آخر مواضيع الملتقى

صفحة 15 من 15 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15
النتائج 211 إلى 211 من 211

الموضوع: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين.

  1. #1
    :: متـميِّــز ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,184
    شكر الله لكم
    386
    تم شكره 1,462 مرة في 467 مشاركة

    عرض التصويت  

    افتراضي دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين.

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
    أما بعد...
    فهذه دروس ميسرة في شرح متن لب الأصول للإمام زكريا الأنصاري رحمه الله كتبتها لمن درس شرح الورقات وأخذ معه جملة من المقدمات في العلوم الشرعية على ما بينته في هذا الرابط:
    http://www.feqhweb.com/vb/t22836.html
    ثم إني بقيت مدة متحيرا كيف أشرح هذا الكتاب فرأيت أولا أن أسير فيه منهج أهل التدقيق فأخذت أكتب عند قوله المقدمات هل هي بكسر الدال أو بفتحها وهل هي مقدمة علم أو مقدمة كتاب وما الفرق بينهما وما النسبة المنطقية بين الاثنين، ثم شرعت في بيان موضوع علم الأصول فجرني هذا إلى بيان قولهم موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية فأخذت أبين الأعراض الذاتية والأعراض الغريبة وما يرد على هذا القول من إشكال، ثم أردت أن أقارن بين لب الأصول والأصل الذي أخذ منه أعني جمع الجوامع ولماذا عدل صاحب اللب عن عبارة الأصل وغير ذلك فرأيت أن الكلام سيطول جدا وسيعسر على الطالب فاستقر ذهني على أن أخفف المباحث وأقتصر على إفهام الطالب متن اللب فإن لتلك المباحث مرحلة أخرى.
    وإني أنصح القارئ أن يقرأ ما كتبته في شرحي على الورقات قبل أو بعد أن يقرأ الدرس وسأقتطع من الشرح مقدار ما يتعلق بالدرس المكتوب فقط.

    http://www.feqhweb.com/vb/showthread...ll=1#post77869


    الدرس الأول- المقدمات

    تعريف أصول الفقه والفقه

    أصولُ الفقهِ: أَدِلَّةُ الفقهِ الإجماليةُ، وطرقُ استفادةِ جُزئياتِها، وحالُ المستفيدِ.
    والفقه: علمٌ بحكمٍ شرعِيٍّ عمليٍّ مُكْتَسَبٌ من دليلٍ تفصيليٍّ.
    " أدلة الفقه الإجمالية " اعلم أن أدلة الفقه نوعان: نوع مفصّل معين وهو المتعلق بمسألة معينة نحو ( وأَقيموا الصلاةَ ) فإنه أمر بالصلاة دون غيرها، ونحو ( ولا تقربوا الزنا ) فإنه نهي عن الزنا دون غيره.
    ودليل إجمالي غير معين وهي القواعد الأصولية نحو: ( الأمر للوجوب )، و( النهي للتحريم )، و( القياس حجة معتبرة ).
    فالإجمالية: قيد احترزنا به عن أدلة الفقه التفصيلية التي تذكر في كتب الفقه فإنها ليست من أصول الفقه.
    والاستدلال بالقواعد الأصولية يكون بجعلها مقدمة كبرى، والدليل التفصيلي مقدمة صغرى فنقول في الاستدلال على وجوب التيمم:
    فتيمموا في قوله تعالى فإن لم تجدوا ماء فتيمموا أمرٌ- والأمرُ للوجوب= فتيمموا للوجوب أي أن التيمم واجب وهو المطلوب.
    فالعلم بوجوب التيمم الذي هو فقه مستفاد من دليل تفصيلي هو ( فتيمموا ) بواسطة دليل إجمالي هو الأمر للوجوب.
    وقولنا: " وطرق استفادةِ جُزئياتِها " أي جزئيات أدلة الفقه الإجمالية، وهي أدلة الفقه المفصلة؛ فإن قاعدة الأمر للوجوب مثلا دليل إجمالي له جزئيات كأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فيبحث علم الأصول عن الأدلة الإجمالية، وعن طرق استفادة المسائل الفقهية من الأدلة التفصيلية وذلك بمبحث التعارض والترجيح حيث يبين فيه كيفية رفع التعارض الظاهري بين الأدلة التفصيلية، فالمقصود بالطرق هي المرجحات الآتي بيانها إن شاء الله كقاعدة تقديم الخاص على العام التي يرفع بها التعارض بين العام والخاص.
    وقولنا: " وحال المستفيد " أي وصفات المستفيد للأحكام من أدلة الفقه التفصيلية وهو المجتهد فيبين في الأصول ما يشترط في الشخص كي يكون مجتهدا ككونه عالما بالكتاب والسنة ولغة العرب وأصول الفقه.
    والخلاصة هي أن علم أصول الفقه يبين فيه ما يلي:
    1- القواعد العامة لاستنباط الفقه كقواعد الأمر والنهي.
    2- القواعد التي ترفع التعارض بين النصوص.
    3- صفات المجتهد أي الشروط اللازمة للاجتهاد.
    فهذه الثلاثة مجتمعة هي أصول الفقه.
    وأما الفقه فهو: علمٌ بحكمٍ شرعِيٍّ عمليٍّ مُكْتَسَبٌ من دليلٍ تفصيليٍّ.
    مثل: النية في الوضوء واجبةٌ، فمن صدّق وحكم بهذه النسبة أي ثبوت الوجوب للنية في الوضوء مستنبطا هذا الحكم من النصوص الشرعية كقوله عليه الصلاة والسلام: ( إنما الأعمال بالنيات ) رواه البخاري ومسلم فقد فقه تلك المسألة.
    فقولنا: " علم " أي تصديق.
    وقولنا: " حكم شرعي " احترزنا به عن غير الحكم الشرعي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن النار محرقة، وأن الفاعل مرفوع، فالعلم بها لا يسمى فقها.
    وقولنا: " عملي " كالعلم بوجوب النية في الوضوء، وندب الوتر، احترزنا به عن الحكم الشرعي غير المتعلق بعمل كالإيمان بالله ورسوله فليس من الفقه إصطلاحا.
    وقولنا " مُكتسَبٌ " بالرفع صفة للعلم وهو العلم النظري، احترزنا به عن العلم غير المكتسب كعلم الله سبحانه وتعالى بالأحكام الشرعية العملية فإنه لا يسمى فقها لأن علم الله أزلي وليس بنظري مكتسب.
    وقولنا: " من دليلٍ تفصيليٍّ " احترزنا به عن علم المقلد، فإن علمه بوجوب النية في الوضوء مثلا لا يسمى فقها لأنه أخذه عن تقليد لإمام لا عن دليل تفصيلي.

    ( شرح النص )

    قال الإمام أَبو يحيى زكريا بنُ محمدِ بنِ أحمدَ الأنصاريُّ الشافعيُّ رحمه الله تعالى ( ت 926 هـ ):

    بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

    الحمدُ للهِ الذي وَفَّقَنا للوصولِ إلى معرفةِ الأصولِ، وَيسَّرَ لنا سُلوكَ مناهِجَ بقوَّةٍ أَودَعَها في العقولِ، والصلاةُ السلامُ على محمَّدٍ وآلهِ وصحبهِ الفائزينَ مِنَ اللهِ بالقَبولِ .
    وبعدُ فهذا مُختصرٌ في الأَصلينِ وما معَهُما اختصرتُ فيهِ جمعَ الجوامعِ للعلَّامةِ التَّاجِ السُّبْكِيِّ رحِمَهُ اللهُ، وأَبدلْتُ مِنْهُ غيرَ المعتمدِ والواضحِ بهما معَ زياداتٍ حَسَنَةٍ، ونبَّهْتُ على خلافِ المعتزلةِ بعندِنا، وغيرِهمْ بالأصحِّ غالبًا.
    وسمَّيْتُهُ لُبَّ الأصولِ راجيًا مِنَ اللهِ القَبولِ، وأَسألُهُ النَّفعَ بهِ فإنَّهُ خيرُ مأمولٍ.
    وينحصرُ مقْصُودُهُ في مقدِّمَاتٍ وسبعِ كُتُبٍ.

    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    ( بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ) الباء في البسملة للمصاحبة لقصد التبرك أي أؤلف مع اسم الله الرحمن الرحيم متبركا باسمه العظيم، والله: علم على المعبود بحق، والرحمن والرحيم صفتان مشبهتان من رحم، والرحمن أبلغ من الرحيم لأنه يزيد عليه بحرف وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولذلك قالوا: الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، وأما الرحيم فهو خاص بالمؤمنين يوم القيامة.
    ( الحمدُ للهِ ) الحمد هو: وصف المحمود بالكمال حبا له وتعظيما ( الذي وَفَّقَنا ) التوفيق هو: جعل الله فعلَ عبده موافقا لما يحبه ويرضاه ( للوصولِ إلى معرفةِ الأصولِ ) أي أصول الفقه، وفي هذا التعبير براعة استهلال وهو أن يستفتح المتكلم كلامه بألفاظ تدل على مقصوده وهنا ذكر المصنف كلمة الأصول ليشير إلى أن كتابه هذا في علم الأصول.
    ( وَيسَّرَ ) أي سهّل ( لنا سُلوكَ ) أي دخول ( مناهجَ ) جمع منْهَج و هو: الطريق الواضح، أي سهل الله لنا سلوك طرق واضحة في العلوم ( بـ ) سبب ( قوَّةٍ ) للفهم ( أَودَعها ) اللهُ سبحانه وتعالى ( في العقولِ ) يخص بها من شاء من عباده.
    ( والصلاةُ السلامُ على محمَّدٍ ) الصلاة من الله هو ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، ومن الملائكة والخلق هو طلب ذلك الثناء من الله تعالى، والسلام أي التسليم من كل النقائص، ومحمد اسم نبينا عليه الصلاة والسلام سمّي به بإلهام من الله تعالى لأنه يكثر حمد الخلق له لكثرة صفاته الجميلة ( وآلهِ ) هم مؤمنو بني هاشِم وبني المطَّلِب ( وصحبهِ ) أي أصحابه والصحابي من اجتمع مؤمنا بنبينا صلى الله عليه وسلم ( الفائزينَ ) أي الظافرينَ ( مِنَ اللهِ بالقَبولِ ) والرضا.
    ( وبعدُ ) أي بعد ما تقدم من البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على من ذكر ( فهذا ) المُؤَلَّفُ ( مُختصرٌ ) وهو ما قل لفظه وكثر معناه ( في الأَصلينِ ) أي أصول الفقه وأصول الدين ( وما معَهُما ) أي مع الأصلين من المقدمات والخاتمة التي ذكر فيها نبذة في السلوك والتصوّف ( اختصرتُ فيهِ ) أي في هذا المختصر ( جمعَ الجوامعِ للعلَّامةِ ) عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي الملقّب بـ ( التَّاجِ ) أي تاج الدين ( السُّبْكِيِّ ) نسبة إلى سُبْكٍ وهي قرية من قرى محافظة المنوفية بمصر المتوفي عام 771 هـ ( رحِمَهُ اللهُ ) وغفر له ( وأَبدلْتُ ) معطوف على اختصرتُ ( مِنْهُ ) أي من جمع الجوامع ( غيرَ المعتمدِ ) من المسائل ( و ) غير ( الواضحِ ) من الألفاظ ( بهما ) أي بالمعتمد والواضح ( معَ زياداتٍ حسنةٍ ) أضافها على جمع الجوامع.
    ( ونبَّهْتُ على خلافِ المعتزلةِ بـ ) قوله ( عندِنا ) أي عند الأشاعرة فحيث قال: عندنا فيعرف أن المعتزلة- ولو مع غيرهم- قد خالفوا الأشاعرة في هذه المسألة.
    ( و ) نبهَّتُ على خلاف ( غيرِهمْ ) أي غير المعتزلة كالحنفية والمالكية وبعض أصحابنا الشافعية ( بالأصحِّ ) فحيث قال: الأصح كذا فيعرف وجود خلاف في المسألة لغير المعتزلة ( غالبًا ) أي هذا بحسب غالب استعماله للتعبير بعندنا وبالأصح وقد ينبه على الخلاف بقوله: والمختار كذا.
    ( وسمَّيْتُهُ ) أي هذا المختصر ( لُبَّ الأصولِ ) واللب خالص كل شيء فمن أراد لبَّ هذا العلم فعليه بهذا الكتاب ( راجيًا ) أي مؤملا ( مِنَ اللهِ القَبولِ ) أي أن يتقبله عنده ولا يرده على صاحبه ( وأَسألُهُ النَّفعَ بهِ ) أي بلب الأصول لمؤلفه وقارئه ومستمعه وسائر المؤمنين ( فإنَّهُ خيرُ مأمولٍ ) أي مرجو.
    ( وينحصرُ مقْصُودُهُ ) أي مقصود لب الأصول ( في مقدِّمَاتٍ ) أي أمور متقدمة على الكتب السبعة تعرض فيها لتعريف علم الأصول وبيان الحكم الشرعي وأقسامه وغير ذلك ( وسبعِ كُتُبٍ ) الكتاب الأول في القرآن، والثاني في السنة، والثالث في الإجماع، والرابع في القياس، والخامس في الاستدلال بغير ذلك من الأدلة كالاستصحاب وبيان الأدلة المختلف فيها، والسادس في التعارض والترجيح، والسابع في الاجتهاد وما يتبعه من التقليد وأدب الفتيا، وما ضم إليه من مسائل علم الكلام وخاتمة التصوف، فهذا هو محتوى هذا الكتاب.

    الُمقَدِّمَات

    أصولُ الفقهِ: أَدِلَّةُ الفقهِ الإجماليةُ، وطرقُ استفادةِ جُزئياتِها، وحالُ مُسْتَفِيدِها. وقِيلَ مَعْرِفَتُها.
    والفِقْهُ: علمٌ بحكمٍ شرعيٍ عمليٍ مكتسبٌ من دليلٍ تفصيليٍّ.

    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    هذا مبحث ( المقدِّمات ) وهي أمور متقدِّمة على المقصود ينتفع بها الطالب قبل أن يدخل في مباحث العلم، ابتدأها بتعريف العلم كي يتصوره الطالب تصورا إجماليا قبل أن يدخل فيه فقال: ( أصولُ الفقهِ ) أي هذا الفن المسمى بهذا الاسم هو ( أَدِلَّةُ الفقهِ الإجماليةُ ) أي غير المعينة كالأمر للوجوب والنهي للتحريم ( وطرقُ استفادةِ جُزئياتِها ) أي جزئيات أدلة الفقه الإجمالية التي هي أدلة الفقه التفصيلية كأقيموا الصلاة، والمراد بالطرق المرجحات عند التعارض الآتي بيانها في الكتاب السادس ( وحالُ مُسْتَفِيدِها ) أي صفات مستفيد جزئيات أدلة الفقه الإجمالية وهو المجتهد.
    ( وقِيلَ ) إن أصول الفقه ( مَعْرِفَتُها ) أي معرفة أدلة الفقه الإحمالية وطرق استفادةِ جزئياتها وحال مستفيدها، فبعض العلماء اختار في تعريف أصول الفقه التعبير بأدلة الفقه الإجمالية.. وبعضهم اختار التعبير بمعرفة أدلة الفقه الإجمالية... أي إدراك تلك الأدلة، والفرق بين التعريفين هو أنه على التعريف الأول يكون أصول الفقه نفس الأدلة، عُرفت أم لم تعرف، وعلى التعريف الثاني يكون أصول الفقه المعرفة القائمة بعقل الأصولي، والمصنف أشار بقيل إلى أن التعريف الأول أولى، لأنه أقرب إلى المدلول اللغوي فإن الأصول في اللغة جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيره كالدليل فإنه أصل للحكم، والأمر في ذلك هين فإن العلوم المدونة تارة تطلق ويراد بها القواعد وتارة تطلق ويراد بها معرفة تلك القواعد، كالنحو فتارة يراد به الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب ونحو ذلك وتارة يراد به معرفة تلك القواعد.
    ( والفِقْهُ: علمٌ ) أي تصديق ( بحكمٍ شرعيٍ ) أي مأخوذ من الشرع المبعوث به النبي صلى الله عليه وسلم ( عمليٍ ) قيد لإخراج الأحكام الشرعية الاعتقادية كالإيمان بالله واليوم الآخر ( مكتسبٌ ) هو بالرفع صفة للعلم لإخراج العلم غير المكتسب كعلم الله الأزلي ( من دليلٍ تفصيليٍّ ) للحكم قيد لإخراج علم المقلِّد.



  2. #211
    :: متـميِّــز ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,184
    شكر الله لكم
    386
    تم شكره 1,462 مرة في 467 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين.

    الدرس السابع والأربعون- مباحث الكتاب

    الظاهر والمؤول


    أولا: الظاهر: لفظ يدل على معناه دلالة ظنية، أي راجحة، ويحتمل المعنى المرجوح.
    فلفظ أسد راجح في الحيوان المفترس المعروف ومرجوح في الرجل الشجاع. أي إن لم تكن قرينة.
    ثانيا: المؤول: لفظ حُمِلَ فيه الظاهر على المعنى المرجوح لدليل.
    كحمل الأسد على الرجل الشجاع في قولنا: رأيتُ أسدًا يحمل سيفا، لوجود القرينة.
    فالتأويل: حمل الظاهر على المعنى المرجوح.
    وهو صحيح إن كان لدليل، وفاسد إن كان لما يُظَنُّ دليلًا مع أنه في الواقع ليس كذلك أي لشبهة.
    أما إذا كان حمله على المرجوح لا لدليل ولا لما يظن دليلا فهو لَعِبٌ لا تأويلٌ.
    ثالثا: التأويل قسمان:
    1- قريب وهو: ما يترجح على الظاهر بأدنى دليل.
    كتأويل قوله تعالى: ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا .. ) الآية. فإنها بظاهرها تدل على الأمر بالوضوء حال التلبس بالقيام إلى الصلاة والدخول فيها. لكن الشرط يطلب تحصيله قبل التلبس بالمشروط.لذلك أوّلوا القيام بالعزم عليه.
    ونظيره قوله تعالى: ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) فإنها بظاهرها تدل على أن الأستعاذة بعد الفراغ من القراءة، بينما المراد هو إذا عزمتم على القراءة.
    2- بعيد وهو: ما لا يترجح على الظاهر بأدنى دليل بل يترجح عليه بدليل أقوى منه بحيث يقدم عليه. أي يعترف الخصم ببعده لكن ارتكبه لدليل عنده رجّحه.
    مثال: ورد في حديث الترمذي وغيره قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أسلم وله عشر نسوة: ( أَمسِكْ أربعًا وفارقْ سائرهن ) فظاهره أن يُبقِي أربعا ويفارق الباقيات، سواء عقد عليهن معًا أم مرتبًا؛ لأن ترك الاستفصال ينزل منزل العموم كما سبق ذكر هذا.
    وقال الحنفية: المراد ابتدئ العقد على أربع أي جدد العقد على أربع وذلك في حالة كونه عقد على العشرة معا، فإن كان تزوجهن مرتبا فإن المعنى أمسك الأربع الأوائل وفارق الباقيات.
    وهذا تأويل بعيد؛ لأن معنى الإمساك الاستدامة لا الابتداء. ثم يبعد أن يخاطب حديث عهد بالإسلام بأمسك ويراد ابتدئ وهو لا يعرف شروط النكاح مع حاجته إلى ذلك.
    مثال آخر: ورد في الكفارة قوله تعالى: ( فإطعام ستين مسكينا ) وظاهره واضح لا يحتاج لتأويل.
    وقال الحنفية: المعنى: فإطعامُ طعامِ ستين مسكينا، فأجازوا دفع ستين مدا من الطعام لمسكين واحد. وهذا بعيد؛ لأن فيه اعتبار شيء لم يرد في النص وهو تقدير ( طعام ) وإلغاء ما ورد من عدد المساكين، أي عدد من يعطى.
    مثال آخر: ورد في حديث أبي داود والترمذي: ( لاصيامَ لمنْ لمْ يُبيت النيّة من الليل ). فإنه يدل بظاهره على وجوب تبييت نية الصيام مطلقا.
    وقال الحنفية: المعنى: لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل إذا كان يقضي صياما أو نذر الصيام؛ لأنه يصح أن يصوم في غيرهما بنية في النهار.
    وهذا بعيد؛ لأن الصيام نكرة في الحديث ورد بعد نفي فيعم وإذا بنيت النكرة على الفتح كانت نصا في العموم كما هو الحال هنا. نعم ورد نص بجواز النية في النهار لصيام النفل خاصة.
    مثال آخر: ورد في حديث أبي داود والترمذي: ( ذكاة الجنين ذكاة أمه ). فظاهره أن ذكاة الأم هي ذكاة للجنين. أي يكتفى بذكاتها عن ذكاته فيما إذا وجد الجنين ميتا.
    وقال الإمام أبو حنيفة: المعنى: ذكاة الجنين كذكاة أمه. أي يجب أن يذكى إذا نزل الجنين حيا، فإن كان ميتا فلا يجوز أكله.
    وعند الإمام الشافعي وصاحبي أبي حنيفة الإمام أبي يوسف والإمام محمد بن الحسن الشيباني يجوز أكل الجنين الميت.
    ولا يخفى بعده واستغناء النص عن التقدير.

    ( شرح النص )

    الظاهِرُ والمؤولُ
    الظاهِرُ: ما دلَّ دلالةً ظنيّةً، والتأويلُ: حملُ الظاهرِ على المحْتَمَلِ المرجوحِ، فإنْ حُمِلَ لدليلٍ فصحيحٌ أَوْ لما يُظَنُّ دليلًا ففاسِدٌ أَو لا لشيءٍ فَلَعِبٌ، والأَوَّلُ قريبٌ وبعيدٌ كتأويلِ أَمْسِكْ بابتدئ في المعيِّةِ، وستيّنَ مسكينًا بستينَ مُدًّا، ولا صيامَ لمنْ لمْ يُبَيِّتْ بالقضاءِ والنَّذرِ، وذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمِّهِ بالتَّشبيهِ.
    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    ( الظاهِرُ والمؤولُ ) أي هذا مبحثهما ( الظاهِرُ ) لغة الواضح واصطلاحا ( ما ) أي لفظ ( دلَّ ) على المعنى ( دلالةً ظنيّةً ) أي راجحة بوضع اللغة أو الشرع أو العرف، يحتمل غير ذلك المعنى مرجوحا كما مر أوائل الكتاب الأول كالأسد راجح في الحيوان المفترس لغة مرجوح في الرجل الشجاع، والصلاة راجحة في ذات الركوع والسجود شرعا مرجوحة في الدعاء الموضوعة له لغة، والغائط راجح في الخارج المستقذر عرفا مرجوح في المكان المطمئن الموضوع له لغة، وخرج المجمل لتساوي الدلالة فيه، والمؤول لأنه مرجوح، والنص كزيد لأن دلالته قطعية ( والتأويلُ: حملُ الظاهرِ على المحْتَمَلِ المرجوحِ فإنْ حُمِلَ ) عليه ( لدليلٍ فصحيحٌ ) حمله ( أَوْ لما يُظَنُّ دليلًا ) وليس دليلا في الواقع ( ففاسِدٌ أَوْ لا لشيءٍ فَلَعِبٌ ) لا تأويل
    ( والأَوَّلُ ) أي التأويل قسمان ( قريبٌ ) يترجح على الظاهر بأدنى دليل نحو: إذا قمتم إلى الصلاة. أي عزمتم على القيام إليها وقوله: إذا قرأت القرآن. أي أردت قراءته ( وبعيدٌ ) لا يترجح على الظاهر إلا بأقوى منه أي بدليل أقوى من الظاهر ( كتأويلِ ) الحنفية ( أَمسِكْ ) من قوله صلى الله عليه وسلّم لغيلان لما أسلم على عشر نسوة: أمسك أربعا وفارق سائرهن. رواه الترمذي وغيره ( بابتدئ ) نكاح أربع منهن ( في المعيِّةِ ) أي فيما إذا نكحهن معا لبطلانه كالمسلم بخلاف نكاحهن مرتبا فيمسك الأربع الأوائل، ووجه بعده أن المخاطب بقوله أمسك قريب عهد بالإسلام لم يسبق له بيان شروط النكاح مع حاجته إلى ذلك، ولم ينقل تجديد نكاح منه ولا من غيره ممن أسلم مع كثرتهم وتوفر دواعي حملة الشرع على نقله لو وقع ( و ) كتأويل الحنفية ( ستيّنَ مسكينًا ) من قوله تعالى: فإطعام ستين مسكينا ( بستينَ مُدًّا ) بتقدير مضاف أي فإطعام طعام ستين مسكينا وهو ستون مدا فيجوز إعطاؤه لمسكين واحد في ستين يوما كما يجوز إعطاؤه لستين مسكينا في يوم واحد، لأن القصد بإعطائه دفع الحاجة ودفع حاجة الواحد في ستين يوما كدفع حاجة الستين في يوم واحد، ووجه بعده أنه اعتبر في النص ما لم يذكر فيه من المضاف وألغى فيه ما ذكر من عدد المساكين الظاهر قصده لفضل الجماعة وبركتهم وتظافر قلوبهم على الدعاء للمحسن ( و ) كتأويل الحنفية خبر أبي داود وغيره ( لا صيامَ لمنْ لمْ يُبَيِّتْ ) أي الصيام من الليل ( بالقضاءِ والنَّذرِ ) لصحة غيرهما بنية من النهار عندهم ووجه بعده أنه قصر للعام النص في العموم -حيث إن صيام نكرة مبنية على الفتح- على أمر نادر لندرة القضاء والنذر ( و ) كتأويل الإمام أبي حنيفة خبر أبي داود والترمذي ( ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمِّهِ بالتَّشبيهِ ) أي مثل ذكاتها أو كذكاتها فالمراد بالجنين الحي لحرمة الميت عنده وأحله صاحباه أبو يوسف والشيباني كالشافعي، ووجه بعده ما فيه من التقدير المستغنى عنه، إذْ أن الجنين خبر لما بعده أي ذكاة أم الجنين ذكاة له فيحل تبعا لها.


  3. 3 أعضاء قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


صفحة 15 من 15 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 3 (0 من الأعضاء و 3 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].