جهاد القلم
وتحرير بيت المقدس


حين كان بيت المقدس محتلا من قِبَل الصليبين، وكان صلاح الدين الأيوبي يُعدُّ الأمة لتحريره، كان هناك طائفة من العلماء، لا قوة بهم على الجهاد مع الجيوش؛ فعَمَدوا إلى التأليف؛ مشاركة منهم في تحرير بيت المقدس؛ وحثًا للأمة على الجهاد في سبيل الله تعالى. وقد ظهرت في هذه الفترة كتب عدة في شئون الحرب والسياسة، منها كتاب: "المنهج المسلوك في سياسة الملوك" ، لعبد الرحمن بن عبد الله الشيزري، من علماء القرن السادس الهجري. ومما جاء في هذا الكتاب:
"إن الله تعالى- في الأصل- فرَض على كل مسلم أن يقاتل عشرة من المشركين. ثم إن الله تعالى- بعد ذلك- خففَ عن المسلمين لمَّا شق عليهم الأمر، فأوجبَ على كل مسلم أن يقاتل رجلين. ثم إن الله حرَّم على كل مسلم أن ينهزم من مثليه، إلا لأحد أمرين: إما متحرفٍ لقتال؛ فيأوي للاستراحة، أو لمكيدة، ثم يعود إلى قتالهم. وإمَّا أن يتحيَّز إلى فئة أخرى؛ فيجتمع بها على قتالهم".
ويدور الزمان كهيئته يوم ذاك، ولكن مع فارق جَوْهري، وهو أن اليهود هم الذين يحتلون اليوم الأرض المقدسة في فلسطين، ومِن ورائهم العَوْن الغربي، وأن فريقًا كبيرًا منّا قد سارع واستسلم للمطامع الاستعمارية في فلسطين، وتَخلى عن مسيرة الجهاد لتحرير بيت المقدس!
وتَحَدَّدَ لإسرائيل وظيفتها من البداية فيما يلي:
1. أن تكون إسرائيل سوطاً في يد المستعمر، تلهب به ظهر الأمة كلما استطاعت أن ترفع رأسها من كبوتها.
2. أن تكون إسرائيل فاصلاً، يعوق امتداد الأرض العربية، ويحجز المشرق عن المغرب.
3. أن تكون إسرائيل ماصَّة باستمرار لجهد الأمة الذاتي، تشغلها عن حركة البناء والتقدم.
ولتأكيد هذه الوظيفة، وتحقيق مقاصدها، اتكأ اليهود والغربيون على تراثٍ ديني مشترك، من خلال رؤية جديدة للعهد القديم، وتقديم تفسيرات أصولية محرَّفة لنصوص تاريخية استنفدت أغراضها عن أرض الميعاد، وعودة شعب الله القديم، وإقامة مملكة صهيون... إلى آخر هذه الخرافات التي صارت طبقًا للتفسيرات التي يتبناها الأصوليون الإنجيليون في الغرب دينًا جديدًا، ونبوءاتٍ مقدسة، تخلط الدين بالسياسة، وتصبغ المصالح الدنيوية الاستعمارية برداء الكهنوت المقدس!
وحَمَل الغربُ على كاهله ضمانَ تفوق إسرائيل في عملية تزاوج مصالح مكشوفة، ليس لها ضحايا إلا العرب أرضًا واقتصادًا، وتاريخًا وحضارةً، ووجودًا. وبالفعل يعلن الغرب التزامه جهارًا نهارًا- حتى مع ما يُسَمَّى "عملية السلام"- عن ضمان تفوق إسرائيل على جميع العرب عسكريًا وتقنيًا وعلميًا.
وتحاول إسرائيل- كما يحاول الغرب- إيجاد مبررات لوجود هذه الدويلة المتسلقة، سواء كانت مبررات تاريخية، أو دينية، أو عنصرية. وتدور بطبيعة الحال مواجهة حضارية، تَحْمل في رحمها عداءً عقديًا متبادلا بين العرب واليهود، يعود إلى بداية البعثة المحمدية إن لم يَسبقها.
وهذا التحدي الاستراتيجي القائم، بما يحمل من طاقات كراهية ضاربة بجذورها في التاريخ والعقائد الدينية، يَحْفِز قدرات هذه الأمَّة، التي يقول كتابُها الكريم:  وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ  (البقرة: 120)، ويقول أيضًا:  وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ْ (البقرة: 217)، ويقول أيضًا:  لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ  (المائدة: 82).
وهذا البيان الإلهي، يجعلنا- ضد الإسرائيليين- في حالة جهاد مستمر لا يَضع أوزاره، حتى لو تحرَّر كلُّ شبر من أرض فلسطين المباركة؛ لأن الصراع بيننا ليس على الحدود ولكن على الوجود، وليس مقصده الأرض، ولكن انتصار الحق على الباطل:  وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً  (الإسراء: 81).
إنه صراع لا يقبل التعايش، ولن يهدأ إلا بتحقيق فريق انتصاره الكامل على الفريق الآخر، وإزاحته من طريقه تمامًا.
وقيام إسرائيل على عقيدة دينية عنصرية وعدوانية، كان مُفجِّرًا لينبوع العقيدة الإسلامية، وتجديدًا لقوتها في قلوب أبناء الأمَّة الإسلامية في العصر الحديث. ووجود إسرائيل في قلب هذه الأمة، وجَعٌَ يثير التحدي المستمر لمواجهتها علميًا وحضاريًا.
إن فلسطين ليست ملكًا لأحد من الناس- كائنًا مَن كان- منذ فتحها المسلمون في القرن الهجري الأوَّل، ثم حرَّروها من الصليبيين بدماء غزيرة، واستقروا فيها مدة تكاد تكون أطول مدة لاستقرار شعب على أرض في التاريخ. ولكنها حقُّ الله تعالى، ووقفُ الإسلام والمسلمين جميعًا. فبدمائهم فُتِحت وأُعليَ فيها ذكرُ الله وتوحيده، وعلى ثراها سالت دماء الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان، وبُذل الثمن الغالي في حمايتها من الروم والصليبيين والتتار والاستعمار الحديث. وكما قرَّر علماؤنا: فكل بلد فتحه المسلمون وحكموه، ثم تغَّلب عليهم الكفار، وَجَبَ تحريرُه. وكلُّ بلد خضع للخلافة الإسلامية وعَلَتْهُ أحكامُ الإسلام، وجَبَ على أهل الملة جميعًا الدفاع عنه، وصيانته من المعتدين، ودحْر مَن يُريد به سوءًا .
ولا شك أن وجود إسرائيل في منطقتنا هو مشكلة معلقة تنتظر حلا، وخطأ يتطلب تصحيحًا، ووضعٌ شاذ يتنافى مع جغرافية المنطقة وتاريخها، ويمثل خرقًا واسعًا في نظامنا الأمني والجيوسياسي. فإسرائيل لها أهداف خطيرة أكبر من حجمها القزم. وأهدافها لا يمكن أن تجعلها إلا في وضع تصادم مع أهل المنطقة؛ فمن غير المسموح به أن تنتزع الهوية العربية لمنطقة الشرق الأوسط؛ لتكتسب إسرائيل الدخيلة مصداقية وجود لا حقَّ لها فيها.
وإذا كانت إسرائيل تسعى لنزع الهوية العربية للشرق الوسط، ولا تريد لدولتين عربيتين الاجتماع بعيدًا عن مظلتها، فهي تَوَّد- فوق ذلك- أن تكون الأسَّ المشترك بين كل دول المنطقة، والمحرك لكل فعالياتها، والمسيطر على جميع مقوماتها.
وبقاء إسرائيل مرهون بإضعاف العرب؛ تمهيدًا لإذابتهم؛ وإجراء مزيد من الشرذمة والبعثرة لقواهم، حتى يقبلوا بالشروط الإسرائيلية، وفي وقت يتخوَّف الإسرائيليون على وجودهم حتى يقول (بن جوريون): "يجب ألا ننسى- ولو للحظة واحدة- أن مشكلة أمن إسرائيل، تختلف تمامًا عن مشكلة أي بلد آخر؛ فإنها ليست مشكلة حدود أو سيادة، بل إنها مشكلة بقاء مادي بما تحويه من معنى حرفي لهذه الكلمة" .
في هذا الوقت نفسه، يطمع الإسرائيليون في الوصول إلى كل ركن في بلادنا، حتى الأماكن المقدسة في الحجاز يَدَّعون أنها لهم؛ لأن أباهم إبراهيم هو الذي بناها. وساء زعمهم!
وعلى رغم كل شيء، فالمؤمن يَمُدُّ بصرَه إلى ما وراء ستر الغيب؛ ليرى ما أخبر به النبي  بقوله: "لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتى يقول الحجَرُ: يا مسلمُ! هذا يهودي. تعال فاقتله" .
ولقد ظل السؤال عن هذه المقتلة العظيمة مُعَلقًا، ومخبوءًا وراء حجاب الغيب أربعة عشر قرنًا من الزمان، حتى ظهرت دولة إسرائيل الحديثة، التي لم يخطر على البال ولا بالخيال ظهورها في حياة السلف الكرام، الذين نقلوا إلينا هذا الحديث الشريف. واليوم، وفي قلب البلاد العربية والإسلامية، تسكن الجرثومة اليهودية، مدرَّعة بالأسلحة المتقدمة والعداء القديم، حيث صار وقوع القتال محتمًا، وعلى مقربة من الكعبة- بيت الله، ومقربة من يثرب- مدينة رسول الله  التي لليهود فيها ذكريات كلها أحقاد وضغائن، أي حيث أصبح القعود عن القتال- كما يقول الشيخ نديم الجسر- كفرًا وخروجًا عن الإسلام .
وإنَّ الخطأ، بل الخطيئة الكبرى، هي في أننا نريد سلامًا من عدوٍ لا يريد السلام، ونبغي التعايش مع قوم لا يريدون لنا إلا الفناء، ونظن أن اليهودي يمكن أن يحب ويتعاون ويتعايش ويوثق به. وهيهات. هيهات!