الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 1 2
النتائج 16 إلى 20 من 20

الموضوع: مقدمة ونتائج: قراءة جديدة في فقه المعاملات المالية والمصرفية المعاصرة لـ د. نزيه حماد

  1. #1
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,086
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,839 مرة في 1,281 مشاركة

    افتراضي مقدمة ونتائج: قراءة جديدة في فقه المعاملات المالية والمصرفية المعاصرة لـ د. نزيه حماد

    مقدمة كتاب


    قراءة جديدة


    في فقه المعاملات المالية والمصرفية المعاصرة


    لـ


    د. نزيه حماد


    المقدمة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد رسوله وعبده وعلى آله وصحبه ومن تبعه من بعده.
    وبعد: فهذه قراءة جديدة ففي فقه قضايا معاصرة ذات صلة وثيقة بالمعاملات المالية الراهنة، وتترتب عليها آثار ونتائج خطيرة تتعلق بأعمال المصارف الإسلامية القائمة على نهج التجديد في الدين الذي ورد التنبيه إليه والثناء عليه في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها"
    قوامها إعادة النظر في فهم النصوص الفقهية التراثية، ومحاولة استنباط الأحكام الشرعية في النوازل والحوادث عن أدلتها التفصيلية، أو تخريجها على كليات فقهية أو مسائل فرعية في ضوء الواقع ومستجداته واحتياجات الناس وأعرافهم الجارية وفي إطار مقاصد الشريعة في جلب المصالح ودرء المفاسد، ورفع الحرج عن العباد وإبطال الحيل الفاسدة ونبذ التقليد الأعمى والتعصب المذهبي وفق منهج العلامة الطاهر ابن عاشور:
    "ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحد رجلين : رجل معتكف فيما شاده الأقدمون ، وآخر آخذ بمعولة في هدم ما مضت عليه القرون وفي تلك الحالتين ضر كثير ، وهنالك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير ، وهي أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبه ونزيده وحاشا أن ننقضه أو نبيده ، علما بأن غمص فضلهم كفران للنعمة ، وجحد مزايا سلفها ليس من حميد خصال الأمة."

    وتتضح معالم هذه القراءة الجديد في النقاط الآتية:

    أ‌- الاعتماد على ما ثبت في نصوص الكتاب والسنة.

    ب‌- النظر في آراء الفقهاء واختلافهم في المسائل الاجتهادية والتبصر في أدلتهم وحججهم...فقد اشتهر عن أئمة الفقه قولهم: "لا ينبغي للرجل أن يفتي حتى يعرف اختلاف الفقهاء، فيختار منها على علمه الأحوط للدين والأقوى باليقين"(1)
    وكما قال زورق في قواعده: "ثم إن أتى المتأخر بما لم يسبق إليه، فهو على رتبته، ولا يلزمه القدح في المتقدم، ولا إساءة الأدب معه، لأن ما ثبت من فضالة المتقدم قاض برجوعه للحق عند بيانه لو سمعه...ومن ثم خالف أئمة متأخري الأمة أولها، ولم يكن قدحا في واحد منهما".

    ج- استنباط أحكام المسائل المستجدة التي لم يرد فيها نص شرعي أو اجتهاد مذهبي أو خلاف فقهي من أصولها وأدلتها الكلية والجزئية.

    د- ملاحظة وجوب تغير الأحكام بتغير الأزمان في المسائل التي بنيت أحكامها على العوائد والأعراف عند تبدلها وتغيرها
    وفي ذلك يقول القرافي في الفروق:
    الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت .
    وتبطل معها إذا بطلت.... فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده واجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين."
    ويقول في الإحكام:
    "إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع، وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير فيه الحكم عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديدا للاجتهاد من المقلدين، حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد".
    وقد نبه رحمه الله إلى أن هذا المعنى "قد غفل عنه كثير من الفقهاء، ووجدوا الأئمة الأول قد أفتوى بفتاوى بناء على عوائد لهم، وسطروها في كتبهم بناء على عوائدهم، ثم المتأخرون وجدوا تلك الفتاوى فأفتوا بها، وقد زالت تلك العوائد، فكانوا مخطئين خارقين للإجماع، فإن الفتيا بالحكم المبني على مدرك بعد زوال مدركه خلاف الإجماع."(2)

    هـ - التعويل في تخريج الأحكام واستنباطها على مقاصد الشريعة في جلب المصالح ودرء المفاسد، فكما قال العز بن عبد السلام: "الشريعة كلها مشتملة على جلب المصالح كلها، دقها وجلها، وعلى درء المفاسد بأسرها دقها وجلها، فلا تجد حكما لله إلا وهو جالب لمصلحة عاجلة أو آجلة أو عاجلة وآجلة، دارئ لمفسدة عاجلة أو آجلة أو عاجلة وآجلة".
    ثم قال:
    "ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها وإن لم يكن فيها نص ولا إجماع ولا قياس خاص فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك".

    و- الأخذ بالعفو الشرعي عن كل ما ليس في مقدور المكلف فعله أو تركه من المطلوبات أو المنهيات الشرعية المتعلقة بمعاملات الناس في الواقع المعاصر...
    وكذا العفو الشرعي عن كل ما يعسر أو يشق تحاشيه أو الاحتراز عنه من المحظورات التي تمس الحاجة لإصابتها أو يشيع الوقوع والتلبس بها في تعامل الناس الراهن وفق قاعدة "عموم البلوى" المتفق عليها بين جماهير أهل العلم.
    وقد عبر عن ذلك القرافي بقوله:
    "كل مأمور يشق على العباد فعله سقط الأمر به، وكل منهي عنه شق عليهم اجتنابه سقط النهي عنه".
    وجاء في تهذيب الفروق:
    "القاعدة في الملة السمحة التخفيف في كل ما عمت به البلوى"
    وجاء في القواعد الفقهية: "ما عمت بليته خفت قضيته".
    وقال الونشريسي:
    "ما جرى به عمل الناس، وتقادم في عرفهم وعاداتهم ينبغي أن يلتمس له مخرج شرعي ما أمكن على خلاف أو وفاق".
    وجاء في القواعد الكبرى للعز بن عبد السلام:
    "قال الشافعي: بنيت الأصول على أن الأشياء إذا ضاقت اتسعت.
    يريد بالأصول: قواعد الشريعة.
    وبالاتساع: الترخيص الخارج عن الأقيسة وطرد القواعد، وعبر بالضيق عن المشقة".

    ز- النظر إلى مآلات الأفعال وإبطال سائر الحيل المذمومة، وهي ما يتوسل به من العقود والتصرفات المشروعة إلى مقصود محظور والعمل بالمخارج الشرعية وهي ما يتوسل به من التصرفات الجائزة إلى مقصود حسن مشروع، ويتخلص به من الوقوع في الإثم...

    ح- التنبه إلى التفرقة والتمييز بين الغلو في الدين وبين العمل بقاعدة سد الذرائع،كما قال العلامة الطاهر بن عاشور:
    "ومما يجب التنبيه له في التفقه والاجتهاد: التفرقة بين الغلو في الدين وسد الذريعة، وهي تفرقة دقيقة فسد الذريعة موقعه وجود المفسدة، والغلو موقعه المبالغة والإغراق في إلحاق مباح بمأمور أو منهي شرعي، أو في إتيان عمل شرعي بأشد مما أراده الشارع، بدعوى خشية التقصير عن مراد الشارع، وهو المسمى في السنة بالتعمق والتنطع، وفيه مراتب، منها ما يدخل في الورع في خاصة النفس، الذي بعضه إحراج لها، أو الورع في حمل الناس على الحرج، ومنها: ما يدخل في معنى الوسوسة المذمومة. ويجب على المستنبطين والمفتين أن يتجنبوا مواقع الغلو والتعمق في حمل الأمة على الشريعة وما يسن لها من ذلك، وهو موقف عظيم".

    وقد تناولت قراءتي الجديدة في بحوثي المجموعة في هذا الكتاب الموضوعات الآتية:
    1- المفهوم الاصطلاحي للربا بين دلالات النصوص وتقسيمات الفقهاء.
    2- المواطأة على إجراء العقود والمواعدات المتعددة في صفقة واحدة.
    3- قلب الدينة وبدائله المعاصرة في البنوك الإسلامية.
    4- التورق وتطبيقاته المعاصرة.
    5- المعاوضة عن الالتزام بصرف العملات في المستقبل.
    6- عقود الإذعان.
    7- ضمان الودائع الاستثمارية في البنوك الإسلامية بالشرط.
    8- المقاصة بين الفوائد الدائنة والمداينة واختلافها عن تبادل القروض..
    9- صكوك الإجارة وتطبيقاتها المعاصرة.
    10- الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية (معالم وضوابط).
    11- تأجير العين المشتراة لمن باعها (صراحة وضمنا).
    12- أدوات الاستثمار في إدارة وتمويل المرافق العامة.
    وهذه البحوث العلمية قد سبق لبعضها أن قدم لمؤتمرات أو ندوات علمية في بلدان مختلفة أو نشر في دوريات علمية محكمة غير أني بعد ذلك عدت عليها جميعها بالتنقيح والتحرير وأعملت فيها يد الإصلاح والتهذيب والزيادة ووشيت حللها بإضافات وتحقيقات علمية ذات بال.
    وفي الختام أقول:
    لقد انتهيت في بحوث هذا الكتاب إلى تقرير أفكار ومبادئ جديدة وترجيحات واختيار ات فريدة لم أكتبها إلا بعد روية وفكر وتدبر ونظر ونبد للتقليد والعصبية المذهبية، لعلي أصبت فيها وجه الصواب بعون الله وتوفيقه. ولله در ابن مالك حيث قال:
    "إذا كانت العلوم منحا إلهية ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين."
    فانكوفر كندا 9/9/ 1427هـ.

    الدكتور نزيه حماد




    -------------------------------------------------
    1- قوت القلوب لأبي طالب المكي 1/160

    2- الفروق
    *قناة صناعة الباحث*
    نسعى إلى بناء برنامج تدريب بحثي متكامل، يحقق لأعضائه بيئة بحثية حية، تؤهلهم لممارسة البحث بأصوله، وتحفزهم إلى الإبداع فيه.
    https://t.me/fhashmy

  2. #16
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,086
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,839 مرة في 1,281 مشاركة

    افتراضي

    لم يسجل الدكتور نزيه حماد نتائج بحث " المقاصَّة بين الفوائد الدائنة واختلافها عن تبادل القروض" فاستعنت بالله وسجلت أهم نقاط البحث.



    المقاصَّة
    بين الفوائد الدائنة
    واختلافها عن تبادل القروض




    المطلب الأول:


    القروض المتبادلة بالشرط حقيقة المعاملة وحكمها الشرعي:


    إن ما يجري في الواقع من اتفاق بعض المودعين في المصارف مع البنوك التي يتعاملون معها على أن لا يتقاضوا أية فائدة (ربا) مقابل وديعتهم بشرط أن لا يتقاضى البنك منهم أية فائدة إذا انكشف حسابهم (بأن سحب المودع أكثر مما فيه) مقابل تلك المدة المماثلة لزمن مكوث حسابه لديهم بدون فائدة، وكذا اتفاق المصرف الإسلامي مع البنوك التقليدية المراسلة لها على نفس المبدأ والأساس من القروض اللاربوية المتقابلة، وهو ما يسمى الودائع المتبادلة أو القروض المتبادلة بالشرط أو القروض المقابلة للودائع أو "أسلفني وأسلفك"؛ هو سائغ مقبول شرعا إذا كانت اتفاقية القروض المتبادلة بين الطرفين بلا فائدة قائمة على أساس كون المبالغ المودعة المتبادلة متساوية المقدار، ومدة الإيداع المتقابلة متماثلة، ونحو ذلك.



    ومستند هذا الرأي خمسة أمور:


    أحدها: أن هذه القروض المتقابلة المتبادلة ليست من قبيل القرض المحظور الذي يجر منفعة للمقرض من المقترض، وتنطبق عليه قاعدة "كل قرض جر نفعا فهو ربا".


    وذلك لأن المنفعة التي فيها الربا أو شبهته، ويجب خلو القرض منها: هي الزيادة المشترطة للمقرض على مبلغ القدر في القدر أو الصفة وكذا المنفعة المشترطة....


    أما منفعة إقراضه نفس المبلغ ولذات المدة مقابل قرضه، فليست بزيادة في قدر ولا صفة وليست من جنس المنفعة التي فيها شبهة الربا أو حقيقته، وإنما هي من قبيل النفع المشترك الذي لا يخص المقرض وحده بل يعم المقرض والمقترض على السواء، ويحقق مصلحة عادلة للطرفين، فهذا ليس بمنصوص على تحريمه، ولا هو في معنى المنصوص فلزم إبقاؤه على الإباحة.


    ثم إن المنفعة في هذه القروض المتبادلة تشبه المنفعة المشترطة في مسألة "السفتجة" من حيث كونها لا تخص المقرض وحده، بل تعم الطرفين، وهي مشروعة جائزة على الصحيح الراجح من أقوال الفقهاء.


    يوضح ذلك أن الإمام ابن قدامة وكذا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لما تعرضوا لمستند مشروعيتها بينوا أن المنفعة في القرض إذا كانت لا تخص المقرض وحده بل تعم المقرض والمقترض على السواء، فلا حرج في اشتراطها في عقد القرض.


    يقول ابن قدامة في المغني:


    وقد نص أحمد على أن من شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يجز ، ومعناه : اشتراط القضاء في بلد آخر ، وروي عنه جوازها ؛ لكونها مصلحة لهما جميعا .


    وقال عطاء : كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم ، ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق ، فيأخذونها منه .


    فسئل عن ذلك ابن عباس ، فلم ير به بأسا ، وروي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن مثل هذا ، فلم ير به بأسا .


    وممن لم ير به بأسا ابن سيرين ، والنخعي .


    رواه كله سعيد .


    وذكر القاضي أن للوصي قرض مال اليتيم في بلد أخرى ليربح خطر الطريق .


    والصحيح جوازه ؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما ، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها ، بل بمشروعيتها .


    ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ، ولا في معنى المنصوص ، فوجب إبقاؤه على الإباحة ."


    وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى:


    ولكن قد يكون فى القرض منفعة للمقرض كما في مسالة السفتجة ولهذا كرهها من كرهها والصحيح انها لا تكره لان المقترض ينتفع بها ايضا ففيها منفعة لهما جميعا اذا اقرضه."


    وقال فيه أيضاً:


    قيل نهى عنه لأنه قرض جر منفعة و القرض اذا جر منفعة كان ربا و الصحيح الجواز لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق فى نقل دراهمه الى ذلك البلد و قد انتفع المقترض أيضا بالوفاء في ذلك البلد و أمن خطر الطريق فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض و الشارع لا ينهى عما ينفعهم و يصلحهم و إنما ينهى عما يضرهم."



    الأمر الثاني:


    أن الربا إنما حرم شرعا لأنه ظلم من المقرض للمقترض.


    أما الاتفاق على الإقراض المتبادل بين المقرض والمستقرض بمبالغ متساوية ولمدد متماثلة فليس فيه شيء من الظلم لأحد الطرفين بل فيه العدل المطلق والإنصاف التام لكل واحد منهما فيما يأخذ وفيما يعطي.



    والأمر الثالث:


    ما ذهب إليه المالكية في المشهور من جواز مسألة "أسلفني وأُسلفك" عند كلامهم على بيوع الآجال.


    جاء في جامع الأمهات لابن الحاجب:


    "بيوع الآجال: الآجال لقبٌ لما تفسد بعض صوره، منها لتطرق التهمة بأنهما قصدا إلى ظاهر جائز ليتوصلا به إلى باطن ممنوع، حسما للذريعة...


    فإن كان مما يكثر القصد إليه كبيع وسلف أو سلف جر منفعة يمنع وفاقا.


    وإن كان مما يقل ..ففيه قولان.


    وإن كان بعيدا جدا كأسلفني وأسلفك فالمشهور جوازه".


    قال ابن راشد القفصي في كتابه "لباب الألباب" في معرض كلامه عن بيوع الآجال:


    "وقد منع من ذلك مالك سدا للذريعة، والأصل أن تنظر إلى ما خرج من اليد، وما رجع إليها، وتقابل أحدهما بالآخر:


    فإن كان مما لو ابتديا المعاملة عليه جاز فأجز وإلا فامنع...."


    والأمر الرابع:


    أن حجة الفقهاء المانعين من "أسلفني وأسلفك" وهم الحنابلة على المذهب فيها نظر وغير سالمة من الإيراد عليها حيث إنهم استدلوا على عدم جواز القروض المتبادلة بالشرط بدليلين:


    أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وسلف.


    ولا يخفى أن الجمع بين البيع والسلف في هذه المسألة غير متحقق بحسب المنطوق والمفهوم يقينا....


    والثاني:أنها كبيعتين في بيعة المنهي عنها.


    وغير خاف أيضا أن الودائع المتبادلة بالشرط ليست من هذا القبيل منطوقا ولا مفهوما...


    والأمر الخامس:


    أن التعامل بنظام "الودائع المتبادلة" بحسب تطبيقاته المصرفية المعاصرة هو أكثر أهمية وتعقيدا من الصورة التي عرفها الفقهاء من قبل وسموها بمسألة "أسلفني وأسلفك"، وأن الحاجة في هذا العصر للتعامل بهذا النظام وتطبيقاته أصبحت ماسة بلا ريب، ومتعينة أيضا إذ لا يوجد مشروع آخر أو نظام بديل يؤدي نفس الغرض، ويحقق ذات الغاية ويعطي نفس المرونة، ويرفع الحرج والمشقة في التعامل فيما يخص علاقة المصرف والمؤسسات المالية الإسلامية مع البنوك المراسلة وغيرها التي لا مندوحة من التعامل معها ولا غنى عن الإيداع لديها والسحب منها على الحساب...فتعين اللجوء إلى هذه المعاملة، واتجه الفكر إلى القول بمشروعيتها بناء على ما أسلفنا من حجج وبراهين ناصعة ونظرا لداعي الحاجة الخاصة، التي تنزل عند الفقهاء منزلة الضرورة....


    المطلب الثاني:


    التطبيقات المصرفية المعاصرة للمعاملة من خلال فتاوى وتوصيات وقرارات فقهية.


    نقل د. نزيه حماد جوازها عن:


    1- فتاوى ندوات البركة للاقتصاد الإسلامي.


    2- الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار.


    3- هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي السوداني.


    4- فتاوى المستشار الشرعي لبيت التمويل الكويتي.


    5- فتوى المستشار الشرعية لمجموعة البركة.


    ================


    المطلب الثالث:


    مفهوم المقاصة بين الفوائد الدائنة والمدينة


    حقيقة المقاصة:


    المقاصة في الاصطلاح الفقهي: إسقاط دين مطلوب لشخص من غريمه في مقابلة دين مطلوب من ذلك الشخص لغريمه."


    أقسامها:


    هي قسمان: جبرية (تلقائية)، واختيارية (اتفاقية):


    المقاصة الجبرية:


    فهي التي تقع بين الدينين المتقابلين في ذمتين، المتماثلين من كل وجه بصورة تلقائية، دون توقف على تراضي الطرفين، أو طلب أحدهما، وذلك لعدم الفائدة من بقائهما.


    فإن تفاوتا في القدر سقط من الأكثر بقدر الأقل، وبقيت الزيادة دينا على الآخر وعلى ذلك نص جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة.


    المقاصة الاختيارية:


    فهي التي تتم بتراضي الطرفين، دون أن يترتب على ذلك محظور شرعي.


    كما إذا كان الدينان من جنسين مختلفين أو متفاوتين في الوصف أو كان أحدهما حالا والآخر آجلا أو كان أحدهما قويا والآخر ضعيفا، فإنهما لا يسقطان قصاصا إلا بتراضي المتداينين وعلى ذلك نص الحنفية والمالكية.


    وكلامنا في هذا المقام منصب على المقاصة الجبرية دون الاختيارية وعليها يحمل لفظ المقاصة إذا أطلق.


    المقاصة بين الفوائد الدائنة والمدينة:


    المراد بالمقاصة بين الفوائد الدائنة والمدينة: أن يقترض شخص طبيعي أو اعتباري من بنك تقليدي مبلغا من النقود بفائدة محددة، ويقترض نفس البنك من ذلك العميل المدين مبلغا من ذات العملة بفائدة محددة تماثل الأولى أو تزيد عليها أو تنقص.


    وبعد جريان المقاصة الجبرية بين مبالغ القروض الأصلية، تبقى ذمة كل واحد من الطرفين مشغولة للطرف الآخر بالفائدة المقررة على المبلغ الذي اقترضه منه.


    وعند ذلك تقع المقاصة بين الفوائد الدائنة والمدينة.......


    المطلب الرابع:


    أحكام المقاصة بين الفوائد الدائنة والمدينة:


    بعد العرض السابق لمفهوم كل من القروض المتبادلة بالشرط والمقاصة بين الفوائد الدائنة والمدينة نخلص إلى الأحكام الآتية:


    القروض المتبادلة بالشرط عملية جائزة في النظر الفقهي لأنها تقوم على التبادل العادل بين القروض اللاربوية....بخلاف مسألة "المقاصة بين الفوائد الدائنة والمدينة" فإنها مبنية على التعامل بقروض ربوية متبادلة بين الجهتين، وهذه القروض محرمة شرعا لا يجوز إبرامها ولا يحل اشتراط الفائدة الربوية فيها أصلا....


    ومن هناك كانت مختلفة اختلافا جوهريا لا شكليا عن القروض اللاربوية المتبادلة بالشرط وإن كانت الغاية والنتيجة واحدة....


    وعلى ذلك، فلا يجوز للمصرف الإسلامي أن يتفق أو يتفاهم أو يتواطأ مع البنك التقليدي على التعامل بقروض ربوية متبادلة بينهما، وإن كانت لا تؤول إلى أخذ فائدة منه على ودائعه لديه، أو دفع فائدة له عند انكشاف حسابه بناء على أساس المقاصة بين الفوائد الدائنة والمدينة لأن هذه العملية مبنية على أصل محظور شرعا....
    *قناة صناعة الباحث*
    نسعى إلى بناء برنامج تدريب بحثي متكامل، يحقق لأعضائه بيئة بحثية حية، تؤهلهم لممارسة البحث بأصوله، وتحفزهم إلى الإبداع فيه.
    https://t.me/fhashmy

  3. #17
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,086
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,839 مرة في 1,281 مشاركة

    افتراضي

    //++صكوك الإجارة++//



    الخاتمة


    (أهم نتائج البحث)


    لقد انتهينا بعد الدراسة المتقدمة لصكوك الإجارة إلى تقرير النتائج الآتية:


    1- تعتبر صكوك الإجارة أداة متميزة للسياسة النقدية للدولة في هذا العصر - باعتبارها أوراقا مالية ذات استقرار نسبي في أسعارها وثبات في عوائدها - حيث يمكن أن أن تستخدمها في تنظيم كمية النقود الموجودة في أيدي الناس، عن طريق شرائها عند رغبتها في زيادة كمية النقود الموجودة في السوق، وبيعها عندما ترغب في تقليل كميتها فيه.


    2- وهي صالحة لتلبية قدر لا يستهان من الحاجات التمويلية للدولة، كإقامة بعض المشروعات الكبيرة ذات النفع العام، التي لا ترغب في إقامتها على أساس الربح، نحو تمويل بناء الجسور والأنفاق والمطارات ومحطات السكك الحديدية..إلخ.


    3- كما أنها تصلح بديلا مشروعا لسندات القرض العام (أو سندات الخزينة) في تمويل اقتناء الأصول الثابتة للمشروعات الحكومية، وعلى إقامة المنشآت العمرانية – بما في ذلك مشروعات البنية الأساسية – سواء أكانت انتاجية، تدرُّ أرباحا وعائدات، أم كانت خدمية بحتة.


    4- ثم إنها تصلح أيضا لتمويل البنوك الإسلامية، من أجل تعبئة الموارد المالية التي تحتاج إليها، وذلك بإصدار صكوك إجارة مقابل التمويل بالتأجير الذي تقوم به، وذلك لغرض استرداد ما قدمته من تمويل لتستعمله في مشروعات تمويلية أخرى.


    5- وتقوم فكرة صكوك الإجارة على مبدأ "التصكيك" الذي يعني في المصطلح الاقتصادي: "خلق أوراق مالية قابلة للتداول، مبنية على حافظة استثمارية ذات سيولة متدنية".


    6- الغرض من صكوك الإجارة تحويل الأعيان والمنافع التي يتعلق بها عقد الإجارة إلى أوراق مالية أو "سندات" يمكن أن تجري عليها عمليات التبادل في سوق ثانوية. وعلى ذلك عرِّفت بأنها: "سندات ذات قيمة متساوية، تمثل حصصا شائعة في ملكية أعيان ومنافع مؤجرة".


    7- ولا يمثل صك الإجارة مبلغا معينا من النقود، ولا هو دين على جهة معينة، سواء كانت شخصية طبيعية أو اعتبارية – وإنما هو سند أو ورقة مالية تمثل جزءا شائعا (سهما) من ملكية عقار أو طائرة أو باخرة أو مجموعة من الأعيان الاستعمالية – المتماثلة أو المتباينة- إذا كانت مؤجرة، تدر عائدا محددا بعقد الإجارة.


    ونظرا لخضوع أثمان الأعيان لعوام السوق (العرض والطلب) فإن قيمة صكوكها تدور مع القيمة السوقية لتلك الأعيان، فترتفع لارتفاعها، وتهبط لانخفاضها.


    8- يمكن لصكوك الإجارة أن تكون اسمية، بمعنى أنها تحمل اسم الشخص المالك، ويتم انتقال ملكيتها بالقيد في سجل معين، أو بكتابة اسم المالك الجديد عليها، كلما تغيرت ملكيتها، كما يمكن لها أن تكون سندات للحامل، بحيث تنتقل الملكية فيها بالتسليم، كما هو الحال في أسهم شركات المساهمة.


    9- يجوز إصدار وتداول صكوك ملكية الأعيان المؤجرة في إجارة عادية لها – إذا توفرت فيها شروط الأعيان المؤجرة- كعقار وطائرة وباخرة ونحو ذلك من الأموال الاستعمالية، ما دام الصك يمثل ملكية أعيان حقيقية مؤجرة، تدر عائدا معلوما.


    ويجوز لمالك الصك – أو الصكوك – بيعها في السوق لأي مشتر، بالثمن الذي يتفقان عليه – سواء كان مساويا أو أقل أو أكثر من الثمن الذي اشترى به.


    ويستحق مالك الصك حصته من العائد – وهي الأجرة منقوصا منها ما يترتب على المؤجر من نفقة ومؤونة – على النحو وفي الأجل المنصوص عليه في عقد الإجارة


    10- يجوز إصدار وتداول صكوك ملكية الأعيان المؤجرة في إجارة منتهية بالتمليك في الصورة السائغة شرعا من الإجارة المنتهية بالتمليك المنصوص عليها في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 110 (4/12) – ثالثا/ أ، والتي هي : "عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، مقابل أجرة معلومة في مدة معلومة، واقترن به عقد هبة العين للمستأجر معلقا على سداد كامل الأجرة، وذلك بعقد مستقل، أو وعد بالهبة بعد سداد كامل الأجرة".


    11- لا يجوز تصكيك ملكية الأعيان التي تتضمن المنفعة الموصوفة في إجارة الذمة (العادية) نظرا لجهالة العين – التي يمكن للمؤجر تقديمها للمستأجر، وتحتوي على المنفعة الموصوفة بالعقد، والثابتة في ذمته – حيث إن الأعيان التي تتوفر فيها تلك المنفعة الموصوفة متفاوتة الذوات والقيم تفاوتا فاحشا يتعذر معه تحديد العين التي يراد تصكيك ملكيتها، وتلك جهالة فاحشة مفضية للنزاع، تمنع صحة العقد.


    12- إجارة الذمة المنتهية بالتمليك غير جائزة أصلا، لأن المنفعة المعقود عليها فيها دين موصوف في الذمة لا يتعلق بذات معينة، بل بذمة المؤجر، ومقتضى ذلك أنه يسعه الوفاء بالتزامه بتقديمه أية عين تحتوي على المنفعة الموصوفة في ذمته، ليستوفيها المستأجرن دون أن يكون له الحق في رد العين أو المطالبة بغيرها، ما دامت متضمنة لتلك المنفعة المثلية المعقود عليها.


    وهذا يقتضي جهالة العين التي يجزئ المؤجر تقديمها للمستأجر، ثم تمليكها له عقب انتهاء مدة الإجارة، وتلك جهالة فاحشة مفضية إلى خصومة ونزاع بين العاقدين، لا سبيل إلى دفعهما أو التحرز عنهما، وموجبة لفساد الإجارة المنتهية بالتمليك إذا كانت إجارة ذمة.


    ويترتب على عدم جواز عقد إجارة الذمة المنتهية بالتمليك عدم جواز إصدار صكوك ملكية أعيان لهذا النوع المردود أصلا من الإجارة.


    13- يجوز تصكيك منافع العين – أو الأعيان – المؤجرة المحددة بذواتها، وتداول ملكية صكوكها بالبيع بمثل الأجرة التي استأجر بها المستأجر الأول وبأقل وبأكثر، حيث إن صكوكها تمثل ملكية تلك المنفعة – أو المنافع- المعقود عليها في الإجارة.


    14- يجوز تصكيك المنافع المعقود عليها في إجارة الذمة، الثابتة دينا في ذمة المؤجر، وتداولها بالبيع، لأن المنافع المعلومة تقبل – بطبيعتها – البيع (بعقد الإجارة)، وكذا التداول بتأجير المستأجر المنفعة التي تملكها بعقد الإجارة لشخص ثالث ورابح وخامس...إلخ.، بمثل البدل الذي استأجر به وبأقل وبأكثر، سواء كان عقد الإجارة الأول إجارة عين أو إجارة ذمة إذ لا فرق – في النظر الفقهي- بين كون المنفعة التي ترد عليها الملكية بعقد الإجارة متعلقة بعين محددة بذاتها، وبين كونها متعلقة بذمة المؤجر، إذا كانت محددة بالوصف، مبينة على نحو تتحقق معه المعلومية المشترطة لصحة بيعها وتداولها.


    15- لا يجوز إصدار صكوك إجارة تمثل ملكية عينية مؤجرة، جرى الاتفاق على تأجيرها لمن باعها بأجرة محددة مقسطة على نجوم إلى أجل معلوم في عقد إجارة منتهية بالتمليك، يلتزم فيه المستأجر بإعادة شراء تلك الاصول في نهاية مدة الإجارة بمثل الثمن الذي باع به، وذلك لابتناء عملية الإصدار على صفقة (منظومة عقدية/منتج) محظورة شرعا لأنها في حقيقتها ضرب مستحدث من "العينة" التي يقصد بها ستر القرض الربوي بحيلة خبيثة تتمثل في بيع مالك العقار أصله العيني بثمن معجل إلى طرف آخر، مع استبقائه في يده لمدة زمنية معلومة، بأجرة سنوية محددة في عقد إجارة منتهية بالتمليك، يستعيد البائع في نهايتها شراءه منه بمثل الثمن الذي باعه به.


    *قناة صناعة الباحث*
    نسعى إلى بناء برنامج تدريب بحثي متكامل، يحقق لأعضائه بيئة بحثية حية، تؤهلهم لممارسة البحث بأصوله، وتحفزهم إلى الإبداع فيه.
    https://t.me/fhashmy

  4. #18
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,086
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,839 مرة في 1,281 مشاركة

    افتراضي

    تمهيد:
    هذا بحث في "إجارة الذمة" مستل من البحث السابق "صكوك الإجارة"



    //++ إجارة الذمة++//



    التعريف: في الشرع:



    هي تمليك المنافع بعوض مالي، سواء كان ذلك العوض عينا أو دينا أو منفعة.



    وقد قسم جمهور الفقهاء الإجارة باعتبار محل تعلق المنفعة المعقود عليها إلى قسمين:



    1- إجارة أعيان.



    2- وإجارة ذمة.



    فأما إجارة الأعيان:



    فتكون المنفعة المعقود عليها متعلقة بنفس العين المستأجرة، كما إذا استأجر شخص دارا أو سيارة معينة بذاتها.



    وهذا النوع من الإجارة لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يشترط فيه قبض الأجرة في المجلس لصحة العقد أو لزومه أو انتقال ملكية المنافع فيه، وذلك لأن إجارة العين كبيعها –إذ الإجارة بيع للمنفعة في مقابل عوض معلوم- وبيع العين يصح بثمن حال ومؤجل، فكذلك الإجارة.



    وأما إجارة الذمة:



    فتكون المنفعة المعقود عليها دينا متعلقا بذمة المؤجِر، كما إذا استأجر سيارة ذات أوصاف محددة للركوب أو الحمل، ونحو ذلك.



    وقد سميت إجارة الذمة نظرا لتعلق المنفعة المعقود عليها بذمة المؤجر لا بعين محددة بذاتها.




    حكمها:



    وقد اختلف الفقهاء في مشروعية إجارة الذمة:



    1- فذهب جمهورهم من الشافعية والمالكية والحنابلة إلى جوازها في الجملة.



    2- وذهب الحنفية إلى أنها غير جائزة أصلا، لأن من شروط صحة عقد الإجارة عندهم كون المؤجَر معينا، وعلى ذلك فلا يجوز في الإجارة ورود العقد على منفعة موصوفة في الذمة، غير متعلقة بذات معينة.



    غير أن القائلين بجواز إجارة الذمة اختلفوا في اشتراط تسليم الأجرة في مجلس العقد لصحتها، وذلك على ثلاثة أقوال:



    أحدها: للشافعية؛ وهو أنه يشترط في صحة إجارة الذمة قبض المؤجِر الأجرة في مجلس العقد، كما اشترط قبض المسلم إليه رأس مال السلم في المجلس.



    فإن تفرقا قبل القبض بطلت الإجارة، لأن إجارة الذمة سلمٌ في المنافع، فكانت كالسلم في الأعيان في الحكم سواء عقدت بلفظ الإجارة أو السلم أو غير ذلك.



    والثاني: للمالكية؛ وهو أنه يجب لصحة إجارة الذمة تعجيل الأجرة، لاستلزام التأجير بيع الكالئ بالكالئ، وتعمير الذمتين، وهو منهي عنه، إلا إذا شرع المستأجر باستيفاء المنفعة –كما لو ركب المستأجر السيارة الموصوفة في طريقه إلى المكان المشترط أن تحمله إليه- فيجوز عندئذ تأخير الأجرة، لانتفاء بيع المؤخر بالمؤخر، حيث إن قبض أوائل المنفعة كقبض أواخرها فارتفع المانع من التأخير...ولا فرق في ذلك بين عقدها بلفظ الإجارة أو السلم.



    وقد اعتبر المالكية في حكم تعجيل الأجرة تأخيرها اليومين أو الثلاثة، لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، كما في السلم.



    والثالث: للحنابلة؛ وهو أن إجارة المنفعة الموصوفة في الذمة إذا جرت بلفظ "سلم" أو "سلف" كأسلمتك هذا الدينار في منفعة سيارة صفتها كذا وكذا لتحملني إلى مكان كذا، أو في منفعة آدمي صفتها كذا وكذا لبناء حائط صفته كذا، وقبل المؤجر، فإنه يشترط لصحة إجارة الذمة عندئذ تسليم الأجرة في مجلس العقد، لأنها بذلك تكون سلما في المنافع، ولو لم تقبض قبل تفرق العاقدين لآل الأمر إلى بيع الدين بالدين (أي المؤخر بالمؤخر) وهو منهي عنه، أما إذا لم تجر إجارة الذمة بلفظ السلم، أو السلف، فلا يشترط فيها تعجيل الأجرة، لأنها لا تكون سلما في هذه الحالة، فلا يلزَم فيها شرطه.




    وإنني اتجه إلى القول:



    بجواز إجارة الذمة من غير اشتراط تسليم الأجرة في مجلس العقد إذا عقدت بلفظ إجارة ونحوه، ولم تعقد بلفظ سلم ولا سلف أخذا بمذهب الحنابلة القائلين بذلك، تيسير على الناس، وتخفيفا على العباد، ورفعا للحرج عنهم، فيما يحتاجون إليه من صنوف التعامل المالي، وتأسيا بقول القاضي أبي يوسف: "ما كان أرفق بالناس، فالقول به أولى، لأن الحرج مرفوع".
    *قناة صناعة الباحث*
    نسعى إلى بناء برنامج تدريب بحثي متكامل، يحقق لأعضائه بيئة بحثية حية، تؤهلهم لممارسة البحث بأصوله، وتحفزهم إلى الإبداع فيه.
    https://t.me/fhashmy

  5. #19
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,086
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,839 مرة في 1,281 مشاركة

    افتراضي

    تأجير العين المشتراة لمن باعها

    الخاتمة

    نتائج البحث



    لقد تبين لي بعد هذا العرض الفقهي المفصل للموضوع، وبيان آراء الفقهاء ومذاهبهم في مسائله وصوره، وأدلتهم، ومناقشتها ما يأتي:


    1- أن تأجير العين المشتراة لمن باعها، إما أن يقع صراحة، كما إذا باع شخصٌ داره لآخر، ثم استأجرها منه لمدة معينة، وإما أن يقع ضمنا (تقديرا) ، كما إذا باع تلك العين، واستثنى منفعتها مدة محدودة، حيث إن استثناء المنفعة معاوضة عن عن المستثنى (أي استئجار ضمني للعين عن مشتريها) لأن تلك المنفعة المستثناة يقابلها جزء من الثمن، ولذلك يكون ثمن العين من الاستثناء أقل منه بدون الاستثناء، والفرق بين الثمنين يمثل العوض عن المنفعة المستثناة.


    2- وأن أجارة العين لمن باعها صراحة، إما أن تكون تشغيلية (وما في حكمها)، وإما أن تكون منتهية بالتمليك.


    3- فإن كانت الإجارة تشغيلية فإما أن تقع بدون مواطأة متقدمة أو شرط مقارِن لعقد البيع، وإما أن تكون مشترطة فيه، أو أن يتواطأ عليها الطرفان:


    أ‌- فإن وقعت بدون مواطأة سابقة أو شرط مقارن لعقد البيع، فلا خلاف بين الفقهاء في جوازها.


    ب‌- وإن كانت مشترطة في عقد البيع، فقد اختلف الفقهاء في مشروعية هذه المعاقدة على قولين:


    أحدهما: لجمهور الفقهاء، وهو عدم جوازها.


    والثاني: للمالكية وابن تيمية وهو جوازها وصحتها وهو الراجح في نظري.


    ج- وإن كان هناك تواطؤ مسبق بين البائع والمشتري على إجارة العين لبائعها، فتعتبر المعاملة صحيحة ملزمة عند المالكية وابن تيمية من الحنابلة، بناء على أن المواطأة المتقدمة لها حكم الشرط المقارن للعقد – على الراجح من مذاهب الفقهاء- في الصحة ووجوب الوفاء، ولو لم يصرح بها في صلب العقد، طالما أن العقد ابتنى واعتمد عليها.


    4- أما إذا كانت إجارة العين لمن باعها منتهية بالتمليك، فإما أن تقع بمواطأة متقدمة أو اشتراط في عقد البيع، وإما أن تقع بدون ذلك:


    أ‌- فإن وقعت بمواطأة أو شرط مقارن، وكان بدل الإجارة المؤجل فيها أكثر من الثمن المعجل الذي باعها به، كانت معاملة محظورة فاسدة، لأيلولتها إلى صورة مستحدثة مما يسمى في الاصطلاح الفقهي بـ "عكس العينة" حيث إن البائع قصد بهذه الصفقة استعادة ملكية العين التي باعها نقدا من مشتريها – بذريعة الصيغة العقدية المركبة الموسومة بالإجارة المنتهية بالتمليك – بثمن مؤجل أكثر من الثمن المعجل الذي باعها له به، وتلك حيلة مذمومة إلى القرض الربوي.


    ب‌- وإن وقعت بدون مواطأة سابقة أو اشتراط في عقد البيع، فإنه يسري على هذه الصورة حكم مسألة "عكس العينة" إذا وقعت من غير تواطؤ أو تحايل أو اشتراط، وهو محل خلاف فقهي ، والراجح في نظري القول بجوازها ومشروعيتها.


    5- أما إجارة العين لمن باعها ضمنا أو تقديرا – وذلك حين يبيع الشخص عينه ويستثني منافعها مدة معلومة- فقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المعاملة على ثلاثة أقوال:


    أحدها: للحنفية والشافعية في المذهب، وهو المنع والحظر مطلقا.


    والثاني: للمالكية، وهو عدم جوازها إذا وقع ذلك على وجه الاستثناء ، وكانت المنفعة المستثناة كثيرة .

    أما إذا وقع ذلك على وجه الشرط (أي اشتراط إجارة في بيع) فتكون صحيحة ملزمة بإطلاق.


    والثالث: للحنابلة وأبي ثور وابن خزيمة ومحمد بن نصر وابن المنذر من الشافعية وكذا الأوزاعي وإسحاق وابن شبرمة وغيرهم، وهو جواز هذه المعاملة مطلقا، وهو الراجح في نظري.
    والله تعالى أعلم.
    *قناة صناعة الباحث*
    نسعى إلى بناء برنامج تدريب بحثي متكامل، يحقق لأعضائه بيئة بحثية حية، تؤهلهم لممارسة البحث بأصوله، وتحفزهم إلى الإبداع فيه.
    https://t.me/fhashmy

  6. #20
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,086
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,839 مرة في 1,281 مشاركة

    افتراضي

    لم يسجل الدكتور نزيه حماد حفظه الله نتائج هذين البحثين:
    البحث العاشر: الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية.
    البحث الثاني عشر: أدوات الاستثمار في أدارة وتمويل المرافق العامة.
    =========================

    وبهذا يكون انتهى المقصود طرحه من هذا الكتاب في هذا الموضوع، والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.
    *قناة صناعة الباحث*
    نسعى إلى بناء برنامج تدريب بحثي متكامل، يحقق لأعضائه بيئة بحثية حية، تؤهلهم لممارسة البحث بأصوله، وتحفزهم إلى الإبداع فيه.
    https://t.me/fhashmy

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 1 2

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 2 (0 من الأعضاء و 2 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. مؤلفات ا.د. نزيه حماد
    بواسطة اخلاص في الملتقى خزانة الفقه العام
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 15-08-03 ||, 11:38 PM
  2. (المعاملات المالية المعاصرة)؛ للدكتور: خالد بن علي المشيقح
    بواسطة د. عبدالحميد بن صالح الكراني في الملتقى خزانة الرسائل الفقهية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 14-03-17 ||, 12:41 AM
  3. مدى صحة تضمين يد الأمانة بالشرط في الفقه الإسلامي لـ نزيه حماد
    بواسطة د. فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى ملتقى فقه المعاملات
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 09-12-31 ||, 10:15 AM
  4. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-05-19 ||, 01:02 AM
  5. إجارة الذمة لـ د. نزيه حماد
    بواسطة د. فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى خزانة الرسائل الفقهية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 08-08-15 ||, 05:54 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].