الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 27

الموضوع: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

  1. #1
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلا هادي لـه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
    والصلاة والسلام على رسول الله، الذي بعثه الله بالحق بشيراً ونذيراً، وهادياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.


    لا شك أن كتاب الرسالة للإمام الشافعي المطلبي رحمه الله تأتي ميزته الأولى والكبرى أنه مما خَطَّهُ يراع عالم جهبذ درّاك، سعى فيه بكل ما أوتي من جهد علمي وحسن منطق وبيان إلى وضع القواعد والضوابط التي ينبغي أن تكون على بال على كل عالم شرعي مجتهد يروم فهم الشريعة واستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها المتاحة بين يديه.

    ولا يخفى أن هذا الكتاب النفيس لم يتح الوصول إلى شيء من شروحه التي قام بها الأجلة من أهل العلم، فكانت الحاجة ماسة إلى الوقوف على شرح ألفاظه ومبانيه، وبيان مقاصده ومراميه، والكشف عن المعاني الدقيقة التي كان يروم بثها ونشرها بين أهل العلم وطلابه، لهذا يُلمس الاحتفاء الظاهر به بين أهل عصره؛ إذ كانت لغته من لغتهم، ونفسَه من نفَسهم، ينهل من ذات معينهم، ويستنبط من مواردهم التي اعتادوا ورودها، ويستلهم الأفكار والرؤى الدارجة فيما بينهم، ثم حين نأى الزمن وبعدت الشُّقة كانت الحاجة ماسة إلى الكشف عن مخبوء كنوز هذا السفر العظيم، وما أودعه فيه الإمام الشافعي من فوائد وفرائد نفيسة منتقاة...

    يتبع ...


  2. #2
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    وفي الحقيقة فإن من يقرأ كتاب الرسالة قراءة متأنية فاحصة يذهل كم كان يقف أمام علم مخبوء تحت لسانٍ رائع، وبنانٍ ماتع، وذوقٍ رفيع، يأخذ باللب ويأسر الفكر، ويدفع دفعاً إلى تلقف درره، كالبحر موجة تتبعها موجة، وقد يكون ذلك في أول الأمر حجر عثرة في متابعة شرحه والكشف عن خزائنه واستخراج لآلئه الدفينة؛ مع ما ينضاف إلى ذلك من بضاعة مزجاة لمن تغره نفسه أن يروم شرح هذا السفر العظيم!، لكن الدفع باتجاه محاولة شرحه قد يشحذ همم العلماء وسادة الكبراء ويلفت أنظارهم إلى العمل على القيام بشرحه وبيان نفائسه، بل لعله ينشط إلى ذلك كوكبة من العلماء وفرق عمل متخصصة.
    كما يلحظ أن كلام الإمام الشافعي رحمه الله كان من الدقة والعمق بمكان، لذا يستحسن في حق من قرأ الرسالة ورام شرحها التأمل والنظر في العبارات الواردة مع ملاحظة متأنية فاحصة، وهذا ما قد يدفع أحياناً إلى المراوحة بين الإطالة والإطناب في موطن، والاختصار والاقتصار في آخر، وما ذاك إلا مراعاة لكون عبارة الإمام الفذّ في رسالته كانت تتراوح بين تأصيلٍ وتقعيد تارة، وشرحٍ وتفريع تارة أخرى، فأنى وُجد التأصيل كان للإطناب والتفصيل ودفع الشبهة مجاله([1])، وحيث وُجد الشرح والتفريع حسن الاكتفاء بجملة ما في الرسالة؛ إذ لا معنى لشرح المشروح!.


    يتبع....



    ([1]) ولعل في هذا أخذاً بوصاة الإمام الشافعي رحمه الله حين قال: "من تعلم علماً فليدقق فيه؛ لئلا يضيع دقيق العلم"، ينظر: مناقي الشافعي، للبيهقي 2/142.

  3. 3 أعضاء قالوا شكراً لـ محمد بن عبدالعزيز المبارك على هذه المشاركة:


  4. #3
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    • موضوع كتاب الرسالة:

    لا شك أن كتاب الرسالة قد حوى مسائل ومباحث مختلفة تعدّ لب علم أصول الفقه وجوهره، إلا أن مزيد التأمل في صنيع الإمام الشافعي رحمه الله يوحي بأن تلك المباحث كانت تدور حول قضية واحدة، لم تغب عن باله في كافة تضاعيف كتابه، وهذه القضية هي التي افتتح بها أول مباحث الرسالة حين قال: "البيان اسم جامـــع لمعاني مجتمعـــةِ الأصــول، متشعبةِ الفروع، فأقــلُّ ما في تلك المعاني المجتمعــة المتشعبـــة: أنها بيانٌ لمن خوطب بهـا ممن نزل القُرآن بلسانـــه، متقاربة الاستواء عنده، وإن كان بعضها أشدَّ تأكيدَ بيانٍ من بعض، ومختلفةٌ عند من يجهل لسان العرب".
    وهذه المعاني المجتمعة من جهة، والمتشعبة من جهة أخرى، هي تفاصيل ما سوف يتناوله الإمام الشافعي في الرسالة، الذي يتمحور موضوعها الرئيس حول البيان، وذلك ما يتضح من خلال التأمل في الموضوعات التي تناولها، التي يجمعها ما يأتي:

    • مراتب البيان للأحكام، وهي درجات بعضها أوضح بياناً من بعض.
    • لغة ذلك البيان، وتقرير عربيته، وحكم تعلّم تلك اللغة.
    • تفصيل الكلام عن هذه المراتب مرتبة مرتبة.
    • الشروع في بيان القرآن الكريم وما يتعلق به من المسائل، من العموم والخصوص ودرجات ذلك، وكيفية معرفته والوقوف عليه.
    • البيان بالسُّنة النبوية، وما يتعلق بذلك من تقرير الإيمان بها والتسليم لها والإذعان لأحكامها.
    • الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسُّنة، وكون ذلك لا يخل بقضية البيان ولا يعارضها، كما لا يتعرض لها باللبس والتشويش.
    • وجوه السُّنة مع القرآن الكريم، وأنها في ذلك كله تجري معه مجرى البيان وتقريره.
    • بيان السُّنة لجُمل الفرائض، والأمثلة المتعددة التي ساقها في هذا الشأن.
    • تقرير أن السُّنة القائمة بالبيان هي في ذاتها أيضاً واضحة جلية البيان، مهما بدا للناظر في أول وهلة وجود اختلاف فيما بينها في الظاهر، وأنها إنما تكون مختلفة كما قال: "عند من يجهل لسان العرب"، ثم ساق الأمثلة المتعددة في ذلك، وأزال ما قد يبدو من لبس واشتباه.
    • تقرير حجية خبر الواحد، وشروط العمل به، للتأكيد على أنه وسيلة من وسائل البيان في الشرع، وما يلحق بذلك من الكلام عن الخبر المرسل، وأنه لا يحصل به في الأصل البيان، إلا وفق ضوابط معينة، قد تكون محل نظر واجتهاد.
    • الكلام عن الإجماع، وأنه مما يحصل به البيان، والفرق في ذلك بين إجماع العامة والخاصة.
    • تفصيل الكلام عن الاجتهاد بالقياس، وأنه أيضاً دلالة استنباط تبعية يحصل بها البيان في الشرع، وردّ ما ألحق بذلك مما ليس منه من الاستحسان والرأي المجرد، وذلك ما اشتمل عليه الربع الأخير من الرسالة.

    وبناء عليه يلحظ أن الإمام الشافعي رحمه الله كان على وعي وبصيرة بما سوف يتناوله في كتابه مسبقاً، وأنه كله يجمعه اسم البيان، وهذا ما يؤكد إدراكه أن الشريعة مهما تعددت مساقاتها وتباينت مواردها في معنى الجملة الواحدة، وهذا أمر قرره مَن بعده مِن أهل العلم، كما قال الشيرازي رحمه الله: "الشريعة وإن تفرقت في الورود فهي كالكلمة الواحدة، يجب جميعها، ويرتب بعضها على بعض"([1])، وقال ابن عقيل رحمه الله: "كلام الشرع يجمع بعضه إلى بعض كالجملة الواحدة"([2]).
    وعليه فما يبدو من انفصال لفظي أو زمني بين نصوص الشرع لا يمكن أن يُعدَّ عائقاً أمام ربط بعضها ببعض، وكون بعضها مبيّناً للمراد بالآخر، بل الواجب الجمع بين الأدلة الشرعية ما أمكن، والنظر إليها نظرة كلية شاملة، بحيث لا يسوغ بحالٍ أخذ النصوص بمعزل عن بعضها أو عما يسبقها أو يلحقها، حيث يترتب على ذلك الخلل أو القصور في فهم المراد منها، وأن الواجب اعتبار الألفاظ الواردة في النصوص الشرعية كالجملة الواحدة، بحيث تؤخذ كلفظ واحد، وإن تفرقت في الورود، وتعددت المساقات، واختلفت الأسباب والمناسبات، وهذا ما يستوجب النظر وتتبع جميع أدلة الوحي من الكتاب والسنة؛ وذلك لأن ما أُطلق في لفظ قد يكون مقيداً في لفظ آخر، وما أُجمل في موضع قد يبيّنَ في آخر، فتلزم الإحاطة بذلك بقدر الإمكان.



    يتبع ...



    ([1]) شرح اللمع 1/321.

    ([2]) الواضح 2/341.


  5. #4
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    • منهج الإمام الشافعي في كتاب الرسالة:

    سلك الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه منهجاً علمياً رصيناً ودقيقاً كان يستشرف فيه ما يبتغي الوصول إليه، يشهد بذلك إحكام ما جاء فيه من موضوعات شتى ومسائل مختلفة لتكون في النهاية خادمة موضوعه الرئيس، وهو البيان، وهذه القدرة على التعاطي مع التأليف هو ما شهد به البيهقي رحمه الله حين قال عن الإمام الشافعي: "لانفراده عن فقهاء الأمصار بحسن التأليف؛ فإن حسن التصنيف يكون بثلاثة أشياء، أحدها: حسن النظم والترتيب, والثاني: ذكر الحجج في المسائل مع مراعاة الأصول, والثالث: تحرّي الإيجاز والاختصار فيما يؤلفه, وكان قد خُصّ بجميع ذلك, رحمة الله عليه ورضوانه"([1]).
    وفي هذا الصدد يمكن ملاحظة أبرز ما سلكه الشافعي في كتابه الرسالة باختصار من خلال الآتي:

    • فصاحة العبارة وبلاغتها، ومتانة اللغة، وبراعة المنطق، وعراقة الأسلوب، وكل ذلك ظاهر في الرسالة، مع جمعه بين الاختصار والإيجاز والإشارة في بعض المواطن، والإسهاب والإطناب في بعضها بحسب ما يقتضيه المقام، كما هو شأن اللسان العربي ومعهوده.

    ولا شك أن هذا أمر عرف به الإمام الشافعي واشتهر، يشهد لذلك قول تلميذه الربيع رحمه الله: "لو رأيت الشافعي وحسن بيانه وفصاحته لتعجبت منه، ولو أنه ألّف هذه الكتب على عربيته التي كان يتكلم بها لم يقدر على قراءة كتبه!"([2])، كما يشهد لذلك اعتراف الأديب الجاحظ حيث يقول: "نظرت في كتب هؤلاء النبغة، الذين نبغوا في العلم، فلم أر أحسن تأليفاً من المطلبي، كأن لسانه ينظم الدرّ"([3]).

    • عمق النظرة ودقة التناول، خصوصاً في المسائل الشائكة التي تفضي إلى إشكالات قد لا تكون على بال المخالف، كما هو الشأن في نسخ القرآن بالسنة، أو السنة بالقرآن، أو الأخذ بالاستحسان.
    • الحرص على التنظيم والترتيب، والإشارة إلى المسائل التي سوف يتناولها على وجه الإجمال، ثم الإتيان بها على وجه التفصيل، كما هو الحال في مراتب البيان، وكما في مسائل النسخ في صدر ابتداء الناسخ والمنسوخ، وكذا في مسائل الاجتهاد بالقياس.
    • إيراد حجج الخصوم، والرد عليها بحسب ما يقتضيه المقام ودرجة الخلاف من إفحام وتقريع، أو نقاش هادئ رصين، مع الحرص على الموضوعية والحياد، ولهذا يلحظ تجنبه التصريح بأسماء المخالفين، حتى في المسائل ذات الأبعاد الخطيرة.
    • شحذ الأذهان بإيراد بعض المسائل على شكل سؤال أو استفسار أو اعتراض مقدر، كما في قوله: "فإن قال قائل: هل تُنسخ السنةُ بالقرآن؟"، "فما حجتك في أن تَتْبع ما اجتمع الناس عليه مما ليس فيه نص حكم لله؟"، وقوله: "فاذكر من الأخبار التي تقيس عليها، وكيف تقيس؟".
    • بناء الفروع على أصولها، فحيث ذكر أصلاً يمكن الاستنباط منه، أتبعه بأمثلة حقيقية من واقع التشريع مستمدة من الكتاب والسنة، وبهذا تجنب حشو الكلام والجفاف والاتجاه المنطقي عند كثير ممن جاء بعده.




    ([1]) ينظر: مناقب الشافعي 1/260.

    ([2]) ينظر: مناقب الشافعي، للبيهقي 2/49.

    ([3]) ينظر: مناقب الإمام الشافعي، للرازي ص239.

  6. 5 أعضاء قالوا شكراً لـ محمد بن عبدالعزيز المبارك على هذه المشاركة:


  7. #5
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    • مقدمة الرسالة:

    بدأ الإمام الشافعي رحمه الله مقدمة كتابه الرسالة بحمد الله تعالى والثناء عليه وشكره على ما أولى من النعم السابغة، وتجلت فيها معاني الإيمان النابضة، ومشاعر التدين المتدفقة، مع التأكيد على أن الإعانة منه سبحانه إلى شكره بالقول والعمل توفيق منه وفضل وسعة رحمة، وصدقة منه على عبده، "وفّقه لها، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها، وحببها إليه، وزينها في قلبه، وكره إليه أضدادها، ومع هذا فليست ثمناً لجزائه وثوابه، ولا هي على قدره، بل غايتها إذا بذل العبد فيها نصحه وجهده، وأوقعها على أكمل الوجوه أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه، فلو طالبه بحقه لبقي عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم بشكرها"([1]).
    وقد تضمن محتوى هذه المقدمة الإشارة إلى أربعة موضوعات رئيسة، وهي:

    • حال الناس وقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
    • بيان النعمة المسداة والرحمة المهداة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في وقت كانت البشرية في أمس الحاجة إليها.
    • أن إنزال الكتاب كان من تمام النعمة وإكمال المنة.
    • طبقات الناس في العلم.


    وفي ختم الإمام الشافعي هذه الموضوعات ببيان طبقات الناس في العلم لفتة باهرة لا تصدر إلا عن جهبذ فذ، إذ حين ذكر النعمة ببعثة النبي م صلى الله عليه وسلم في حال جاهلية البشر مع مسيس الحاجة إليها، ثم أتمت النعمة بإنزال الكتاب المبين، الذي حوى جميع ما يحتاجونه في أمور دينهم وما يكفل سعادتهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)، فكان بياناً لكلّ ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب([2]).
    ثم إن هذا البيان فيه لم يكن على درجة واحدة، بل كان على ضربين: بيان جَلِيّ تناوله الذكر نصاً، وبيان خفِيّ اشتمل عليه معنى التلاوة ضمناً، فما من حادثة جليلة ولا دقيقة إلا ولله فيها حكم قد بينه في الكتاب نصاً أو دلالة، ثم ما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم فإنما صدر عن الكتاب، كما دل عليه قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)، وقوله: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىظ° صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، وقوله: (مَنْ يُطِعْ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه)، فما بيّنه الرسول فهو عن الله عز وجل، وهو من تبيان الكتاب له؛ لأمر الله إيانا بطاعته واتباع أمره، وهكذا ما حصل عليه الإجماع فمصدره أيضاً عن الكتاب؛ لأن الكتاب قد دل على صحة حجة الإجماع، وأن الأمة لا تجتمع على ضلال، ثم ما أوجبه الاجتهاد والنظر من تبيان الكتاب؛ لأنه قد دل على ذلك أجمع، فما من حكم من أحكام الدين إلا وفي الكتاب تبيانه من الوجوه السابقة([3]).
    ولهذا كان ختم الإمام الشافعي مقدمة الرسالة بالإشارة إلى طبقات الناس في العلم في غاية الإبداع، باعتبار أن من بيان القرآن الكريم ما يكون خفياً، يفتقر إظهاره وكشفه إلى تأمل أهل العلم واجتهادهم، "فإن من أَدرك علمَ أحكام الله في كتابه نصاً واستدلالاً"، فليس كل ما في الكتاب من المنصوص عليه الذي يقف عليه عامة الناس غالباً، ولهذا مَن نوّر الله تعالى بصيرته بما في القرآن الكريم من الآيات والذكر الحكيم، ثم يسّر له ووفّقه "للقول والعمل بما علِم منه"، حصلت له من الفضائل التي لا يستغني عنها ذو علم ( كما ذكر في ختم مقدمته الماتعة):

    • ففاز أولاً بالفضيلة، وحاز درجة الكمال بالعمل بمراد الله تعالى "في دينه ودنياه".
    • وانتفى عن قلبه الريب والشكوك التي قد تغافل أهل الجهالة والبطالة، ذلك أن العلم يزداد بالنظر والاستدلال، فيوجب حينئذ قوة التصديق، حتى ينفي الريب ويوجب طمأنينة القلب بالإيمان، وسكونه وارتياحه به([4]).
    • ثم "نَوَّرت في قلبه الحكمةُ"، ذلك أن غذاء القلب العلم والحكمة، وبهما حياته، كما أن غذاء الجسد الطعام، ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم([5]).
    • "واستوجب في الدين موضعَ الإمامة"، ذلك أن الله تعالى يرفع أهل العلم بكتابه وشرعه، العامِلين به، في الدنيا وفي الآخرة؛ كما قال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، ثم إن بالعلم المستوجب لليقين والعمل بمقتضاه الحاصل بالصبر تُنال الإمامةُ في الدِّين، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ).


    ثم ختم الإمام الشافعي رحمه الله مقدمة الرسالة بالتأكيد على أن القرآن هدى للناس فيما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، وأن البيان فيه عام لذلك كله، ولهذا ابتدأ أول موضوعات كتابه الرسالة بتعريف البيان، الذي ستدور حوله كافة مسائله، كما سيتبين لاحقاً.




    ([1]) مدارج السالكين 1/115.

    ([2]) ينظر: تفسير الطبري 17/278.

    ([3]) ينظر: أحكام القرآن، للجصاص 3/246، معالم السنن 1/8.

    ([4]) ينظر: فتح الباري، لابن رجب 1/15.

    ([5]) ينظر: إحياء علوم الدين 1/8.


  8. #6
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    قال الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة:

    باب: كيف البيان؟
    "قال الشافعــي : والبيانُ اسمٌ جامـــعٌ لمعانٍ مجتمعـــةِ الأصــول، متشعبةِ الفروع، فأقــلُّ ما في تلك المعاني المجتمعــة المتشعبـــة: أنها بيانٌ لمن خُوطب بهـا ممن نزل القُرآن بلسانـــه، متقاربةُ الاستواء عندَه، وإن كان بعضُها أشدَّ تأكيدَ بيانٍ مِن بعض، ومختلفةٌ عندَ مَن يَجهل لسانَ العرب".


    وهنا بدأ الإمام الشافعي رحمه الله في الكشف عن معنى البيان وكيفيته في الشريعة، فذكر أولاً أن البيانَ بمعناه العام في الشرع "اسم جامـــع" يتضمن أنواعاً متعددة مختلفة، منها ما سوف يتناوله في الرسالة، من متفق الدلالة ومختلف الظاهر، ونص ومستنبط، وعموم وخصوص، ومجمل ومفسر، وجميعُ ذلكَ يشمله اسم البيان، وإن اختَلَفَت مراتبُه، وقوله هنا: "مجتمِعة الأصولِ"، أي: في الاسمِ الشامل، وهو البَيانُ، وقوله: "متشعبة الفروع"، يعني: بينَ الأنواع السابقة، فهي في الحقيقة شُعَبُ الاسَمِ الذي يسمى جملة البيان.
    وقول الشافعي هنا: "وإن كان بعضُها آكدَ بياناً من بعض"، وذلك نظراً منه إلى أن البيان مراتب، كما سيقوم بتفصيله، وقد أشارَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك حيث قال: "إنّ من البيانِ لَسِحراً"([1])، ولم يقلْ: إن البيانَ سِحْرٌ، وإنما جعل بعضَه سحراً، وذلك أن النصَّ أجلى مراتب البيان، والظاهرَ دونه، ودليل الخطاب دونَ فحْواه، فهذا كلامُ عالم جليل أحاطَ بالبيانِ خُبْراً، وقتلَه عِلْماً([2]).
    وهذه المعاني المجتمعة من جهة، والمتشعبة من جهة أخرى، هي تفاصيل ما سوف يتناوله الإمام الشافعي في الرسالة، الذي يتمحور موضوعها الرئيس حول البيان، كما سبق الكشف عنه.


    • الاعتراض على كلام الإمام الشافعي رحمه الله:

    قد رام بعض أهل العلم الاعتراض على كلام الشافعي، وذكروا في ذلك وجوهاً من الاعتراضات([3]):

    • فاعترض بعضهم بأن الشافعي ما حدّ البيانَ وما وصفه؛ بل ذكر جملة مجهولة، فكان بمنزلة من قال: البيان اسم يتضمن أشياء، ثم لم يبيّن تلك الأشياء ما هي؟، بل إن تعريفه البيان هو بالإلباس أشبه منه بالبيان، حيث لم يذكر المعاني المجتمعـــة الأصول المتشعبة الفروع ما هي وما حدها وصفتها؟، ثم إنه أدخل في البيان ما هو واضح منكشف ابتداء مع أن البيان إظهار المعنى وإيضاحه منفصلاً مما يلتبس به.
    • واعترض آخر بأن كلامه لا يعدّ حداً للبيان، وإنما هو وصف له بأنه يجمعه أمر جامع، وأنه يتشعب إلى أقسام كثيرة، فإنه لو أراد حدّ البيان بمعناه اللغوي لآلت حقيقته حينئذ إلى حد البيان بأنه بيان، وذلك حدّ الشيء بنفسه، وهو لا يجوز، وإن كان أراد حدّ البيان العام، فإنه يكون تعريفاً غير جامع لخروج الأدلة العقلية منه، وإن أراد حدّ البيان الخاص الذي يتعارفه الفقهاء، فإنه غير مانع؛ لأنه يدخل فيه الكلام المبتدأ إذا عرف به المراد، كالعموم والخصوص وغيرهما، وهذا ليس هو العام والخاص.
    • واعترض غيره بأن البيان أبين من التفسير الذي فسره به، فكان تعريفه موهماً.



    • مناقشة الاعتراضات:

    من أجل مناقشة هذه الاعتراضات الواردة على كلام الإمام الشافعي يلحظ الآتي:

    • اعتذر بعض أصحاب الشافعي بأن الإمام لم يقصد حد البيان وتفسير معناه، وإنما قصد أن اسم البيان يقع على الجنس، فهو اسم عام جامع لأنواع مختلفة من البيان، وهي متفقة في أن اسم البيان يقع عليها، ومختلفة في مراتبها، فبعضها أجلى وأبين من بعض، لأن منه ما يدرك معناه من غير تدبر وتفكر، ومنه ما يحتاج إلى دليل، ويشهد لذلك أن الشافعي جعل لكل نوع من الأنواع المختلفة باباً، فقال: باب البيان الأول، باب البيان الثاني، وهكذا([4]).
    • أما إدخاله في البيان ما هو واضح منكشف ابتداء، فهذا يشهد بعلو قدره وشأوه في اللغة؛ فإنه ليس من حق البيان أن يكون بياناً لمجمل ومشكل من القول ومالا يستقل بنفسه فحسب؛ وذلك لأن النصوص والعمومات بيان لما وضعت له وكشف لمعناه، وإن لم تكن محتملة لبيان المراد بالجمل، ولأجل هذا لم يصح قول من قال إن حد البيان: (إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى التجلي بأي وجه كان)؛ لأنه حد يخرج من البيان أكثره، ويوجب أن لا يكون البيان إلا بيان مجمل محتمل، وأن لا يكون العموم عند مثبتيه بياناً لما اشتمل عليه، وهذا باطل، لأن كل قول يكشف عن معنى ما وضع له، فهو بيان له([5]).
    • أن هذا الاعتراض ممن جاء بعده يشهد بأن المعترض لم يفهم كلام الشافعي، من المُحْدَثِينَ الذين لم يبلغوا شاو أصحابه في العلم، فالشافعي أبو هذا العلمِ وأمّه، وهو أولُ من هَذَبَ أصولَ الفقهِ، ومن غزارةِ علمِه، وكثرةِ فضلهِ عَلِمَ أن البَيانَ مما لا يكاد يضبِطُه حدٌّ، لذا وصفه باسم جامع لأنواع متعددة، جميعُها تنتظم تحت اسم البيان وإن اختلفت مراتبُها([6]).
    • ومن وجه آخر؛ فإن الشافعي رحمه الله كان يتكلم بلغة عصره، زمن ولادة المصطلحات العلمية وبداية نشأتها – إن صح التعبير-؛ ذلك أن المصطلحات لم تتبلور وتتحدد معالمها وتتخصّص بعدُ، فمن غير السائغ حينئذ محاكمته والاعتراض عليه بأشياء استقرّ شيء منها فيما بعده، بل إنه في حقيقة الأمر هو من أماط اللثام عن مكنون كثير من المصطلحات الأصولية، وأخرج كنوزها المخبوءة في معانيها، ونضد دررها ولآلئها، وعليه فالبيان في تصوره لم يكن محصوراً في دلالته المعجمية الضيقة المحدودة، كما لم يكن قاصراً على بعض أنواعه التي ارتبط بها فيما بعد (كما في: إظهار المعنى الخفي وإيضاحه)، بل اتخذ البيان عنده شكلاً أوسع نطاقاً وأرحب مجالاً ليصل به إلى مستوى الدلالة والمفهوم، بما يتضمنه ذلك من مراتب ودرجات، وهذا ما يؤكده الإمام الشافعي ببراعة منقطعة النظير في التصور والإدراك والتوظيف حين يقول في موطن آخر من الرسالة: "يَعلمُ مَن فَهِمَ هذا الكتاب أنّ البيان يكون من وجوه، لا مِن وَجهٍ واحد، يَجْمَعُها أنها عند أهل العلم بَيِّنَةٌ ومُشْتَبِهَةُ البيان، وعند مَن يُقَصِّرُ عِلمُه مُختلفة البيان"([7]).

    ثم إن اعتراضهم بأنه ذكر أن: "البيان اسم يتضمن أشياء، ثم لم يبيّن تلك الأشياء ما هي؟" لا يخلو من قصور في قراءة الرسالة تامة، للوقوف على مقصود الجهبذ ومغزاه؛ إذ الإمام الشافعي عربي اللسان، فهنا ذكر معنى البيان على وجه الإجمال، أما بيان الأشياء الداخلة تحته فهو تفاصيل ما في الرسالة من ذكر العموم والخصوص والأمر والنهي، والتعارض والجمع والترجيح، والاتباع والاستنباط، إلى غير ذلك من المباحث المدونة في تضاعيف كتابه.

    • ويؤكد ما سبق أن هذا التصور الواسع لمعنى البيان وتعدد معانيه وتشعبها كان أمراً ملحوظاً في ذلك العصر، بغضّ النظر عن الفن الذي يمكن أن يتعلق به؛ حيث يلحظ أن الجاحظ (ت255ه) يستعير شيئاً من كلام الإمام الشافعي حين يعبّر عن البيان، وذلك في قوله: "والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائناً ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل؛ لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع، إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع"([8]).


    يتبع...




    ([1]) رواه البخاري في صحيحه، رقم 5146.

    ([2]) كما قال ذلك ابن عقيل في الواضح 1/185-186.

    ([3]) ينظر فيها: الفصول في الأصول، للجصاص 2/10-14، البحر المحيط، للزركشي 5/90-91.

    ([4]) ينظر: قواطع الأدلة، لابن السمعاني 1/258، البحر المحيط، للزركشي 5/91.

    ([5]) ينظر: التقريب والإرشاد، للباقلاني 3/372-373.

    ([6]) ينظر: الواضح، لابن عقيل 1/185.

    ([7]) يقصد أن وجوه البيان عند أهل العلم بعضها بيّن لا يحتاج إلى إيضاح معان, وبعضها مشتبه يحتاج إلى دقة نظر وعناية, وأما عند غير أهل العلم فإنها كلها مختلفة البيان بالنسبة إليه، لا يدرك وجه الكلام فيها، ينظر: تحقيق الشيخ أحمد شاكر على الرسالة ص145.

    ([8]) البيان والتبيين 1/82.

  9. 5 أعضاء قالوا شكراً لـ محمد بن عبدالعزيز المبارك على هذه المشاركة:


  10. #7
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    قال الشافعي في الرسالة:

    فجِمَاعُ ما أبان الله لخلقه في كتابه، مما تَعَبَّدَهم به، لما مضى مِن حكمه جلّ ثناؤه، مِن وجوه.
    فمنها ما أبانه لخلقه نصاً، مثلُ جمُل فرائضه، في أنّ عليهم صلاةً وزكاةً وحجاً وصوماً وأنه حرَّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن، ونصِّ الزنا والخمر، وأكلِ الميتة والدمِ ولحمِ الخنزير، وبيَّن لهم كيف فَرْضُ الوضوء، مع غير ذلك مما بَيَّن نصّاً. ومنه: ما أَحكم فرضَه بكتابه، وبيَّن كيف هو على لسان نبيه؟، مثلُ عدد الصلاة، والزكاة، ووقتها، وغيرِ ذلك مِن فرائضه التي أَنزل مِن كتابه.
    ومنه: ما سَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مما ليس لله فيه نصُّ حكمٍ، وقد فَرض اللهُ في كتابه طاعةَ رسوله صلى الله عليه وسلم، والانتهاءَ إلى حكمه، فمَن قَبِلَ عن رسول الله فبِفَرْضِ اللهِ قَبِل.
    ومنه: ما فرض اللهُ على خلقه الاجتهادَ في طلبه، وابتلى طاعتَهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتَهم في غيره مما فَرَض عليهم؛ فإنه يقول تبارك وتعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىظ° نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)، وقال: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ)، وقال: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).
    ----------


    • مراتب البيان:

    شرع الإمام الشافعي ههنا في ذكر مراتب البيان للأحكام على ضرب من الإجمال، ورتبها خمسة أقسام، بعضها أوضح بياناً من بعض، حيث بدأ بالأكثر قوة في البيان، فذكر أولاً ما هو نص جلي في البيان، ثم ما هو أدنى منه وهو الظاهر، ثم ما هو بيان لمشكل، ثم بيان السنة المبتدأ، ثم القياس، والشافعي وإن ذكر أربع مراتب في الظاهر، إلا أن الثانية منها تنتظم في مرتبتين، كما هو صنيع فهم من نقل عنه من الشافعية، وعلى رأسهم لسان مذهبه إمام الحرمين الجويني رحمه الله.
    وتنسيق هذه المراتب يتضح فيما يأتي([1]):

    • المرتبة الأولى: بيان التأكيد، وهو النص الجلي المتأكد تأكيداً يدفع الخيال، بحيث لا يتطرق إليه تأويل، فيدركه الجميع ولا يختص بدرك فحواه الخواص، فهو لفظ ناص منبه على المقصود من غير تردد، فيكون البيان فيه قاطعاً للاحتمال، مقرراً للحكم على ما اقتضاه الظاهر، كقوله سبحانه وتعالى: (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، فهذه أعلى مراتب البيان.
    • المرتبة الثانية: الظاهر الذي هو كلام بيّن واضح في المقصود سيق الكلام لأجله، ولكن يختص بدرك معانيه الخفية النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما ذكره الشافعي في كتابه، إلا أن كثيراً من أتباعه ذكروا في شرح المراتب أنه يشاركه في ذلك المستقلون وذوو البصائر من أهل العلم، كالنص الوارد في آية الوضوء؛ فإنها واضحة بينة ولكن في أثنائها حروف لا يحيط بها إلا بصير بالعربية، كما هو الشأن في حرفي : (الواو)، و (إلى) الورادين فيها؛ فإن هذين الحرفين يقتضيان معاني معلومة عند أهل اللسان.
    • المرتبة الثالثة: نصوص السنة الواردة بياناً لمشكل في القرآن، بحيث جرى له ذكر مجمل في كتاب الله، ولا يستغني عن البيان في إفادة الحكم, وكان بيان تفصيله محالاً على المصطفى صلى الله عليه وسلم، كقول الله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)، فتفصيله قدراً وذكر مستحقه محال على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإن كان الأمر به ثابتاً في الكتاب.
    • المرتبة الرابعة: نصوص السنة الصحيحة المبتدأة مما ليس في القرآن نص عليها بالإجمال، ولا بالتفصيل، بحيث يتلقى أصله وتفصيله من السنة النبوية الكريمة، ويشهد لكون هذه المرتبة من بيان الكتاب، قول الله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).
    • المرتبة الخامسة: بيان الإشارة والتنبيه، وهو الاجتهاد بالقياس المستنبط مما ثبت في الكتاب والسنة، مثل الألفاظ التي استنبطت منها المعاني، وقيس عليها غيرها؛ لأن الأصل إذا استنبط منه معنى، وألحق به غيره، لا يقال: لم يتناوله النص، بل يتناوله، لأن النبي عليه السلام أشار إليه بالتنبيه، كإلحاق المطعومات في باب الربا بالأربعة المنصوص عليها؛ إذ حقيقة القياس بيان المراد بالنص، وقد أمر الله تعالى أهل التكليف بالاعتبار والاستنباط والاجتهاد.


    ثم تطرق الإمام الشافعي رحمه الله إلى التمثيل على المرتبة الخامسة، الذي سيأتي الكلام عنها مفصلاً في آخر الرسالة عند الحديث عن الاجتهاد بالقياس وأحكامه، وإنكار الاستحسان وبيان أنه ليس من الاجتهاد الشرعي المطلوب في شيء، وهذا ما أشار إليه في آخر كلامه هنا حين قال: "وقد وُضِع هذا في موضعه، وقد وضعتُ جملاً منه رجوتُ أن تدلّ على ما وراءها مما في مثل معناها"، وهو في الحقيقة هناك أكثر بياناً وكشفاً، مع الشرح والتفصيل والتقرير، فلا حاجة للكلام عما سيأتي خشية التكرار.


    • الاعتراض على تقسيم الشافعي:

    تنتظم الاعتراضات الواردة على الإمام الشافعي ههنا في اتجاهين مختلفين:
    الاتجاه الأول: اعتراض على أصل تقسيم مراتب البيان، وذلك باعتباره تقسيماً محدثاً من قِبَله، لا دليل له عليه، بل "لا يخلو من أن يكون أخذه عن لغة أو عن شرع، ولا سبيل له إلى إثبات ذلك من واحدة من الجهتين، ولا ندري عمن أخذه، ويشبه أن يكون ابتدأه من قِبَل نفسه"([2]).
    وهذا اعتراض ضعيف في الحقيقة، والعجب لا ينقضي من الاعتراض عليه به، بدل الإشادة به باعتباره ابتكاراً من الإمــــام الشافعـــي ودليل عبقرية، يستحق به الثناء والتقديــــر، فالشأن في التقسيم والتفريع استناده في الغالب إلى الاستقراء والتتبع، وهذا ما يفتقر إلى عقلية فذة، ولا حاجة ههنا في المطالبة بسند نصي من لغة أو شرع.
    الاتجاه الثاني: القصور في حصر مراتب البيان، وذلك بادعاء أنه أغفل بعض المراتب، وأبرزها([3]):

    • الإجماع.
    • قول المجتهد إذا انقرض عصره، وانتشر من غير نكير.
    • دليل الخطاب ( المفهوم)، وخصوصاً أنه ممن يحتج به.

    وأجاب بعض أهل العلم بأن الإمام الشافعي إنما لم يذكر الإجماع وقول المجتهد؛ لأن الشافعي كان بصدد عدّ ما تستند إليه الأحكام مباشرة، والمراتب السابقة كذلك، أما الإجماع وقول المجتهد فكل واحد منهما إنما يتوصل إليه بأحد المراتب الخمسة المذكورة، لأن الإجماع لا يصدر إلا عن دليل، فإن كان نصاً فهو من المرتبة الأولى، وإن كان استنباطاً فهو من المرتبة الخامسة، وأما عدم ذكره للمفهوم، فإن كان المقصود مفهوم الموافقة فهو داخل في قسم البيان من الكتاب والسنة، كما يمكن أن يكون من القياس الجلي، فيدخل حينئذ تحت المرتبة الخامسة، وإن كان المقصود مفهوم المخالفة فهو من جملة ما استنبط بالاجتهاد، فدخل في المرتبة الخامسة([4]).
    ويبدو أيضاً أنه يمكن أن يقال: إن الإجماع وقول المجتهد المنتشر كلاهما شيء واحد، فهذا إجماع صريح والآخر إجماع سكوتي، وبناء عليه فهو داخل ضمن المرتبة الثانية التي يختص بدرك معانيها وما فيها المستقلون وذوو البصائر من أهل العلم، إلا أن ما يختصون به منه ما يكون متفقاً عليه فيما بينهم صريحاً أو دلالة، ومنه ما هو مستند إلى نوع اجتهاد واستنباط.


    ... يتبع بإذن الله تعالى




    \



    ([1]) ينظر: البرهان، للجويني 1/40، المنخول ص125-126، البحر المحيط، للزركشي 5/92-93.

    ([2]) الفصول في الأصول، للجصاص 2/14.

    ([3]) ينظر: البرهان، للجويني 1/40، البحر المحيط، للزركشي 5/92.

    ([4]) ينظر: شرح البرهان، للأبياري 1/493-494، البحر المحيط، للزركشي 5/92.

  11. 4 أعضاء قالوا شكراً لـ محمد بن عبدالعزيز المبارك على هذه المشاركة:


  12. #8
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    قال الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة:

    باب البيان الأول
    قال الله تبارك وتعالى في المتمتع: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، فكان بيِّناً عند مَن خُوطب بهذه الآية أنّ صوم الثلاثة في الحج والسبعة في المَرجِع عشرةُ أيام كاملة، قال الله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) فاحتملت أن تكون زيادةً في التبيين، واحتملت أن يكون أعلَمَهُم أن ثلاثة إذا جُمعت إلى سبع كانت عشرةً كاملة.
    وقال الله: (وَوَاعَدْنَا مُوسَىظ° ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)، فكان بيِّنا عند من خُوطب بهذه الآية أن ثلاثين وعشراً أربعون ليلة، وقوله: (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) يَحتمل ما احتملت الآيةُ قبلها: من أن تكون: إذا جُمعت ثلاثون إلى عشر كانت أربعين، وأن تكون زيادةً في التبيين.
    وقال الله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىظ° سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، وقال: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىظ° وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىظ° سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، فافترض عليهم الصومَ، ثم بيَّن أنه شهرٌ، والشهر عندهم ما بين الهلالين، وقد يكون ثلاثين، وتسعاً وعشرين، فكانت الدلالةُ في هذا كالدلالة في الآيتين، وكان في الآيتين قبلَه: زيادةٌ تبيِّن جِماعَ العدد.
    وأشبهُ الأمور بزيادة تبيين جُملة العدد في السبع والثلاث، وفي الثلاثين والعشر: أن تكون زيادةً في التبيين؛ لأنهم لم يزالوا يعرفون هذين العددين وجِماعَه، كما لم يزالوا يعرفون شهرَ رمضان.
    -------------


    • تفصيل المرتبة الأولى من البيان:

    بعد أن ذكر الإمام مراتب البيان على ضرب من الإجمال شرع في تفصيل كل مرتبة على حدة، فبدأ بالمرتبة الأولى، وهي ما وقع بيانه مفصلاً واضحاً في كتاب الله تعالى، بحيث لم يحتج إلى كشف وشرح من السنة أو غيرها، وهذا ما يمكن أن يطلق عليه مصطلح النص، ذلك أن النص استقرّ معناه على ما لا يحتمل إلا معنى واحداً، ثم شرع في ذكر الأمثلة على هذه المرتبة:

    • المثال الأول: قول الله تعالى : (فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم‏ تلك عشَرَة كاملة‏)، فبين الله تعالى في محكم كتابه أنه المتمتع في الحج إذا لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ثم زاد في البيان بذكر جمعها وهو عشرة، فكانت هذه الآية نصاً بَيِّناً لمن خوطب بها، فلم تحتمل فهماً آخر، وقد أضاف بعض أهل العلم من وجوه البيان ههنا أن (الواو) في لغة العرب لما كانت تجيء في بعض المواضع للإباحة والتخيير بين الشيئين، كان قوله : (عشرة كاملة) تحقيقاً لإرادة الجمع وتأكيداً له، أو أنه قصد رفع ما قد يهجس في النفوس من أن المتمتع إنما عليه صوم سبعة أيام لا أكثر; ثلاثة منها في الحج، ويكمل سبعة إذا رجع، أو ذلك عائد إلى أن قاعدة الشريعة أن الجنسين في الكفارة لا يجب على المكفِّر الجمع بينهما، فلا يلزم الحانث في اليمين بالله تعالى أن يطعم المساكين ويكسوهم، ولا يلزم المظاهر العتق والصوم، فلما اختلف محلّ هذين الصومين، فكانت ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع، صارا باختلاف المحلين كالجنسين، والجنسان لا يجمع بينهما، فأفادت هذه الزيادة (تلك عشرة كاملة) رفع ما قد يهجس في النفوس، من أنه إنما عليه أحد النوعين: إما الثلاثة أيام وإما السبعة، أو : أن المقصود ذكر الكمال، لا ذكر العشرة، فليست العشرة مقصودة بالذات; فهي لم تذكر للإعلام بأن التفصيل المتقدم عشرة; لأن ذلك من المعلوم بالضرورة، وإنما ذكرت لتوصف بالكمال الذي هو مطلوب في الواقعة([1]).



    وقد اعترض على الإمام الشافعي في عدّ هذا من البيان؛ وقيل : إن جمع الثلاثة والسبعة غير مفتقر إلى البيان أصلاً، فكيف تعدّه من أقسام البيان؟، وأجيب بأنه لا يحتاج إلى بيان ليخرج به عن حدّ الإشكال، ولكنه يخرج به عن حدّ الاحتمال البعيد الضعيف، فجعله في أول أقسام البيان؛ "لأن معناه تجلّى على وجه لا مرتقى بعده في درجات البيان"([2]).


    • المثال الثاني: قول الله تعالى : (وَوَاعَدْنَا مُوسَىظ° ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً‏)، حيث كان ذكر تمام العدد بقصد مزيد البيان؛ إذ قد عُلم أن ثلاثين وعشراً أربعون، إلا أن بيان كمال العدد كان لأجل رفع توهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها، كما يقال: تممت العشرة بدرهمين وسلمتها إليه؛ فبيّن أن العشر سوى الثلاثين، أو أن ذكر تمام الأربعين كان بقصد بيان إرادة شهر وعشرة أيام متوالية، حتى قيل: إنه شهر ذي العقدة وعشر من ذي الحجة، ولو قال: أربعين ليلة لم يعلم أنه كان الابتداء أول الشهر، ولا أن الأيام كانت متوالية([3]).




    • المثال الثالث: قول الله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ

    لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)، ثم أبان أن هذه الأيام المعدودات هي شهر رمضان بقوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)إلى:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)،
    فكان بيّناً في كتاب اللَّه عز وجل أنَّه لا يجب صوم إلا صوم شهر رمضان، وكان عِلْمُ شهر رمضان عند من خوطب باللسان أنه الذي بين شعبان وشوال بيّناً([4]).

    يتبع بإذن الله تعالى..........



    ([1]) ينظر: شرح البرهان، للمازري ص139، البرهان في علوم القرآن، للزركشي 2/479-480.

    ([2]) أحكام القرآن، للكيا الهراسي 1/108.

    ([3]) ينظر: تفسير الطبري 13/86، تفسير القرطبي 7/257.

    ([4]) ينظر: أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي 1/105.

  13. 3 أعضاء قالوا شكراً لـ محمد بن عبدالعزيز المبارك على هذه المشاركة:


  14. #9
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    قال الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة:
    باب البيان الثاني
    قال الله تبارك وتعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)، وقال: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ)، فأتى كتابُ الله على البيان في الوضوء دون الاستنجاء بالحجارة، وفي الغُسل من الجنابة، ثم كان أقلُّ غَسل الوجهِ والأعضاءِ مرةً مرةً، واحتمل ما هو أكثرُ منها، فبيّن رسولُ الله الوضوءَ مرةً، وتوضأ ثلاثاً، ودلّ على أن أقلَّ غَسل الأعضاء يجزئ، وأن أقلَّ عدد الغَسل واحدة، وإذا أجزأت واحدةٌ فالثلاثُ اختيارٌ.
    ودلّت السنةُ على أنه يجزئ في الاستنجاء ثلاثةُ أحجار، ودلّ النبي على ما يكون منه الوضوءُ، وما يكون منه الغُسلُ، ودلّ على أن الكعبين والمرفقين مما يغسل؛ لأن الآية تحتمل أن يكونا حدين للغسل، وأن يكونا داخلين في الغسل، ولما قال رسول الله :"ويل للأعقاب من النار" دلَّ على أنه غَسلٌ لا مسحٌ.
    قال الله: (لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ)، وقال: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَظ°لِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىظ° بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)، فاستُغنِي بالتنزيل في هذا عن خبرٍ غيرِه، ثم كان لله فيه شرطٌ: أنْ يكون بعد الوصيةِ والدَّينِ، فدلّ الخبرُ على أنْ لا يُجَاوَزَ بالوصيةِ الثلثُ.
    -------------


    • تفصيل المرتبة الثانية من البيان:

    جاء كلام الإمام الشافعي هنا عن الظاهر الذي هو كلام بيّن واضح في المقصود وسيق الكلام لأجله، فجاء فرضه محكماً في كتاب الله تعالى بحيث يستغني عن البيان في إفادة الحكم، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم اختصّ بدرك الكشف عن بعض ما فيه مما هو محتمل، وخلاصة هذه المرتبة أن الحكم فيها بُيِّنَ بعضه، وأجمل بعضه مما فوّض بيانه إلى السنة النبوية، وذلك كما هو الشأن في الوضوء فقد جاء من جهة مفصلاً في القرآن الكريم من حيث بيان أركانه من غسل وجه ويدين ومسح رأس وغسل رجلين, وجاء على ضرب من الإجمال والخفاء من حيث العدد، وإن كان أصل العمل ممكناً بدون البيان، فبيّنت السنة ذلك وجوّزت غسل الأعضاء مرة أو مرتين أو ثلاثاً، وهذا يصح أن يقال فيه كما قيل في المرتبة الأولى من أنه مأخوذ عن الله تعالى، من حيث إن المكلف قَبِل عن الله عز وجل بكلامه جملة، وقَبِل تفسيره عن الله تعالى أيضاً بأن الله فرض عليه طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم([1])، فقال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، وقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، ثم مثّل على ذلك بما يأتي:

    • أن ظاهر قول اللَّه تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) يقتضي أقلّ ما وقع عليه اسم الغَسْل، وذلك مرة، ويحتمل أكثر، فسنَّ صلى الله عليه وسلم الوضوء مرة، فوافق ذلك ظاهر القرآن، وسنَّه أيضاً مرتين وثلاثاً، فلما سنَّه مرة، دلنا ذلك على أن الواحدة لو كانت لا تجزئ؛ لم يتوضأ مرة ويصلي، وأن ما جــاوز مرةً اختيارٌ، وليس فرضـــاً في الوضــوء لا يجزئ أقل منـه، وكذلك بيّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله موجبات الوضوء والغسل، كما أن قول الله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) ظاهر في وجوب غسل اليدين والرجلين، إلا أن حرف "إلى" للنهاية، فجاز أن يقع على أول الحدّ، وحينئذ لا يجب إدخال المرفقين والكعبين في الغَسل، وجاز أن يتوغل في المكان من غير مجاوزة فيجب غسلهما; فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ويل للأعقاب من النار"([2]) دلَّ على أنه لا بد من غسلهما.
    • وفي المثال الآخر: جاء ذكر المواريث في القرآن الكريم وأبان الله تعالى ما للوالدين والأزواج مما سمي في الحالات، وكان عامَّ المخرج، فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه إنما أريد بها بعض الوالدين والأزواج دون بعض، وذلك أن يكون دين الوالدين، والمولود، والزوجين واحداً، ولا يكون الوارث منهما قاتلاً، ولا مملوكاً، وفي قول الله تعالى: (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىظ° بِهَا أَوْ دَيْنٍ) ، كان من الجلي أن الدَّين قبل الوصايا والميراث، وأن لا وصية ولا ميراث حتى يستوفي أهل الدَّين دينهم ، ثم أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوصايا يُقتصر بها على الثلث، ولأهل الميراث الثلثان([3])، وذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الثلث، والثلث كثير"([4]).



    ([1]) ينظر: الأم 7/314، معرفة السنن والآثار، للبيهقي 1/101.

    ([2]) رواه البخاري في صحيحه، رقم 60، مسلم في صحيحه، رقم240.

    ([3]) ينظر: أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي 1/26-27.

    ([4]) رواه البخاري في صحيحه، رقم 2742، ومسلم في صحيحه، رقم 1629.

  15. 3 أعضاء قالوا شكراً لـ محمد بن عبدالعزيز المبارك على هذه المشاركة:


  16. #10
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    قال الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة:

    باب البيان الثالث
    قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، وقال: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وقال: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)، ثم بيّن على لسان رسوله عددَ ما فَرض من الصلوات ومواقيتَها وسُننَها، وعددَ الزكاة ومواقيتَها، وكيف عملُ الحج والعمرة، وحيث يزولُ هذا ويثبُتُ، وتختلفُ سننُه وتتفق، ولهذا أشباهٌ كثيرةٌ في القُرآن والسنة.
    -------------

    • تفصيل المرتبة الثالثة من البيان:

    هذه المرتبة مختصة بما جاء ذكره في القرآن مجملاً بحيث لا يستغني عن البيان في إفادة الحكم ولا يمكن العمل بدونه, وكان بيان تفصيله في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومثّل الشافعي عليها بأمثلة جلية واضحة، كما في فرض الله عز وجل الزكاة في غير موضع من كتابه، فقال في غير آية: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، فهنا أصل وجوب الزكاة مما أحكم الله عز وجل في كتابه، ثم بيّن على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في أي المال تكون الزكاة، وفي أي المال تسقط، وكم الوقت الذي إذا بلغه المال حلّت فيه الزكاة، وإذا لم يبلغه لم تكن فيه زكاة، كما بيّن مقاديرها، فمنها خُمس، ومنها عُشر، ومنها نصف عشر، ومنها ربع عشر، ومنها بعدد يختلف، وكذا بيان الحج والعمرة، وكيفية أدائهما، ومتى يزول الوجوب ويثبت([1])، فهذا كله يظهر به بيان الموضع الذي وضع الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم من الإبانة عنه([2]).






    ([1]) كما سيأتي تفصيله لاحقاً.

    ([2]) ينظر: الأم 2/76.

  17. 3 أعضاء قالوا شكراً لـ محمد بن عبدالعزيز المبارك على هذه المشاركة:


  18. #11
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    قال الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة:

    باب البيان الرابع
    قال الشافعي: كلُّ ما سنَّ رسولُ الله مما ليس فيه كتابٌ، وفيما كتبنا في كتابنا هذا، من ذِكرِ ما مَنَّ الله به على العباد من تَعَلُّم الكتاب والحكمة: دليلٌ على أن الحكمةَ سنةُ رسول الله، مع ما ذكرنا مما افترض الله على خلقه من طاعة رسوله، وبيَّن من موضعه الذي وضعه الله به من دينه: الدليلُ على أن البيانَ في الفرائض المنصوصة في كتاب الله من أحد هذه الوجوه: منها: ما أَتى الكتابُ على غاية البيان فيه، فلم يُحْتَج مع التنزيل فيه إلى غيره، ومنها: ما أَتى على غاية البيان في فرضه وافترض طاعةَ رسوله، فبين رسولُ الله عن الله كيف فرْضُهُ؟، وعلى من فرْضُهُ؟ ومتى يزول بعضُه وَيَثبُتُ وَيَجِبُ؟، ومنها: ما بينّه عن سنة نبيه بلا نصّ كتابٍ، وكلُّ شيء منها بيانٌ في كتاب الله، فكلُّ من قَبِلَ عن الله فرائضه في كتابه: قَبِلَ عن رسول الله سننَه بفرْض الله طاعةَ رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قَبِلَ عن رسول الله، فعن الله قَبِلَ؛ لِمَا افترض اللهُ من طاعته.
    فيَجمع القبولُ لما في كتاب الله ولسنة رسول الله: القبولَ لكلّ واحدٍ منهما عن الله، وإن تفرّقت فروعُ الأسباب التي قُبِل بها عنهما، كما أحلّ وحرّم، وفَرَضَ وحَدَّ بأسبابٍ متفرقةٍ، كما شاء جل ثناؤه، (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ).
    -------------


    • تفصيل المرتبة الرابعة من البيان:

    في هذه المرتبة ذكر الإمام الشافعي السنة المستقلة المؤسسة للأحكام التي لم يرد ذكرها في القرآن الكريم؛ كبيان السنة النبوية لميراث الجدة، وتحريم الجمع بين المرأة وعمَّتها، وبين المرأة وخالتها، وهذه الأحكام حجة وتشريع وحكم عن الله تعالى يجب العمل بها، وذلك باعتبار أن الله تعالى أمر فرض على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن سنته هي الحكمة المأمور بتعلمها واتباعها، وهذا سيأتي تفصيله لاحقاً "فيما كتبنا في كتابنا هذا"([1]).
    ثم لخّص الإمام بصورة بديعة في هذه المرتبة ما سبق من المراتب لأجل ربط هذه المرتبة بها والكشف عن القدر المشترك الذي يجمعها وهو البيان، فذكر أن وجوه البيان في الفرائض المنصوصة في شرع الله :

    • ما جاء في كتاب الله تعالى على غاية البيان فيه، فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره (المرتبة الأولى).
    • وما جاء أيضاً في الكتاب على غاية البيان في فرضه، لكن بينت السنة النبوية بواسطة

    افتراض الله طاعة رسوله كيفيته، والمخاطب به، وحالات وجوبه وسقوطه (وهنا جمع المرتبتين الثانية والثالثة).

    • ما بيّنه الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ابتداء بلا نص كتاب (المرتبة الرابعة).

    ثم خلص رحمه الله إلى أن كل هذه المراتب تعدّ بياناً في كتاب الله؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم هو المبيِّن لشرع الله تعالى؛ لأن كل من لزمه قبول فرائض الله تعالى في كتابه، لزمه قبول سنن النبي صلى الله عليه وسلم، بفرض الله طاعته على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، فمن قَبِل عن رسول الله فعن الله قَبِل، قال الله تعالى: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).










    ([1]) ينظر بيان ذلك فيما يأتي لاحقاً في: باب بيان فرضِ الله في كتابه اتباعَ سنة نبيه.

  19. 3 أعضاء قالوا شكراً لـ محمد بن عبدالعزيز المبارك على هذه المشاركة:


  20. #12
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    قال الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة:

    باب البيان الخامس
    قال الله تبارك وتعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)، ففَرَض عليهم حيثُ ما كانوا أن يُوَلُّوا وجوهَهم شطرَه، وشطرُهُ جِهَتُهُ في كلام العرب، إذا قلتَ: أقصد شطرَ كذا، معروفٌ أنك تقول: أقصدُ قصدَ عَينِ كذا، يعني: قصدَ نفسِ كذا، وكذلك "تلقاءه": جهتَهُ، أي: أستقبل تلقاءَه وجهتَه، وإنَّ كلَّها معنى واحدٌ، وإن كانت بألفاظٍ مختلفة.
    وقال خُفَافُ بن نُدْبة:
    ألا مَن مُبلِغ عَمراً رسولاً ... وما تُغني الرسالةُ شَطرَ عمرو
    وقال ساعدةُ بن جُؤَيَّة:
    أقول لأمّ زِنْبَاعٍ أَقيمي ... صدورَ العِيس شطرَ بني تميمِ
    وقال لقيطٌ الأيادي:
    وقد أظلكُمُ مِن شطرِ ثغركُمُ ... هولٌ له ظُلَمٌ تغشاكُمُ قِطَعَا
    وقال الشاعر:
    إن العسيبَ بها داءٌ مُخامرُها ... فشطرَها بَصَرُ العينين مسحورُ
    قال الشافعي: يريد تلقاءَها بَصَرُ العينين، ونحوَها: تلقاءَ جهتها.
    وهذا كلُّه - مع غيره من أشعارهم - يُبيّن أنّ شطرَ الشيء قَصْدُ عين الشيء: إذا كان مُعايَناً فبالصواب، وإذا كان مُغَيَّبَاً فبالاجتهاد بالتوجه إليه، وذلك أكثرُ ما يمكنه فيه.
    وقال الله: (جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) فَخَلَقَ لهم العلاماتِ، ونصب لهم المسجدَ الحرام، وأمرهم أن يتوجهوا إليه، وإنما توجُّههم إليه بالعلامات التي خَلق لهم، والعقولِ التي ركَّبها فيهم، التي استدلوا بها على معرفة العلامات، وكل هذا بيانٌ ونعمةٌ منه جلّ ثناؤه.
    وقال: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)، وقال: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)، وأبان أن العدلَ العاملُ بطاعته، فمن رأوه عاملاً بها كان عدلاً، ومن عمل بخلافها كان خلافَ العدل.
    وقال جلّ ثناؤه: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)، فكان المِثلُ - على الظاهر - أقربَ الأشياء شَبَهَاً في العِظَمِ مِن البَدَن، واتفقت مذاهبُ مَن تكلم في الصيد من أصحاب رسول الله على أقربِ الأشياء شبهاً من البدن، فنظرنا ما قُتِلَ من دوابِّ الصيد: أيُّ شيءٍ كان مِن النَّعَم أقربَ منه شَبَهَاً فديناه به، ولم يحتمل المِثلُ من النَّعَم القيمةَ فيما له مِثلٌ في البدن من النعم: إلا مُسْتكرَهاً باطناً، فكان الظاهرُ الأعمُّ أولى المعنيين بها، وهذا الاجتهادُ الذي يَطلبه الحاكمُ بالدلالة على المِثْل.
    وهذا الصنفُ من العلم دليلٌ على ما وصفْتُ قبلَ هذا على أنْ ليس لأحدٍ أبداً أن يقول في شيء حلَّ ولا حرُم إلا مِن جهة العلم، وجهةُ العلم الخبرُ في الكتاب أو السنة، أو الإجماعُ، أو القياسُ.
    -------------


    • تفصيل المرتبة الخامسة من البيان:

    في هذه المرتبة ذكر الإمام الشافعي رحمه الله البيان بالاجتهاد بالقياس، وذلك باستنباط الحكم فيما لا يجد العالم نصّ الحكم عليه في الكتاب أو السُّنة، الذي أمر الله تعالى بالاجتهاد في طلبه([1])، ثم ضرب الشافعي أمثلة على البيان بهذا الاجتهاد:
    المثال الأول: أن الله تعالى أمر المصلي أن يتجه نحو المسجد الحرام، فقال: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)، والشطر هنا يراد به الجهة والناحية، ذلك أن شطر الشيء: ناحيته، وشطر كل شيء: نحوه وقصده، وقصدت شطره، أي: نحوه([2]).
    واستشهد الشافعي على ذلك بشواهد شعرية، كما في قول خفاف: "شطر عمرو"، أي: جهته، وفي قول ساعدة: "شطرَ بني تميمِ"، أراد: وجهّي صدور الإبل نحو بني تميم([3])، وفي قول لقيط: "شطرِ ثغركُمُ"، والثغر: الموضع الذي يخاف منه هجوم العدو، ولا يكون شطر الثغر تلقاءه، إلا وهو بعيد عنه، مباين له([4])، وفي قول الشاعر: "فشطرَها بَصَرُ العينين"، فسره الشافعي بأن المراد تلقاؤها، ثم قوله: "ونحوَها: تلقاءَ جهتها"، الذي يظهر أنه يشير بذلك إلى الرواية الأخرى للبيت، فقد جاء منسوباً إلى قيس بن خويلد الهذلي( قيس بن عَيزَراة) يصف الناقة النعوس، التي يحمد حلبها([5]):
    إن النعوس بها داء يخامرها ... فنحوها بصر العينين مخزور
    فهنا قال: فنحوها، ويبدو أن الشافعي كان على علم بهذه الرواية.
    والشاهد من هذا كله أن شطر الشيء في لغة العرب قصد عينه، بحيث "إذا كان مُعايَناً فبالصواب، وإذا كان مُغَيَّبَاً فبالاجتهاد بالتوجه إليه"، وحين أمر الله تعالى المصلين أن يتجهوا ناحية المسجد الحرام، فقد نصب لهم البيت، فكان على كل من رآه منهم التوجه إليه بالعيان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى مستقبله والناس معه حوله من كل جهة([6])، وأما من نأى عن البيت من الناس فالواجب في حقهم طلب التوجه له بغاية جهدهم على ما أمكنهم بالدلالات التي يعرفونها، "وإنما توجُّههم إليه بالعلامات التي خَلق لهم، والعقولِ التي ركَّبها فيهم، التي استدلوا بها على معرفة العلامات"، وهذا الأمر بالاستدلال إلى البيت بالعلامات المنصوبة المتنوعة يعدّ نوع بيان من الشارع في كيفية تطلب الواجب.
    المثال الثاني: أن الله تعالى أمر المسلمين بإجازةِ شهادةِ العدل منهم، كما في قوله: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)، وقوله : (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)، ثم إن العدل ليس له علامة خَلْقية محددة، بحيث يتحقق بها التفريق بينه وبين الفاسق، بل الأمر في ذلك موكول إلى الظاهر من حاله في تدينه وطاعته لله تعالى، "فمن رأوه عاملاً بها كان عدلاً"، فيستدلون ببعض حاله على عدالته، وكان الناس إنما كُلّفوا "أن يجتهدوا على ما يعلمون من الظاهر الذي لم يؤتوا أكثر منه"([7]).
    المثال الثالث: أن الله تعالى أمر بالمثل في جزاء الصيد: (وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ)، وفوّض تقدير المثل فيه إلى عدلين يَحكمان فيه، وذلك بأن يجتهدا على أصل الصيد المقتول، فينظران إلى أقرب الأشياء به شبهاً فيُحكم به، والمقصود
    بالمماثلة ما كان له مِثْلٌ ومشابهٌ في الخِلْقة والصورة من بهيمة الأنعام، والأصل أن ماله مثل من الصيد يُرجع فيه إلى حكم الصحابة رضي الله عنهم؛ إذ إن الله تعالى ألزم بأن يحكم بالمماثلة العدول من المسلمين، ولا أعدل وأحسن من قضاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينظر بعد ذلك ما قُتِلَ من دوابِّ الصيد: أيُّ شيء كان من النَّعَم أقربَ منه شَبَهَاً فيفدى به([8]).
    ثم بالنظر إلى آثار الصحابة رضي الله عنهم وجدنا ما يشهد أنهم فهموا المثل على مناظرة البدن وهيئة الجسم، لا بالقيمة([9]) "فيما له مِثلٌ في البدن من النعم"، وذلك باعتبار أنهم حكموا في قضايا مختلفة في بلدان شتى وأوقات متباينة في الضبع بكبش، وفي النعامة ببدنة، فلما اتفقت أحكامهم في البلدان المختلفة والأوقات المتباينة دل ذلك على أن الواجب فيه مثله من النعم دون قيمته؛ فمن حكم بالقيمة فقد حكم بخلاف اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم وخلاف مقتضى فهمهم، فكان ذلك "مُسْتكرَهاً باطناً"؛ لأنه بخلاف الظاهر الأعم الأولى، فعُلم أن الاجتهاد إنما يكون على أصل الصيد المقتول، فينظر إلى أقرب الأشياء به شبهاً فيهديه، فكان "في هذا دليل على أن الله عزّ وجل لم يبح الاجتهاد إلا على الأصول؛ لأنه عز وجل إنما أمر بمثل ما قتل، فأمر بالمثل على الأصل، ليس على غير أصل"([10]).


    يتبع بإذن الله تعالى..........



    ([1]) سيأتي ذلك لاحقاً بالتفصيل في باب القياس.

    ([2]) ينظر: لسان العرب 4/408.

    ([3]) ينظر: جامع المسائل، لابن تيمية 5/176.

    ([4]) ينظر: مقاييس اللغة 3/188.

    ([5]) ينظر: شرح أشعار الهذليين 2/607.

    ([6]) ينظر: الأم 1/114.

    ([7]) الأم 7/315.

    ([8]) ينظر: الأم 6/217.

    ([9]) هنا يشير الإمام الشافعي رحمه الله إلى الردّ على أبي حنيفة رحمه الله ومن معه، ممن رأوا أن المعتبر قيمة الصيد، كما سيأتي تفصيله لاحقاً.

    ([10]) الأم 6/217.

  21. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ محمد بن عبدالعزيز المبارك على هذه المشاركة:


  22. #13
    :: أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    أبو عبدالعزيز
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    28
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 73 مرة في 21 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    قال الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة:

    ومعنى هذا البابِ معنى القياس؛ لأنه يُطلب فيه الدليل على صواب القبلةِ، والعَدلِ، والمِثل، والقياسُ ما طُلب بالدلائل على موافقة الخبر المتقدم، من الكتاب أو السنة؛ لأنهما عَلَمُ الحقّ المفتَرَضِ طَلَبُهُ، كطلبِ ما وَصَفتُ قبله، من القِبلة والعَدْل والمثل.
    وموافقتُه تكون من وجهين:
    أحدهما: أن يكون اللهُ أو رسولُه حرّم الشيءَ منصوصاً، أو أحلّه لمعنى، فإذا وجدنا ما في مثل ذلك المعنى فيما لم يَنُصَّ فيه بعينه كتابٌ ولا سنةٌ: أحللناه أو حرمناه؛ لأنه في معنى الحلال أو الحرام.
    أو نجدُ الشيءَ يُشبه الشيءَ منه، والشيءَ من غيره، ولا نجد شيئاً أقربَ به شَبَهَاً من أحدهما: فنلحقه بأَولى الأشياء شَبَهَاً به، كما قلنا في الصيد.
    قال الشافعي: وفي العلم وجهان: الإجماعُ والاختلافُ، وهما موضوعان في غير هذا الموضع.
    -------------
    قد اعترض على الإمام الشافعي رحمه الله فيما سبق بأنه جعل القياس من البيان، والصفات التي جعلت عللاً وعلامات على ثبوت أحكامها ليست ببيان؛ لأن البيـــان في حقيقتـــه ما أوصل إلى العلـــم والقطـــع على حكم ما هو بيــان لــه، وليس هذه حال علل الأحكام، لأنها أمارات توصل إلى غلبة الظن دون العلم، وأحسن جواب عن هذا الاعتراض أن يقال: بأنا نسلّم أن البيان ما يوصل إلى العلم، ويتبين الشيء على ما هو به، كما نسلّم أن العلل والصفات المستثارة في ذاتها ليست ببيان، لأنه إنما يحصل عندها الظن بثبوت الحكم، لكنا نقول: إن الظن الحاصل عند استثارتها لكون الحكم متعلقاً بها هو البيان لثبوت الحكم؛ لأن به يعلم المجتهد وجوب الحكم قطعاً بما يغلب على ظنه أنه حكم الله عز وجل([1]).
    كما اعترض على الشافعي في تسويته بين القياس والاجتهاد؛ لأن من المقرر والمعلوم أن الاجتهاد أعم من القياس؛ لأنه يكون بالنظر في العمومات ودقائق الألفاظ، وسائر طرق الأدلة سوى القياس([2])، وأجيب بأنه إنما أراد بهذه العبارة أن كل واحد من الاجتهاد والقياس يتوصل به إلى حكمٍ غيرِ منصوص عليه، أو أنه أراد المبالغة في بيان أهمية القياس، وأن القياس أعظم أنواع الاجتهاد شأنًا، وأدقها سرًّا([3]).
    والذي يبدو أن هذا يجري عليه ما سبق ذكره في تعريف البيان من أن الإمام الشافعي كان يتكلم بلغــــة عصره، زمن نشأة المصطلحـــات العلميــــة حيث لم تتبلور وتتحدد معالمهـــا وتتخصّص بعدُ، فلا يمكن الاعتراض عليه بأشياء استقرّ شيء منها فيما بعده، ثم إن المساواة بين الاجتهاد والقياس وجعلهما اسمين لمعنى واحد ينمّ عن دقة نظر منه؛ إذ القياس وكافة الأدلة التبعية تنضوي تحت مظلة الاجتهاد، فالقياس يؤول في حقيقته إلى اجتهاد العالم في سبيل الوقوف على حكم واقعة ليس فيها نص صريح، بحيث يوافق الحكم المتحصّل عليه لتلك الواقعة الحادثة حكمَ الواقعة المنصوص عليها أو يقاربه أو يشابهه، استناداً على ما تضمنته الأحكام المنصوص عليها من معان وحِكَم وعلل، وكل ذلك يفتقر إلى أدوات اجتهادية يشملها مسمى القياس لدى الإمام الشافعي، وبناء عليه فكل اجتهاد من أهله يفضي إلى تحصيل حكم واقعة حادثة موافق أو قريب أو شبيه بحكم الواقعة المنصوص عليها يدخل تحت مفهوم القياس لديه.
    ومن تأمل عبارات الإمام الشافعي في الرسالة وغيرها وتأسيسه لنظرية تعلق الاجتهاد بالنصوص الشرعية وسعيه الحثيث في سبيل تأكيد ذلك، ظهر له ما كان مقرراً في ذهنه من أن كل اجتهاد متعلق بتحقيق مناط النص فهو قياس أيضاً، ولهذا رفض كل اجتهاد استقل به صاحبه عن النص كالاستحســـــان، بينمــا حصل توســع من جهـــــة أخرى لمفهــوم الاجتهاد في الزمـــن اللاحــــق وشمـــل مجالات أرحب، ليشمل مجال فهم النص والاجتهاد في النص ذاته من مراعاة عمومه وخصوصه وإطلاقه وتقييده وتعارضه.
    يؤكد ذلك تشبيه الشافعي في هذا البيان الخامس عمل المجتهد باجتهاد المتوجه إلى البيت في حال مغيبه عن نظره؛ فالله تعالى هنا أمر بالاجتهاد، وجعل له أصلاً يرشد إليه, وهو ما وضعه الله من علامات وأمارات تدل على القبلة، وهذا ما كشف عنه بقوله في الرسالة ذاتها: "الاجتهاد أبداً لا يكون إلا على طلب شيء، وطلبُ الشيء لا يكون إلا بدلائل، والدلائلُ هي القياس".
    ثم بيّن الشافعي أن عملية إلحاق الفرع غير المنصوص على حكمه بالأصل المنصوص عليه تكون من وجهين:
    الوجه الأول: قياس العلة (قياس المعنى) بمفهومه الواسع الذي يشمل القياس في معنى الأصل، وهو حمل الفرع على الأصل بالعلة التي علق الحكم عليها في الشرع؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم:‏ "لا يقضين حكمٌ بين اثنين وهو غضبان"([4])؛ فإنه ينبّه على أن الغضب علة في منع القضاء، لكنه في حقيقة الأمر ليس علة لذاته، بل لما يتضمنه من الدهشـة المانعة من استيفاء الفكر، فيلحق به حينئذ الحاقن والمتألم والقلق والخائف، فيكون الغضب مناط الحكم لا لعينه بل لمعنى يتضمنه‏.
    الوجه الثاني: إلحاق الشبيه بشبيهه، وذلك بأن يوجد الشيء يشبه الشيء منه، والشيء من غيره، ولا نجد شيئاً أقرب به شبهاً من أحدهما، فيلحق بأولى الأشياء شبهاً به، وذلك كما جاء عن عطاء رحمه الله أنه قال: في الضب يقتله المحرم: فيه شاة([5])، فقال الشافعي: إن كان أراد شاة صغيرة، فبذلك نقول، وإن كان أراد مُسنّة، خالفناه، وقلنا فيه جدي، لأنه أشبه بالقرآن([6]).
    ثم ختم الشافعي الكلام هنا بالإشارة إلى أن من العلم معرفة محلّ كل من الإجماع والاختلاف؛ ليكون الناظر على بيّنة من أمره، فيما يجتهد فيه، ولذلك ذكر أهل العلم من شروط المجتهد: "معرفة الإجماع والاختلاف، وما ينعقد به الإجماع وما لا ينعقد به الإجماع، وما يعتد به في الاجماع ومن لا يعتد به في الإجماع؛ ليتبع الإجماع ويجتهد في الاختلاف"([7])، إلا أن تفصيل الكلام في ذلك ليس هذا موضعه، "وهما موضوعان في غير هذا الموضع"، حيث سيعقد الشافعي لاحقاً باباً مستقلاً في الإجماع قبل كلامه عن القياس، ثم سيعقد باباً في آخر الرسالة عن الاختلاف، عقب الكلام عن القياس.

    يتبع بإذن الله تعالى..........


    ([1]) ينظر: التقريب والإرشاد 3/376-377.

    ([2]) ينظر: المستصفى 1/281.

    ([3]) ينظر: الحاوي الكبير، للماوردي 16/118، نبراس العقول، لعيسى منون ص46، وسيأتي تفصيل الكلام عن ذلك لاحقاً في باب القياس.

    ([4]) رواه البخاري في صحيحه، رقم 7158، ومسلم في صحيحه، رقم 1717.

    ([5]) رواه ابن أبي شيبة في المصنف، رقم 15617.

    ([6]) ينظر: الأم 2/212-213.

    ([7]) قواطع الأدلة 2/306.

  23. 4 أعضاء قالوا شكراً لـ محمد بن عبدالعزيز المبارك على هذه المشاركة:


  24. #14
    :: المشرف العام ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو أسامة
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    مكة المكرمة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقـــه
    المشاركات
    7,914
    شكر الله لكم
    14,422
    تم شكره 5,819 مرة في 2,032 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

    نفع الله بكم وبجهودكم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد
    وجزاكم عن الإمام الشافعي خير الجزاء
    ولاعدمنا فوائدكم في هذا الملتقى المبارك
    وأنتم أهل للإضافة العلمية والإفادة التعليمية

  25. #15
    :: فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    ... ... ...
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    أصول فقه
    المشاركات
    1,054
    شكر الله لكم
    691
    تم شكره 1,043 مرة في 373 مشاركة

    افتراضي رد: نفائس في شرح الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد بن عبدالعزيز المبارك مشاهدة المشاركة
    كانت الحاجة ماسة إلى الكشف عن مخبوء كنوز هذا السفر العظيم، وما أودعه فيه الإمام الشافعي من فوائد وفرائد نفيسة منتقاة
    بالفعل كثيرًا ما كنّا نجد هذه الحاجة خاصةً حين قُرر علينا هذا الكتاب في أول سنة لنا في منهجية الماجستير (دراسةً تحليلية)، ولطالما تمنينا وجود مثل هذه الشروح تسهل علينا فهم معانيه وإدراك مراميه ..
    دمتم موفقين، متابعين لهذه الفوائد، جزاكم الله عنّا وعن طلبة العلم خير الجزاء ...

  26. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ د. خلود العتيبي على هذه المشاركة:


صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].