آخر مواضيع الملتقى

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: نقد نَظرات في أُصول الفقه

  1. #1
    :: متفاعل ::
    تاريخ التسجيل
    Jul 2012
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    قرن المنازل
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    أصول فقه
    المشاركات
    340
    شكر الله لكم
    752
    تم شكره 904 مرة في 247 مشاركة

    افتراضي نقد نَظرات في أُصول الفقه

    من الكتب المعاصرة المتميِّزة في مناقشة المسائِل الأُصولية الخِلافية كتاب ” نظرات في أُصول الفقه ” للشيخ عمر سليمان الأشقر(ت: 1433هـ) رحمه الله تعالى . وهذا الكِتاب هو في أصله بُحوث ومقالات حرَّرها المؤلِّف في أوقات متباعدة ، لدراسة بعض المسائِل الأُصولية التي في بعضها خِلاف بين أهل العلم من القدامى والمحدثين .

    وكانت لي تعليقات وحواشي على هذا الكتاب كتبتها برأس القلم ، وقد خشيتُ من ضياعها ونسيانها فأعدتُ النظر فيها وراجعتُها وحرَّرتها من جديد ، عسى أن ينتفع بها من وقف على كتاب الأشقر.
    وكما قال بعض أهل العلم : ” إثبات المسألة بدليلها تحقيق، وبدليل آخر تدقيق، والتعبير عنها بفائق العبارة ترقيق، وبمراعاة عِلم المعاني والبديع في تركيبها تنميق، والسلامة فيها من اعتراض الشرع توفيق “. فنسأل الله صلاح الأعمال والنِّيات ، فإن المعونة على قدر المؤونة . وهذا أوان الشروع في المقصود .

    1- استشهد رحمه الله تعالى في مواضع كثيرةٍ من أول الكتاب ووسطه وآخره بتصويبات الشيخ ” محمد أبو زهره ” (ت: 1394هـ) – رحمه الله تعالى – الأصولية ، كما في الصفحات ( 17، 55 ، 318 ، 444 – طبعة دار النفائس ) . وأبو زهرة فقيه أُصولي مصري ، وهو أشعري مُتعصِّب ، نشأ في بيئة صوفية تمقت السلفيِّين ، نسأل الله أن يسامحه ويعفو عنه.

    فليت الأشقر نبَّه – ولو في الحاشية – على منهج الرجل وإنحرافه في العقيدة والتفكير، ومن ذلك : نبزه للوهابية وسخريته من فتاواهم – عِلماً أن الوهابية ليست فرقة قائمة بذاتها ، بل لقبٌ شنَّع به أعداءُ السُّنة على المصلحين إلى يومنا هذا – ومن طالع كتابه ” تاريخ المذاهب الإسلامية ” وإدراجه للوهابية مع المذاهب المنحرفة كالقاديانية والبهائية ، وتساهله في التعليق على فتنة خلق القرآن ، وتعظيمه للعقلانية والمعتزلة ومصنفاتهم وردودهم في وقتهم ، أدرك منهجه وفكره .

    وقد ردَّ الألباني(ت: 1420هـ ) رحمه الله تعالى على ” محمد ابو زهرة ” كما في مُقدِّمة كتابه : ” مُختصر العلو ” وفي كتابه : ” السلسلة الضعيفة والموضوعة 10/ 431 ” ، ودحضَ شبهاته وأوهامه .فليراجع .

    وللشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى ردود مطبوعة كما في كتابه : “البيان لأخطاء بعض الكُتَّاب ” ردَّ فيه على ” محمد أبو زهرة ” وفنَّد فيه شُبهاته حول الأسماء والصفات ، وردَّ على طعنه في الإمامين ابن تيمية وابن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى . ولا مانع من الإفادة من تقريرات أبي زهرة الفقهية والأُصولية ، لكن بشرط بيان منهجه ومعرفة طريقة طرحه للمسائل والأبواب ، لئلا يغترَّ به من كان خالي البال .

    2- كتب الأشقر حوالي ستين صفحة عن النِّزاع حول مسألة الإحتجاج بالإجماع عند الأُصوليين ، لكن كتابته في بعضها إلتباس وغموض على المطالع الجديد في هذا العلم ، وقد يُستدلُّ بطرحه على غير مراده ، فيلزم التوضيح .
    فعند مسألة الإجماع المعتبَر في (ص/15) أورد مذهب القائلين بأنه المعلوم من الدِّين بالضرورة ، وقد نقل قول الإمام ابن حزم (ت: 456هـ )– رحمه الله تعالى – في ذلك كما في كتابه ” الإحكام في أصول الأحكام ” ثم نَصره بتعليق المحِّدث احمد شاكر (ت: 1377هـ) رحمه الله تعالى : ” وأما الاجماع الذي يدَّعيه الأُصوليون فلا يُتصوَّر وقوعه ولا يكون ابدًا ، وما هو إلا خيال” . قلت : وقد أطال الشيخ عمر الأشقر في هذه المسألة وفرَّع لها فروعاً كثيرة واستخلص أن الإجماع الأصولي يتعذَّر أو يمتنع .

    لكن يجب أن يُستدرك على كلامه هو وكلام العلامة أحمد شاكر – رحمهما الله تعالى – أن الإجماع قد يكون مستنده الإجتهاد أو القياس ، بشرط البناء على نصِّ من نصوص الوحيين ، وقد رجَّح هذا الإمام ابن تيمية (ت: 728هـ)رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى (19/ 195) وكذلك العلامة ابن القيِّم (ت: 751هـ) رحمه الله تعالى في ” الصواعق المرسلة ” ( ص/ 506) والعلامة الفتوحي (ت: 972هـ )في” شرح الكوكب المنير ” ( 2/ 261) .
    أما مسألة تعذُّر وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة فلم يُحرِّرها كما يجب . والصحيح أنه لا يُمكن حصر حجية الإجماع في عصر الصحابة فقط بإطلاق . لأن هذا أولا ً قول أهل الظاهر، ولم ينسبه الأشقر لأهله القائلين به ، وثانياً لأن أدلة الاجماع عامة مطلقة ، ولا يجوز تخصيص هذه الأدلة أو تقييِّدها دون دليل معتبر . ومن زعم أنه يصعب أو يتعذَّر وقوع الاجماع بعد عصر الصحابة لتفرقهم في الأمصار ، فهذا فيه نظر وهو محلُّ بحث ، لكن لا يجوز تأسِّيسه مطلقاً ، وقد قال الإمام ابن تيمية : ” إنه ممكن ولكنه مُتعذِّر غالباً ” كما في مجموع الفتاوى : ( 19/ 271 ) .

    وردُّ إجماع الأصوليين – الذي أورده الأشقر – بالاستدلال بقول الامام أحمد (ت: 241هـ)رحمه الله تعالى: ” من ادَّعى الاجماع فهو كاذب ” ردُّ في غير محلِّه . فقد قالها في حقِّ من ليس له معرفة بخلاف السلف ، بدليل تتمة المقالة : ” من ادَّعى الاجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا هذهُّ دعوى بشر المريسي والأصم ، ولكن يقول : لا نعلم الناس اختلفوا إذا هو لم يبلغه ” .

    وقد علَّق ابن القيِّم رحمه الله تعالى على مقالة الامام أحمد : ” ليس مُراده استبعاد ورود الإجماع ، لكن أحمد وأئمة الحديث بُلوا بمن كان يردُّ عليهم السنة الصحيحة بإجماع الناس على خلافها ، فبيَّن الشافعي وأحمد أن هذه الدعوى كذب ، وأنه لا يجوز ردُّ السُّنن بمثلها ” .

    والذي تبيَّن لي بعد تأمل كلام الشيخ الأشقر أنه يُؤسِّس لصعوبة الإجماع القطعي ، لكنه أدخل في حكمه الإجماع الاستقرائي الذي يُسمِّيه بعض العلماء الإجماع الظنِّي أو الإقراري ، ويلحق به في الحكم الإجماع السكوتي .

    ولم يُوضِّح الأشقر مسألة مهمة متعلِّقة ببحثه ، وهي إذا نقل عالم الاجماع ونقل آخر النِّزاع ، هل يُقبل قول مُدَّعي الإجماع ؟ ، فالصحيح أن الإجماع هنا يكون مردوداً فلا يُحتج به ، لأن ناقل الإجماع نافٍ للخلاف ، وناقل النِّزاع مثبت له ، والمثبت مُقدَّم على النافي . فهذا الإستدراك مهم في نظري لتحرير المسألة والإحاطة بها .

    3- أورد عند مسألة إجماع الصحابة ( ص/ 18) قول الشيخ عبد الوهاب خلَّاف (ت: 1375هـ) رحمه الله تعالى أن الإجماع الأصولي لم ينعقد في عصر الصحابة . قلت : هذا صحيح في الجُملة ، لكن يُستدرك عليه أنهم كانوا غير محتاجين للإجماع لفهمهم لنصوص الوحيين وقربهم من الوحي ، والدليل أن خِلافة أبي بكر رضي الله عنه كانت بالإجماع ، ومُستندهم فيها النصَّ الجلي ، وبعضهم استند إلى القياس كما حقَّقه الإمام ابن أبي العز الحنفي (ت: 792هـ ) رحمه الله تعالى في شرح الطحاوية .فليحرر .

    4- أورد الأشقر في خاتمة تحريره لمسائِل الإجماع ( ص/ 64) أن الذين ابتدعوا القول بالإجماع الأُصولي ليسوا هم أهل السنة والجماعة . قلت: هذا الكلام فيه إجمال ، فلو قال : ” قال بعض المتأخِّرين ببدعة الإجماع الأصولي من غير احتجاجٍ بالنص ” لكان أسلم وأصح . لأن كثيراً من علماء أهل السنة والجماعة قالوا بالإجماع الأصولي ، لكنهم حرَّروا مسائله وبيَّنوا ما يصح منه وما لا يصح . وهناك أمر مهم لم يُنبِّه عليه الأشقر – في هذه المسألة -وهو أن هذه الأمة معصومة فلا يشترط لصحة الاجماع أن يبلغ المُجمعون عدد التواتر ، كما يزعم بعض المتكلِّمين احتجاجاً بالدليل العقلي .

    5- من فوائت الأشقر التي يجب استدراكها لمن رام تحرير مسألة الإجماع أن الخطأ الوارد في كتب العلم ليس هو تقرير الإجماع الأصولي ، بل القول بوجوب تقديمه على الكتاب والسنة ، فإن وجد المتفقِّه نصاً اعتقد نسخه أو تأويله ، وهذه بدعة قديمة ولها مُسوِّقون في مجالسنا اليوم.

    وقد ظهرت هذه البدعة في بعض الأزمنة عند المعتزلة وعند المتأخِّرين من أصحاب أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى .

    6- لم يذكر الأشقر رحمه الله تعالى ثمرة الخلاف حول ” إجماع الأصولييِّن ” من عدمه ، وهذا قصور في نظري ، لأن الباحث أو المُطالع لا يعنيه الإختلاف بقدر ما يعنيه مآل الإختلاف وغايته . وتتلخص ثمرة الخلاف في الآتي : أن الأخذ بالأقل ليس إجماعاً، وأن فائدة الإجماع سُقوط البحث عن الدليل ، وحرمة المخالفة الجائزة قبل انعقاده . وأن الصحابة إذا اختلفوا في مسألة ثم أجمع من بعدهم على قول ، فإن خلافهم باقٍ لا يرتفع بإجماع من جاء بعدهم ،وأن عدم علم الناقل للإجماع بالخلاف ليس عِلماً بعدم الخلاف . وأنه لا يوجد إجماع قطعي بلا دليل. وأن الإلهام ليس عِلماً نتعبَّد الله به ، فلا يعُتدُّ به في الإجماع .

    7-أورد الأشقر في مسألة ما يُعدُّ من القياس وما لا يُعدُّ منه (ص/93) ما نصُّه : ” والعجيب أن يُنكر ابن حزم حجية مفهوم الموافقة ” قلت : المقصود هنا هو القياس الجلي أو لحن الخطاب . وإنكاره من بدع الظاهرية كما أشار إلى ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى في ” مجموع الفتاوى ” ( 21/ 207) فليراجع . ولم يذكر الأشقر نوعي مفهوم الموافقة وأي النوعين أنكره ابن حزم . فمفهوم الموافقة نوعان : أولوي ومساوي . فالأولوي : ما كان المسكوتُ عنه أولى بالحكم من المنطوق كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب لأنه أشد ، كقول الله تعالى : ” فلا تقل لهما أُفِّ ” ( الاسراء : 23 ). والمساوي : ما كان المسكوتُ عنه مساوياً للمنطوق في الحكم ، كدلالة تحريم أكل مال اليتيم على تحريم إحراقه ،كقول الله تعالى : ” إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً ” ( النساء : 10).لكن يجب الاشارة الى ان ابن حزم لا يحتج بمفهوم الموافقة بقسميه : القطعي والظني . القطعي ما قُطع فيه بنفي الفارق بين المسكوت عنه والمنطوق ، والظني ما ظن فيه انتفاء الفارق كردِّ شهادة الكافر، قياساً على ردِّ شهادة الفاسق .

    وقد تعجب الأشقر من سبب ردِّ ابن حزم لمفهوم الموافقة . والجواب فيما ترجح لي هو تعلُّق ابن حزم بتأصيل الامام الشافعي(ت: 204هـ ) رحمه الله تعالى لهذه المسألة في كتابه ” الرسالة ” حين قال : ” قد يَمتنع بعض أهل العلم من أن يُسمِّي هذا قياساً ويقول : هذا معنى ما أحلَّ وحرَّم ، وحَمد وذَّم ، لأنه داخل في جملته فهو بعينه ، لا قياس على غيره ” . والخلاف حول حجية مفهوم الموافقة من حيث كونه قياس من عدمه ، حرَّره الإمام ابن قُدامة (ت: 620هـ ) رحمه الله تعالى في ” روضة الناضر ” وذكر تفريعاتٍ عِدَّة حول ذلك في ( 1/ 232) ، فليراجع.

    8-أورد الأشقر تعليق الإمام الذهبي(ت: 748هـ) رحمه الله تعالى على نفي ابن حزم للقياس في تعليقه على ملخص إبطال القياس لابن عربي(ت: 638هـ ) ،( ص/ 93 ) فنقل عنه عشرة أسطر في التهكُّم بابن حزم ومناقشته ومنها : ” يا هذا بهذا الجمود وأمثاله جعلت على عِرضك سبيلاً ونصَّبت نفسك أُعجوبة وأضحوكة …الخ ” . ويمكن مطالعة النص الكامل في هوامش كتاب ” الصادع في الردِّ على من قال بالقياس والرأي والتقليد والاستحسان والتعليل ” لابن حزم . قلت : هذا التعليق المنسوب للإمام الذهبي فيه نظر عندي ، لتحقق قرينة نفيه ، لأن عباراته تهكمية ولا تستقيم مع ثناء الذهبي على ابن حزم في مؤلفاته الأخرى ، فإما أن يكون هذا الكلام منسوباً إلى الذهبي زوراً أو مُحرفاً عن أصله . فليس من منهج الذهبي الغمز في الخصم ولا التهكُّم عليه ، وهذا واضح وبيِّن لمن تـأمل تراجم الذهبي وتعقباته في سائر مصنفاته . والأمر الآخر أن الذهبي نفسه له إنصاف جيِّد للظاهرية في ” سير أعلام النبلاء”(13/104-108).

    فمن طالعه وطالع القدح والسخرية هنا، تيقَّن أن هذا القول الذي استشهد به الأشقر مُلحقٌ زوراً من المغاربة والمالكية الذين آذوا ابن حزم وحقدوا عليه -رحمه الله تعالى – في حياته وبعد وفاته . والله أعلم .

    9-أورد الأشقر بعض أدلة الظاهرية على نفي القياس ( ص/ 126 ) لكنه لم يُناقشها كما يجب ، وفَاتَهُ رحمه الله تعالى تعقيبٌ مهم ، وهو أن ابن حزم عفى الله تعالى عنه وإن كان ينفي القياس في الحقيقة ، لكنه يُثبت تنقيح المناط ويؤسِّس له في كثيرٍ من مسائل الفقه ،ومناظراته تشهد بذلك . وقد ألمح الإمام الطوفي(ت: 716هـ) رحمه الله تعالى إلى هذا في كتابه ” شرح مختصر الروضة ” حين قال ” كُّل واحدٍ من المجتهدين لا يستغني في إجتهاده عن نظرٍ ورأي ولو بتحقيق المناط وتنقيحه الذي لا نزاع في صحته ” . وقال الإمام الزركشي(ت: 794هـ ) رحمه الله تعالى : ” وقال الغزالي : تنقيح المناط يقول به أكثر مُنكري القِياس ، ولا نعرف بين الأمة خلافاً في جوازه ” . فهذا التقعيد نفيس لأنه يحلُّ كثيرًا من إشكالات نفي القياس .فليحرر .

    10- أورد الأشقر في مسألة العُرف ( ص/ 144) ما نصُّه: ” نصَّ الأُصوليون والفقهاء والمفسرون والمحدِّثون على أن العُرف لا قيمة له ، بل يجب تغييِّره إذا خالف النص الشرعي ” قلت : هذا التقعيد بعمومه صحيح ، لكن فيه إطلاق يجب تقييِّده حتى لا يتوهم متوهم أنه ليس للعرف حكم البتة غيره . وأن العرف لا يُخصِّص عموم النص. وهي مسألة مشهورة عند الأصولييِّن ، لم يُعرِّج الأشقر عليها في تناوله البحث .فوجب إستدراكها .

    وقد اختلف الأصوليون في تخصيص عام النص بالعرف القولي غير المقارن للعام، والصحيح ترجيح الرأي القائل بجواز تخصيص عام النص بالعرف القولي الطارئ، فالحقائق العرفية مُقدَّمة على الحقائق اللغوية.

    والذي عليه المحققون جواز تخصيص عام النص بالعرف العملي الطارئ ، لأن عِلة التخصيص مُتحقِّقـة فيه كالعرف القولي، فالحقيقة العرفية متبادرة فيهما فتجب إرادتها.

    والقول بتخصيص عام النص بالعرف لا ينسخ النص الشرعي، ولا يهدمه، لأن العرف الذي يُخصِّص عام النص هو العرف الصحيح الذي لا يصطدم مع النصوص الشرعية القطعية. ومثال ذلك فتوى كثير من الفقهاء بمنع النساء من الذهاب إلى صلاة الجماعة ، على الرغم من أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهن بذلك، وذلك لتغيُّر عرف الناس ، كما بسطه العلامة ابن عابدين (ت: 1252هـ) رحمه الله تعالى في كتابه ” نشر العَرف ” .

    11-أورد الأشقر في مسألة ردِّ الإمامين الشافعي (ت: 204هـ )والشاطبي (ت: 790هـ )رحمهما الله تعالى (ص/ 260-263) على مُنكري خبر الآحاد ، تلخيصاتٍ مهمة حول المسألة ، لكن فاتَهُ الإشارة إلى تقعيدٍ أُصولي مهم في الباب ، وهو أن خبر الواحد يُفيد العلم إذا إحتفت به القرائن ، وهو حجة في الفروع والأصول ، وسواء أفاد خبر الواحد العلم أو الظن الغالب فيجب العلم به . وبعض الظاهرية والمالكية وأهل الحديث يُقيِّدون العمل به بصحة السند . والمسألة طويلة جداً، لكن هذا ملخصها .

    12- أورد الأشقر في مسألة إذا خالف الراوي ما رواه ( ص/ 294) نصاً اقتبسه من كتاب ” أعلام الموقعين” لابن القيِّم رحمه الله تعالى ، وفيه : ” وقد صح عن ابن عباس : ليس لِمُكره ولا لمضطَهد طلاق ، وأخذ الحنفية والحنابلة بحديث عليِّ كرم الله وجهه… ” . قلت : جملة ” كرم الله وجهه ” يبدو أنها من زيادة النُّساخ ، وليست من ابن القيِّم نفسه ، وفيها تخصيص وتعظيم لعليِّ رضي الله عنه دون غيره من الصحابة ، وقد ثبت في الخبر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ” كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نَعدلُ بأبي بكرٍ أحداً ثم عمر ثم عثمان ، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نُفاضل بينهم ” أخرجه البخاري . والأكمل والأولى والأصح الإلتزام بنصِّ كتاب الله تعالى : ” رضي الله عنهم ورضوا عنه ” ( التوبة : 100) فيقال رضي الله عنه مطلقاً لكل الصحابة ، والآية ثناء من الله تعالى للمهاجرين والأنصار وهو وصف للصادقين المخلصين ، والصحابة أولى بهذا التخصيص ، فلا يُثبت غيره تأدُّباً مع كتاب الله تعالى .

    13- أورد الأشقر في مسألة أسباب الاختلاف (ص/ 386) الخِلاف حول القواعد الأُصولية ، ولم يزِد في بيانها على ثلاثة أسطر !! .فلعله أراد تحريرها لكنه نسي .
    ولتوضيح ذلك يمكن تأمُّل الاختلاف في دلالة النص على مفهوم المخالفة . ومفهوم المخالفة : هو دلالة النص على ثبوت نقيض الحكم المنطوق به ، لما سكت عنه النص عند انتفاء الصفة المقيَّد بها الخاص أو الشرط أو العدد أو الغاية ، أو غير ذلك من أنواع مفهوم المخالفة .

    وقد اختلف الأُصوليون في العمل بمفهوم المخالفة مما تسبَّب في وجود كثير من الاختلافات الفقهية. ومن الأمثلة
    على ذلك في مفهوم الشرط: قول الجمهور بعدم جواز نكاح الأمَة إلا بشرطين، هما : عدم القدرة على زواج الحُرَّة، وإيمان الأمة ، عملا بمفهوم الشرط في قوله تعالى: ” ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فَممَّا ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ” (النساء:25) ، في حين ذهب الأحناف إلى جواز تزوج الأمة غير المسلمة ، سواء قَدر على الزواج من الحرة أو لا، لعدم عملهم بمفهوم المخالفة . ومن أراد التوسُّع في هذه المسألة فليراجع كتاب ” أثر الإختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء ” فإنه مهم للغاية .

    14- أورد الأشقر في مسائل خبر الآحاد (ص/ 294) أسطرا معدودة عن مبحث ردِّ خبر الآحاد بالاستدلال ولم يُوضِّحها فبقيت مُبهمة تحتاج إلى تدبُّر ومناقشة. وبيانها أن رد الخبر له طريقتان عند أهل العلم: الأولى : رد الخبر برواية مُوثقة حتى يرتفع التعارض أو يندفع . وهذه الطريقة مشروعة ومعمول بها عند الراسخين في العلم .وأمثلتها كثيرة في كتب الصحاح والسُّنن . الثانية : رد الخبر بالاستدلال المتوهم أو بالقاعدة . وهذه الطريقة منعها المحققون ولم يقبلوها في الإحتجاج وإثبات الأحكام . ومثال هذا الطريقة ردُّ خبر القهقهة في الصلاة الذي صح أو ضعف سنده في الأحاديث ، بقاعدة ودلالة فضل الصحابة وأدبهم وسمتهم . ونظائر هذه الطريقة كثيرة في كتب مناقشات المسائل . فيكون رد الأخبار له ركنان : صحة السند وقوة الخبر ، فلا يجوز نقض هذين الركنين بقاعدة مطلقة أو بدليل مجرد ليس بحجة في محل النزاع . وهذه المسألة فيها خِلاف بين الأحناف والجمهور. ويمكن مراجعتها في” المسودة “لآل تيمية(ص/238)و”شرح الكوكب المنير”للفتوحي(ص/463) و” اللمع ” للشيرازي ( ص/ 172- وفي بعض ما أورده مناقشة ) و” إكمال المعلم بفوائد مسلم ” (1/529) و” “مختصر الصواعق ” للموصلي (ص/455)و”وابن حزم وموقفه من قواعد الاستدلال ” لخالد العتلة (ص/ 30- وما بعدها ) .

    15- هناك مسائل وثيقة الصلة بعلم الأصول لم يتناولها الأشقر في نظراته ،ولو ناقشها لكان كتابه مرجعاً في الخِلافات الأصولية ، ومنها : أنواع الدلالات والخِلاف حولها ، ومناهج المتكلِّمين ، وبعض المقدِّمات المنطقية ورأي أهل العِلم في طرحها .

    نسأل الله أن يجزي المؤلِّف خيراً على أطروحته النافعة النفيسة ، وأن ينفع بها طلبة العلم في أرجاء المعمورة . والله الهادي .
    هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

    مُؤسِّس مُدوَّنة المتوقِّد التأصيلية

  2. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ أحمد بن مسفر العتيبي على هذه المشاركة:


  3. #2
    :: متـابـــع ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الكنية
    امصنصف
    الدولة
    المغرب
    المدينة
    مكناس
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    الدراسات الإسلامية
    العمر
    38
    المشاركات
    73
    شكر الله لكم
    19
    تم شكره 25 مرة في 18 مشاركة

    افتراضي رد: نقد نَظرات في أُصول الفقه

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد بن مسفر العتيبي مشاهدة المشاركة
    نسأل الله أن يسامحه ويعفو عنه.
    السلام عليكم انا من محبي كتب عبد الوهاب ومحمد أبو زهرة وأهنئك على محاولة كتمان غيظك وحنقك اتجاه الشيخ محمد ابو زهرة وانت تكتب المقال بأكبر قدر من التهذيب والموضوعية لأنك تعلم ان لحوم العلماء مسمومة يرحمك ويرحمهم الله.
    وإليك نصيحة أكاديمية حبذا لو تشطب كلامك عن الشيخ ابي زهرة وتبقي كلامك عن كتاب عمر الاشقر فقط لكان أفضل إذ القارئ يحس أنك حشرت الكلام عن الشيخ أبي زهرة حشرا لعداوة بينكما ولا محل لها من الاعراب رغم التبرير الواهي الذي مهدت به تعريضك بالشيخ ابي زهرة يرحمه الله.
    جمعة مباركة اخي العزيز.
    نلتقي لنرتقي من النفق إلى الأفق

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].