بين أثر الصيام ... وصيام الأثر

المفتي الدكتور محمد يوسف الهواملة

أيها الإنسان العزيز المبارك، هذه وصية مني إليك، كتبتها لك في أنفس الأوقات؛ خوفا عليك، ورغبة في الخير إليك، فاستمع لي ولا تعجل.

فرض الله تعالى عليك الصيام وهو في غنى عنه، وقد أمرك به لحاجتك إليه، فإذا صمت نفعت نفسك، وجنيت فوائد لا تحصى، تنال التقوى، فتمنعك من الوقوع في الزلل، وتغنيك عن الخلق أجمعين، تكون مستجاب الدعاء، يذكرك الله تعالى في الملأ الأعلى؛ فيعرفك الملائكة كما يعرفك البشر، تغفر ذنوبك، تكفى همك، وفي الآخرة تدخل جنات الخلد من أفضل أبوابها، من باب خاص اسمه الريان، تكون مَلِكَا مطاعا؛ فتملك من الخيرات ما يعادل الأرض مرات عديدة، الملائكة تخدمك، أعد الله لك ما تتمناه نفسك، وتسعد به عينك، ما تتمناه ويخطر على قلبك.. يحدث مباشرة بغير طلب منك، فلا تكلف تحريك شفتيك لتعبر عما يدور في نفسك، وإن أردت الاختصار؛ قلت لك: أعد الله لك من النعيم، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر!... هذا هو أثر الصيام، فما رأيك ؟

أكاد أجزم أنك ستقول: مرحبا بشهر الصيام...

ويحدثني قلبي عنك: أنك ستقبل عليه بقلبك وروحك .. تلتمس روحانياته، تنشغل بعباداته .

نعم أيها الحبيب.. هذا ظني بك، لا تتردد، أقبل، ماذا تنتظر؟ لا يهمك ما مضى من الذنوب، سيغفرها الله لك، هو أرحم بك من والديك، فقط ابدأ العلاقة معه – سبحانه وتعالى – بصدق، نعم نعم، لقد ظفرت بأفضل يوم في حياتك، يا له من استثمار عظيم !

أما صيام الأثر.. أعني به، صيام السنة النبوية الشريفة،
فالجوع والعطش له فوائد طبية بلا شك، وهو أحد حِكَمِ الصيام؛ حتى يتذكر الغني حالَ الفقيرِ من الجوع والفقر، فيتصدق عليه، لكنه ليس المقصود أصالة من تشريعه. أي أُخي، إن صيام الأثر يعني أن يكون الصائم تَقِيَّاً، وحسبك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ربَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) رواه أحمد، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الصوم أمانة، فليحفظ أحدكم أمانته) إسناده حسن ..

إن الصائم تسمو روحه؛ وحبذا لو يوافق الجسد الروح، ولا غرابة في هذا! وليس بالمستحيل، تمثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ، ولا يصخب، فإن سابه أحد، أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم) متفق عليه، فخذ بهذه الأحاديث وأمثالها تكن ربانيا تقيا.

أيها المبارك،
لا أريد أن أطيل بك المقام، ولا أزيد عليك الكلام، لكني أرجو سعادتك في الدنيا والآخرة، لا تتعب نفسك كثيرا في الدنيا، فالكل سيرحل عنها، فما حالك إلا كحال مسافر أوشك على الوصول، فخذ من الدنيا ما يبلغك الآخرة ولا تزد، وكلما خف متاعك سهل عليك حمله، فالله الله في نفسك، أرفق بها، ووازن بين جسدك وروحك وعقلك، واحذر من الغفلة والتسويف. أسأل الله تعالى أن يلهمني وإياك الصواب، وأن يجنبنا سوء المنقلب والمآب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

http://aliftaa.jo/Article.aspx?Artic...5#.WSPbzbjE050