== =مراعاة الحب والعشق وجودا وعدما في ابتداء النكاح وديمومته===

= مؤيدات=:

- اعتبار عدمي: عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الْأَنْصَارِيَّةِ: «أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ نِكَاحَهَا» أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا وَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَحُّ,

- اعتبار عدمي: أول خلع كان سببه بغض وكراهية الزوج؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ, وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ?»، قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ, وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا.

يقول في الفتح:"...أنها قد تحملها شدة كراهتها له على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه وهي كانت تعرف أن ذلك حرام لكن خشيت أن تحملها شدة البغض على الوقوع فيه...".

- اعتبار عدمي، واعتبار وجودي: وَقَدْ شَفَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَاشِقٍ أَنْ تُوَاصِلَهُ مَعْشُوقَتُهُ بِأَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ فَأَبَتْ، وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُغِيثٍ وَبَرِيرَةَ «لَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي خَلْفَهَا وَدُمُوعُهُ تَجْرِي عَلَى خَدَّيْهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ رَاجَعْتِيهِ؟ فَقَالَتْ: أَتَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَا، إِنَّمَا أَشْفَعُ، فَقَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ، فَقَالَ لِعَمِّهِ: يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيَرَةَ، وَمِنْ بُغْضِهَا لَهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ حُبَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَانَتْ مِنْهُ».

- اعتبار عدمي: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ. قَالَ: «غَرِّبْهَا». قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي. قَالَ: «فَاسْتَمْتِعْ بِهَا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَالْبَزَّارُ, وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظٍ - قَالَ: طَلِّقْهَا. قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا. قَالَ: «فَأَمْسِكْهَا».

قال أبو عبيد والخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطابي والغزالي والنووي، واستدل به الرافعي على هذا الحكم: "معناه الفجور، وأنها لا تمتنع ممن يطلب منها الفاحشة؛ وعلى هذا أنه لا يجب تطليق من فسقت بالزنى، إذا كان الرجل لا يقدر على مفارقتها".

- اعتبار وجودي: فقد صح قوله صلى الله عليه وسلم:"لم ير للمتحابين مثل النكاح"؛
فنكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله دواءه شرعًا وقدرًا.

= إسعافات من القواعد وجريان الوقوع فيه =:

- العشق والحب مما يشق الاحتراز عنه؛ مغلوب عليه؛ فهو عفو.

- قال ابن حزم؛ وهو الثقة في النقليات:" وَقَدْ أَحَبَّ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ كَثِيرٌ، وَقَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْتُ امْرَأَةً فَعَشِقْتُهَا، فَقَالَ: ذَلِكَ مَا لَا تَمْلِكُ"؛ فالدواء بما تقدم من النكاح أو مُدَافَعَتُهُ له، وَالِاشْتِغَالُ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ مِنْهُ، وَيَجِبُ الْكَتْمُ وَالْعِفَّةُ وَالصَّبْرُ فِيهِ عَلَى الْبَلْوَى، فَيُثَبِّتُهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُعَوِّضُهُ عَلَى صَبْرِهِ لِلَّهِ وَعِفَّتِهِ، وَتَرْكِهِ طَاعَةَ هَوَاهُ، وَإِيثَارِ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَهُ.

- فالْعِشْقِ الْعَفِيفِ مِنَ الرَّجُلِ الظَّرِيفِ، الَّذِي يَأْبَى لَهُ دِينُهُ وَعِفَّتُهُ وَمُرُوءَتُهُ أَنْ يُفْسِدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْشُوقِهِ بِالْحَرَامِ، وَهَذَا عِشْقُ السَّلَفِ الْكِرَامِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، فَهَذَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، عَشِقَ حَتَّى اشْتُهِرَ أَمْرُهُ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَعَدَّ ظَالِمًا مَنْ لَامَهُ.

= تتميم=:

- في الذخيرة للقرافي في باب الردة وعند كلامه عن السحر:" ولقد وجدت عند بعض الطلبة في بعض المدارس كراسا فيه المحبة والبغضة ونحوهما مما تقدم وأنه يتعاناها فأفتى أصحابنا بتكفيره وهذا من غير تفصيل أمر عظيم في الدين بل تحريم هذا الباب مطلقا مشكل إلا بعد تفصيل طلا؛ فمن سعى في محبة بين زوجين بآية من كتاب الله أو بغضة بين زانيين بقرآن يتلى ينبغي أن يجاب أو يندب إليه فضلا عن التحريم".

- في "إحكام النظر..." لابن القطان الفاسي:"للمرأة المخطوبة أن تَجمَّل للخطاب:
وتتشوف بزينتها للذين طلبوها للنكاح، الذين يريدون النظرإذا صحت في ذلك نيتها وسلمت سريرتها، بل لو قيل: إنها مندوبة إلى ذلك ما كان بعيدًا، فإن النكاح مأمور به في النساء كما هو للرجال، إما وجوبًا أو ندبًا، وما لا يتم الواجب أو المندوب إلا به، يكون إما واجبًا واما مندوبًا. ويتناقض أن نبيح النظر إليها بقصد الإستعفاف، ثم تكون هي منهية عن البدوِّ له، ولو قيل: إنه 6 يجوز لها التعرض بإبداء نفسها لمَن لم يخطبها بعد - إذا سلمت نيتها في قصد النكاح - جوازه للمطلقة الرجعية، لم يبعد. فإن العادة جارية بتخلُّف النكاح وتعذُّره، وتأخر الخطّاب عمَّن لا يُعرف حالها".

- وفيه أيضا:"مسألة: الرجل إذا خطب امرأة، هل يجوز له أن يقصدها معرضًا لها محاسنه التي لا يجوز له إبداؤها إليها، إذ لم تكن مخطوبة، ويتصنع لها بلباسه وسواكه وكحله وخضابه ومشيته وركبته؟ أم لا يجوز له من ذلك، إلا ما كان جائزًا بالنسبة إلى كل امرأة؟:
فهو موضع نظر، والظاهر جوازه إن لم يتحقق في المنع منه إجماع.
أما إذا لم تكن مخطوبته ويتعرض بنفسه ذلك التعرض للنساء، فلا يجوز له، لأنه تعرُّض للفتن وتعريض لها، ولولا الظاهر ما أمكن أن يُقال بذلك في المرأة التي تخطب، على أنه 8 لم يجزم فيه بالجواز، والله أعلم".

=خاتمة=:
تحليل راق؛ ذوق رفيع كله رومنسية؛ غور في مكنونات النفس ومخبوءاتها؛ رصد للجبلة في ألطف تمثلاتها، والطبع في أنفس وأبهى تجلياته؛ إبحار في الوجدان والمشاعر؛ وتبيان وكشف لأثر الحب والعشق وقوة سلطانهما وضرورة اعتبارهما؛ كل ذلك في نص لابن جرير الطبري مع أنه لم يتزوج؛ نص كنت قد وقفت منذ 24 سنة؛ ولمضمونه الغير المعهود ضمته ذاكرتي وتربعت عليه؛ فكل ما ندر لصُق وعلُق؛ ولكل شاردة لا قطة.

يقول الطبري رحمه الله:"وأما قوله:"وأطهر"-البقرة، آية: 232-، فإنه يعني بذلك: أطهر لقلوبكم وقلوبهن وقلوب أزواجهن من الريبة. وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما - أعني الزوج والمرأة - علاقة حب، لم يؤمن أن يتجاوزا ذلك إلى غير ما أحله الله لهما، ولم يؤمن من أوليائهما أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا منه بريئين. فأمر الله تعالى ذكره الأولياء -إذا أراد الأزواج التراجع بعد البينونة، بنكاح مستأنف، في الحال التي أذن الله لهما بالتراجع أن لا يعضل وليته عما أرادت من ذلك، وأن يزوجها. لأن ذلك أفضل لجميعهم، وأطهر لقلوبهم مما يخاف سبوقه إليها من المعاني المكروهة.
ثم أخبر تعالى ذكره عباده أنه يعلم من سرائرهم وخفيات أمورهم ما لا يعلمه بعضهم من بعض، ودلهم بقوله لهم ذلك في هذا الموضع، أنه إنما أمر أولياء النساء بإنكاح من كانوا أولياءه من النساء إذا تراضت المرأة والزوج الخاطب بينهم بالمعروف، ونهاهم عن عضلهن عن ذلك لما علم مما في قلب الخاطب والمخطوبة من غلبة الهوى والميل من كل واحد منهما إلى صاحبه بالمودة والمحبة، فقال لهم تعالى ذكره: افعلوا ما أمرتكم به، إن كنتم تؤمنون بي، وبثوابي وبعقابي في معادكم في الآخرة، فإني أعلم من قلب الخاطب والمخطوبة ما لا تعلمونه من الهوى والمحبة، وفعلكم ذلك أفضل لكم عند الله ولهم، وأزكى وأطهر لقلوبكم وقلوبهن في العاجل".