حد الضرورة الذي يبيح الصدقة لآل البيت
قال الحطاب رحمه الله في (مواهب الجليل):"وتقدم في مصرف الزكاة عن ابن مرزوق أنهم إذا لم يعطوا ما يستحقونه من بيت المال وأضرّ بهم الفقر أنهم يعطون من الزكاة، وأن إعطاءهم أفضل من إعطاء غيرهم". أهـ.
وقال الشوكاني رحمه الله في (السيل الجرار):" قوله: "والمضطر يقدم الميتة". أقول: أما هذا فتشديد عظيم، فإنه قد جاز للمضطر أن يتناول ما يسدّ به جوعته من مال غيره فكيف بما هو من أموال الله، ولا يخفى ما في أكل الميتة من القذر الذي تنفر عنه النفوس وقد لا تسيغه غالب الطبائع، فهذا الذي بلغ إلي حالة الاضطرار له في أموال الله سعة والزكاة من جملتها وإذا قدر على القضاء فعل.
ولا وجه لتعليل تقديم الميتة بأن دليلها قطعي فهو إن كان قطعي المتن فهو ظني الدلالة، وأيضا قد عرفناك أن الأدلة على تحريمها على بني هاشم متواترة فهي قطعية المتن كالقرآن". أهـ
قال أبو أيوب عفا الله عنه : قول من قال بتقديم أكل الهاشمي للميتة على الصدقة عند الاضطرار تشدد شديد وهو قول مردود لا شك في ذلك، فإن الصدقة وإن كانت محرمة على بني هاشم لشرفهم ولكونها أوساخ الناس إلا إنها طاهرة في ذاتها ولذا حلت لبقية المسلمين، بخلاف الميتة فإنها نجسة في ذاتها ولذا حرمت عليهم وعلى بقية المسلمين، لذا فالصواب والعدل أن يقال: لا يحل لبني هاشم ولا لمواليهم أخذ شيء من الصدقة لا الواجبة ولا المندوبة إلا من ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، وقد قال الله تعالى:"وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه".
لكن يجب أن يفرّق بين الضرورة والحاجة والمشقة فإن الأولى هي التي تبيح المحظور، وقد كان برسول الله r وبآل بيته الكرام من الحاجة والمشقة ما لا يوجد ولا حتى سدسه في هذه الأيام بآل البيت، فقد كان r تمُرُّ عليه الشهور ولا يوقد ببيته نار، ويربط على بطنه الحجر من الجوع، واستسلف من اليهود، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام أخذه لأهل بيته.
قال الجصاص رحمه الله في (أحكام القرآن):" ومعنى الضرورة ههنا هو خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل".أهـ
وقال الزركشي رحمه الله في (المنثور في القواعد):"فالضرورة بلوغه حدا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب كالمضطر للأكل واللبس بحيث لو بقي جائعا أو عريانا لمات أو تلف منه عضو وهذا يبيح تناول المحرم".أهـ
وقال السعدي رحمه الله في (تفسيره) لقول الله تعالى:" فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه":{فمن اضطر} أي: ألجئ إلى المحرم، بجوع وعدم ـ أي للحلال الطيب ــ، أو إكراه، {غير باغ} أي: غير طالب للمحرم، مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه، {ولا عاد} أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح له اضطرارا، فمن اضطر وهو غير قادر على الحلال، وأكل بقدر الضرورة فلا يزيد عليها، {فلا إثم} أي: جناح عليه، وإذا ارتفع الجناح الإثم رجع الأمر إلى ما كان عليه، والإنسان بهذه الحالة، مأمور بالأكل، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة، وأن يقتل نفسه". أهـ
وقال الوادعي رحمه الله في (تحفة المجيب) :" الاضطرار هو: أن يكون خائفاً على نفسه من التلف".أهـ.
وقال ابن عثيمين رحمه الله في (شرح القواعد والأصول الفقهية): " الضرورات تبيح المحظورات لكن ذلك بشرطين: الأول: أن نضطرّ إلى هذا المحرّم بعينه ولا نجد شيئا يدفع الضرورة غيره، فإن وُجد سواه فإنه لا يحلّ.
الشرط الثاني : أن تندفع الضرورة به، فإن لم تندفع الضرورة به فإنه يبقى على التحريم، وإن شككنا هل تندفع أو لا ؟ فإنه يبقى أيضاً على التحريم، وذلك لأن ارتكاب المحظور مفسدة متيقنة، واندفاع الضرورة به مشكوك فيه، ولا ينتهك المحرم المتيقن لأمر مشكوك فيه".أهـ.
وقال رحمه الله في (لقاء الباب المفتوح):" "وليس هناك ضرورة تبيح المحرم إلا بشرطين :أن نعلم أنه لا تزول ضرورته إلا بهذا، وأن نعلم أن ضرورته تزول به"أهـ.
قال أبو أيوب عفا الله عنه: ومن قوله "نعلم" نستفيد اشتراط العلم وهو ضد الشك والظن فيتبين لنا أنه يجب أن يكون حصول الضرر أمراً قاطعاً، أو ظنًّا غالباً، ولا يلتفت إلى الوهم والظن البعيد، كأن يكون المضطر في حالة تسمح له بانتظار الحلال الطيب، فلا يقدم على تناول المحرم والحالة كذلك حتى يجزم بوقوع الضرر على نفسه، ولذا قال السيوطي في الاشباه والنظائر:" الرخصة لا تناط بالشك".أهـ.
وأما قول الشوكاني رحمه الله السابق في الهاشمي يأخذ الزكاة فإذا قدر على القضاء فعل، فهذا لا أعلم دليلا يدلّ عليه، والظاهر عدم وجوب القضاء عليه. والله أعلم.


من بحثي " تحرير القول في بيان حكم الصدقة على آل الرسول"