الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: المصلحة المرسلة

  1. #1
    :: أستاذ أصول الفقه المشارك ::
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    الدولة
    الجزائر
    المدينة
    -
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    أصول الفقه
    المشاركات
    148
    شكر الله لكم
    49
    تم شكره 380 مرة في 95 مشاركة

    افتراضي المصلحة المرسلة: دراسة في نشأة المصطلح وتطور المفهوم

    المصلحة المرسلة: دراسة في نشأة المصطلح وتطور المفهوم
    د. نعمان جغيم
    (أصل هذا البحث منشور في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت العدد 108 مع بعض التعديلات والإضافات)
    مرفق نسخة PDF

    مقدمة
    موضوع المصلحة المرسلة من الموضوعات التي لقيت حظّا وافرا من الدراسات المعاصرة، فضلا عن أنها حاضرة في كتب أصول الفقه التي تبعت مدرسة "الجويني-الغزالي" الأصولية، أو التي كان لها تأثُّر بها، قديما وحديثا. وقد شاب الحديث عن المصلحة المرسلة في كتب الأصول شيءٌ من الاضطراب ذكره الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، ولخّص مظاهره في أمور أربعة: أولها: قول الأصوليين في كتاباتهم إن الأخذ بالمصالح المرسلة مُختَلَفٌ فيه، ويرجّح كثير منهم بطلان الأخذ به، مع اعتقاد البوطي أن الجميع في الواقع يحتجّ بها، من عصر الصحابة إلى أئمة المذاهب الأربعة. وثانيها: اختلاف كلامهم في الكيفية التي يأخذ بها الإمام مالك بالمصالح المرسلة: هل يقول بها بإطلاق؛ ما قرُب منها وما بَعُد، أم أنه يقصر ذلك على ما كان ملائما للتصرفات الشرعية؟ وثالثها: الغموض حول المعنى المراد بالمصالح المرسلة. ورابعها: اضطراب كلام الغزالي حول المصلحة المرسلة.[1]
    والدراسات المعاصرة التي تناولت موضوع المصلحة المرسلة كثيرة، سأقتصر على ذكر بعضها. منها ما ورد في كتاب تعليل الأحكام لأحمد مصطفى شلبي، وكتاب المصلحة في التشريع الإسلامي لمصطفى زيد، وكتاب ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية لمحمد سعيد رمضان البوطي، وكتاب نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي لحسين حامد حسان، ورسالة صغيرة، بعنوان: المصالح المرسلة لمحمد الأمين الشنقيطي، كما ستأتي الإشارة إلى بعض الدراسات الأخرى في متن هذا البحث.
    وعلى الرغم مما كُتب حول المصلحة المرسلة إلا أن الجانب التاريخي لهذا المصطلح، على أهميته، لم ينل حظّه من البحث.
    أسئلة البحث: تتلخص القضايا التي يناقشها هذا البحث في الأسئلة الآتية: كيف ظهر وتطور مصطلح المصلحة المرسلة؟ ما موقع هذا المفهوم من الفكر الأصولي خارج مدرسة الجويني-الغزالي؟ ما أسباب الاضطراب الذي حصل في نسبة الاحتجاج بالمصلحة المرسلة إلى المذاهب الفقهية؟
    أهداف البحث: يهدف هذا البحث إلى دراسة نشأة مصطلح "المصلحة المرسلة" وتطوّره، بغرض إظهار السياق التاريخي لظهوره، وبيان مكانته في الفكر الأصولي، ومعرفة سبب الاضطراب الحاصل في نسبة الاحتجاج به إلى أصحاب المذاهب الفقهية.
    وينبغي التنبيه على أن هذا البحث لا يُعنَى بالحديث عن تعريف المصلحة المرسلة، ولا بالحديث عن أدلة القائلين بحجيتها والرافضين لها والمناقشات التي دارت بينهما، ولا بتحديد ضوابطها، كما لا يُعنى بالحديث عن تطبيقات المصلحة المرسلة قديما وحديثا. فهذه جوانب استوفت حظّها من الدراسة، ولستُ مهتمّا بالخوض فيها.
    منهج البحث: يقوم منهج البحث على تتبّع مواطن الحديث عن المصلحة المرسلة في الكتب الأساسية للمتقدمين من الأصوليين، سعيا للتعرّف على زمن ظهور هذا المصطلح والتطوّر الذي خضع له، مع تخصيص ما كتبه الجويني والغزالي بالعرض والتحليل، لكون تلك الكتابات تمثّل المادة الأساس لهذا الموضوع. وفي استعراض كتب الأصول سأقتصر على الكتب الأساسية، ولن أعرض لما ورد في الشروح والحواشي إلا إذا تضمنت مادة مهمة في إبراز تطور المصطلح، كما هو الحال في شرح القرافي على المحصول للرازي. أما الدراسات المعاصرة فسيكون التركيز فيها على تلك التي تضمنت نقدا وتوجيها لما كتب حول المصلحة المرسلة، سواء للاقتباس منها أو للتعقيب على بعض ما ورد فيها من أفكار، أما الدراسات التي لا يتوفر فيها هذا الأمر، فهي لا تعنيني في هذا البحث.
    خطة البحث: يشتمل البحث على مقدمة؛ وسبعة مطالب: المطلب الأول: أصل مصطلح المصلحة المرسلة؛ المطلب الثاني: المصلحة المرسلة عند الأصوليين في عصر الجويني-الغزالي، المطلب الثالث: المصلحة المرسلة عند الجويني والغزالي؛ المطلب الرابع: تحليل موقف الغزالي من الاحتجاج بالمصلحة المرسلة؛ المطلب الخامس: تقييم عرض الغزالي لموضوع المصلحة المرسلة؛ المطلب السادس: الموقف من المصلحة المرسلة بعد الغزالي؛ المطلب السابع: نسبة الاحتجاج بالمصلحة المرسلة إلى المذاهب الفقهية؛ وخاتمة في نتائج البحث.

    المطلب الأول: أصل مصطلح "المصلحة المرسلة"
    يرجع أصل الحديث عن المصلحة المرسلة إلى مبحث "الاستدلال" عند الإمام الجويني في كتابه البرهان، وقد عرّف الاستدلال بقوله: "هو معنى مشعرٌ بالحكم مناسبٌ له فيما يقتضيه الفكر العقلي، من غير وجدان أصل متفق عليه، والتعليل المنصوب جار فيه."[2] وهو قريب من التعريف الذي أعطي فيما بعد للمصلحة المرسلة.
    وقد استخدم الجويني ضمن مبحث "الاستدلال" مصطلحات: "الاستصلاح"، و"المعاني المرسلة"، و"الرأي المرسل". ولم يرد فيما كتبه مصطلح "المصلحة المرسلة" ولا "المناسب المرسل". فمن عباراته التي ورد فيها مصطلح "الاستصلاح" قوله في بيان مذاهب العلماء في الاحتجاج بالاستدلال: "الثاني: جواز اتباع وجوه الاستصلاح والاستصواب، قَرُبَتْ من موارد النص أو بَعُدَت، إذا لم يصدّ عنها أصلٌ من الأصول الثلاثة: الكتاب، والسنة، والإجماع."[3] ومن عباراته التي ورد فيها مصطلح "المعاني المرسلة" قوله: "ومن تتبّع كلام الشافعي لم يَرَهُ متعلِّقا بأصل، ولكنه ينوط الأحكام بالمعاني المرسلة، فإن عدمها التفت إلى الأصول مُشبِّها."[4] ومن عباراته التي ورد فيها مصطلح "الرأي المرسل" قوله: "وصرّح بأن ما لا نص فيه، ولا أصل له، فهو مردود إلى الرأي المرسل، واستصواب ذوي العقول."[5]
    ومن هذه العبارات وضع الغزالي اصطلاح "الاستدلال المرسل" في كتابه المنخول، حيث عقد بابا بعنوان: "الاستدلال المرسل وقياس المعنى"،[6] واستعمل في هذا الباب مصطلح "المصلحة المرسلة".[7] ولم يتعرض الغزالي في كتاب المنخول لتقسيمات المناسب، كما لم يذكر المناسبة ضمن مسالك العلة.[8] وإنما أورد المناسبة ضمن مسالك العلة وتعرض لتقسيمات المناسب في كتاب شفاء الغليل، وبعد ذلك في المستصفى. ففي كتاب شفاء الغليل تحدث عن أقسام المناسب، وجعل منه المناسب المرسل. ومما جاء فيه: "المناسب الملائم الذي لم يشهد له أصل معيَّن، وهو الذي يُلقَّب في لسان الفقهاء بالاستدلال المرسل، يُعنى به الاعتماد على المعنى المناسب المصلحي الذي يظهر في الفرع، من غير استشهاد بأصل معيَّن."[9] وجاء فيه أيضا: "أما المناسب المرسل إذا ظهر في نفس المسألة على مذاق المصالح، وهو الذي يُعبِّر عنه الفقهاء بالاستدلال المرسل، وهو: التعلُّق بمجرد المصلحة من غير استشهاد بأصل مُعيَّن، فهذا مما اختلف فيه رأي العلماء."[10] وفي هذين النصين نرى تسويته بين معاني: "الاستدلال المرسل"، و"المناسب المرسل"، و"المصلحة المرسلة". أما في كتاب المستصفى فقد ناقش موضوع المصلحة المرسلة تحت مبحث "الاستصلاح" ضمن الأدلة الموهومة،[11] كما تحدث عن المناسب المرسل ضمن أقسام المناسبة في مسالك العلة.[12]
    وبهذا يتبين أن أصل المصلحة المرسلة هو مبحث الاستدلال عند الجويني. ويظهر من خلال ما وصلنا من كتب أصول الفقه أن الجويني هو أوّل من عقد مبحثا خاصا باسم "الاستدلال" وأعطاه معنى أصوليا خاصا، وربطه بالاستصلاح والرأي المرسل.
    وقد أطلق حسين حامد حسان القول بشيوع مصطلح المصلحة المرسلة عند الأصوليين قبل الغزالي، حيث قال: "لقد جاء الغزالي فوجد أن اصطلاح المصالح المرسلة قد شاع بين كتاب الأصول، واشتهر القول به عن المالكية، فأولى هذا النوع من الاستدلال عناية فائقة، وتكلم فيه بما لم يسبقه إليه أحد."[13] وهي دعوى لم أجد ما يسندها من دليل. فلم أجد ذكرا لهذا المصطلح قبل الجويني والغزالي، كما أنه لا وجود له عند المعاصرين لهما من الأصوليين، بل هو مصطلح من إنتاج الجويني والغزالي.

    المطلب الثاني: المصلحة المرسلة عند الأصوليين في عصر الجويني-الغزالي
    من أجل إثبات القول بأن نشأة وتطور مصطلح "المصلحة المرسلة" (الاستدلال المرسل) تمّ في مدرسة الجويني-الغزالي الأصولية، نلقي نظرة في كتب الأصوليين السابقين أو المعاصرين للجويني والغزالي أو القريبين من عصرهما لنرى هل لمصطلح "المصلحة المرسلة/ الاستدلال المرسل" وجود في تلك الكتب أم لا؟

    إذا نظرنا في كتاب الرسالة للإمام الشافعي (ت 204هـ) فإننا لا نجد فيه ذكرا لمصطلح "المصلحة المرسلة" وما يتعلق بها من اصطلاحات. وكذلك لا نجد شيئا من ذلك في كتاب الفصول في الأصول للجصاص الحنفي (ت 370هـ)، وإن كان قد تحدث عن المصحلة، مثل حديثه عن الفرق بين علل الأحكام وعلل المصالح، في ثنايا حديثه عن صفات العلة وكيفية استخراجها.[14] كما أنه لا يوجد شيء من ذلك في كتاب التقريب والإرشاد (الصغير) للباقلاني المالكي (ت 403هـ). ولا يوجد عند أبي الحسين البصري المعتزلي (ت 436هـ) في كتاب المعتمد ذكر لمصطلح "المصلحة المرسلة" أو "المناسب المرسل". وإن كان يوجد في كتابه حديث عن المصلحة، مثل حديثه عن كيفية ثبوت المصالح، وأنه لا يشترط في ثبوتها نص خاص، بل يمكن إثباتها بالاستدلال.[15] أما الاستدلال فقد عرفه بأنه: "ترتيب علوم يُتوصل به إلى علم آخر. فكل ما وقف وجوده على ترتيب علوم فهو مستدَل عليه."[16] وهو مختلف عن المعنى الذي ذكره الجويني. ولا نجد في كتاب الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم الظاهري (ت 456هـ) ذكرا للاستصلاح أو المصلحة المرسلة. ولو كان هذا المفهوم شائعا في زمانه لذكره وتعرّض له بالتقييم والنقد كما فعل مع مفهوم الاستحسان. كما لا نجد عنده ذكرا للاستدلال بمعناه الخاص عند الجويني، بل نجده بمعناه العام.[17] ولا نجد في كتاب العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي (ت 458هـ) ذكرا للاستصلاح أو المصلحة المرسلة أو الاستدلال بالمعنى الذي ذكره الجويني، وإنما ذكر الاستدلال بمعناه العام، وهو طلب الدليل.[18] ولا نجد في كتب أبي إسحاق الشيرازي الشافعي (ت 476هـ): التبصرة، واللمع وشرحه، ذكرا لمصطلح "المصلحة المرسلة" وما يتعلق بها من تقسيمات للمناسب، ولا ذكرا للاستدلال بالمعنى الذي ذكره الجويني،[19] وإن كان قد أشار إلى دور الاستدلال في ثبوت المصحلة.[20] وإذا نظرنا في كتاب: إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي المالكي (ت 474هـ)، نجد أنه ذكر الاستصحاب، والاستحسان، ولم يذكر الاستصلاح أو المصلحة المرسلة، كما أنه لم يعقد في كتابه بابا خاصا بالاستدلال، وعرفه بالتعريف العام.[21] كما لا نجد في كتاب الواضح في أصول الفقه لابن عقيل الحنبلي (ت 513هـ) ذكرا للاستصلاح أو المصلحة المرسلة.[22] وحتى ابن العربي (ت 543هـ) لم يورد ذكرا للمصلحة المرسلة في الملخّص الذي وضعه في أصول الفقه بعنوان: المحصول في أصول الفقه،[23] ولكنه تحدث في كتبه الأخرى عن كون المصلحة أصلا من أصول الاستنباط عند مالك، وسيأتي ذكر ذلك.

    المطلب الثالث: المصلحة المرسلة عند الجويني والغزالي
    أولا: موقف الغزالي من وجود المصلحة المرسلة
    بعد بيان أن الغزالي هو الذي طور مصطلح "الاستدلال المرسل/ المصلحة المرسلة" من مبحث الاستدلال عند الجويني، ننظر في موقفه من وجود الاستدلال المرسل/ المصلحة المرسلة.
    أشار الغزالي في كتابه المنخول بعد استعراض ملخص كلام الجويني في الخلاف في الاحتجاج بالاستدلال إلى عدم وجود الاستدلال المرسل (المصلحة المرسلة) أصلا، حيث قال: "والصحيح أن الاستدلال المرسل في الشرع لا يُتصوَّر حتى نتكلم فيه بنفي أو إثبات. إذ الوقائع لا حصر لها، وكذا المصالح. وما من مسألة تُفرض إلا وفي الشرع دليل عليها إما بالقبول أو بالرد."[24] وبعد حديثه عن أنواع أحكام الشرع من حيث طريق معرفة حكمها، خلص إلى القول: "فخرج به أن كل مصلحة تُتَخَيَّل في واقعة مُحْتَوَشَة[25] بالأصول المتعارضة لا بد أن تشهد الأصولُ لردِّها أو قبولها. فأما تقدير جريانها مُهْمَلا غُفْلا،[26] لا يُلاحظ أصلا، محالٌ تخيُّلُه."[27] وقال بعد نقاش لمسألة وطء الزوج مطلَّقَتَه في العدة: "فقد تبيّن أن كل مصلحة مرسلة فلا بد أن تشهد أصول الشريعة لردها أو قبولها."[28]
    أما في كتابه شفاء الغليل فقد أثبت وجود "المناسب المرسل/ المصلحة المرسلة" وتحدث عنهما طويلا. وفي كتاب المستصفى عقد بابا بعنوان "الاستصلاح" ضمن الأدلة الموهومة، تحدث فيه طويلا عن المصحلة المرسلة. كما تحدث عن المناسب المرسل في مسالك العلة عند حديثه عن مسلك المناسبة.[29]
    وسبب ما يظهر في هذين الموقفين من تباين أن الإرسال على نوعين: أحدهما: إرسال مطلق، وهو عدم وجود ما يشهد لمصلحة من المصالح بالقبول أو بالرد من نصوص الشرع، سواء على مستوى النوع أو الجنس؛ فهي مصلحة مرسلة عن أدلة الشرع بإطلاق. وهذا النوع من الإرسال هو الذي نفى الغزالي وجوده في كتابه المنخول.
    النوع الثاني: إرسال خاص مرتبط بالقياس، بمعنى عدم وجود أصل خاص تقاس عليه تلك المصلحة، لكن ذلك لا يمنع من وجود ما يشهد لها من الأصول العامة بالاعتبار فتحلق بالمصلحة المعتبرة، أو بالردّ فتلحق بالمصلحة الملغاة. وفي ذلك يقول الغزالي: "وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي، علم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والإجماع، فليس خارجا من هذه الأصول، لكنه لا يُسمَّى قياسا، بل مصلحة مرسلة، إذ القياس أصل مُعيَّن. وكون هذه المعاني مقصودة، عُرِفَت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، فتسمى لذلك مصلحة مرسلة."[30] وهذا النوع من الإرسال هو الذي ركّز عليه في كتابيه: شفاء الغليل والمستصفى.

    ثانيا: موقف الجويني والغزالي من الاحتجاج بالمصلحة المرسلة (الاستدلال)
    لقد كان موقف الجويني من الاحتجاج بالاستدلال (المصلحة المرسلة) واضحا، فقد دافع عنه، وردّ على من أنكر الاحتجاج به، كما أنه لم يتردد في نسبته إلى الإمام الشافعي على الوجه الذي يراه مقبولا؛ فقال: "ومن تتبّع كلام الشافعي لم يره متعلقا بأصل، ولكنه ينوط الأحكام بالمعاني المرسلة، فإن عدمها التفت إلى الأصول مشبِّها... ولا بد في التشبيه من الأصل."[31]
    ويمضي الجويني في الاستدلال على ما نسبه إلى الشافعي من الأخذ بالمعاني المرسلة إذا كانت قريبة، فيقول: "قد ثبت أصول معللة اتفق القائسون على عللها، فقال الشافعي: أتخذ تلك العلل معتصمي وأجعل الاستدلالات قريبة منها، وإن لم تكن أعيانها، حتى كأنها مثلا أصول، والاستدلال مُعتبَر بها."[32] ويذهب الجويني بعيدا في مسعاه إلى إثبات الاحتجاج بالاستدلال، حيث يرى تقديم الاستدلال بالمعاني المرسلة على الاستدلال بالقياس على أصول معيَّنة، فيقول: "واعتبار المعنى بالمعنى تقريبا أولى من اعتبار صورة بصورة بمعنى جامع، فإن متعلق الخصم من صورة الأصل معناها لا حكمها، فإذا قرب معنى المجتهد والمستدل فيما يجتهد إلى الشرع ولم يردَّه أصل، كان استدلالا مقبولا."[33]
    وبعد أخذ ورد خلص الجويني إلى أن المقبول في الاستدلال المرسل هو ما كان معتمدا على وصف مخيل ومناسب، ولم يكن راجعا إلى وصف منصوص عليه أو مومأ إليه أو أجمع عليه القائسون، بشرط أن يكون ذلك المعنى مشابها للمعاني والمصالح التي كان يعتبرها الصحابة، وأن لا يصادم أصلا من الأصول.[34] ولست هنا بصدد مناقشة رأي الجويني وأدلته، وإنما الهدف هو مجرد بيان موقفه من الاستدلال لمقارنته بمن جاء بعده.

    أما الغزالي فإن الناظر في كتبه الثلاثة يجده يتردد بين طرفي التخفيف والتشديد في شروط الاحتجاج بها. ففي كتاب المنخول نجده يقول: "كل معنى مناسب للحكم، مطّرد في أحكام الشرع، لا يردُّه أصلٌ مقطوع به مُقدَّم عليه، من كتاب أو سنة أو إجماع؛ فهو مَقُولٌ به، وإن لم يشهد له أصلٌ مُعيَّن."[35] ويقول: "فإن قيل: لو حدثت واقعة لم يُعهد مثلها في عصر الأولين، وسنحت مصلحة لا يردُّها أصلٌ، ولكنها حديثة، فهل تعتبرونها؟ قلنا: نعم."[36] ولكنه يضع في موضع من الكتاب شرطا، يرى أنه هو الذي يفرّق بين مذهب الشافعية ومذهب مالك في الأخذ بالمصالح المرسلة، وهو ألا تكون تلك المصلحة قد ظهرت في عصر الصحابة وامتنعوا عن الأخذ بها، حيث يقول: "كل مصلحة يُعْلَم على القطع وقوعُها في زمن الصحابة رضي الله عنهم، وامتناعهم عن القضاء بموجبها، فهي متروكة."[37] وقد استخدم هذا الشرط في الاعتراض على ضرب المتهم، لأن الداعي إلى ذلك كان موجودا في زمن الصحابة رضي الله عنهم، ولكنهم لم يفعلوه.[38]
    كما نجده في موضع في المستصفى ينصّ على القبول المطلق للمصلحة المرسلة، ويرفع من شأنها بجعلها متضمَّنة في الكتاب والسنة وثابتة بأدلة كثيرة لا حصر لها، حيث يقول: "وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي، عُلِم كونُه مقصودا بالكتاب والسنة والإجماع، فليس خارجًا من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياسا، بل مصلحة مرسلة، إذ القياس أصلٌ مُعيَّن. وكون هذه المعاني مقصودة، عُرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، تسمى لذلك مصلحة مرسلة."[39] ثم يقول: "وإذا فسَّرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافا، فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين، وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى."[40]
    وفي شفاء الغليل ذهب إلى أن المصلحة المرسلة التي شأنها المحافظة على مقصود الشرع لا يُشترط في العمل بها شهادة أصل خاص، وأن العمل بها محلّ اتفاق بين العلماء القائلين بالقياس، حيث يقول تعليقا على قتل الجماعة بالواحد: "فدلَّ أنّ كل واحد من الشافعي ومالك سلك مسلك المصلحة، وهو الذي رآه عمر رضي الله عنه. وذلك يدلّ على اتفاق مسالك العلماء القائسين في اتباع المصالح المرسلة، وإن لم يعتضد بشهادة أصل معيَّن، مهما كان من جنس مصالح الشرع."[41]
    وفي مقابل هذا التوسّع في العمل بالمصلحة المرسلة، نجده في المستصفى يضيِّق دائرة الأخذ بها، فيقصرها على الضرورات فقط، حيث يقول، بعد أن قسّم المصالح من حيث قوتها في ذاتها إلى ضرورات وحاجات وتحسينات: "فنقول الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرَّده إن لم يعتضد بشهادة أصل، لأنه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي، فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس، وسيأتي. أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له أصل معيَّن."[42] ويبلغ تضييقه الذروة عندما يشترط فيها أن تكون ضرورية كلية قطعية.[43] وسيأتي بيان سبب هذا التضييق عند الحديث عن تحليل موقف الغزالي، وأنه ورد في سياق الحديث عن مصلحةٍ تعارضُ أصلا مقطوعا به.
    وبين الموقفين السابقين، نجده في موضع من شفاء الغليل يتوسط في شروط العمل بها، فيصرح بحصر العمل بها في مرتبتي الضرورات والحاجات اكتفاء بملاءمتها لتصرفات الشرع، أما في مرتبة التحسينات فيجزم بعدم جواز العمل بها، ويعدّ الأخذ بها في هذه الرتبة وضعا للشرع بالرأي.[44]

    وبناء على ما سبق بيانه من تردد في كلام الغزالي، اختلف الباحثون –قديما وحديثا- في تحديد موقفه؛ فمنهم من وصف موقفه بالتردد أو الاضطراب، مثل ابن المنيّر -من المتقدمين،[45] ومن المعاصرين محمد الطاهر بن عاشور،[46] ومحمد حسن هيتو،[47] ومحمد سعيد رمضان البوطي.[48] وفي المقابل نجد من ينفي عنه أي نوع من التردد والاضطراب، وعلى رأسهم حسين حامد حسان.[49]

    هذا من ناحية التناسق والاضطراب في موقف الغزالي، أما عن تحديد موقفه من الاحتجاج بالمصلحة المرسلة: فمنهم من نسب إليه عدم الاحتجاج بها إلا إذا كانت في الضرورات، وكانت قطعية وكلّية. ومن هؤلاء: الرازي، والآمدي، والبيضاوي، وابن الحاجب، والزركشي.[50] ومن المعاصرين الذين نسبوا الغزالي إلى هذا القول محمد مصطفى شلبي في كتابه تعليل الأحكام، حيث قال: "المذهب الثالث: التفصيل بين نوع ونوع، فإذا كانت ضرورية قطعية كلية صح العمل بها، وإلا رُدّت، إلا إذا بلغت الحاجية مبلغ الضرورة، وهو رأي الغزالي الذي صرح به في المستصفى."[51] وبعد ذكر مسألة التترس التي مثّل بها الغزالي، خلص إلى تصنيف الغزالي ضمن المانعين، حيث يقول: "ونحن إذا علمنا أن هذه الصورة نادرة جدا، مع أنها ليست من الإرسال في شيء، لأن الأدلة الكثيرة أثبتت هذا النوع، أدركنا أن رأيه ليس رأيا مستقلا، بل هو رأي المانعين."[52] ومنهم من تردّد في شرط القطع، مثل تاج الدين ابن السبكي، حيث يرى أن الغزالي في الحقيقة لم يشترط القطع لترجيح العمل بالمصالح المرسلة، بل شَرَطَه ليكون العمل بها مقطوعا به، أي مجزوما باعتباره، أما ترجيح العمل بها فيكفي فيه الظن القريب من القطع.[53] ومنهم من ذهب إلى أن الغزالي يرى جواز العمل بالمصلحة المرسلة في الضروريات والحاجيات دون اشتراط القطع والكلية، ومن هؤلاء حسين حامد حسان،[54] وأيمن الدباغ.[55]

    المطلب الرابع: تحليل موقف الغزالي من الاحتجاج بالمصلحة المرسلة
    تبيّن في المطلب السابق الاختلاف الحاصل في تحديد موقف الغزالي من الاحتجاج بالمصلحة المرسلة. وبعد النظر المتفحص في ما كتبه تبيّن أن ذلك الاختلاف يعود إلى اختلاف الأمثلة التي صوَّر المصلحة المرسلة من خلالها. فحين صوَّرها بأمثلة تتعلق بسفك دماء مسلمة دون جُرم، تشدّد في شروط العمل بها؛ فاشترط فيها أن تكون ضرورية كلية قطعية. وعندما تعلق الأمر بمسائل أخفّ من تلك، مثل أخذ الأموال لمصلحة الجماعة المسلمة، خفّف في الشروط. ولما تكلم عن مطلق المصلحة بوصفها أمرا يعود إلى تحقيق مقاصد الشريعة، أطلق القول بجواز الأخذ بها. وفي ما يأتي تحليل مفصَّل للطريقة التي تناول بها الغزالي المصلحة المرسلة، والأمثلة التي مثّل بها، والأحكام المختلفة في سياقها الذي وردت فيه، والنتائج المستخلصة من ذلك.

    قسّم الغزالي في المستصفى المصلحة من حيث شهادة الشرع لها إلى ثلاثة أقسام: أولها: مصلحة شهد الشرع لاعتبارها: وهي حُجّة ويرجع حاصلها إلى القياس. وثانيها: مصلحة شهد الشرع لبطلانها: وهي ما يُدَّعى مصلحة وهو مصادم للنص الشرعي، وهي ملغاة. وثالثها: مصلحة لم يشهد لها نص معيَّن بالبطلان ولا بالاعتبار، وقال عنها: هي في محلّ النظر.[56] وقد اكتفى الغزالي في هذا الموضع بذكر أن المصلحة المرسلة هي التي لم يشهد لها نص معيَّن بالبطلان ولا بالاعتبار، دون حديث عن ملاءمتها لتصرفات الشارع أو عدم ملاءمتها. أما في تقسيمه للمناسب[57] فقد ذكر أن المناسب المرسل (المصلحة المرسلة) هو: مناسب ملائم لا يشهد له أصل مُعيَّن، وهو الاستدلال المرسل.[58] ومن التقسيمين يتبيّن أن المصلحة المرسلة تتميز بخاصتين: إحداهما: الملاءمة لتصرفات الشرع، بمعنى أنه ثبت اعتبار جنس تلك المصلحة في الأحكام الشرعية، والثانية: عدم وجود نصّ خاص يشهد لتلك المصلحة، بمعنى أنه لا يوجد حكم منصوص أو مُجمَع عليه تُقاس عليه تلك المصلحة، ولذلك سُمِّيت مرسلة.
    إذا نظرنا في التعريف النظري الذي عرّف به الغزالي المصلحة المرسلة (المناسب المرسل) نجده واضحا لا اضطراب فيه، ولكنه لما أخذ في مناقشتها من خلال الأمثلة أورد أمثلة تتردد بين مصالح يقتضي تحقيقها مخالفة نصّ وارتكاب محظور شرعي، ومصالح لا يقتضي تحقيقها ذلك. والظاهر أن ذلك التردّد في التصوير العملي للمصلحة المرسلة هو الذي سبَّب تردُّده في حُكم الاحتجاج بها. ولتوضيح هذا الأمر سأعرض سياق الأمثلة التي مثّل بها الغزالي للمصلحة المرسلة في كتابيه شفاء الغليل والمستصفى.

    بدأ الغزالي حديثه عن المصلحة المرسلة في كتاب شفاء الغليل، بعد تعريفها، بإطلاق الحكم بأن الواقع منها في مرتبة التحسينات والتزيينات لا يجوز الاستمساك به ما لم تعتضد بأصل مُعيَّن ورد من الشرع الحكم فيه على وفق المناسبة، وحتى إذا اتفق ورود أصل معيّن، فنحن منه على علالة، أما إذا لم يرد من الشرع حكم على وفقه، فاتباعُه وضعٌ للشرع بالرأي.[59] والملفت للنظر أن الغزالي مثّل لهذا بمثال افتراضي، هو لو افترضنا أنه لم يرد في الشرع تحريم بيع بعض الأعيان النجسة، ثم اجتهد مجتهد قائلا: إن الحكم بنجاسة الشيء دليل على أمر الشرع باجتنابه، وحكمٌ باستقذاره، وتجنُّب مخالطته، والقول بحواز بيعه يخالف ذلك، ويستخلص من ذلك حكما بحرمة بيع جميع ما حكم الشرع بنجاسته. ويرى الغزالي أن مثل هذا الحكم يكون مرفوضا، ويعتمد في رفضه على أمرين: أحدهما: أن الحكم بتحريم بيع النجاسات من باب التحسينات، ولا يتعلق بالمنع من بيعه ضرورة ولا حاجة.[60] والأمر الثاني: أن هذا الوصف الذي عُلّل به هذا الحكم خيالي، لا يصمد أمام السّبر؛ لأن معنى النجاسة هو عدم صحة الصلاة مع ذلك الشيء، ولا مناسبة بين بطلان الصلاة مع استصحابه وبين المنع من بيعه، وبهذا تنقطع المناسبة.[61]
    والملاحظ هنا أن الغزالي لم يذكر مثالا واقعيا للمصلحة المرسلة الواقعة في رتبة التحسينات، ويبيّن كيف تُرفض بسبب كونها من التحسينيات، بل لجأ إلى مثال افتراضي. ولا يخفى أن عدم إعطاء مثال حقيقي علامة على ضعف ما ذهب إليه. كما يلاحظ على المثال الذي ذكره أنه حكم بتحريم شيء دون دليل واضح. أما لو كانت المصلحة من باب المصالح الملائمة لتصرفات الشرع التي لا يقتضي تحقيقُها حكما بالتحريم أو انتهاكا لمحظور شرعي، فلا شك أن حكمها سيكون مختلفا، حتى لو كانت من التحسينات.

    وإذا نظرنا في السياق الذي ورد فيه تنصيص الغزالي على رفض العمل بالمصلحة المرسلة في رتبة التحسينات، نجد أنه ذكر ذلك بعد أن قسّم الأوصاف المناسبة التي يستنبطها الفقيه معتقدا أنها علة الحكم، إلى قسمين: أحدهما: مناسب حقيقي عقلي: وهو الذي لا يزال يزداد على البحث والسَّبْر وضوحا، ويرتقي بمزيد التأمّل إلى شكل العقليات. والثاني: المناسب الخيالي الإقناعي: وهو المناسب الذي يخيل في الابتداء مناسبته، وإذا سلّط عليه البحث وسدّد إليه النظر ينحلّ حاصله، وينكشف عن غير طائل.[62] وبعد ذلك ربط بين هذا التقسيم للمناسب وبين مراتب المقاصد، حيث يرى أن مراتب المناسبات تختلف في الظهور باختلاف تلك المراتب. فأعلاها ما يقع في مراتب الضرورات؛ فكلّ مناسبة يرجع حاصلها إلى رعاية مقصود ضروري يشير العقل إلى حفظها، ولا يستغني العقلاء عنها، ويكون ذلك المناسب واقعا في الرتبة القصوى في الظهور. أما المناسبات الراجعة إلى الحاجات ومكملاتها فجعلها في المرتبة الثانية. وجعل المناسبات الراجعة إلى التحسينات في المرتبة الثالثة.[63] وبسبب ذلك التدرّج في الوضوح جعل المناسب الذي تُعلّل به الأحكام الواقعة في مرتبة الضرورات والحاجات من باب المناسب الحقيقي العقلي، أما المناسب الذي تُعلّل به الأحكام الواقعة في رتبة التحسينات فالغالب عليه كونه من باب المناسب الخيالي الإقناعي.[64] وعند النظر في ما أورده الغزالي هنا يتبين أن المسألة قائمة على ما يستنبطه الفقيه من عِلل للأحكام؛ فقد تكون العلة التي يستنبطها الفقيه من باب "المناسب الحقيقي العقلي"، وقد تكون من باب "المناسب الخيالي الإقناعي". ولا يخفى أن هذا الاستنباط اجتهادي يخضع للخطأ وللخلاف في التقدير، فما يراه أحدهم حقيقيا قد يراه غيره خياليا. وزيادة على ذلك، فإننا إذا ألحقنا المصالح غير المنصوص على جزئياتها (المصالح المرسلة) بأجناسها الواردة في العمومات الشرعية دون خوض في التعليل والقياس، فإن هذا الذي ذكره الغزالي في تعليل رفض الأخذ بالمصلحة المرسلة في التحسينات لا يبقى له مبرر.
    أما في كتاب المستصفى فقد افتتح حديثه عن الاستصلاح بذكر اختلاف العلماء في جواز اتباع المصلحة المرسلة، ثم تحدث عن تقسيم المصلحة باعتبار شهادة الشرع لها،[65] وعن تقسيمها باعتبار قوتها في ذاتها إلى: ضرورات، وحاجات، وتحسينات، وأمثلة كل مرتبة وتعليلاتها، وما يتمِّمها.[66] ولم يتحدث الغزالي في هذا الموضع عن المناسب الحقيقي، والمناسب الخيالي الإقناعي، كما أنه لم يربط بين هذا التقسيم وتقسيم المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها، كما فعل في شفاء الغليل. ولكنه مثْل ما فعل هناك، ذكر بعد الفراغ من بيان تلك الرتب الثلاث وبعض أمثلتها، المجال الذي يُعمل فيه بالمناسب المرسل، حيث ضيّق فيه ليحصره في الضرورات فقط، فقال: "فإذا عرفت هذه الأقسام، فنقول: الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرّده إن لم يعتضد بشهادة أصل... أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد وإن لم يشهد له أصل معيَّن، ومثاله: أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين..."[67] ثم بدأ يناقش مسألة تترس الكفار ببعض أسرى المسلمين. وفي هذا الموضع خلص الغزالي إلى اشتراط الشروط الثلاثة في الأخذ بالمصلحة المرسلة، وهي: كونها ضرورية قطيعة كلية.[68] ولتوكيد تلك الشروط ذكر ما يفرق بين هذه المسألة وبين ما يشبهها (وهو ما إذا اختل شرط من هذه الشروط)، فذكر أن تترس الكفار بمسلم في قلعة ليس من هذا الباب، فلا يحل رمي الترس لعدم الضرورة. كما أنه ليس في معناها أيضا مثال الجماعة في سفينة لو طرحوا واحدا منهم لنجوا وإلا غرقوا بجملتهم، لأنها ليست كلية. وكذلك مثال جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدا منهم بالقرعة لنجوا، لأنها ليست كلية.[69] ثم ذكر أن قطع اليد المتآكلة حفاظا على حياة صاحبها ليس من باب المصلحة المرسلة، بل هو مما شهد الشرع للترخيص فيه، وكذلك قطع المضطر قطعة من فخذه ليأكلها. إلا أنه إذا كان القطع في هذين الحالتين سببا ظاهرا في الهلاك فإنه يمنع منه، لأن المصلحة لا تكون قطعية.[70]
    والملاحظ أن الغزالي عاد مرات عديدة في مواضع مختلفة لمناقشة مسألة التترس، وفي كل مرة يضيف شيئا، فقد عاد بعد مناقشة مسألة قتل الساعي في الأرض بالفساد، إلى مسألة التترس ليخفّف من شرط القطع، ويضيف إليه الظن القريب من القطع، حيث يقول: "والظن القريب من القطع إذا صار كليّا وعظم الخطر فيه، فتحتقر الأشخاص الجزئية بالإضافة إليه."[71] ثم عاد مرة ثانية لمناقشة الاعتراضات الواردة على مثال التترس ليخلص بالمسألة إلى أنها من باب ترجيح الكلي على الجزئي، وأن ترجيح الكلي على الجزئي مقطوع به في الشرع ولا يحتاج إلى شهادة أصل.[72] وعاد مرة ثالثة إليها لينصّ على أن منشأ الخلاف فيها راجع إلى الترجيح بين المصلحتين. وعاد مرة رابعة لمناقشة بعض الاعتراضات المفترضة على قوله بجواز رمي الترس، ليقرّر أن دفع الكفار مقصودٌ، والكفّ عن قتل المسلم البريء (الترس) مقصودٌ، وعلق على ذلك بقوله: "وقد اضطررنا إلى مخالفة أحد المقصودين، ولا بد من الترجيح، والجزئي محتقر بالنسبة إلى الكلي." ثم راح يبيّن أن هذه القاعدة في الترجيح لم تعرف بنص واحد معيّن، بل بتفاريق أحكام واقتران دلالات لم يبق معها شكّ في أن حفظ دولة الإسلام ورقاب المسلمين أهم من حفظ أشخاص معينين.[73] أما عدم ترجيح الأكثر على الأقل فيرى أنه ثبت بالإجماع؛ لأن الأمة مجمعة على أنه لو أكره شخصان على قتل شخص لا يحلّ لهما قتله، وأنه لا يحل لمسلمين أكل مسلم في مخمصة، فمنع الإجماع من ترجيح الكثرة، ولذلك منع من إلقاء شخص في مثال السفينة.[74]

    وإذا قارنا بين الأمثلة التي ناقش من خلالها موضوع المصلحة المرسلة في شفاء الغليل وفي المستصفى، نجد أنه لم يذكر مثال التترس في شفاء الغليل، وهذا يفسّر لنا عدم ذكره هناك الشروط الثلاثة (ضرورية، كلية، قطعية) التي اشترطها في المستصفى في المصلحة المرسلة.
    وفيما يأتي نذكر الأمثلة التي ناقش من خلالها موضوع المصلحة المرسلة، ونبدأ بالأمثلة المشتركة بين الكتابين.
    المثال الأول: زيادة عقوبة شارب الخمر إلى ثمانين، وقد ركز فيه في شفاء الغليل على أن الصحابة لم يكتفوا بالمصلحة، بل استأنسوا بشهادة أصل، هو حدّ القذف، وبيّنوا المناسبة بين الُّسكر والقذف، ليخلص إلى القول: "فطلبهم هذه المناسبة هي الدلالة الظاهرة على أنهم لم يروا الاختراع للمصالح، بل تشوّفوا إلى التصرف في موارد الشرع بضروب من التقريب والمناسبة."[75] أما في المستصفى فكان تركيزه على كون العقوبة لم تكن محددة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك من باب التعزيرات، وهي متروكة لرأي الإمام، وأنهم مع ذلك بحثوا عن أصل يقيسون عليه تلك الزيادة وهو حد القذف.[76]

    المثال الثاني: قتل الزنديق المستتر إذا تاب. وذكر في شفاء الغليل أن المسألة في محلّ الاجتهاد، وأنه لا يقطع ببطلان أحد المذهبين. وفي ختام مناقشة المسألة مال إلى إخراجها من المصلحة المرسلة بقوله: "وعلى الأحوال لا تصلح المسألة للتمثيل لما نحن فيه بحال."[77] أما في كتاب المستصفى فقد رجّح القول بقتله، وعدّ ذلك من باب استعمال مصلحة في تخصيص عموم، وزعم أن هذا لا ينكره أحد.[78]

    المثال الثالث: قتل المبتدع الداعي إلى البدع والضلالات التي لا توصل إلى الكفر. وجزم في شفاء الغليل بعدم جواز قتله، بل يخضع للتعزير. وبهذه المناسبة ذكر أن العقوبات التعزيرية خاضعة للمصلحة، ولكنها لا تدخل في باب المصلحة المرسلة، لأن حقّ الإمام فيها ثابت بالنص والإجماع.[79] أما في المستصفى فتناول مسألة قريبة منها وهي مسألة قتل الساعي في الأرض بالفساد، وذهب إلى أنه إذا لم يرتكب جريمة موجبة لسفك الدم، فلا يُسفك دمه. وعلل ذلك بأن هذه المصلحة ليست ضرورية، إذ يمكن كفّ شرّه بالحبس.[80] ولكنه عاد في موضع آخر إلى هذا المثال ليتراجع عن القطع بعدم جواز قتله ويقول: "لا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى قتله إذا كان كذلك، بل هو أولى من الترس، فإنه لم يذنب ذنبا، وهذا قد ظهرت منه جرائم توجب العقوبة."[81]

    المثال الرابع: الضرب بالتهمة للاستنطاق بالسرقة، ورجح عدم جواز ذلك، مبيِّنا أن هذا الترجيح ليس من باب عدم الأخذ بالمصالح، بل من باب أن هذه المصلحة عارضتها مصلحة أقوى منها، هي مصلحة المتهم الذي قد يكون بريئا.[82] وعضّد ذلك بالقاعدة التي ذكرها في المنخول، وهي أن الجرائم التي ظهرت في عصر الصحابة ولم يجعلوا لها عقوبة، يدل فعلهم ذلك على أنهم قد فهموا من مورد الشرع عدم مشروعية ذلك، فلا يجوز الإقدام عليه.[83]

    المثال الخامس: توظيف الخراج على الأموال في حال خلت خزينة الدولة من المال اللازم للإنفاق على الجند، ورجح جواز ذلك، بل ذهب إلى أن المصلحة في هذا قطعية لا تحتاج إلى شواهد لإثباتها، ومع ذلك فإن مثل هذه المصالح القطعية لا تعدم شواهد، وراح يعدّد شواهد ذلك.[84] ولم يختلف حكمه فيها في المستصفى، ولكنه ركز على كون المسألة من باب الترجيح بين المفاسد، قائلا: "لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران قدم الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين."[85] وهو في هذه يسير على ما سار عليه شيخه الجويني في مناقشته لها.[86]

    المثال السادس: مثال قوم في سفينة توشك على الغرق، لو رموا بعضهم في البحر ربما نجوا، ومثال قوم اضطروا في مخمصة فأرادوا قتل أحدهم لأكل لحمه. وحكم بعدم جواز ذلك لتعارض المصلحتين، ولم يُعهد من الشارع ترجيح مصلحة الكثرة على القلّة.[87] وركّز في المستصفى على أن الإجماع انعقد على عدم ترجيح الكثرة على القلة.[88]

    المثال السابع: مسألة المرأة التي انقطع خبر زوجها مدة طويلة، هل يفسخ نكاحها؟ وذكر فيها قضاء عمر بالفسخ بعد أربع سنين، وأن رأي الشافعي في المذهب القديم موافق لقضاء عمر، أما رأيه الجديد فمنع فيه فسخ نكاحها. والملاحظ هنا أنه لم ينكر اتباع الشافعي المصلحة المرسلة في هذه المسألة، فقال: "وليس هذا من الشافعي امتناعا عن اتباع المصالح، وإنما هو رأي رآه في عين هذه المصلحة من حيث إن في تسليطها على التزويج خطرا عظيما..."[89] ولم يختلف قوله عن هذا في المستصفى.[90]

    المثال الثامن: مسألة الوليين يزوجان المرأة من رجلين، ويُعلم أن أحدهما زوّجها قبل الآخر، ولكن يتعذر معرفة من زوّجها الأول. ثم ذكر أن الشافعي تردد في هذه المسألة، وأن تردده دليل ميله إلى المصلحة المرسلة ورعايتها.[91] أما في المستصفى فقد حاول إخراج المسألة من باب الحكم بالمصلحة، وزعم أنه تشهد لما ذهب إليه الشافعي أصولٌ معيّنة، ولكنه لم يذكر تلك الأصول.[92]

    المثال التاسع: مسألة المرأة الشابة تُطلّق وهي ممن يحيض، ولكن تتأخر عنها الحيضة سنوات، فهل تبقى في انتظار الحيض إلى أن تصل سنّ اليأس، أم تعتدّ بالأشهر؟ ورجّح انتظارها إلى سنّ اليأس، وعدم اتباع مصلحتها في الزواج، وعلل ذلك بأن العدة ليس المقصود منها براءة الرحم فقط، بل فيها نوع تعبد.[93] وزاد في المستصفى أنها تدخل في عموم نصّ عدّة الحوائض، ولا نخصص النص بتلك المصلحة النادرة.[94]

    أما الأمثلة التي ورد ذكرها في شفاء الغليل فقط، فهي:
    المثال الأول: لو رأى الحاكم جمعا من الأغنياء يبذرون أموالهم، ويصرفونها في وجوه الترف والفساد، ورأى أنه من المصلحة معاقبتهم بأخذ شيء من أموالهم وضمّها إلى بيت المال لصرفها في وجوه المصالح، فهل له ذلك؟ وأجاب عن ذلك بعدم الجواز، لأن الشرع لم يشرع المصادرة في الأموال عقوبة على جناية، مع كثرة الجنايات والعقوبات، وهذا إبداع أمر غريب لا عهد به، وليست المصلحة فيه متعيِّنة.[95]

    المثال الثاني: إطباق الحرام على الأرض وعسر الاكتساب من الحلال، وهل يجوز في تلك الحال التوسّع في الأكل من الحرام فوق الضرورة للوصول إلى مرتبة الحاجة؟ وأجاز ذلك في المأكل والملبس والمسكن، كما فعل شيخه الجويني.[96]

    المثال الثالث: مسألة قتل الجماعة بالواحد، فذكر أنه ليس فيها نص ولا إجماع، ولكن فيها قضاء عمر رضي الله عنه. ولأن الإمام الشافعي ذهب إلى جواز قتل الجماعة بالواحد، فإن الغزالي نص في هذا الموضع على اتفاق الشافعي ومالك في الأخذ بالمصلحة المرسلة وإن لم يعضدها شاهد خاص، حيث علّق على ذلك بقوله: "فدلّ أن كل واحد من الشافعي ومالك سلك مسلك المصلحة، وهو الذي رآه عمر رضي الله عنه. وذلك يدلّ على اتفاق مسالك العلماء القائسين في اتباع المصالح المرسلة، وإن لم يعتضد بشهادة أصل معيّن مهما كان من جنس مصالح الشرع."[97] ثم راح يبيّن وجه القول بقتل الجماعة بالواحد، مؤكدا أن ذلك ليس من باب القياس، وإنما هو من باب المصلحة، وعضّد ذلك بقوله: "وقد دعت إليه الحاجة والمصلحة، وأشار إليه سر المشاركة، فلم يكن ذلك مبتدعا."[98]

    المثال الرابع: مسألة تعاون رجلين على السرقة بأن ثقب أحدهما الحرز وأخرج الآخر المال، فهل يقطع الذي ثقب الحرز رعاية للمصلحة وحسمًا لباب التعاون على السرقة؟ وكان جوابه بالمنع، وعلل ذلك بقوله: "لم يَبِنْ لنا أن القطع مشروعٌ لعصمة المال، كما بان كونُ القصاص مشروعا لعصمة النفس."[99] ورجح أن عقوبة القطع وجبت حقا لله تعالى.
    بعد عرض الأمثلة التي ناقش الغزالي من خلالها موضوع المصلحة المرسلة، نأتي إلى النظر في سياق الأحكام المترددة التي أطلقها بخصوص العمل بها.
    بداية نلاحظ أن الأمثلة التي ضربها الغزالي في شفاء الغليل والمستصفى تتعلق في مجملها بسفك الدماء، والعقوبة بقطع الأعضاء، والضرب (التعذيب)، وأخذ الأموال، وهي أمور كلها الأصل فيها التحريم لما ورد في ذلك من نصوص شرعية. ولا يخرج عن هذا الإطار سوى أربعة أمثلة، هي: مثال إطباق الحرام، وهذا أيضا فيه مخالفة نص شرعي، حيث إن الكسب الحرام منهيّ عنه. ومثال فسخ نكاح المرأة التي انقطع خبر زوجها. ومثال الوليين يزوجان المرأة من زوجين، ولا يعلم من زوّجها الأول. ومثال المرأة المعتدة يتأخر عنها الحيض مدة طويلة وهي ليست من الآيسات.
    وإذا تتبعنا سياق مناقشاته لتلك الأمثلة نجد أنه في الموضع الذي اشترط للعمل بالمصلحة المرسلة أن تكون ضرورية كلية قطعية يمثّل لها بمثال التترس، ومثال السفينة، ومثال الجماعة في مخمصة يريدون قتل بعضٍ منهم لأكل لحمهم. وواضح من هذه الأمثلة أنها كلّها تدور حول مصلحة يقتضي تحقيقها انتهاك محرمات شرعية قطعية تتعلق بقتل نفوس مسلمة دون جناية. وكذلك عند حصره جواز العمل بالمصلحة المرسلة في ما يتعلق منها بمرتبة الضرورات نجده يمثّل لذلك بمثال التترس. ولا شكّ أن مثل هذه الحالة تبرِّر حصرها في الضرورات وأن يضيف إليها القطع والكلية.
    ولكنه لما وصل إلى المال، الذي حُرمته أقلّ من حُرمة قتل النفس، في مثال توظيف الخراج على الأغنياء إذا خلت خزائن الدولة واحتيج إلى المال لإعالة الجند القائمين على حراسة الدولة، نجده لم يتشدد في الشروط المطلوبة للأخذ بتلك المصلحة، ولم يشترط في ذلك أن تكون المصلحة ضرورية قطعية كلية.[100] وجعل ذلك من باب الترجيح بين المفاسد، حيث يقول: "وما يؤديه كلّ واحد منهم قليلٌ بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور."[101]
    أما الموضع الذي قال فيه: "وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والإجماع، فليس خارجا عن هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياسا، بل مصلحة مرسلة، إذ القياس أصل مُعيَّن، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة، فإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافا فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين."[102] فقد كان عند بيان سبب جعل الاستصلاح ضمن الأصول الموهومة، وهو عدم استقلال المصلحة عن نصوص الكتاب والسنة والإجماع، وأن الاحتجاج بهذه الأصول الثلاثة يتضمن الأخذ بالمصلحة، كما أن المصلحة الراجعة إلى هذه الأصول معمول بها. والملفت للنظر أن الغزالي ذكر هذا عندما أوشك على الفراغ من مناقشة موضوع الاستصلاح، وبعد ذكر جميع الأمثلة التي ناقش من خلالها الموضوع.

    وبهذا يتبين أن تردد الغزالي في شروط العمل بالمصلحة المرسلة سببُه الأمثلة التي صورَّها بها. فعندما صورَّها بمصالح يقتضي تحقيقها ارتكاب محرمّات شرعية قطعية، مثل قتل النفس المسلمة دون جناية، وضع شروطا مشددة للأخذ بتلك المصلحة. ولما وصل إلى أخذ الأموال بغير طيب نفس بغرض الإنفاق على حماية الدولة والمصالح العامة، خفف في تلك الشروط. ولما تكلم عن التعارض بين مصلحة الأكثر ومصلحة الأقل فيما يتعلق بقتل النفس أو انتهاك العرض، رفض ترجيح مصلحة الأكثر على الأقل، وذهب إلى أن الإجماع منعقد على ذلك. ولما تكلّم عن المصلحة المرسلة بإطلاق بوصفها أمرا يعود إلى تحقيق مقاصد الشريعة، وهي مما شرعت بأجناسها، أطلق القول بجواز الأخذ بها، ما دامت لا تعارض نصا شرعيا، ولا تعارض ما هو أقوى منها من المصالح، بل ذهب إلى أن العلماء متفقون على القول بتلك المصالح المرسلة. ولما ناقش مثالا أخذ فيه الإمام الشافعي (إمام مذهبه) بالمصلحة المرسلة (وهي قتل الجماعة بالواحد) سوّى بين مالك والشافعي في جواز الأخذ بالمصلحة المرسلة وإن لم يعضّدها شاهد خاص.

    المطلب الخامس: تقييم عرض الغزالي لموضوع المصلحة المرسلة
    لقد كان عرض الغزالي لموضوع الاستدلال المرسل في كتاب المنخول واضحا ومتناسقا، حيث لم يتردد في الأخذ به، إلاّ إذا كانت المصلحة مما عُلم يقينا حصولها في زمن الصحابة ومع ذلك لم يقضوا بها. وسبب عدم التردد هناك أن أصل المنخول تلخيص لكتاب البرهان للجويني، والجويني لم يتردد في الأخذ بالاستدلال.
    أما عرضه لموضوع المناسب المرسل/ المصلحة المرسلة في كتابيه: شفاء الغليل والمستصفى فقد اتسم بالتردد والاضطراب، سواء فيما يتعلق بتحديد الموقف من المصلحة المرسلة أو بالأمثلة التي ضربها لمناقشة الموضوع وتحديد الموقف منه، وفيما يأتي ملحوظات على ذلك.

    الملحوظة الأولى
    :
    السبب الأول للتردد والاضطراب الذي وقع في الحديث عن المصلحة المرسلة -عند الغزالي ومن تبع منهجه- هو تغليب معيار الشاهد الخاص على معيار الشاهد العام، حيث نلاحظ على منهج تناول المصلحة المرسلة أن المعيار المعتمد في تقسيمها من حيث شهادة الشرع لها يقوم أساسا على القياس. وعلى الرغم من أن الغزالي عند تقسيمه المناسب نظر إلى الاعتبارين: الشاهد العام، وهو الملاءمة (اعتبار جنس المصلحة) والشاهد الخاص (الشاهد القياسي)، إلا أنه مال إلى تغليب الشاهد الخاص في الحكم على المناسب، حيث جعل المناسب الذي ليس له شاهد قياسي محلّ نظر واجتهاد، وإن كان قد شهد له الشاهد العام بكونه ملائما.[103] وقد حاول الرازي في ختام حديثه عن المصلحة المرسلة إخراج المسألة من الإطار الضيّق المتمثل في الاعتبار بالشاهد الخاص وربطها -بدلا من ذلك- بالشاهد العام المتمثل في اعتبار أجناس المصالح والترجيح بين المصالح والمفاسد، حيث قال بعد تقسيم سداسي للمصلحة التي لم يشهد لها بالاعتبار ولا بالإبطال نصٌّ معيَّن[104]: "غاية ما في الباب أنا نجد واقعة داخلة تحت قسم من هذه الأقسام، ولا يوجد لها في الشرع ما يشهد لها بحسب جنسها القريب، لكن لا بد وأن يشهد الشرع بحسب جنسها البعيد على كونه خالص المصلحة أو المفسدة، أو غالب المصلحة أو المفسدة. فظهر أنه لا توجد مناسبة إلا ويوجد في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار، إما بحسب جنسه القريب، أو بحسب جنسه البعيد."[105] وهو في الواقع رجوع إلى فعل الغزالي نفسه في المنخول عندما ذهب إلى تغليب الشاهد العام، حيث قال: "فقد تبيّن أن كل مصلحة مرسلة فلا بد أن تشهد أصول الشريعة لردها، أو قبولها."[106] إلا أن تلك المحاولة التي قام بها الرازي لم تلق صدى إيجابيا عند الآمدي، حيث اعترض على معيار الشاهد العام الذي تعتبر فيه أجناس المصالح، وأصرّ على تغليب الشاهد الخاص (وهو ما سماه الجنس القريب).[107] ثم جاء ابن الحاجب ليرسِّخ توجّه الآمدي.[108]
    ونحن إذا تأملنا في التقسيم القائم على الشاهد الخاص وجدناه قليل الجدوى في استنباط الأحكام واعتبار المصالح، وأولى منه وأنفع في الاستنباط أن تقسم المصلحة من حيث شهادة الشرع لها إلى قسمين: أحدهما: مصلحة شهد الشرع لنوعها (وهو ما يسميه الآمدي وابن الحاجب الجنس القريب) بالاعتبار، وهي التي يقوم عليها القياس عند القائلين به. ومصلحة شهد الشرع لجنسها بالاعتبار، وهي مصالح تشملها النصوص الشرعية العامة التي تتحدث عن فعل الخير، والبر، والإنفاق في سبيل الله، والمعروف، والإحسان، والطيبات، وغيرها من أجناس المصالح التي جاءت بها نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، ولا تخرج مصلحة عنها.
    أما المصلحة التي شهد الشرع لبطلانها، فعلى نوعين أيضا: أحدهما: مصلحة شهد الشرع لعينها بالإلغاء، وهي التي يقوم عليها القياس بالمنع. ومصلحة شهد الشرع لجنسها بالبطلان، وهي التي تدخل ضمن نصوص الشرع العامة التي تنهى عن الإثم، والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والشر، والضرر، والظلم، وغيرها من أجناس المفاسد التي جاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية بالنهي عنها.
    أما ما يتجاذبه الطرفان بأن كان مترددا بين المصلحة والمفسدة، فهو من باب التعارض بين المصالح، تُحكَّم فيه قواعد الترجيح التي ذكرتها نصوص الشريعة أو استنبطها العلماء منها.

    الملحوظة الثانية:
    إن الأمثلة التي ذكرها الغزالي وناقش من خلالها مسألة المصلحة المرسلة يدخل غالبها في باب الترجيح بين المصالح أو المفاسد وليس في باب المصالح المرسلة حسب تعريفه لها. ولو أن الغزالي ناقش منذ البداية مسائل: تترس الكفار بأسرى المسلمين، وإلقاء بعض ركاب السفينة في البحر بغرض نجاة الباقين، وقتل بعض المسلمين لأكل لحمهم في مخمصة، وفرض خراج على الأغنياء في حال عجز خزينة الدولة، وفسخ نكاح الغائب عنها زوجها، وغيرها مما هو في بابها من المسائل التي ذكرها، على أساس الترجيح بين المصالح أو المفاسد، لكان الأمر أوضح، وأكثر اختصارا في المناقشة، ولما وقع في حديثه عن المصلحة المرسلة ذلك التردد والاضطراب. ودليل كون هذه الأمثلة من باب الترجيح بين المصالح أو المفاسد أن الغزالي نفسه -بعد أن انطلق في مناقشتها من منطلق المصلحة المرسلة التي لم يشهد لها شاهد خاص- انتهى إلى الحكم فيها من خلال الترجيح بين المصالح أو المفاسد، وليس من باب وجود الشاهد الخاص (الشاهد القياسي) أو انعدامه وهو ما يعبر عنه بالمصلحة المرسلة. فنجده مثلا في مسألة التترس ينتهي إلى القول: "وقول القائل: هذا سفكُ دمٍ محرَّم معصوم، يعارضُه أن في الكفّ عنه إهلاكُ دماء معصومة لا حصر لها. ونحن نعلم أن الشرع يؤثر حفظ الكلي على الجزئي، فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهمّ في مقصود الشرع من حفظ دم مسلم واحد. فهذا مقطوع به من مقصود الشرع، والمقطوع به لا يحتاج إلى شهادة أصل."[109] كما نجده يشير إلى هذا الأمر في مناقشته مسألة فرض ضريبة على الأغنياء إذا خلت خزائن الدولة من المال، حيث يقول: "لأنا نعلم أنه إذا تعارض شرَّان أو ضرران، قَصَدَ الشرع دفع أشدّ الضررين وأعظم الشرّين... وهذا أيضا يؤيِّد مسلك الترجيح في مسألة التّرْس."[110] ويقول بعد اعتراضه على ضرب المتهم باسم المصلحة: "هذه المصلحة غير معمول بها عندنا، وليس لأنا لا نرى اتباع المصالح، ولكن لأنها لم تسلم عن المعارضة بمصلحة تقابلها. فإن الأموال والنفوس معصومة، وعصمتها تقتضي الصون عن الضياع، وإن من عصمة النفوس أن لا يُعاقب إلا جانٍ."[111]
    وقد اعتذر البوطي لإدخال الغزالي مسألة التترس وغيرها من مسائل التعارض والترجيح، في المصالح المرسلة بأنه أدخلها إما تجوُّزا، أو على طريقة الترديد بين احتمالين للمعنى المقصود بالشيء وإعطاء كل احتمال حكمه، وكأنه فرضَ أن يعتبِرَهُ بعضُهم من صور المصالح المرسلة فعرض له على سبيل استقصاء البحث. واستدل على ذلك بأنه لم يذكر مثال التترس ضمن أمثلة المصالح المرسلة في كتابه شفاء الغليل.[112] ولكن يعكّر على هذا الاعتذار أن المستصفى كتبه الغزالي بعد شفاء الغليل وجاءت مسائله أكثر تحريرا، وكذلك تصريح الغزالي بأنه يمثِّل للمصلحة المرسلة، وهو الذي فهمه من جاء بعد الغزالي ممن لخّصوا كتابه وضمّنوه في كتبهم مثل الرازي، والآمدي، وابن قدامة، وغيرهم، ولم يترددوا في ذلك.

    الملحوظة الثالثة
    : تتعلق بحصر قبول المناسب المرسل في الضرورات، أو في الضرورات والحاجات، واعتبار العمل بالمصلحة المرسلة في رتبتي التحسينات والحاجيات من باب وضع الشرع بالرأي. وقد عقّب عليه القرافي بقوله: "إن كان إثباتا بالهوى فينبغي أن يُمنَع ذلك في الضرورة بطريق الأولى؛ فلأن الضروريات أهم الديانات، إذا منعنا الهوى فيما خفَّ أمره، أولى أن نمنعه فيما عظم أمرُه."[113] وهذا حق؛ فوضع الشرع بالرأي والهوى ممنوع في الضروريات والحاجيات والتحسينات. وتحصيل المصالح الشرعية مشروعٌ في الضرورات والحاجات والتحسينات جميعها دون تفريق. ولا تُرَدُّ مصحلة إلا إذا ثبت إلغاؤها شرعا أو كانت مُعارَضَة بما هو أقوى منها. لا فرق في ذلك بين المراتب الثلاث. وقد قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف: 32). هذا فضلا عن أن حدود الضروري والحاجي كثيرا ما تخضع للتقدير، فتكون محلّ اختلاف بين أهل العلم.

    المطلب السادس: الموقف من المصلحة المرسلة بعد الغزالي
    لقد ارتبطت المصلحة المرسلة/ الاستدلال منذ نشأتها بأمثلة سلبية، وقد ظهرت تلك الأمثلة عند الجويني حين نسب إلى الإمام مالك القول بقتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها، والتعزير بالقتل ومصادرة الأموال، وترسّخت تلك الأمثلة السلبية عند الغزالي فيما كتبه عن أمثلة: التترس، وضرب المتهم، وإغراق بعض ركاب السفينة لنجاة البعض الآخر، وأكل لحم بعض الرفقاء في المخمصة، ومصادرة الحكام أموال الناس، وفرض ضريبة على الأموال للإنفاق على الجند، وغيرها. ولعل هذا التصوير للمصلحة المرسلة قد ترك أثرا سلبيا عند من جاء بعدهما من الأصوليين، فمال بعضهم إلى رفض الأخذ بها بناء على تلك الأمثلة السلبية. وفي المقابل أخرجها بعضهم من تلك الصورة السلبية وأعطاها صورة إيجابية، كما هو الحال عند القرافي، وبذلك رجّح الأخذ بها. وفيما يأتي عرض لمواقف كبار الأصوليين.

    افتتح الرازي (ت 606ه) في المحصول حديثه عن المصلحة المرسلة بتلخيص ما ذكره الغزالي في المستصفى في تقسيمها بالإضافة إلى شهادة الشرع لها، ولخّص كلام الغزالي في جواز العمل بالمصلحة المرسلة إذا كانت في الضرورات، وأورد مثال التترس واشتراط الغزالي في تلك المصلحة الشروط الثلاثة: ضرورية، قطعية، كلية. كما أورد مثال جماعة في سفينة لو طرحوا واحدا لنجوا، وإلا غرقوا جميعا، وذكر أنه لا يجوز في هذا الحال الأخذ بهذه المصلحة لأنها ليست كلية.[114]
    ولكن الرازي ختم كلامه عن المصلحة بذكر استدلال على جواز العمل بها، وخلاصة ذلك الاستدلال أن كلّ حُكم يُفرض إما أن تكون فيه مصلحة خالصة أو راجحة، وكلاهما معمولٌ به في الشريعة، أو تكون فيه مفسدة خالصة أو راجحة، وكلاهما غير مشروع. والدليل على كون المصلحة الخالصة أو الراجحة يُعمل بهما شرعا، والمفسدة الخالصة أو الراجحة لا يعمل بهما شرعا، أن الكتاب والسنّة دالاّن على أن الأمر كذلك، تارة بالتصريح، وأخرى بحسب الأحكام المشروعة على وفق ذلك.[115] وختم ذلك الاستدلال بإثبات أنه لا توجد مصلحة مرسلة إرسالا مطلقا عن نصوص الشرع، فقال: "غاية ما في الباب أنا نجد واقعة داخلة تحت قسم من هذه الأقسام، ولا يوجد لها في الشرع ما يشهد لها بحسب جنسها القريب، لكن لا بد وأن يشهد الشرع بحسب جنسها البعيد على كونه خالص المصلحة أو المفسدة، أو غالب المصلحة أو المفسدة. فظهر أنه لا توجد مناسبة إلا ويوجد في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار، إما بحسب جنسه القريب، أو بحسب جنسه البعيد. وإذا ثبت هذا، وجب القطع بكونه حجة للمعقول والمنقول."[116] ويبدو من هذه الخاتمة أن الرازي حاول أن يخرج تقسيم المصلحة المرسلة عن تقسيم الغزالي، ويخرجها عن اعتبار الشاهد الخاص (الشاهد القياسي) إلى الاكتفاء باعتبار الشاهد العام مع قواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد. وهو توجُّه أدقُّ في التقسيم وأنفع في الاستنباط.
    أما ابن قدامة (ت 620ه) في روضة الناظر، فقد سار على ما ذكره الغزالي في المستصفى من عدم الأخذ بالمصلحة المرسلة في رتبتي الحاجيات والتحسينات، وزاد ادعاء الاتفاق على ذلك، حيث قال بعد ذكر رتبتي التحسينات والحاجيات: "فهذان الضربان لا نعلم خلافا في أنه لا يجوز التمسّك بهما من غير أصل، فإنه لو جاز ذلك كان وضعا للشرع بالرأي، ولكان العاميّ يساوي العالم في ذلك، فإن كلّ أحد يعرف مصلحة نفسه."[117] وختم كلامه بترجيح عدم الاحتجاج بالمصلحة المرسلة مطلقا، حيث قال: "والصحيح أن ذلك ليس بحجة، لأنه ما عرف من الشارع المحافظة على الدماء بكل طريق..."[118]

    وقد سار الآمدي (ت 631ه) في الإحكام في أصول الأحكام على طريق اشتراط الأوصاف الثلاثة في قبول المصلحة المرسلة. وردّ على من يقول إنه لا يوجد مناسبٌ مرسلٌ إرسالا مطلقا لأن أيّ وصف قُدِّر من الأوصاف المصلحية يكون من جنس المصالح المعتبرة وهو من قبيل الملائم الذي أثّر جنسُه في جنس الحكم، بقوله: "قلنا: وكما أنه من جنس المصالح المعتبرة، فهو من جنس المصالح الملغاة، فإن كان يلزم من كونه من جنس ما اعتُبر من المصالح أن يكون معتبرا، فيلزم أن يكون ملغى ضرورة كونه من جنس المصالح الملغاة؛ وذلك يؤدي إلى أن يكون الوصف الواحد معتبرا ملغى بالنظر إلى حكم واحد، وهو محال. وإذا كان كذلك فلا بد من بيان كونه معتبرا بالجنس القريب منه لنأمن إلغاءه، والكلام فيما إذا لم يكن كذلك."[119]
    وهذا الاستدلال الذي ذكره الآمدي نجده يتكرر عند ابن الحاجب (ت 646ه) في منتهى السؤل والأمل، حيث ذكر أن المصالح التي لها شهادة على مستوى الجنس بالملاءمة، هي ذاتها لها شهادة على مستوى الجنس بالإلغاء، فيتعارض فيها الاعتبار والإلغاء، ويكون الحلّ باشتراط اعتبار الجنس القريب.[120] ولم يفصّل ابن الحاجب في موضوع المصلحة المرسلة، واكتفى في تعريفها بأنها: "هي التي لا أصل لها". وأن المراد بها ما لم يشهد له بالاعتبار أصل من جنسه القريب. ونسب إلى الأكثر عدم التمسّك بها، واستبعد نسبة القول بها إلى مالك.[121] أما في مختصره فقد قسّم المرسل إلى ثلاثة أقسام: مرسل غريب، ومرسل ملغى، ومرسل ملائم، فقال: "وغير المعتَبَر هو المرسل. فإن كان غريبا، أو ثبت إلغاؤه، فمردود اتفاقا. وإن كان ملائما فقد صرح الإمام والغزالي بقبوله. وذُكر عن مالك والشافعي رضي الله عنهما. والمختار ردُّه. وشرط الغزالي فيه أن تكون المصلحة ضرورية قطعية كلية."[122]

    وجعل البيضاوي (ت 685هـ) في منهاج الوصول إلى علم الأصول المناسب المرسل (المصلحة المرسلة) من الأدلة المعمول بها، ولكن اشترط في ذلك الشروط الثلاثة التي ذكرها الغزالي، فقال: "المناسب المرسل إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية كتترس الكفار الصائلين بأسارى المسلمين اعتُبِر وإلاّ فلا."[123]

    أما تاج الدين ابن السبكي (ت 771ه) في كتابه جمع الجوامع فقد أخرج من المصالح المرسلة المصلحة التي تكون ضرورية قطعية كلية، لأنها من المصالح المعتبرة التي دلّ الدليل على اعتبارها، وذهب إلى أن اشتراط الغزالي القطع ليس لأصل الأخذ بتلك المصلحة، ولكن للقطع بالأخذ بها.[124]

    أما القرافي (ت 684هـ) في نفائس الأصول فإننا نجد عنده خروجا بمفهوم المصلحة المرسلة عن دائرة المصالح المتعارضة، والمصالح التي يقتضي تحقيقها انتهاك محرمات شرعية، إلى دائرة المصالح التي لا تعارض نصا شرعيا، ولا يقتضي تحقيقها انتهاك مُحرَّم شرعي وارتكاب مفسدة. فهو على الرغم من تبنّيه تعريف الغزالي للمصلحة المرسلة،[125] إلا أنه أحدث تغييرا جوهريا في التمثيل لها.[126] وبذلك نجده ابتعد عن الأمثلة التي ذكرها الغزالي ومن سار على طريقه، وهي في مجملها من باب المصالح المتعارضة، وميّز بين المصلحة المرسلة والمصالح المتعارضة. وأبرز الأمثلة التي أوردها القرافي للمصالح المرسلة في عصر الصحابة رضي الله عنهم: إقرار ولاية العهد من أبي بكر لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وجمع القرآن الكريم، وجعل أذانين للجمعة في خلافة عثمان رضي الله عنه، وتوسيع مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذ الأوقاف المجاورة له وضمِّها إليه، وجمع عمر بن الخطاب الناس على صلاة التراويح، وجعل عمر بن الخطاب الخلافة شورى بين ستة من الصحابة بعده، وتخفيف عمر الضريبة على التجار الذين يجلبون الطعام والزيت إلى المدينة النبوية وإبقائها على حالها في التجارة في باقي البلاد وذلك توسيعا على أهل المدينة وترغيبا في التجارة إليها.[127]
    ثم قال بعد ذكر تلك الأمثلة: "وأمور كثيرة لا تُعدّ ولا تحصى لم يكن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم شيء منها، بل اعتمد الصحابة فيها على المصالح مطلقا، سواء تقدَّم لها نظير أم لا. وهذا يفيد القطع باعتبار المصالح المرسلة مطلقا، كانت في مواطن الضرورات أو الحاجات أو التتمات."[128]
    أما من حيث النسبة، فقد فنّد القرافي حصر الاحتجاج بها في مذهب ما، أو التردد في نسبة الاحتجاج بها إلى بعض المذاهب، وذهب إلى أن الجميع يحتجّ بها في الواقع العملي، وإن كان منهم من ينكر ذلك على المستوى النظري.[129]

    ومن هذا العرض يتبيّن أن فريقا من الأصوليين –بعد العزالي- استمر في ترديد تقسيم الغزالي وأمثلته السلبية التي ناقش من خلالها المصلحة المرسلة. وقد تردّد هذا الفريق في حكم العمل بها تبعا لتردد الغزالي. وفي المقابل نجد بعض الأصوليين، يترأسهم القرافي الذي أحدث تغييرا جوهريا في التمثيل للمصالح المرسلة، وأخرجها عن أمثلة الغزالي التي هي في مجملها من المصالح المتعارضة، إلى أمثلة لمصالح ظاهرة ليس في نصوص الشرع ذكر خاص لها، ولكنها داخلة في أجناس المصالح التي دلت النصوص الشرعية العامة على اعتبارها. وبناء على ذلك التصوير الإيجابي للمصلحة المرسلة، خلص القرافي، ومن تبعه، إلى أن جميع الفقهاء على اختلاف مذاهبم يأخذون بتلك المصالح.

    المطلب السابع: نسبة الاحتجاج بالمصلحة المرسلة إلى المذاهب الفقهية
    أولا: إشكالات نسبة الاحتجاج بالمصلحة المرسلة
    تبيّن مما سبق أن مصطلح "المصلحة المرسلة" نشأ وتطوّر في مدرسة الجويني-الغزالي الأصولية. وقد ظهر الاضطراب في تحديد القائلين بمبدأ المصلحة المرسلة منذ بداية ظهور المصطلح نفسه عند الجويني. وحسب ما وصلنا من كتب الأصول، يبدو أن الجويني هو أوّل من قام بإسقاط هذا المفهوم على المذاهب الفقهية. ولا بد من التنبيه على أنه ليس من أهداف هذا البحث مناقشة تلك الأقوال التي سأعرضها، أو تحرير النسبة إلى المذاهب الفقهية، وإنما الغرض هو عرض ما ذُكر في النسبة إلى أصحاب المذاهب الفقهية بغرض بيان الاضطراب ومحاولة التعرّف على أسباب ذلك الاضطراب.

    وسعيا لتوضيح الاضطراب في نسبة الاحتجاج بالمصلحة المرسلة، سأعرض الأقوال حسب المذاهب الفقهية. وتكون البداية من الإمام مالك، حيث نجد الجويني ينسب إليه القول بالمصلحة المرسلة (الاستدلال المرسل) والإفراط في الأخذ بها. ومما قاله في ذلك: "وأفرط الإمام، إمام دار الهجرة، مالك بن أنس في القول بالاستدلال، فرئي يثبت مصالح بعيدة عن المصالح المألوفة، والمعاني المعروفة في الشريعة."[130] وقد قام إسقاطه على معلومات خاطئة فيما يتعلق بمذهب الإمام مالك في مسائل فقهية لا تثبت نسبتها إليه.[131] وقد ذكر كثير من علماء المالكية أن ما نسبه الجويني إلى مالك غير صحيح. منهم القرافي في شرح المحصول، ومما قاله في ذلك: "وكذلك ما نقله عن الإمام في "البرهان" من أن مالكا يجيز قتل ثلث الأمة لصلاح الثلثين، المالكية ينكرون ذلك إنكارا شديدا، ولم يوجد ذلك في كتبهم، إنما هو في كتب المخالف لهم ينقله عنهم، وهم لم يجدوه أصلا."[132] ومنهم ابن العربي الذي يقول: "نسب الخُراسَانيّون الحنفيُّون والشّافعيّون إلى مالك: أنّ هلاكَ بعض الأُمَّة في الاستصلاح واجبٌ، ونراه بريءٌ من ذلك، وإنّما سمعوا من قوله اعتبار المصلحة فاعتبروها بزعمهم حتّى بَلَغُوا بها إلى هذا الحدّ. وكان من حقهم لجلالة أقدارهم في العلم وسعة حفظهم ودقَّة فهمهم أن يتفطّنوا لمقصدِه بالمصلحة، وأن يجروها مجراها وأن ينتهوا بها حيث انتهت."[133]

    وتبع الجويني في تلك النسبة أبو المظفر السمعاني،[134] ولا غرابة في ذلك، فغالب ما ذكره في باب الاستدلال مأخوذ من البرهان للجويني. كما تبع الجويني في تلك النسبة تلميذه الغزالي،[135] وتاج الدين ابن السبكي، حيث قال عن المناسب المرسل: "وقد قبله مالك مطلقا، وكاد إمام الحرمين يوافقه مع مناداته عليه بالنكير."[136] أما الرازي فكان معتدلا في نسبة القول بها إلى مالك، ولم ينسب إليه الاسترسال فيها، فقال: "ومذهب مالك –رحمه الله- أن التمسّك بالمصلحة المرسلة جائز."[137]
    أما الآمدي فقد أعرض عن ترديد ما ذكره الجويني، وشكَّك في نسبة الاسترسال في القول بالمصلحة المرسلة إلى مالك، حيث يقول: "إلا ما نُقل عن مالك أنه يقول به ومع إنكار أصحابه لذلك عنه، ولعل النقل إن صح عنه؛ فالأشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة، بل فيما كان من المصالح الضرورية الكلية الحاصلة قطعا، لا فيما كان من المصالح غير ضروري ولا كلي ولا وقوعه قطعي."[138]

    أما علماء المالكية، الذين اعتُبِر إمام مذهبهم رأس القائلين بالمصلحة المرسلة، فإننا لا نجد للمصلحة المرسلة ذكرا عند أصولييهم الذين لم يكن لهم تأثّر بمدرسة الجويني-الغزالي. فلا نجد لها ذكرا عند ابن القصار في مقدماته،[139] ولا عند الباجي.[140]
    أما ابن العربي الذي كان له لقاء بالغزالي وأخذ عنه، فإنه لم يستخدم مصطلح "المصلحة المرسلة"،[141] ولكنه تحدث عن الاستصلاح والمصلحة، وعدَّ المصلحة أصلا من أصول الأحكام عند مالك، حيث ذكر في تعليقه على تفسير الإمام مالك للنهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه بأن ذلك يكون في حال الركون والتقارب على الصداق، أن ما فعله الإمام مالك هو تخصيص لعموم النهي بالمصلحة، ثم قال: "وهو أصل تفرد به مالك على سائر العلماء. وأصولُ الأحكام خمسةٌ: منها أربعةٌ متَّفَقٌ عليها من الأُمَّة: الكتابُ، والسُّنَّةُ، وإجماعُ الأُمَّةِ، والاسْتِبَاطُ والاجتهاد. فهذه هي الأربعةُ، والمصلحةُ وهو الأصلُ الخامسُ الّذي انفردَ به مالك دُونَهُم، ولقد وُفِّقَ فيه من بَيْنِهِم."[142] ووصفها بذلك أيضا في معرض دفاعه عن رأي الإمام مالك في عدم إيقاع طلاق المريض، حيث يقول: "هذه المسألةُ من المصالح الّتي انفردَ بها مالكٌ دونَ سائرِ العلّماءِ، فإنّه رَدَّ طلاقَ المريضِ عليه، تهمة له في أن يكون قَصَد الفرار من الميراث، وخالَفَهُ سائرُ الفقهاء، والحقُّ له؛ لأنّ المصلحةَ أصلٌ."[143] كما وصفها في موضع آخر بأنها "أحد أركان أصول الفقه" وذلك في معرض دفاعه عن رأي مالك في قتل السارق إذا سرق في المرة الخامسة.[144]
    وعدها في مواضع أخرى قاعدة من القواعد التي تبنى عليها الأحكام. ومن ذلك ما ورد في تجويز أهل المدينة السَّلَم في اللبن والرطب، حيث علل ذلك بقوله: "وهي مبنيَّةٌ على قاعدة المصلحة؛ لأنّ المرءَ يحتاجُ إلى أخذِ اللّبن والرّطب مُياومَة، ويشُقُّ أن يأخُذَ كلّ يومٍ ابتداءً؛ لأنّ النّقد قد لا يحضُرُه، وصاحبُ النّخلِ واللّبنِ يحتاجٌ إلى النَّقدِ؛ لأنّ الّذي عنده عُروضٌ لا يَتصرَّفُ له. فلمّا اشتركا في الحاجة رُخِّص لهما في هذه المعاملة قياسًا على العَرَايَا."[145] ومنها ما ذكره في مسألة عدم إلزام جالب الطعام بالبيع بسعر السوق وتمكينه من البيع بأقل من سعر السوق، حيث علل ذلك بقوله: "وهذا مبنىٌّ على قاعدة المصلحة، فإن الجالبَ لو قيل له كما يقالُ للرجل من أهل السُّوق: إمّا أن تبيع بسِعرِنَا، وإما أن تقوم عن سُوقنا، لانقَطَع الجَلبُ واستضرَّ النّاسُ."[146]
    وجعل المصلحة وسدّ الذرائع من أصول البيوع، فقال: "اختلفَ النَّاسُ في أصولِ البُيُوع، فأَدَارَها المتكلِّمون على أربعة أحاديث، وأَدَارَهَا الفقهاءُ أيضا على أربعة، وزادَ مالكٌ فيها أصْلَيْنِ."[147] والأصلان هما: "مراعاة الشُّبَه، وهي الّتي يسمّونها الذّرائع، والثّاني: المصلحةُ، وهو كلُّ معنىً قام به قانونُ الشَّريعة، وحَصَلَتْ به المنفعةُ العامَّةُ في الخَلِيقَة. ولم يُسَاعَدْ على هذين الأصلّين، وهو في القول بهما أقومُ قِيلًا، وأهدَى سبيلًا."[148]

    أما الأصوليون من المالكية الذين كانت أعمالهم الأصولية تبعا لمدرسة الجويني-الغزالي فإن أغلبهم أقرّوا بأخذ مالك بالمصالح المرسلة، ولكنهم أعطوها بُعدا مقبولا، وبيّنوا أنها بذلك المعنى المقبول ليست محصورة في فقه مالك، بل موجودة في فقه جميع المذاهب. وممن أثبت احتجاج مالك بالمصلحة المرسلة بمفهومها المقبول القرطبي، حيث نقل عنه الزركشي أنه نسب القول بالمصالح المرسلة إلى الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة ومالك.[149] والقرافي الذي ذهب إلى أنها عند التحقيق في جميع المذاهب،[150] والشاطبي.[151] ولكن ابن الحاجب، وهو مالكي، شكَّك في نسبة القول بها إلى مالك، حيث قال: "والأكثر على امتناع التمسّك بها، وقد عُزي إلى مالك خلافُه، وهو بعيد."[152]

    أما عن موقف الإمام الشافعي من المصلحة المرسلة، فإن الجويني كان صريحا في نسبته إلى القول بالاستدلال (المصلحة المرسلة)، ودافع عنه في ذلك، ولكنه يرى أن الإمام الشافعي كان مقتصدا في القول بها، متقيِّدا بقربها من المعاني الشرعية المتّفق عليها، حيث يقول: "ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهما إلى اعتماد الاستدلال وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في أصل، ولكنه لا يستجيز النأي والبعد والإفراط، وإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبهية بالمصالح المعتبرة وفاقا، وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول، قارة في الشريعة."[153] ومن الملفت للنظر هنا أن الإسنوي الشافعي نسب إلى الجويني نفسه اختيار الاعتبار المطلق للمصالح المرسلة، ووضعه في خانة الإمام مالك.[154]
    وعلى خطى الجويني سار أبو المظفر السمعاني، حيث نسب إلى الشافعي الأخذ بالاستدلال إذا كان قريبا من معاني الأصول المعهودة المألوفة في الشرع.[155] أما الغزالي فقد ذكر تردّد النقل عن الشافعي، حيث يقول: "وللشافعي رضي الله عنه مسلكان، يحصر في أحدهما التمسُّك في الشّبه أو المخيل الذي يشهد له أصل معيَّن ويردّ كل استدلال مرسل. وفي المسلك الثاني يصحح الاستدلال المرسل ويقرب فيه من مالك، وإن خالفه في مسائل."[156] ويقول في شفاء الغليل: "فالمنقول عن مالك رحمه الله الحكم بالمصالح المرسلة، ونقل الشافعي فيه تردد. وفي كلام الأصوليين أيضا نوع اضطراب فيه."[157]
    وعلى النقيض مما ذهب إليه الجويني، نجد ابن برهان ينسب إلى الشافعي عدم العمل بالمناسب المرسل مطلقا.[158] وذكر الزركشي حكاية البعض أن العمل به قول الشافعي في القديم.[159] وكذلك نجد الآمدي يدعي اتفاق الشافعية والحنفية على عدم العمل بالمناسب المرسل، حيث يقول: "وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسّك به، وهو الحق."[160]

    أما عن الحنفية فقد نسب الجويني إلى معظم أصحاب أبي حنيفة الأخذ بالاستدلال.[161] وعلى خلاف الجويني، نسب الآمدي إلى الحنفية عدم الأخذ بالمصلحة المرسلة، فقال: "وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسّك به، وهو الحق."[162] هذا ما نُسب إليهم، أما عن كتبهم فمن الطبيعي أن لا نجد فيها ذكرا للمصلحة المرسلة، ولا للاستدلال بمعناه الخاص الذي ذكره الجويني، لأن هذا المصطلح –كما سبق بيانه- وليد مدرسة الجويني-الغزالي. ولا نجد في كتب الأصول الحنفية حديثا عن المناسبة ولا عن تقسيمات المناسب، وإنما نجدهم يذكرون الملاءمة والتأثير بوصفهما شرطي صحة العلة.[163] ومع أن الملاءمة في اصطلاح الحنفية تقابل المناسبة في اصطلاح الشافعية، فإن الشاهد هنا هو عدم استخدام علماء الحنفية مصطلح المناسب وتقسيماته كما هو الحال عند الغزالي ومن تبع مدرسته. ولكننا نجد الحديث عن المناسب المرسل (المصلحة المرسلة) في الكتب التي كتبها علماء الحنفية وجمعوا فيها بين طريقة الحنفية وطريقة الشافعية، عند الحديث عن المناسبة وتقسيمات المناسب.[164] ولا يخفى أن هذا المبحث ليس أصيلا في كتب الحنفية، وإنما هو مقتبس من كتب الشافعية.

    ونسب البعض إلى الظاهرية عدم الأخذ بالمصلحة المرسلة.[165] وأرى أنه لا يصح منهجيا نسبة الظاهرية إلى الاحتجاج بالمصلحة المرسلة أو نفي ذلك عنهم؛ لأن المصلحة المرسلة فرع القياس، وهم لا يقولون بالقياس، ولا يشترطون من الأساس وجود أصل تُقاس عليه المسائل المستجدة حتى نقول بوجود أو عدم وجود المصلحة المرسلة عندهم. بل هم يجرون النصوص على عمومها فتدخل المصالح في أجناسها، سواء كانت معتبرة أو ملغاة. فمثلا قوله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (الأنعام: 119) عامٌّ يدخل فيه إباحة جميع ما هو مصلحة مما لم يرد في تحريمه نص أو إجماع، ويدخل في عمومه إباحة المحرَّم لكلّ مضطرّ توفّرت فيه حقيقة الضرورة،[166] ولا حاجة في جميع ذلك للبحث عن شاهد قياسي تقاس عليه تلك المصلحة، بل يكفي دخولها في عموم النص. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا."[167] معناه: "فلا يحل لأحد من مال أحد، ولا من دمه، ولا من عرضه، ولا من بشرته إلا ما أباحه نص أو إجماع."[168] ولذلك فإنه لا يمكن مسُّ المسلم في دمه أو ماله أو عرضه أو بشرته باسم المصلحة، إلا في حدود ما أجازته نصوص الشرع والإجماع، وكل ما يخالف هذا مما قد يعدُّه البعض مصلحة ولم يرد في تجويزه نص أو إجماع، هو مصلحة ملغاة.
    والأولى القول بأنه لا يوجد عند الظاهرية مصطلح "المصلحة المرسلة"، كما أنه لا يوجد عندهم الأساس الذي يقوم عليه هذا الاصطلاح، وهو الشاهد الخاص (الشاهد القياسي).

    هذا من حيث النسبة إلى المذاهب الفقهية، أما من حيث النسبة على العموم، فإننا نجد من الأصوليين من نسب إلى الأكثر عدم الاحتجاج بالمصلحة المرسلة، ومنهم ابن الحاجب، حيث يقول: "والأكثر على امتناع التمسك بها."[169] وتاج الدين ابن السبكي حيث يقول: "وردَّهُ الأكثر مطلقا، وقوم في العبادات."[170] في حين نجد من الأصوليين من ينسب الاحتجاج بالمصالح المرسلة إلى جميع المذاهب الفقهية، ومنهم القرافي، الذي يقول: "يحكى أن المصلحة المرسلة من خصائص مذهب مالك. وليس كذلك، بل المذاهب كلها مشتركة فيها."[171] وقد سار كثير من الذين كتبوا عن المصلحة المرسلة من المعاصرين في طريق القول بوقوع الاتفاق على الاحتجاج بها،[172] وذلك بناء على سيرهم في مفهوم المصلحة المرسلة على ما فعله القرافي ومن نحا نحوه. ومن المعاصرين من لم يسر في الاتجاه الذي ينسب أئمة المذاهب الأربعة إلى القول بالمصالح المرسلة، مثل محمد سليمان الأشقر، حيث يقول: "وقد احتج بالمصلحة المرسلة وأثبت بها الأحكام مالك وأحمد. ورفض الأخذ بها الشافعي والظاهرية."[173]

    ثانيا: أسباب الاضطراب في نسبة الاحتجاج بالمصلحة المرسلة
    إذا نظرنا في أسباب هذا الاضطراب الواقع في نسبة القول بالمصالح المرسلة، فإننا يمكن أن نرجعه إلى أمور:

    أحدها
    : تخريج الأقوال الفقهية للمتقدمين على الاصطلاحات والقواعد التي وضعها المتأخرون. ذلك أن مصطلح "المصلحة المرسلة" أحدثه المتأخرون (مدرسة الجويني-الغزالي)، وبعد أن أحدثوه وحددوا له مفاهيم معيّنة، عمدوا إلى إسقاطه على أقوال أئمة المذاهب، فنسبوا إليهم القول بالمصلحة المرسلة فيما رأوا أنه يتخرّج على تلك المفاهيم التي أعطوها لهذا المصطلح. ومثل هذا العمل يكون عادة محلاًّ للاختلاف بين المخرِّجين. والواقع أن مثل هذا الإسقاط عليه تحفُّظ من الناحية المنهجية، وإن كان ولا بد من إسقاط المفاهيم والقواعد التي أحدثها المتأخرون على اجتهادات المتقدمين، فالأولى أن نقول إن هذا الاجتهاد من هذا الإمام ينطبق عليه مفهوم المصلحة المرسلة، أما أن نقول إن المصلحة المرسلة من أصول هذا الإمام أو ذاك، أو ليست من أصوله، فهو خطأ منهجي.

    الأمر الثاني
    : الاختلاف في تحديد مدلول مصطلح المصلحة المرسلة، فكلٌّ نظر حسب ما يراه من مدلول لها، وقارن ذلك المدلول بالفروع الفقهية المروية عن الأئمة، ثم حكم من خلال ذلك. فالجويني الذي كان يرى الاستدلال المرسل على مرتبتين: إحداهما: قريبة، والثانية: بعيدة، نسب إلى الشافعي القول بالقريب، وإلى مالك القول بالقريب والبعيد. والغزالي الذي تردّد قوله في تحديد ماهية المصلحة المرسلة تردّد في نسبة القول بها إلى الشافعي. والذين مالوا بعد الغزالي بالمصلحة المرسلة إلى جانبها السلبي، وهو المصالح التي يقتضي تحصيلها انتهاك محرمات شرعية، كما صورتها غالب الأمثلة التي ذكرها الغزالي، مالوا إلى رفضها، ورفضوا نسبتها إلى أئمة مذاهبهم الفقهية أو تحفّظوا على ذلك، مثل الآمدي، وابن الحاجب، وابن قدامة، أو ضيقوا في قبولها فاشترطوا فيها أن تكون ضرورية قطعية كلية، مثل البيضاوي. والذين مالوا بالمصلحة المرسلة إلى جانبها الإيجابي، وهو المصالح التي اعتبر الشارع أجناسها، ولا يقتضي –عادة- تحقيقها ارتكاب محرمات شرعية، بل هي داخلة في عموم ما أباحه الشرع، نسبوا القول بها إلى جميع المذاهب الفقهية، كما فعل القرافي، وهو التوجّه الذي سار عليه كثير ممن كتب في المصلحة المرسلة من المعاصرين.

    الأمر الثالث
    : عدم التدقيق في الأقوال المنسوبة إلى المجتهدين، وهذا ينطبق خصوصا على ما نسبه الجويني ومن تبعه من الأصوليين إلى الإمام مالك، حيث قامت تلك النسبة على أمثلة لا تثبت نسبتُها إليه.

    خاتمة:
    نلخص أهم نتائج هذا البحث في ما يأتي:
    1- الظاهر أن مصطلح المصلحة المرسلة، والأصل الذي نشأت منه وهو الاستدلال، نشأ وتطور في مدرسة الجويني-الغزالي الأصولية، وانتشر بعد الغزالي عند الأصوليين الذين تأثروا بتلك المدرسة. وبناء على ذلك فإن أهميته في استنباط الأحكام محصورة في أتباع هذه المدرسة.
    2- لقد ظهر مصطلح "المصلحة المرسلة" في كتابات المالكية بعد عصر الغزالي، عند علمائهم الذين تأثّروا بمدرسة الجويني-الغزالي الأصولية.
    3- يرجع الاضطراب في نسبة القول بالمصلحة المرسلة إلى أئمة المذاهب الفقهية إلى أسباب: أولها: إسقاط المفاهيم التي أنشأها المتأخرون على اجتهادات المتقدمين، وما يصحب ذلك من اختلاف في التخريج. الثاني: الأثر السلبي للأمثلة التي نسبها الجويني إلى مالك، والأمثلة التي ناقش الغزالي من خلالها موضوع المصلحة المرسلة. الثالث: الاختلاف في التصوير العملي للمصلحة المرسلة من خلال التمثيل لها. الرابع: عدم التدقيق في الأقوال المنسوبة إلى مالك.
    4- لقد كان الخوض في المناسب المرسل (المصلحة المرسلة) والاحتجاج به ناتجا عن تضخيم القياس وطغيان الاحتجاج به على الاحتجاج بالعمومات الشرعية. وترجع حقيقة الخلاف في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة إلى الاختلاف في منهج الاستدلال. فمن غلب عليه في الاستدلال على المسائل الجديدة التمسُّك بالنصوص الخاصة أو الأصول الخاصة التي يقاس عليها نظائرها، لجأ عند وجود مسائل مستجدة ليس فيها خصوص أدلة نصية، ولا يوجد لها نظائر خاصة تقاس عليها، إلى تسمية ذلك بالمصلحة المرسلة (المناسب المرسل)، ومعنى كونها مصلحة أنها تدخل ضمن المصالح التي شرعتها النصوص العامة والقواعد المستخلصة منها، أما كونها مرسلة فمعناه عدم ثبوتها بنص معين وعدم وجود نظير لها تقاس عليه، ثم راحوا يخوضون في البحث في الاحتجاج بتلك المصلحة المرسلة وشروطه. وكأنهم يتحرجون من إجراء العمومات على كل ما تشمله دون شهادة أصول قياسية خاصة.
    أما من سار في منهج الاستدلال على أن المسائل التي ورد فيها خصوص نصوص فهي ثابتة بتلك النصوص، وما كان من المستجدات نظيرا لتلك المسائل فهو يثبته بالقياس عليها، وما لم يكن من المسائل فيه خصوص دليل أو يوجد له نظير يقاس عليه أجرى عليه النصوص العامة بعد إعمال تحقيق المناط، فما ثبت من تلك المسائل دخوله تحت نص من النصوص العامة جعل دليلَهُ ذلك النص العام، ولم يحتج إلى البحث عن شاهد خاص يقاس عليه، ولم يُسَمِّ ذلك مصلحةً مرسلةً، بل عَدَّهُ من دلالة النص العام، واعتبر دلالة العمومات الشرعية كافية في إثبات الحكم الشرعي لما يندرح تحتها، ولا يخرج مما هو مندرج ضمنها إلا ما ورد دليل شرعي يستثنيه أو ثبت بتحقيق المناط أنه يندرج ضمن نص عام آخر. ولم يحتج هؤلاء إلى وضع اصطلاح خاص لما ليس له شاهد خاص ينص عليه أو يقاس عليه، ولذلك لم يرد عندهم ذكر اصطلاح "المصلحة المرسلة"، ولم يكونوا في حاجة للخوض في معناها وفي الاحتجاج بها؛ لأنهم في غنية عن ذلك.

    مراجع البحث
    أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، التبصرة في أصول الفقه، تحقيق محمد حسن هيتو (دمشق: دار الفكر، تصوير 1403هـ/ 1983م عن طبعة 1980م).
    أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، اللمع في أصول الفقه، تحقيق محيي الدين ديب مستو، ويوسف علي بديوي (دمشق: دار الكلم الطيب، دار ابن كثير، ط1، 1416هـ/ 1995).
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، الموافقات، تحقيق عبد الله دراز (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت).
    أبو الحسن علي بن عمر ابن القصار المالكي، المقدمة في الأصول، قراءة وتعليق محمد بن الحسن السليماني، ط1، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1996م.
    أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري، المعتمد، تحقيق محمد حميد الله (دمشق: د. ن، 1384هـ/ 1964م).
    أبو العباس أحمد بن أدريس القرافي، شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1424هـ/ 2004م).
    أبو العباس أحمد بن أدريس القرافي، نفائس الأصول في شرح المحصول، تحقيق عادل عبد الموجود، وعلي محمد معوض (د. م: مكتبة نزار مصطفى الباز، 1416هـ/ 1995م).
    أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني، قواطع الأدلة في أصول الفقه، تحقيق عبد الله بن حافظ الحكمي (الرياض: مكتبة التوبة، ط1، 1419هـ).
    أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، البرهان في أصول الفقه، علق عليه صلاح بن محمد بن عويضة (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ/ 1997م).
    أبو الوفاء علي بن عقيل، الواضح في أصول الفقه، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ/ 1999م).
    أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق عبد المجيد تركي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط2، 1415هـ/ 1995م).
    أبو بكر بن العربي، المحصول في أصول الفقه، أخرجه واعتنى به حسين علي اليدري (الأردن/ لبنان: دار البيارق، 1420هـ/ 1999م)
    أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، التقريب والإرشاد (الصغير)، تحقيق عبد الحميد أبو زنيد (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط2، 1418هـ/ 1998م).
    أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، المستصفى من علم الأصول، مكتب التحقيقات بدار إحياء التراث العربي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، ط1، د.ت).
    أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، المنخول من تعليقات الأصول، تحقيق محمد حسن هيتو (د. م: د.ن، د.ت)
    أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، وضع حواشيه زكريا عميرات (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1420هـ/ 1999م).
    أبو زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي، تقويم الأدلة في أصول الفقه، تحقيق خليل الميس (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1421هـ/ 2001م).
    أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء، العدة في أصول الفقه، تحقيق أحمد بن علي سير المباركي (د. م: د. ن، ط3، 1414هـ/ 1993م).
    أحمد بن علي الرازي الجصاص، الفصول في الأصول، تحقيق عجيل النشمي (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط2، 1414هـ/ 1994م).
    أيمن مصطفى حسين الدباغ، مسلك المناسبة عند الإمام أبي حامد الغزالي والأصوليين، رسالة ماجستير بكلية الدراسات العليا، الجامعة الأردنية، أيار 2000م.
    بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، تحرير عبد القادر عبد الله العاني (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط2، 1413هـ/ 1992م).
    تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي، جمع الجوامع، تعليق عبد المنعم خليل إبراهيم (بيروت: دار الكتب العلمية، 1424هـ/ 2003م).
    تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، تحقيق عادل عبد الموجود، وعلي معوض (د. م: عالم الكتب، د. ت).
    جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب، كتاب منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل (هكذا في النسخة المطبوعة، والراجح أن اسمه: منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل) (مصر: مطبعة السعادة لصاحبها محمد إسماعيل، ط1، 1326هـ).
    جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب، مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل، تحقيق نذير حمادو (بيروت: دار ابن حزم، ط1، 1427هـ/ 2006م).
    جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي، نهاية السول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للإسنوي، ومعه سلم الوصول لشرح نهاية السول لمحمد بخيت المطيعي (د. م: عالم الكتب، د. ت).
    حسين حامد حسان، نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي (القاهرة: مكتبة المتنبي، 1981م).
    صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي، التوضيح لمتن التنقيح، ومعه شرح التلويح للتفتازاني (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت)
    عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد، ابن قدامة وآثاره الأصولية (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط4، 1408هـ/ 1987م).
    علي بن محمد الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، تعليق عبد الرزاق عفيفي (الرياض: دار الصميعي للنشر والتوزيع، ط1، 1424هـ/ 2003م).
    فخر الدين محمد بن عمر الرازي، المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق طه جابر العلواني (بيروت: مؤسسة الرسالة، د. ت).
    محب الله بن عبد الشكور، مسلّم الثبوت وعليه شرح فواتح الرحموت (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1423هـ/ 2002م).
    محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي (ماليزيا: دار الفجر، عمان: دار النفائس، ط1، 1420هـ/ 1999م).
    محمد أمين المعروف بأمير بادشاه، تيسير التحرير (د. م: د.ن، د.ت)
    محمد سعيد رمضان البوطي، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية (دمشق: دار الفكر، ط4، 1426هـ/2005م).
    محمد سليمان الأشقر، الواضح في أصول الفقه (القاهرة: دار السلام، ط2، 1425هـ/ 2004م).
    محمد مصطفى شلبي، تعليل الأحكام (مصر: مطبعة الأزهر، 1947م).
    مصطفى ديب البغا، أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي (دمشق: دار الإمام البخاري، د. ت).
    مصطفى زيد، المصلحة في التشريع الإسلامي (مصر: دار اليسر للطباعة والنشر، د. ت).


    [1] البوطي، ضوابط المصلحة، ص398-410.

    [2] الجويني، البرهان، ج2، ص161.

    [3] الجويني، البرهان، ج2، ص161.

    [4] الجويني، البرهان، ج2، ص163.

    [5] الجويني، البرهان، ج2، ص164.

    [6] الغزالي، المنخول، ص353.

    [7] الغزالي، المنخول، ص154.

    [8] انظر حديث الغزالي عن مسالك العلة في المنخول من ص338-353.

    [9] الغزالي، شفاء الغليل، ص92.

    [10] الغزالي، شفاء الغليل، ص100.

    [11] الغزالي، المستصفى، ج1، ص216-223.

    [12] الغزالي، المستصفى، ج2، ص135-139.

    [13] حسين حامد حسان، نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي، ص424.

    [14] أبو بكر الجصاص، الفصول في الأصول، ج4، ص140-141.

    [15] أبو الحسين البصري، المعتمد، ج2، ص712.

    [16] أبو الحسين البصري، المعتمد، ج2، ص552.

    [17] عرف ابن حزم الاستدلال بأنه: "طلب الدليل من قِبَل معارف العقل ونتائجه، أو من قبل إنسان يعلم." الإحكام في أصول الأحكام، ص54.

    [18] أبو يعلى الفراء، العدة في أصول الفقه، ج1، ص132. كما أنه لم يورد المناسبة ضمن مسالك العلة. انظر: العدة في أصول الفقه، ج5، ص1424-1435.

    [19] ذكر الشيرازي في كتاب اللمع ما يعرف به صحة العلة (مسالك العلة)، ولم يذكر ضمنها المناسبة. انظر: اللمع في أصول الفقه، ص223-230. كما عرف الاستدلال بمعناه العام، وهو: "طلب الدليل". ص33.

    [20] مثال ذلك ما ورد في مناقشته لمسألة جواز ورود التعبد بالقياس في الشرعيات. انظر: التبصرة، ص420.

    [21] عرف الباجي الاستدلال بأنه: "التفكر في حال المنظور فيه طلبا للوقوف على حقيقة حكم بما هو نظر فيه، أو لغلبة الظن إن كان مما طريقه غلبة الظن." إحكام الفصول، ج1، ص175-176.

    [22] عرف الاستدلال بأنه: "طلب الدليل" الواضح في أصول الفقه، ج1، ص32. كما عقد فصولا عديدة عن الاستدلال، تحدث فيها بالتفصيل عن أنواع الاستدلال وطرقه، وهي تختلف عن الطريقة التي تناوله بها الجويني، خاصة في عدم ربطها بالاستصلاح والرأي المرسل. انظر: الواضح، ج1، ص447-482.

    [23] انظر: ابن العربي، المحصول في أصول الفقه، طبعة دار البيارق، 1420هـ/ 1999م.

    [24] الغزالي، المنخول، ص359.

    [25] أي محفوفة ومحاطة بالأصول المتعارضة.

    [26] من الإغفال، أي أن تترك دون دليل من الشرع على حكم الأخذ بها.

    [27] الغزالي، المنخول، ص361.

    [28] الغزالي، المنخول، ص363.

    [29] الغزالي، المستصفى، ج2، ص135-139.

    [30] الغزالي، المستصفى، ج2، ص222.

    [31] الجويني، البرهان، ج2، ص163.

    [32] الجويني، البرهان، ج2، ص165.

    [33] الجويني، البرهان، ج2، ص165.

    [34] الجويني، البرهان، ج2، ص169-170.

    [35] الغزالي، المنخول، ص364

    [36] الغزالي، المنخول، ص369

    [37] الغزالي، المنخول، ص366.

    [38] شفاء الغليل، ص111؛ المستصفى، ج1، ص219.

    [39] الغزالي، المستصفى، ج1، ص222.

    [40] الغزالي، المستصفى، ج1، ص222.

    [41] الغزالي، شفاء الغليل، ص120.

    [42] الغزالي، المستصفى، ج1، ص218.

    [43] الغزالي، المستصفى، ج1، ص218.

    [44] الغزالي، شفاء الغليل، ص101.

    [45] انظر ما نقله عنه الزركشي في البحر المحيط، ج6، ص80.

    [46] يقول: "وأما الغزالي فأقبل وأدبر، فلحق مرة بطرف الوفاق لاعتبار المصالح المرسلة، ومرة بطرف رأي إمام الحرمين إذ تردد في مقدار المصلحة." (محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص225).

    [47] يقول: "اعلم أن مسألة الاستدلال المرسل قد وقع فيها خبط كثير، فتضاربت فيها النقول، وتشعبت الآراء، لا سيما في نقل رأي الغزالي فيها، للاضطراب الذي وقع في كتبه عند الكلام عنها." هامش رقم (3) ص370 من تحقيقه لكتاب المنخول للغزالي.

    [48] يقول البوطي: "هذه خلاصة كلامه عن الاستصلاح في المستصفى. وهو ينطوي على اضطراب نجمل بيانه فيما يلي...إلخ." البوطي، ضوابط المصلحة، ص404.

    [49] حسين حامد حسان، نظرية المصلحة، ص434.

    [50] الزركشي، البحر المحيط، ج6، ص79، حيث قال تعليقا على الشروط التي ذكرها الغزالي: "وهذا من الغزالي تصريح باعتبار القطع بحصول المصلحة، لكن الأصحاب حكوا في مسألة التترس وجهين، ولم يشترطوا القطع."

    [51] محمد مصطفى شلبي، تعليل الأحكام، ص271.

    [52] محمد مصطفى شلبي، تعليل الأحكام، ص271.

    [53] وفي ذلك يقول: "واعلم أن الغزالي إنما اشترط القطع للقطع بالقول بالمرسل –والحالة هذه- لا لترجيح القول به، بل هو يرجح القول به وإن لم ينته إلى القطع، وقد قال في كثير من كتبه كالمستصفى وشفاء الغليل وغيرهما بأن الظن القريب من القطع نازل منزلة القطع." رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ج4، ص343.

    [54] حسين حامد حسان، نظرية المصلحة، ص451-465.

    [55] أيمن الدباغ، مسلك المناسبة عند الإمام أبي حامد الغزالي والأصوليين، ص58-68.

    [56] الغزالي، المستصفى، ج1، ص216.

    [57] قسم الغزالي المناسب إلى أربعة أقسام: القسم الأول: مناسب جمع شهادة الأصل والملاءمة، وعبّر عنه في المستصفى بأنه: ملائم يشهد له أصل معيَّن. وهذا يرجع إلى القياس، وهو مقبول باتفاق القائلين بالقياس. القسم الثاني: مناسب عَدِم الملاءمة وشهادة الأصل، وعبّر عنه في المستصفى بأنه: مناسب لا يلائم ولا يشهد له أصل معيَّن. وهذا لا يُقبل باتفاق القائسين. القسم الثالث: مناسب شهد له أصل معيَّن، بمعنى أنه مُستنبط من أصل من حيث إن الحكم ثبت شرعا على وفقه ولكنه غريب لا يلائم، وعبّر عنه في المستصفى بأنه: مناسب يشهد له أصل مُعيَّن لكن لا يُلائم. وقال عنه في المستصفى هو في محلّ الاجتهاد. ومعنى عدم ملاءمته أن المجتهد استنبط ذلك الوصف من أصل، ولكنه وصفٌ لا يلائم أحكام الشريعة ومبادئها. وسبب عدم الملاءمة أن الفقيه قد يكون أخطأ في نسبة الحكم إلى ذلك الوصف. وإذا قلنا برفض ذلك المناسب فعلى أساس أنه ليس علّة ذلك الحكم، وأن المستنبط أخطأ في نسبة الحكم إليه؛ لأنه يبعد أن يشرع الشارع حكما غير ملائم للأحكام الأخرى. القسم الرابع: مناسب ملائم لا يشهد له أصل مُعيَّن، وعبّر عنه في المستصفى بأنه: ملائم لا يشهد له أصل معيَّن، وهو الاستدلال المرسل. وقال عنه في المستصفى: وهو أيضا في محلّ الاجتهاد. (الغزالي، شفاء الغليل، ص92؛ المستصفى، ج2، ص139.)

    [58] الغزالي، شفاء الغليل، ص92؛ المستصفى، ج2، ص139.

    [59] نص كلام الغزالي: "وقد رتبنا المناسب فيما تقدم على ثلاث مراتب، وذكرنا أن منها ما يقع في رتبة الضرورات، ومنها ما يقع في رتبة الحاجات، ومنها ما يقع في رتبة التحسينات والتزيينات. فالواقع منها في هذه الرتبة الأخيرة لا يجوز الاستمساك بها ما لم يعتضد بأصل معين ورد من الشرع الحكم فيه على وفق المناسبة؛ ثم إذا اتفق ذلك، فنحن منه على علالة كما قدمناه، فأما إذا لم يرد من الشرع حكم على وفقه، فاتباعه وضع للشرع بالرأي والاستحسان؛ وهو منصب الشارعين، لا منصب المتصرفين في الشرع... أما الواقع من المناسبات في رتبة الضرورات أو الحاجات كما فصلناها فالذي نراه فيها أنه يجوز الاستمساك بها إن كان ملائما لتصرفات الشرع، ولا يجوز الاستمساك بها إن كان غريبا لا يلائم القواعد." شفاء الغليل، ص101.

    [60] الغزالي، شفاء الغليل، ص85.

    [61] الغزالي، شفاء الغليل، ص85.

    [62] الغزالي، شفاء الغليل، ص85.

    [63] يرى الغزالي أنه يمكن رفع التصرُّف من مرتبة التحسينات إلى مرتبة الحاجات إذا ثبتت مناسبةُ الوصف الذي يعلل به. ذكر هذا في معرض حديثه عن تعليل اشتراط الشهود في النكاح، فلو عللنا ذلك بالإثبات، وصحّت هذه العلة على السبر لارتفع الإشهاد من رتبة التحسينات إلى رتبة الحاجات. يقول: "ولو صحّ على السبر تخيّل مقصود الإثبات عند الجحود لالتحق بالرتبة الثانية، ولوقع في مظان الحاجة." (شفاء الغليل، ص84).

    [64] الغزالي، شفاء الغليل، ص85. ويرى الغزالي أن المناسب الإقناعي قد يوجد في الشرع معتبرا، ولكن يُعتقد اعتباره إذا دلّ عليه مسلك نقلي، أما مجرد هذه المناسبة فربما لا يجري على دعوى التعليل، ولذلك فهو لا يُنتفع به غالبا في تعديّة الأحكام. (شفاء الغليل، ص86، 99-100)

    [65] الغزالي، المستصفى، ج1، ص216.

    [66] الغزالي، المستصفى، ج1، ص216-218.

    [67] الغزالي، المستصفى، ج1، ص218.

    [68] الغزالي، المستصفى، ج1، ص218.

    [69] الغزالي، المستصفى، ج1، ص218.

    [70] الغزالي، المستصفى، ج1، ص218.

    [71] الغزالي، المستصفى، ج1، ص219.

    [72] الغزالي، المستصفى، ج1، ص220.

    [73] الغزالي، المستصفى، ج1، ص222.

    [74] الغزالي، المستصفى، ج1، ص222.

    [75] الغزالي، شفاء الغليل، ص103.

    [76] الغزالي، المستصفى، ج1، ص221.

    [77] الغزالي، شفاء الغليل، ص108.

    [78] الغزالي، المستصفى، ج1، ص219.

    [79] الغزالي، شفاء الغليل، ص108-109.

    [80] الغزالي، المستصفى، ج1، ص219.

    [81] الغزالي، المستصفى، ج1، ص219.

    [82] الغزالي، شفاء الغليل، ص110-111.

    [83] الغزالي، شفاء الغليل، ص111؛ الغزالي، المستصفى، ج1، ص219.

    [84] الغزالي، شفاء الغليل، ص112-116.

    [85] الغزالي، المستصفى، ج1، ص220.

    [86] انظر ما كتبه الجويني في كتاب: غياث الأمم في التياث الظلم، ص197 وما بعدها.

    [87] الغزالي، شفاء الغليل، ص118-119.

    [88] الغزالي، المستصفى، ج1، ص222.

    [89] الغزالي، شفاء الغليل، ص124.

    [90] الغزالي، المستصفى، ج1، ص221.

    [91] الغزالي، شفاء الغليل، ص125.

    [92] الغزالي، المستصفى، ج1، ص221.

    [93] الغزالي، شفاء الغليل، ص126.

    [94] الغزالي، المستصفى، ج1، ص221.

    [95] الغزالي، شفاء الغليل، ص116-117.

    [96] الغزالي، شفاء الغليل، ص117-118. وقد سبقه شيخه الجويني إلى مناقشة المسألة بالتفصيل. انظر ما كتبه الجويني في كتاب: غياث الأمم في التياث الظلم، ص343 وما بعدها.

    [97] الغزالي، شفاء الغليل، ص120.

    [98] الغزالي، شفاء الغليل، ص121.

    [99] الغزالي، شفاء الغليل، ص122.

    [100] حيث قال: "لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود، أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامة في بلاد الإسلام، فيجوز للإمام أن يوظّف على الأغنياء مقدار كفاية الجند." (المستصفى، ج1، ص220.)

    [101] الغزالي، المستصفى، ج1، ص220.

    [102] الغزالي، المستصفى، ج1، ص222.

    [103] انظر تقسيمه للمصلحة من حيث شهادة الشرع لها في المستصفى، ج1، ص216؛ وتقسيمه للمناسب في شفاء الغليل، ص92، والمستصفى، ج2، ص139.

    [104] أورد الرازي تقسيما سداسيا للمصلحة والمفسدة: الأول: أن تكون المصلحة خالية عن المفسدة، وهو دون شك مشروع. والثاني: أن تكون المصلحة راجحة، وهو أيضا مشروع. والثالث: استواء المصلحة والمفسدة، وهذا غير متصور. والرابع: أن يخلو الأمر عن المصلحة والمفسدة جميعا، وهو أيضا غير متصوّر. والخامس: أن يكون مفسدة خالصة، وهو دون شك غير مشروع. والسادس: أن تكون المفسدة راجحة، وهو غير مشروع. (الرازي، المحصول، ج6، ص165-166.)

    [105] الرازي، المحصول، ج6، ص166.

    [106] الغزالي، المنخول، ص363.

    [107] الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج4، ص196.

    [108] ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل (هكذا في النسخة المطبوعة، والراجح أن اسمه: منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل)، ص156.

    [109] الغزالي، المستصفى، ج1، ص220.

    [110] الغزالي، المستصفى، ج1، ص220.

    [111] الغزالي، شفاء الغليل، ص110.

    [112] البوطي، ضوابط المصلحة، ص345-346.

    [113] القرافي، نفائس الأصول، ج9، ص4086-4087.

    [114] الرازي، المحصول، ج6، ص162-164.

    [115] الرازي، المحصول، ج6، ص166-167.

    [116] الرازي، المحصول، ج6، ص166.

    [117] عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد، ابن قدامة وآثاره الأصولية، ج2، ص170.

    [118] عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد، ابن قدامة وآثاره الأصولية، ج2، ص170.

    [119] الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج4، ص196.

    [120] ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل (هكذا في النسخة المطبوعة، والراجح أن اسمه: منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل)، ص156.

    [121] ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل (هكذا في النسخة المطبوعة، والراجح أن اسمه: منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل)، ص156.

    [122] ابن الحاجب، مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل، ص1098-1100.

    [123] البيضاوي، منهاج الوصول إلى علم الأصول، مطبوع ضمن: نهاية السول للإسنوي، ومعه سلم الوصول لشرح نهاية السول لمحمد بخيت المطيعي، ج4، ص358.

    [124] جاء في جمع الجوامع: "وليس منه مصلحة ضرورية كلية قطعية، لأنها مما دل الدليل على اعتبارها، فهي حقا قطعا. واشترطها الغزالي للقطع بالقول به، لا لأصل القول به." (ابن السبكي، جمع الجوامع، ص93.)

    [125] في كتابه شرح تنقيح الفصول، قسم المناسب إلى: ما اعتبره الشرع، وإلى ما ألغاه، وإلى ما جُهل حاله، وهو المصلحة المرسلة. شرح تنقيح الفصول، ص305. وقسم المصلحة باعتبار شهادة الشرع إلى الأقسام الثلاثة، وثالثها: ما لم يشهد له الشرع باعتبار ولا بإلغاء، وهو المصحلة المرسلة. المرجع نفسه، ص350.

    [126] وفضلا عن تغيير أمثلة المصلحة المرسلة، نجده غيّر أيضا مثال المصلحة الملغاة من إفتاء الملك الذي جامع في نهار رمضان بالصوم بدلا من العتق، إلى المنع من زراعة العنب خشية أن تعصر منه الخمر. القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص350.

    [127] القرافي، نفائس الأصول، ج9، ص4087-4088.

    [128] القرافي، نفائس الأصول، ج9، ص4088.

    [129] القرافي، نفائس الأصول، ج9، ص4095.

    [130] الجويني، البرهان، ج2، ص161.

    [131] وقد قام بعض الباحثين المعاصرين بمناقشة تلك النسبة وتفنيدها. انظر مثلا: البوطي، ضوابط المصلحة، ص347-362.

    [132] القرافي، نفائس الأصول، ج9، ص4092.

    [133] أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي، المسالك في شرح موطأ الإمام مالك، قرأه وعلق عليه محمد بن الحسين السليماني (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط1، 1428هـ/ 2007م) ج6، ص421.

    [134] أبو المظفر السمعاني، قواطع الأدلة، ج4، ص492.

    [135] حيث يقول في المنخول: "فاسترسل مالك رضي الله عنه على المصالح المرسلة..." المنخول، ص354.

    [136] ابن السبكي، جمع الجوامع، ص93.

    [137] الرازي، المحصول، ج6، ص165.

    [138] الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج4، ص195-196.

    [139] حدَّد ابن القصار المصادر الأساسية للإمام مالك في: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وإجماع أهل المدينة. ثم ذكر بعد ذلك أنه قد ترد للإمام مالك "نصوص في حوادث عَدَل فيها عن الأصول التي أصَّلنا: إما لخفاء العلّة التي توجب البناء عليها وتضطر إلى الردّ إليها، أو لضرب من المصلحة" (ملحق بكتاب المقدمة في الأصول لابن القصار، 212-213)، ولكنه لم يُطلق على ذلك العدول اصطلاح "المصلحة المرسلة".

    [140] انظر: الباجي، إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق عبد المجيد تركي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط2، 1415هـ/ 1995م).

    [141] ذهب مصطفى زيد إلى أن ابن العربي يعد المصلحة المرسلة من أصول مالك، ولكنه يسميها استحسانا، حيث يقول: "إن ابن العربي يصرح بهذا، ولكنه يسميه استحسانا." المصلحة في التشريع الإسلامي، ص37. وهو مجرد تخريج منه على كلام ابن العربي في الاستحسان.

    [142] ابن العربي، المسالك في شرح موطأ مالك، ج5، ص436.

    [143] ابن العربي، المسالك في شرح موطأ مالك، ج5، ص610.

    [144] ابن العربي، المسالك في شرح موطأ مالك، ج7، ص152.

    [145] ابن العربي، المسالك في شرح موطأ مالك، ج6، ص121-122.

    [146] ابن العربي، المسالك في شرح موطأ مالك، ج6، ص126.

    [147] ابن العربي، المسالك في شرح موطأ مالك، ج6، ص17.

    [148] ابن العربي، المسالك في شرح موطأ مالك، ج6، ص18-19.

    [149] الزركشي، البحر المحيط، ج6، ص76-77.

    [150] القرافي، نفائس الأصول، ج9، ص4095.

    [151] الشاطبي، الموافقات، ج3، ص54.

    [152] ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل (هكذا في النسخة المطبوعة، والراجح أن اسمه: منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل)، ص156.

    [153] الجويني، البرهان، ج2، ص161.

    [154] ذكر الإسنوي أن في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة ثلاثة مذاهب: أحدها: أنها غير معتبرة مطلقا، وهو اختيار ابن الحاجب والآمدي. والثاني: أنها معتبرة مطلقا، وهو مشهور عن مالك واختاره الجويني. والثالث: وهو رأي الغزالي، واختاره البيضاوي، وهو أنه إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية اعتبرت، وإلا فلا.نهاية السول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للإسنوي، ومعه سلم الوصول لشرح نهاية السول لمحمد بخيت المطيعي، ج4، ص386-387. وللجويني عبارة ضابطة في نوع المصلحة التي يأخذ بها، وردت في قوله: "...ولكني لا أبتدع ولا أخترع شيئا، بل ألاحظ وضع الشرع، واستشير]هكذا وردت في الكتاب ويبدو أن الصواب "استثير"[ معنى يناسب ما أراه وأتحراه، وهكذا سبيل التصرف في الوقائع المستجدة التي لا يوجد فيها أجوبة العلماء مُعدَّة، وأصحاب المصطفى، صلوات الله عليه ورضي عنهم، لم يجدوا في الكتاب والسنة إلا نصوصا معدودة، وأحكاما محصورة محدودة، ثم حكموا في كل واقعة عنّت، ولم يجاوزا وضع الشرع، ولا تعدوا حدوده." غياث الأمم في التياث الظلم، ص196-197.

    [155] أبو المظفر السمعاني، قواطع الأدلة، ج4، ص492.

    [156] الغزالي، المنخول، ص354.

    [157] الغزالي، شفاء الغليل، ص100.

    [158] الزركشي، البحر المحيط، ج6، ص76.

    [159] الزركشي، البحر المحيط، ج6، ص76.

    [160] الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج4، ص195-196.

    [161] الجويني، البرهان، ج2، ص161.

    [162] الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج4، ص195-196.

    [163] انظر مثلا: الجصاص حيث ذكر من مسالك العلة: النص، السبر الحاصر، والدوران، والطرد، وأن يكون لها تأثير في الأصول وتتعلق بها الأحكام. الجصاص، الفصول في الأصول، ج4، ص156-171. وانظر كلام الدبوسي في اشتراط الملاءمة والتأثير في تقويم الأدلة، ص304 وما بعدها.

    [164] انظر: صدر الشريعة، التوضيح لمتن التنقيح، ومعه شرح التلويح للتفتازاني، ج2، ص 69 وما بعدها؛ محب الله بن عبد الشكور، مسلّم الثبوت وعليه شرح فواتح الرحموت، ج2، ص352؛ ابن أمير بادشاه، تيسير التحرير، ج4، ص2 وما بعدها.

    [165] انظر مثلا: محمد سليمان الأشقر، الواضح في أصول الفقه، ص150، حيث يقول: "ورفض الأخذ بها الشافعي والظاهرية." وكذلك مصطفى زيد في كتابه المصلحة في التشريع الإسلامي، ص42.

    [166] ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ص427.

    [167] صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حمل علينا السلاح فليس منا".

    [168] ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ص671.

    [169] ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل (هكذا في النسخة المطبوعة، والراجح أن اسمه: منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل)، ص156.

    [170] ابن السبكي، جمع الجوامع، ص93.

    [171] القرافي، نفائس الأصول، ج9، ص4095.

    [172] منهم: مصطفى زيد في: المصلحة في التشريع الإسلامي، ص29-41. والبوطي في: ضوابط المصلحة، ص419-422. ومصطفى ديب البغا في: أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي، ص44-53.

    [173] محمد سليمان الأشقر، الواضح في أصول الفقه، ص150.
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  2. 4 أعضاء قالوا شكراً لـ د. نعمان مبارك جغيم على هذه المشاركة:


  3. #2
    :: مطـَّـلـع ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    الكنية
    أبو سعد المراكشي
    الدولة
    المغرب
    المدينة
    مراكش
    المؤهل
    منهجية ماجستير
    التخصص
    فقه النوازل المعاصرة
    العمر
    34
    المشاركات
    166
    شكر الله لكم
    5
    تم شكره 66 مرة في 39 مشاركة

    افتراضي رد: المصلحة المرسلة

    ما شاء الله، بحث رصين استفدت منه كثيرا. بارك الله فيكم مولانا

  4. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ معاذ بن حسن المساوي على هذه المشاركة:


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].