعضد 1/232.
    (4) العضد: 1/232، وفواتح الرحموت 1/85.
    (5) فواتح الرحموت 1/85.
    (6) فواتح الرحموت 1/85.
    (7) العضد: 1/233.
    (8) فواتح الرحموت 1/86.
    (9) التلويح: 1/162، وانظر كشفالأسرار 1/138، فإنه تابعه على ما ذهب إليه.
    (10) فواتح الرحموت 1/90.
    (11) فواتح الرحموت 1/90-91، والتوضيح 1/162 وما بعدها، وكشف الأسرار 1/138 وما بعدها.
    (12) فواتح الرحموت 1/90-91، والتوضيح 1/1992 وما بعدها.
    (13) فواتح الرحموت 1/90-91، والتوضيح 1/162 وما بعدها.



  13. #27
    :: متـابـــع ::
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    الكنية
    أبو محمد
    الدولة
    اليمن
    المدينة
    عدن
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    أصول فقه
    العمر
    39
    المشاركات
    70
    شكر الله لكم
    25
    تم شكره 47 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    جهد مبارك جزاك الله خيراً وبارك في وقتك

  14. #28
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بسام عمر سيف مشاهدة المشاركة
    جهد مبارك جزاك الله خيراً وبارك في وقتك
    جزانا الله وجزاكم
    وتقبل منا جميعا حسن القول والعمل

  15. #29
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    المغرب
    المدينة
    مراكش
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    أصول الفقه
    المشاركات
    20
    شكر الله لكم
    2
    تم شكره 3 مرة في 3 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    جزاك الله تعالى يا أم طارق مزيدا من الفقه والتفقه، ونفع بك...ولي تعقيب على بعض ماورد في الدرس أعلاه
    أولا:وذهب بعض الأصوليين، قيل هم بعض المتكلمين، وقيل بعض الشافعية، إلى أن السبب هو أول الوقت فقط، فإذا أخر الواجب عنه كان قضاء لا أداء، ولكن هل يأثم المكلف بهذا التأخير؟ خلاف بين أصحاب هذا المذهب، فذهب بعضهم إلى التأثيم، وذهب آخرون إلى عدم التأثيم.
    وهذا المذهب يعني التسوية بين الواجب الموسع والواجب المضيق، أو إلغاء الواجب الموسع من أصله، وقد استدل أصحاب هذا المذهب بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وفي آخره عفو الله)، فإن العفو لا يكون إلى عن ذنب، ولو كان آخر الوقت سببا في الوجوب لما كان أداء الصلاة فيه ذنبا يستوجب العفو من الله تعالى، فدل ذلك على أن أول الوقت هو السبب، وتأخيره عنه قضاء وذنب يستوجب العفو من الله تعالى.
    وأجيب عن هذا الدليل بأن أقصى ما يفيده الحديث الشريف أن أداء الصلاة في أول الوقت أفضل من أدائها في آخره، وأن ترك الأفضل مخالفة تستحق العفو من الله تعالى، فيحمل الحديث عليها، ولا يمكن أن يصل هذا التقصير إلى درجة العقوبة، وإلا لصرح الشارع بها كما صرح بالعقوبة المترتبة على إخراج الصلاة عن وقت، ولكنه لم يصرح بالعقوبة، فكان ذلك دالا على الوقت الأفضل فقط، وليس ذلك محل خلاف، إنما الخلاف على الوقت الذي هو سبب الوجوب، وهذا ما ليس في الحديث دلالة عليه.
    الحديث أخرجه الترمذي في سننه
    كتاب الصَّلاة ، باب ما جاء في الوقت الأَوَّل من الفضل1/516 رقم171 والحديث المستدل به فيه يعقوب بن الوليد، وهذا قد كذبه الإمام أحمد وسائر الحفاظ[1]، وقال ابن حبان:" ما رواه إلا يعقوب، وكان يضع الحديث على الثقات.." وحديث هذه صفته لا يصح الاحتجاج به لإثبات ما ذهبوا إليه.
    أضف إلى هذا بأن أقصى ما يفيده الدليل – لو صح- وهو كما تفضلت بذكره أن أداء الصلاة في أول الوقت أفضل من أدائها في آخره، وأن تقصير المكلف عن الأداء الأفضل للواجب مخالفة تستحق العفو من الله تعالى، ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال – لما سأله بعض الصحابة: أي الأعمال أفضل؟-" الصلاة على وقتها".
    ثانيا:فمن ذهب إلى أنه -أي الأداء -من تقسيمات العبادة المؤقتة مطلقا واجبة كانت أو غير واجبة عرَّف الأداء بأنه فعل العبادة في وقتها المحدد لها شرعا أولاً، أو ما فعل في وقته المقدر له شرعا أولاً....واختلف الفقهاء في تعريف القضاء كاختلافهم في تعريف الأداء، لأنه نقيضه، فأصحاب التعريف الأول للأداء عرفوا القضاء بأنه: (ما فعل بعد وقته المقدر له شرعا أولا استدراكا لما سبق له وجوب) فشمل ذلك تأخير الواجب عن وقته عمدا أو سهوا، كما شمل التأخير عن الوقت مع التمكن من الأداء، كالمسافر مثلا، أو مع عدم التمكن منه كالمريض والحائض والنائم.

    الملاحظ أن التقييد ب"
    استدراكا لما سبق له وجوب" في التعريف الوارد للقضاء هنا أخرج النوافل بعد أن كانت مشمولة في التعريف الأول للأداء.. فمثلا البيضاوي الشافعي المذهب، كان المفروض أن يعرف القضاء بما يشمل الواجب والنفل، لأن النوافل تقضى على مذهبه، لكنه قيد التعريف بما يفيد تخصيص القضاء بالواجب، فكان القضاء عنده :هو الإتيان بالعبادة بعد خروج وقتها المعين شرعا، بشرط أن يوجد في الوقت سبب وجوبها. ففي المنهاج:"وإن وقعت بعده(أي العبادة بعد الوقت) ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء"، وما ذكر هنا تعليقا ينطبق على تعريف ابن الحاجب من المالكية الذي عرف القضاء بأنه" ما فعل بعد وقت الأداء استدراكا لما سبق له الوجوب مطلقا"[1].والحاصل أنه قد اتفق التعريفان الأولان للقضاء وإن اختلفا في تعريف الأداء.
    ثالثا:
    التعريف الثالث:
    هذا التعريف جامع شامل لكل المأمورات، سواء أكان الأمر فيها على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب أو على سبيل الإباحة، وهو يشمل المأمورات المؤقتة وغير المؤقتة على حد سواء، كما يدخل فيه ما كان من حقوق الله تعالى وما كان من حقوق العباد، لذلك كان التعريف المرجح لدى جماهير الأصوليين، لشموله وصدقه على كل أفراده.

    وهذا رأي عامة الحنفية(1) وليس جماهير الأصوليين... إلا أن المراد عند أغلبهم المأمور به على الوجوب لا غيره[1] وعلى هذا فان التعارض ظاهر بين ما يفيده التعريف الاصطلاحي للقضاء القاصر على الواجب فقط دون النفل، وبين ما هو متفق عليه في المذاهب الأربعة بأن القضاء يجري في سنة الفجر، وان اختلف في قضاء بعض النوافل.
    فائــدة :
    قال الرازي في المحصول: "والفعل لا يسمى قضاء إلا إذا وجد سبب وجوب الأداء مع أنه لم يوجد الأداء ، ثم القضاء على قسمين:
    أحدهما ما وجب الأداء فتركه وأتى بمثله خارج الوقت فكان قضاء وهو كمن ترك الصلاة عمدا في وقتها ثم أداها خارج الوقت.
    وثانيهما ما لا يجب الأداء وهو أيضا قسمان:
    أحدهما أن يكون المكلف ممن لا يصح منه الأداء، والثاني أن يصح منه ذلك.
    أما الذي لا يصح منه الأداء فإما أن يمتنع ذلك عقلا كالنائم والمغمى عليه فإنه يمتنع عقلا صدور فعل الصلاة منه، وإما أن يمتنع ذلك منه شرعا كالحائض فإنه لا يصح منها فعل الصوم لكن لما وجد في حقها سبب الوجوب ـ وهو شهود الشهرـ وإن لم يوجد وجوب الأداء سمي الإتيان بذلك الفعل خارج الوقت قضاء .
    وأما الذي يصح ذلك الفعل منه وإن لم يجب عليه الفعل، فالمقتضي لسقوط الوجوب قد يكون من جهته كالمسافر فإن السفر منه وقد أسقط وجوب الصوم، وقد يكون من الله تعالى كالمريض فإن المرض من الله وقد أسقط وجوب الصوم.
    ففي جميع هذه المواضع اسم القضاء إنما جاء لأنه وجد سبب الوجوب منفكا عن الوجوب لا لأنه وجد وجوب الفعل[1]، وبمعنى أوضح: إن الشيء الذي ليس بواجب هو أداء العبادة حال العذر، أما جعلها واجبة في الذمة فهو واجب لاشك فيه يستدرك فعلها بالقضاء.

    [1] ـ المحصول للرازي 1/149،150 بتصرف بسيط.




    (1) انظر فواتح الرحموت 1/85-86، والعضد 1/232.

    [1] - قال النسفي من الحنفية في تعريف الأداء:"هو تسليم عين الواجب بالأمر" المنار (مع فتح الغفار) 1/40





    [1] - المنهاج (مع نهاية السول)1/64-65، ومختصر ابن الحاجب 1/232




    [1] - المنهاج (مع نهاية السول)1/64-65، ومختصر ابن الحاجب 1/232





    [1] - المنهاج (مع نهاية السول)1/64-65، ومختصر ابن الحاجب 1/232







  16. #30
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: سلسلة دروس في مباحث الحكم الشرعي

    الأستاذة الفاضلة الدكتورة ام صفاء
    بارك الله فيك وجزاك خير الجزاء على التعقيب والمتابعة
    وسوف أذكر كل هذه التعقيبات عند جمع الدروس لإعداد المذكرة
    فاستمري معنا جزاك الله خيراً
    ولك كل الشكر والتقدير

صفحة 2 من 11 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].