الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

 

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 37

الموضوع: دروس في الفلسفة تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

  1. #1
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    عرض التصويت  

    افتراضي دروس في الفلسفة تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات


    تم الفراغ منه بتاريخ 23-7-2018
    حمله في كتاب من هنا
    http://feqhweb.com/vb/showthread.php...742#post160742


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

    أما بعد...
    فإن من أجلّ وأنفس ما صنفه العلماء هو ما خطته يد الإمام بقية السلف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد اشتملت كتبه على تحقيقات عالية في علوم دقيقة عجز عن مثلها فحول العلماء والله يختص بفضله من يشاء.
    ومن ذلك ما كتبه في الرد على الفلاسفة فقد أجاد فيه وأفاد وأتى بالعجب العجاب، ولكنه قد خفي أكثره وغمض على كثير من الفضلاء من المنشغلين بالفقه والسنة لا بسبب تعقيد في كلام الإمام ولكن لعدم تصور المسألة من أصلها.
    فرأيت أن أعلق تعليقات خفيفة على مواطن من كلامه بحسب ما يفتح الله به، والله الموفق.

    تعريف الفلسفة لغة

    الفلسفة كلمة معربة من أصل يوناني هو: ( فيلاسُوفيّا ) وفيلا تعني محبة وسوفيا تعني الحكمة أي محبة الحكمة، والفيلسوف هو محب الحكمة وأصله اليوناني هو فيلاسوفوس.
    قال الشيخ الإمام: والفلسفة لفظ يوناني ومعناها محبة الحكمة والفيلسوف في لغتهم محبّ الحكمة. الصفدية- ج2- ص323.

    تعريف الفلسفة اصطلاحا

    الفلسفة ويقال لها الحكمة أيضا لها تعريفان أحدهما بالمعني العلمي والثاني بالمعنى العملي.
    فأما تعريفها بالمعنى العلمي فهو: علم بأحوال الموجودات الخارجية على ما هي عليه في الواقع بقدر الطاقة البشرية.
    بمعنى أن يبذل الإنسان جهده بالبحث عن الكون وما فيه ليحصل له العلم بها علما مطابقا للواقع فيدرس الفيلسوف علم النبات والحيوان والطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك وغيرها فكلها من الفلسفة والحكمة.
    وتنقسم الفلسفة إلى فلسفة نظرية وفلسفة عملية.
    فالنظرية تضم الطبيعيات والرياضيات والإلهيات ( ما يتكلمون فيه عن خالق الكون وصفاته وأبحاث الوجود كتقسيم الوجود إلى قديم لم يسبق بعدم وحادث مسبوق بالعدم، وكتقسيمه إلى واجب الوجود مستغن في وجوده عن الفاعل وهو الله سبحانه وتعالى وممكن يحتاج إلى فاعل وهو ما عدا الله )
    والعملية تضم علم الأخلاق ( يتعلق بالشخص ) وعلم تدبير المنزل ( يتعلق بالعائلة ) وعلم السياسة ( يتعلق بالمجتمع ).
    وأما علم المنطق فبعضهم أخرجه من الفلسفة وجعله مقدمة لدراسة الفلسفة، وبعضهم أدرجه فيها كابن سينا.
    وأما العلوم الأدبية كالنحو والصرف فليست من الفلسفة لأنها علوم تواضعية اصطلاحية.
    قال الشيخ الإمام:
    وأكثر المصنفين فى الفلسفة -كابن سينا- يبتدىء بالمنطق ثم الطبيعي والرياضي، أو لا يذكره ثم ينتقل إلى ما عنده من الإلهي. وتجد المصنفين فى الكلام يبتدئون بمقدماته فى الكلام: في النظر والعلم والدليل- وهو من جنس المنطق- ثم ينتقلون إلى حدوث العالم واثبات محدثه، ومنهم من ينتقل إلى تقسيم المعلومات إلى الموجود والمعدوم وينظر فى الوجود وأقسامه كما قد يفعله الفيلسوف فى أول العلم الإلهي.
    فأما الانبياء فأول دعوتهم شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله. مجموع الفتاوى ج2- ص 23.
    والفلاسفة يبتدئون بالأقل شرفا فالطبيعيات أقلها منزلة لأنها تبحث في عالم الأجسام والمادة والرياضيات أشرف منها لأنها تبحث في الأعداد والأشكال وهي مستغنية عن المادة كتصور الأعداد والأشكال من مربع ومستطيل ومثلث ودائرة فكلها مستغنية عن الأجسام ثم العلم الإلهي وهو أشرفها.
    قال الشيخ الإمام: إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي وإلى الرياضي وإلى الإلهي وجعلهم الرياضي أشرف من الطبيعي والإلهي أشرف من الرياضي هو مما قلبوا به الحقائق.
    فإن العلم الطبيعي وهو: العلم بالأجسام الموجودة في الخارج ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال وما فيها من الطبائع، أشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة.. الرد على المنطقيين- ص 133.
    فتحصل أن الفلسفة تضم المنطقيات- على رأي- والطبيعيات والرياضيات والإلهيات والأخلاقيات والأسريات والسياسات.
    وأهم ما فيها عند الفلاسفة هو الإلهيات ويسمونها الفلسفة الأولى والعلم الأعلى والعلم الإلهي ويعرفونها بأنها: علم يبحث فيه عن الأحوال العامة للوجود.
    فيعرفون الوجود ثم يقسمونه إلى الأقسام الكلية الشاملة كتقسيم الوجود إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وعلة ومعلول ( فالعلة كالنار والمعلول كالحرارة ).
    وقولهم العامة احتراز عن الأحوال الخاصة فإن بحث الفلسفة الأولى إنما هو عن الوجود العام المشترك الذي ينقسم إلى واجب وممكن وغيره وليس عن موجود خاص فلا يبحث عن أحوال الجسم مثلا لأنها لا تشمل غير الأجسام وإنما هو بحث الطبيعيات لكن يبحث عن أحوال ومحمولات عامة تحمل على الوجود يندرج فيها الجسم وغيره، ولذلك يقولون في تعريفه أيضا هو: علم يبحث في الموجود من حيث هو موجود، أي بنحو مطلق لا بنحو خاص من حيث إنه جسم أو مادة أو نبات أو حيوان أو إنسان.
    فموضوع هذا العلم هو الموجود من حيث هو موجود.
    والفلسفة الأولى أي الإلهيات هي الفلسفة بإصطلاح المتأخرين.
    وأما تلك العلوم فقد أخرجت من الفلسفة وصارت تبحث مستقلة في العلوم فلم يعد الطب مثلا جزء من الفلسفة كما كان في السابق.

    فتحصل أن الفلسفة بمعناها العام القديم تشمل العلوم جميعا عدا العلوم الأدبية الوضعية، وأما بمعناها الخاص الذي استقر الأمر عليه فهي تضم مبحثين:
    الأول: مبحث الوجود وتقسيماته الكلية.
    الثاني: مبحث الباري سبحانه وصفاته.
    قال الشيخ الإمام: و يسمونه ( أي الإلهيات ) الفلسفة الأولى والحكمة العليا لكونهم يتكلمون فيه على الأمور الكلية العامة كالوجود وانقسامه إلى جوهر و عرض ( الموجود إما أن يكون قائما بنفسه وهو الجوهر أو قائما بغيره وهو العرض فالجوهر هو الأجسام والأعراض هي الصفات فمثلا الإنسان جوهر لأنه قائم بنفسه ليس قائما بمحل ولونه عرض لأنه يقوم بالجسم وكذا صوته ورائحته وكذا علمه وكرمه صفات وأعرض لا توجد في الخارج طافية في الفضاء لوحدها بل تحتاج إلى محل تقوم فيه فهي أعراض ) وعلة ومعلول وقديم وحادث وواجب و ممكن. الرد على البكري- ج2 – ص 581.
    وقال: وهو الوجود العام الكلي الذي ينقسم الى جوهر وعرض وهذا الوجود هو عندهم موضوع العلم الأعلى الناظر في الوجود ولواحقه وهي الفلسفة الأولى والحكمة العليا عندهم. مجموع الفتاوى- ج9- ص 274.


  2. أفضل موضوع الأسبوع 51, December, 2018   عرض التصويت   عرض آخر المواضيع الفائزة بالترشيحات
    رشح هؤلاء الأعضاء 3 رشحوا هذا الموضوع :  

  3. 4 أعضاء قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  4. #16
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الثالث عشر- الماهية من حيث هي

    اشتهرت عند الفلاسفة قاعدة هي: الماهية من حيث هي هي ليست إلا هي وبنوا عليها أحكاما عديدة واحتجوا بها في مواضع متفرقة فإليك ما فيها وما عليها:
    الماهية هي: ما تقع في جواب ما هو.
    فإذا قلنا: ما هو الإنسان ؟ قيل: حيوان ناطق. فهذا التعريف هو ماهيته.
    ولكننا مع هذا نجد أن الإنسان تحمل عليه أحكام عديدة فيقال مثلا: الإنسان موجود، والإنسان معدوم، والإنسان ممكن الوجود، والإنسان كذا وكذا، فهنالك محمولات كثيرة يمكن أن تحمل عليه، لكن هذه الأحكام خارجة عن ذاته وماهيته فليس الوجود جزءا من ماهية الإنسان ولا العدم جزءا منها، فإذا أردنا أن نقصر النظر على الإنسان من حيث هو إنسان لا من حيثية أخرى فإنما هو إنسان فقط أي حيوان ناطق.
    فالقاعدة تعني أن الماهية من حيث هي لا يحمل عليها سوى ذاتياتها، وأما حمل غير ذلك فإنما يقع في مرتبة أخرى غير المرتبة الذاتية.
    وهنا يرد إشكال وجوابه وهو: حينما نقول الإنسان ليس بموجود ولا معدوم من حيث هو إنسان، وكذا لا واحد ولا كثير ولا هو ضاحك ولا هو لا لا ضاحك أفلا يلزم من ذلك ارتفاع النقيضين ؟
    الجواب: كلا فنحن نعني أن الوجود ليس جزءا من الإنسان وإلا لاستحال عليه العدم، وليس العدم جزءا من الإنسان وإلا لاستحال عليه الوجود، وهذا لا ينفي أن الماهية في الواقع الخارجي إما أن تكون موجودة وإما أن تكون معدومة.
    هذا تقرير ما ذكروه ولا أجد فيه إشكالا سوى أن كثيرا منهم ينسون أن هذا اعتبار ذهني محض فكيف يفرعون عليه إحكاما حقيقية واقعية!
    وهذا البحث في حقيقته يرجع عند التأمل إلى مبحث التصور والتصديق ففي مرحلة التصور لا يطلب سوى تعريف الذات فيقال في تعريف الإنسان مثلا هو حيوان ناطق، وهذه مرحلة الذات عندهم التي يقولون عنها الماهية في مرحلة الذات ليست إلا هي.
    ثم مرحلة التصديق وهي يطلب بها إثبات أحكام لتلك الذات المتصورة فيقال: الإنسان موجود، الإنسان ممكن، الإنسان جوهر.
    قال الشيخ الإمام: ومن هنا يغلط كثيرا ممن يسلك سبيلهم حيث يظن أن ما عنده من القضايا الكلية صحيح ويكون عند التحقيق ليس كذلك، وهم يتصورون الشيء بعقولهم ويكون ما تصوروه معقولا بالعقل فيتكلمون عليه ويظنون أنهم تكلموا في ماهية مجردة بنفسها من حيث هي هي من غير أن تكون ثابتة في الخارج ولا في الذهن.
    فيقولون: الإنسان من حيث هو هو والوجود من حيث هو هو والسواد من حيث هو هو ونحو ذلك ويظنون أن هذه الماهية التي جردوها عن جميع القيود السلبية والثبوتية محققة في الخارج على هذا التجريد وذلك غلطٌ كغلط أوليهم فيما جردوه من العدد والمثل الأفلاطونية وغيرها بل هذه المجردات المسلوب عنها كل قيد ثبوتي وسلبي لا تكون إلا مقدرة في الذهن.
    وإذا قال القائل: فأنا افرض الإنسان مجردا عن الوجودين الخارجي والذهني.
    قيل له: هذا الفرض في الذهن أيضا كما تفرض سائر الممتنعات في الذهن مثل أن يفرض موجودا لا واجبا ولا ممكنا ولا قائما بنفسه ولا بغيره ولا مبائنا لغيره ولا مجانبا له وهذا كله مفروض في الذهن وليس كل ما فرضه الذهن أمكن وجوده في الخارج وليس كل ما حكم به الإنسان على ما يقدره ويفرضه في ذهنه يكون حكما صحيحا على ما يوجد في الخارج ولا كل ما أمكن تصور الذهن له يكون وجوده في الخارج. الرد على المنطقيين-ص 317- 318.

  5. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  6. #17
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الرابع عشر- الوجود الذهني

    يقسم الفلاسفة الوجود إلى خارجي وذهني، ويبحثون في الوجود الذهني عن طبيعة العلم والإدراك الحاصل في نفوسنا وعلاقته بالواقع الخارجي، وقد طرح الفلاسفة والمتكلمون تعريفات عديدة للعلم والإدراك إليك أهمها:
    أولا: رأي متـأخري الفلاسفة في العلم هو: حضور ماهية المعلوم لدى العالم.
    ولا يقصدون بذلك حضور مثال وصورة عن الواقع الخارجي في أذهاننا فهذا القول ضعيف عندهم! بل يقصدون حضور نفس الماهية في أذهاننا.
    ويقولون إن الماهية لها وجودان وحضوران أحدهما الوجود العيني الخارجي، والآخر الوجود الذهني، فالماهية هي نفسها ولكنها تظهر في ظرفين ووجودين وفي كل وجود لها آثار خاصة.
    ولهذا ورد عليهم سؤال هو: إذا كانت الماهية حاضرة بنفسها في الذهن فيلزم أن تحترق أذهاننا حينما نتصور النار ؟
    فأجابوا: بأن النار هي النار ولكن الإحراق يتبع وجودها الخارجي، ولا يتبع وجودها الذهني.
    فأي ماهية في الخارج لها وجودان حقيقيان أحدهما الوجود الخارجي والذي له آثاره، والوجود الذهني وله آثاره كطرد الجهل عن النفس، فلا يوجد ذاتان بل ذات واحدة لها وجودان أي أن الذاتيات واحدة في الوجودين.
    فمثلا الإنسان الذهني والإنسان الخارجي واحد من حيث الماهية، فالحيوان الناطق في الذهن البشري هو نفسه الحيوان الناطق في الواقع العيني الخارجي!
    وهو - كما ترى- مبني على أن الماهية في الخارج غير وجودها وهذا منشأ كثير من أغلاطهم.
    أي هكذا: ماهية النار + وجودها الخارجي، وماهية النار + وجودها الذهني، فالماهية واحدة في وجودين مختلفين.
    فلا يزالون يتصورون الماهية في الخارج غير وجودها، ويرددون عبارة: الذاتيات محفوظة للذات في وجودها العيني والخارجي.
    ونحن نردد عبارة الماهية هي الوجود في الواقع العيني وإنما الذهن هو الذي يحللهما إلى اثنين.
    أما عبارة الذاتيات محفوظة في الوجودين، فمجموع الذاتيات هو الماهية فصار معنى كلامكم الماهية محفوظة في الوجود الذهني والخارجي وهذا عين ما قلنا من أنكم تفرقون بين الماهية ووجودها في الخارج.
    وعند التأمل يظهر أن المسألة مبنية على وجود الكلي الطبيعي فإنهم حينما يقولون إن الماهية واحدة في الذهن والخارج يعنون بها الماهية لا بشرط وهي الكلي الطبيعي، فلما كانت الماهية عندهم موجودة بما هي كلية مشتركة في الخارج صح أن يكون لها وجود آخر في الذهن مطابق لها.
    فإذا قيل لهم فأي شيء ألجأكم لهذا قالوا: لو لم نقل بحضور نفس الماهية في الذهن للزم انسداد باب العلم بالخارج لأن تلك الصورة ليست هي ما في الخارج.
    فهم يرون أننا إذا لم نضع اليد على الماهية فلا علم لنا بالواقع.
    فنقول: فقد صرحتم في المنطق اليوناني أن الذاتيات إما أن يتعذر الحصول عليها أو يتعسر فحينئذ لا سبيل لنا بالعلم بالواقع إما دائما أو غالبا جدا.
    قال الشيخ الإمام: الخامس أن تصور الماهية إنما يحصل عندهم بالحد الذي هو الحقيقي المؤلف من الذاتيات المشتركة والمميزة وهو المركب من الجنس والفصل وهذا الحد إما متعذر أو متعسر كما قد أقروا بذلك وحينئذ فلا يكون قد تصور حقيقة من الحقائق دائما أو غالبا وقد تصورت الحقائق فعلم استغناء التصورات عن الحد. الرد على المنطقيين- ص 9.
    وقال: وأما طريقة أهل المنطق ودعواهم أن الحد التام مقصوده التعريف بالحقيقة وأن الحقيقة مؤلفة من الصفات الذاتية الداخلة في المحدود وهي الجنس والفصل وتقسيمهم الصفات اللازمة للموصوف إلى داخل في الحقيقة وخارج عنها عرضي وجعل العرضى الخارج عنها اللازم على نوعين لازم للماهية ولازم لوجود الماهية وبناءهم ذلك على أن ماهيات الاشياء التي هي حقائقها ثابتة في الخارج وهي مغايرة للموجودات المعينة الثابتة في الخارج...درء التعارض- 3-ص 321.
    وقال:وهم في هذا التقسيم جعلوا الماهيات النوعية زائدا في الخارج على الموجودات العينية وليس هذا قول من قال المعدوم شيء فإن أولئك يثبتون ذواتا معينة ثابتة في العدم تقبل الوجود المعين وهؤلاء يثبتون ماهيات كلية لا معينة وأرسطو وأتباعه إنما يثبتونها مقارنة للموجودات المعينة لا مفارفة لها وأما شيعة أفلاطن فيثبتونها مفارقة ويدعون أنها أزلية أبدية. درء التعارض- 4- ص 280.
    وقد طرحت نظرية التطابق الماهوي عند متأخري الفلاسفة وأما الأقدمون فلا يوجد في كلامهم تفسير العلم بحضور الماهية لا في كلام الفارابي ولا في كلام ابن سينا، وإنما حاولوا تفسير كلامهم بما يوافق رأيهم وقد نازعهم غيرهم.
    ثانيا: العلم هو: حصول صورة الشيء في الذهن أو الصورة الحاصلة من الشيء في الذهن، فلا يوجد حضور لنفس الماهية لأن ما في الخارج لا يأتي للذهن بنفسه، فدور العقل كدور كاميرات التصوير التي لا تحضر الشخص في العقل وإنما تلتقط له صورة في العقل، وهو اختيار جمهور النظار.
    ولا نعني بالصورة هو الأشكال ذات الأبعاد الثلاثية بل نعني المعنى المطابق لما في الخارج أي الذي له بإزاء في الخارج.
    فإن أمكن تفسير نظرية متأخري الفلاسفة بهذا المعنى وهو أن ما في الخارج عين وأن ما في الذهن صورة ومفهوم عقلي بينهما تطابق فلا ينبغي أن يكون هنالك خلاف حقيقي.
    ثالثا: العلم هو: نوع إضافة وتعلق بين العالم والمعلوم. فلا يوجد شيء يحصل في الذهن لا ماهية الشيء ولا صورته بل هو نسبة بين النفس المدركة والشيء الخارجي.
    وهو قول الأشعري ومن تبعه من المتكلمين. وحاصله أنه لا يوجد شيء يقوم بالذهن ولهذا أنكروا الوجود الذهني وفسروا العلوم التي ندركها بأنها نسبة بين النفس المدركة والشيء الخارجي من غير أن يحضر شيء في أذهاننا لا صورة ولا ماهية.
    وقد ردوا عليهم بأن النفس تدرك الكليات وهي غير موجودة في الخارج فأين النسبة بين العالم والمعلوم في الخارج والكليات لا خارج لها، وكذاك يدرك الذهن المعدوم فأين النسبة بينهما؟!

  7. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  8. #18
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الخامس عشر- الواجب والممكن

    الموجود إما أن يكون واجب الوجود بذاته بحيث يستحيل عدمه وهو الله سبحانه وتعالى، وإما أن يكون يكون ممكنا بذاته بحيث لا يستحيل عدمه كالإنسان.
    وأما ما يستحيل وجوده لذاته فيسمى الممتنع كشريك البارئ.
    الواجب بغيره

    الممكن الوجود هو الذي تتساوى ذاته إلى الوجود والعدم، كالإنسان، ولكنه قد يقال عليه الواجب بغيره باعتبار أن الممكن وجبَ وجوده بخالقه وفاعله أي أن الممكن الموجود حال وجوده واجب الوجود لا بذاته ولكن بغيره؛ لأنه لو لم يجب وجوده بخالقه لما وجد أصلا، ولهذا يقولون: إن الشيء ما لم يجب لم يوجد.
    الإمكان الخاص والإمكان العام

    الإمكان الخاص هو: سلب الضرورة عن الطرفين معا أي لا يجب وجوده ولا يجب عدمه وهو ما تقدم.
    وأما الإمكان العام فهو: سلب الضرورة عن الطرف المخالف أي ما لا يستحيل وجوده فيشمل الخالق سبحانه وتعالى، والممكن الوجود.
    فحينما تتكلم مثلا مع ملحد تقول له: الله سبحانه وتعالى ممكن بالإمكان العام. أي لا توجد ضرورة في عدمه ثم تنتقل لإثبات وجوده ووجوبه بنفسه.
    قال الشيخ الإمام: وذلك أن لفظ الممكن فيه إجمال: قد يراد بالممكن ما ليس بممتنع فيكون الواجب بنفسه ممكنا.
    ويراد بالممكن ما ليس بموجود مع إمكان وجوده، فيكون ما وجد ليس بممكن بل واجب بغيره...
    ويراد بالممكن ما ليس له من نفسه وجود، بل يكون قابلا للعدم هو وكل جزء من أجزائه. درء التعارض- ج3-ص234
    الممتنع لذاته ولغيره

    الممتنع لذاته هو: ما يستحيل وجوده لذاته كشريك البارئ، وأما الممتنع لغيره فهو الممكن المعدوم كالغول، أي هو امتنع لا لذاتع بل لأن إرادة الخالق لم تتعلق بإيجاده فامتنع وجوده.
    فتحصل أن الموجود إما واجب لذاته أو لغيره، والمعدوم إما ممتنع لذاته أو لغيره، وأن الممكن هو ممكن بالنظر لذاته ولكنه إما واجب لغيره إن وجد وإما ممتنع لغيره إن لم يوجد.
    قال الشيخ الإمام: فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن وكان ممتنعًا بنفسه أو ممتنعًا لغيره، فما ثَمَّ إلا موجود واجب إما بنفسه وإما بغيره، أو معدوم إما لنفسه وإما لغيره، والممكن إن حصل مقتضيه التام: وجب بغيره، وإلا كان ممتنعًا لغيره، والممكن بنفسه: إما واجب لغيره، وإما ممتنع لغيره. الرسالة الأكملية- ص 15.

    الإمكان الذهني والإمكان الخارجي

    الإمكان الذهني هو: أن يقدّر إمكان الشي في الخارج لعدم علمه بما يمنع عقلا منه.
    والإمكان الخارجي هو: أن يعلم بإمكان الشيء في الخارج. وهذا يكون بطريقة من ثلاث طرق:
    الأولى: أن يعلم وجود الشيء في الخارج فيعرف إمكانه. ومنه استدلاله سبحانه على إمكان إحياء الموتى بوقوعه كما وقع لمن أماتهم ثم أحياهم كقوم موسى.
    الثانية: أن يعلم وجود نظيره. ومنه إحياء الطير لإبراهيم. فإحياء بني آدم نظير إحياء الطير.
    الثالثة: أن يعلم وجود ما هو أبعد عن الوجود منه فبالأولى يثبت إمكانه. ومنه استدلاله سبحانه على المعاد بخلق ما هو أكبر من ذلك من خلق السموات والأرض.
    قال الشيخ الإمام: وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الشَّيْءَ مُمْكِنٌ فَهَذَا يُعْنَى بِهِ شَيْئَانِ: يُعْنَى بِهِ الْإِمْكَانُ الذِّهْنِيُّ، وَالْإِمْكَانُ الْخَارِجِيُّ.
    فَالْإِمْكَانُ الذِّهْنِيُّ هُوَ: عَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ. وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ إِلَّا عَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ غَيْرُ الْعِلْمِ بِالْإِمْكَانِ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْلَمِ امْتِنَاعَ شَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ مُمْكِنًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِعِلْمٍ بِإِمْكَانِهِ، وَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى إِمْكَانِ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ انْتِفَاءِ لُزُومِ كُلِّ مُحَالٍ، كَمَا يَفْعَلُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَالْآمِدِيِّ وَنَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ فِيمَا ذَكَرَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى.
    وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الْعِلْمُ بِإِمْكَانِ الشَّيْءِ فِي الْخَارِجِ، فَهَذَا يُعْلَمُ بِأَنْ يُعْلَمَ وُجُودُهُ، أَوْ وُجُودُ نَظِيرِهِ، أَوْ وُجُودُ مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ حَمْلُ الْبَعِيرِ لِلْقِنْطَارِ مُمْكِنًا كَانَ حَمْلُهُ لِتِسْعِينَ رِطْلًا أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ، وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُبَيِّنُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ إِمْكَانَ مَا يُرِيدُ بَيَانَ إِمْكَانِهِ كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَالْمَعَادِ، فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ تَارَةً بِبَيَانِ وُقُوعِهِ، كَمَا أَخْبَرَ أَنَّ قَوْمَ مُوسَى قَالُوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] . .
    {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الذاريات: 44] ، ثُمَّ بَعَثَهُمُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
    وَكَمَا أَخْبَرَ عَنِ الْمَقْتُولِ الَّذِي ضَرَبُوهُ بِالْبَقَرَةِ فَأَحْيَاهُ الله... وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَيْثُ قَالَ:
    {. . . رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260] .
    وَاسْتَدَلَّ سُبْحَانَهُ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ النَّشْأَةُ الْأُولَى، وَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَقَوْلِهِ: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ}. الجواب الصحيح- ج6- ص 404- 405-406-407.

  9. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  10. #19
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس السادس عشر- القديم والحادث

    الموجود إما قديم وإما حادث، فالقديم: هو غير المسبوق بعدم، والحادث هو المسبوق بعدم.
    وهنا مسألة مهمة للغاية وهي: ما هي العلاقة بين الممكن والحادث، وبين الواجب والقديم ؟
    الذي يقوله المسلمون بل أهل الملل جميعا أن كل ممكن فهو حادث وكل حادث فهو ممكن فهما مختلفان مفهوما متحدان مصداقا فتكون النسبة هي التساوي.
    وكذا كل قديم فهو واجب الوجود، وكل واجب الوجود فهو قديم فهما مختلفان مفهوما متحدان مصداقا فتكون النسبة بينهما هي التساوي أيضا.
    فكل ما عدا الله فهو حادث وممكن، وأما الله سبحانه فهو وحده الواجب الوجود لذاته القديم الأزلي الذي ليس لوجوده ابتداء.
    وأما الفلاسفة أرسطو وأتباعه فقد قالوا أن كل ممكن فهو حادث، ولكنهم قالوا بقدم الأفلاك ومع قولهم بقدمها لم يجعلوها ممكنة محتاجة إلى فاعل مبدع، وإنما جعلوها تتحرك وتدور للتشبّه بالأول.
    وأما ابن سينا ومن وافقه فقد جعلوا النسبة بين الممكن والحادث هي العموم والخصوص المطلق يجتمعان في الإنسان ونحوه من الحوادث، وينفرد الممكن في الأفلاك فهي قديمة ولكنها ممكنة تحتاج في وجودها إلى فاعل، ولكنه لا يتقدمها زمانا وشبهوا ذلك بالإصبع إذا تحرك فتحرك معه الخاتم، فحركة الخاتم معلولة للإصبع ولكن مع التقارن في الزمان.
    وكذا النسبة بين واجب الوجود والقديم هي العموم والخصوص المطلق يجتمعان في الباري وينفرد القديم في الأفلاك.
    فأرسطو وأتباعه لم يقسموا الوجود إلى واجب وممكن، فالأفلاك كلها قديمة وكلها مستغنية في ابتداء وجودها عن الصانع وإنما تتحرك بإرادتها- فالأفلاك عندهم مريدة حيّة!- للتشبه بالأول.
    وأما ابن سينا فقد أراد أن يجمع بين قول المسلمين كل ما عدا الله فهو مخلوق، وبين قول الفلاسفة بقدم العالم فادعى أن الأفلاك مع قدمها فهي ممكنة الوجود تحتاج إلى فاعل لا يتقدمها زمانا مخالفا سائر العقلاء.
    وأما قول قدماء الفلاسفة قبل أرسطو فهم لا يقولون بقدم الأفلاك بل هي عندهم محدثة على ما نقل عنهم.
    قال الشيخ الإمام: وهذا مما عليه جماهير العقلاء من جميع الأمم حتى أرسطو واتباعه فإنهم وإن قالوا بقدم العالم فهم لم يثبتوا له مبدعا ولا علة فاعلة بل علة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها لأن حركة الفلك إرادية.
    وهذا القول وهو "أن الأول ليس مبدعا للعالم وإنما هو علة غائية للتشبه به" وان كان في غاية الجهل والكفر فالمقصود أنهم وافقوا سائر العقلاء في أن الممكن المعلول لا يكون قديما بقدم علته كما يقول ذلك ابن سينا وموافقوه.
    ولهذا أنكر هذا القول ابن رشد وأمثاله من الفلاسفة الذين اتبعوا طريقة أرسطو وسائر العقلاء في ذلك وبينوا أن ما ذكره ابن سينا مما خالف به سلفه وجماهير العقلاء وكان قصده أن يركب مذهبا من مذهب المتكلمين ومذهب سلفه فيجعل الموجود الممكن "معلول الواجب" مفعولا له مع كونه أزليا قديما بقدمه واتبعه على إمكان ذلك أتباعه في ذلك كالسهروردي الحلبي والرازي والآمدي والطوسي وغيرهم.
    وزعمُ الرازي ما ذكره في محصله أن القول بكون الممكن المفعول المعلول يكون قديما للموجب بالذات ( أي الفاعل بلا إرادة كالنار في صدور الحرق منها ) مما اتفق عليه الفلاسفة والمتكلمون لكن المتكلمون يقولون بالحدوث لكون الفاعل عندهم فاعلا بالاختيار.
    وهذا غلط على الطائفتين بل لم يقل ذلك أحد لا من المتكلمين ولا من الفلاسفة المتقدمين الذين نقلت إلينا أقوالهم كأرسطو وأمثاله وإنما قاله ابن سينا وأمثاله. الرد على المنطقيين- 147-148.
    وقال: وأما أرسطو وأتباعه فإنما في كلامهم إثبات العلة الأولى من حيث هي غاية وأن الفلك يتحرك للتشبه بها فأوجب وجودها من هذه الجهة لم يثبت وجودها من حيث إن الفلك معلول علة فاعلة كما فعله ابن سينا ومن سلك سبيله فإنه سلك سبيلا بعضها من أصول سلفه الفلاسفة وبعضها أخذه من أصول المعتزلة ونحوهم. الصفدية- 2- ص 159.
    وقال: فإن أكثر المشركين يقرون بأن العالم محدث وأن الله يفعل بمشيئته وقدرته، وكذلك الصابئة الحنفاء على هذا القول وهو قول أساطين الفلاسفة القدماء الذين كانوا قبل أرسطو طاليس وإنما ظهر القول بقدم العالم من الفلاسفة المشهورين من جهة أرسطو وأتباعه وهو المعلم الأول الذي وضع التعاليم التي يقرونها من المنطق والطبيعي والإلهي وظهر القول بقدم العالم من الفلاسفة من هذه الجهة. الصفدية- ج1- ص236-237.
    علة احتياج الممكن إلى الصانع

    اختلف أهل النظر في سبب احتياج الممكن للصانع، فقال ابن سينا وموافقوه: إن العلة هي الإمكان فلأجل كون الشي ممكنا يستوى لذاته الوجود والعدم احتاج للعلة لتخرجه من العدم إلى الوجود.
    وذلك لأجل أن يثبتوا أن الأفلاك مع كونها قديمة غير محدثة فإنها ممكنة تحتاج إلى الصانع.
    وقال المتكلمون: بل العلة هي الحدوث فلأجل كون الشيء حادثا بعد أن لم يكن احتاج للعلة لتخرجه من العدم للوجود.
    وقال بعضهم: الإمكان والحدوث معا.
    واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: أن العلة هي الفقر الذاتي فكل ما عداه سبحانه فهو فقير فقرا نابعا من ذاته ثابت له لا لعلة اقتضته، وأما الإمكان والحدوث فهي علامات وأدلة الحدوث.
    قال رحمه الله: فان المتأخرين من النظار تكلموا في علة الافتقار إلى المؤثر وان شئت قلت إلى الصانع هل هو الإمكان أو الحدوث أو مجموعهما ؟
    فالأول: قول المتفلسفة المتأخرين ومن وافقهم كالرازي ومقصودهم بذلك أن مجرد الإمكان بدون الحدوث يوجب الافتقار إلى الصانع فيمكن كون الممكن قديما لا محدثا مع كونه مفتقرا إلى المؤثر وهذا القول مما اتفق جماهير العقلاء من الأولين والآخرين على فساده حتى أرسطو وقدماء الفلاسفة ومن اتبعه من متأخريهم كابن رشد الحفيد وغيره كلهم يقولون أن ما أمكن وجوده وأمكن عدمه لا يكون إلا محدثا، وإنما قال هذا القول ابن سينا وأمثاله واتبعهم الرازي وأمثاله وهؤلاء يجعلون الشيء الممكن مفتقرا إلى الفاعل في حال بقائه فقط فانه لم يكن له حال حدوث ولهذا لما جعلوا مثل هذا ممكنا اضطرب كلامهم في الممكن وورد عليهم إشكالات لا جواب لهم عنها كما ذكر ( أي الرازي ) في كتبه كلها الكبار والصغار كالأربعين ونهاية العقول والمطالب العالية والمحصل وغيرها وقد بسطناه في غير هذا الموضع.
    والقول الثاني: أن علة الافتقار مجرد الحدوث وأن المحدث يفتقر إلى الفاعل حال حدوثه لا حال بقائه وهذا قول طائفة من أهل الكلام المعتزلة وغيرهم وهذا أيضا قول فاسد.
    والقول الثالث: أن علة الافتقار هي الإمكان والحدوث. ولم يجعل أحدهما شرطا في الآخر، وقد يجعل أحد الشطرين. ( فيقولون: العلة هي الإمكان بشرط الحدوث ) وقد بينا في غير هذا الموضع أن كل واحد من الحدوث والإمكان دليل على الافتقار إلى الصانع وإن كانا متلازمين فإذا علمنا أن هذا محدث علمنا أنه مفتقر إلى من يحدثه وإذا علمنا أن هذا ممكن وجوده وممكن عدمه علمنا أنه لا يرجح وجوده على عدمه إلا بفاعل يجعله موجودا.
    وكونه مفتقرا إلى الفاعل هو من لوازم حقيقته لا يحتاج أن يعلل بعلة جعلته مفتقرا بل الفقر لازم لذاته فكل ما سوى الله فقير إليه دائما لا يستغني عنه طرفة عين وهذا من معاني اسمه الصمد فالصمد الذي يحتاج إليه كل شيء وهو مستغن عن كل شيء وكما أن غنى الرب ثبت له لنفسه لا لعلة جعلته غنيا فكذلك فقر المخلوقات وحاجتها إليه ثبت لذواتها لا لعلة جعلتها مفتقرة إليه.
    فمن قال علة الافتقار إلى الفاعل هي الحدوث أو الإمكان أو مجموعهما إن أراد أن هذه المعاني جعلت الذات فقيرة لم يصح شيء من ذلك وإن أراد أن هذه المعاني يعلم بها فقر الذات فهو حق فكل منهما مستلزم لفقر الذات وهي مفتقرة إليه حال حدوثها وحال بقائها لا يمكن استغناؤها عنه لا في هذه الحال ولا في هذه الحال.
    وأما تقدير ممكن يقبل أن يكون موجودا ويقبل أن يكون معدوما مع أنه واجب الوجود لغيره أزلا وأبدا فهذا جمع بين المتناقضين فإن ما يجب وجوده أزلا وأبدا لا يقبل العدم أصلا. الرد على المنطقيين- ص 345-346.

  11. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  12. #20
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس السابع عشر- السبق واللحوق

    حينما يقال هذا الشي متقدم على ذلك الشيء، أو هذا سابق على ذاك فنعني اشتراك شيئين في أمر معين بحيث يكون لأحدهما امتياز بالأولية على الآخر بلحاظ نفس هذا الأمر.
    فهذا التقدم والتأخر والسبق واللحوق عند الفلاسفة على أنحاء:
    1- السبق واللحوق الزماني، كتقدم الأمس على اليوم، والقرن التاسع عشر على القرن العشـرين، وكتقدم آدم على نوح عليهما السلام.
    2- السبق بالرتبة بالنسبة لمبدأ معين ومحدد.
    مثال ذلك: إذا نسبنا الإمام والمأموم إلى مبدأ معين هو المحراب فنجد أن الإمام أقرب وأسبق إلى المحراب من المأموم، ولكنا إذا قسناهما إلى مبدء آخر هو الباب -لو كان يقع في الجهة المعاكسة لمحراب المسجد- فنقول: المأموم أقرب وأسبق إلى الباب من الإمام.
    مثال آخر: سلسلة الأجناس وهي: جوهر- جسم مطلق- جسم نام- جسم نام حساس متحرك بالإرادة- إنسان، فهذه السلسلة إذا نظرنا إليها من جهة جنس الأجناس فيكون الجوهر متقدما على الجسم المطلق، والجسم المطلق متقدما على الجسم النامي وهكذا، ولو نظرنا إليها من جهة نوع الأنواع فالإنسان متقدم على الجسم النام الحساس المتحرك بالإرادة، وهكذا الذي يليه.
    فالسبق بالترتيب يعني وجود شيئين يقاسان على شيء ثالث وهو يشمل الترتيب المكاني والترتيب العقلي كما في المثالين.
    3- السبق بالشرف وهو السبق في الصفات الكمالية، كتقدم العالم على الجاهل، والشجاع على الجبان، والكريم على البخيل، ونحو: زيد أفقه من عمرو، وأبو بكر أفضل من عمر.
    4- السبق بالطبع بحيث يمكن أن يوجد المتقدم ولا يوجد المتأخر ولكنه لا يمكن أن يوجد المتأخر بدون وجود المتقدم، كتقدم الشرط على المشروط فيمكن أن يوجد ولا يوجد المشروط ولكن لا يمكن أن يوجد المشروط بدون الشـرط.
    ومنه تقدم الواحد على الاثنين فإن الواحد يوجد بدون الاثنين، ولا يمكن أن يوجد الاثنين بدون الواحد، وكتقدم التصور على التصديق، وكتقدم الجزء على الكل وكتقدم الطهارة على الصلاة.
    5- السبق بالعلية وهو يكون بتقدم العلة على معلولها؛ لأن المعلول لا يجب وجوده إلا إذا وجدت علته التامة، وقد مثلوا لذلك بتقدم حركة اليد على حركة الخاتم، أو كتقدم حركة اليد على حركة المفتاح، فلو كان زيد يمسك مفتاحا يريد أن يفتح به الباب فحركة المفتاح معلولة لحركة يد زيد فحرك زيد يده أولا ثم تحرك المفتاح ولا يوجد هنا تقدم بالزمن بل هو تقدم بالذات.
    ويسمى هذا النوع بالتقدم بالذات أيضا.
    وقد ذكر بعضهم أنواعا أخر للتقدم، ويمكن الزيادة عليها أيضا فإنها استقرائية وليست عقلية.
    هذا تقرير ما قالوه وفي بعضه نظر.
    الرد المختصر للإمام

    قال الشيخ الإمام: وما يذكرونه من أن التقدم والتأخر يكون بالذات والعلة كحركة الإصبع، ويكون بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين، ويكون بالمكانة كتقدم العالم على الجاهل، ويكون بالمكان ( ويقال له بالرتبة أيضا ) كتقدم الصف الأول على الثاني وتقدم مقدم المسجد على مؤخره، ويكون بالزمان كلام مستدرك؛ فإن التقدم والتأخر المعروف هو التقدم والتأخر بالزمان فإن قبل وبعد ومع ونحو ذلك معانيها لازمة للتقدم والتأخر الزماني ( هذا بالنسبة لقبل وبعد، وأما بالنسبة لمع فهي تقتضي المقارنة الزمانية، والمقارنة قسيمة للتقدم والتأخر الزمانيين كما بينه الإمام في موضع آخر )
    وأما التقدم بالعليّة أو الذات مع المقارنة في الزمان فهذا لا يعقل ألبتة ولا له مثال مطابق في الوجود بل هو مجرد تخيل لا حقيقة له ( وما ذكروه من الأمثلة يرجع إلى تقدم الشرط على المشروط )
    وأما تقدم الواحد على الاثنين فإن عني به الواحد المطلق ( أي المفهوم الرياضي المجرد عن المواد ) فهذا لا وجود له في الخارج ولكن في الذهن، والذهن يتصور الواحد المطلق قبل الاثنين المطلق فيكون متقدما في التصور تقدما زمانيا.
    وإن لم يعن به هذا فلا تقدم بل الواحد شرط في الاثنين مع كون الشرط لا يتأخر عن المشروط بل قد يقارنه وقد يكون معه ( الصواب قبله ) فليس هنا تقدم واجب غير التقدم الزماني.
    وأما التقدم بالمكان فذاك نوع آخر وأصله من التقدم بالزمان فإن مُقَدَّم المسجد تكون فيه الأفعال المتقدمة بالزمان على مؤخره؛ فالإمام يتقدم فعله بالزمان على فعل المأموم فسمي محل الفعل المتقدم متقدما ( الصواب مقدما ) وأصله هذا.
    وكذلك التقدم بالرتبة فإن أهل الفضائل مقدمون في الأفعال الشريفة والأماكن وغير ذلك على من هو دونهم فسمي ذلك تقدما وأصله هذا. منهاج السنة النبوية- ج1- ص 170- 171-172.
    قال: والمثال الذي يذكرونه من قولهم: حركت يدي فتحرك خاتمي، أو كُمِّي، أو المفتاح ونحو ذلك، حجة عليهم لا لهم؛ فإنَّ حركة اليد ليست هي العلة التامة ولا الفاعل لحركة الخاتم بل الخاتم مع الإصبع كالإصبع مع الكف فالخاتم متصل بالإصبع والإصبع متصلة بالكف لكن الخاتم يمكن نزعها بلا ألم بخلاف الإصبع وقد يعرض بين الإصبع والخاتم خلو يسير بخلاف أبعاض الكف.
    ولكن حركة الإصبع شرط في حركة الخاتم كما أن حركة الكف شرط في حركة الإصبع أعني في الحركة المعينة التي مبدؤها من اليد بخلاف الحركة التي تكون للخاتم أو للإصبع إبتداء فإن هذه متصلة منها إلى الكف كمن يجر إصبع غيره فيجر معه كفه. منهاج السنة-ج1-ص170.
    وخلاصته أن التقدم بالعلة والتقدم بالطبع ممنوعان، وحيث قدر حصول تقدم فهو تقدم زماني لا غير.

  13. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  14. #21
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الثامن عشر- رد ابن تيمية المفصل على أقسام التقدم

    قال رحمه الله: وذلك أن هؤلاء ( المتفلسفة ) قالوا: التقدم والتأخر خمسة أنواع: الأول: التقدم بالعلية كتقدُّم السـراج على ضوء السراج، وتقدم الشمس على شعاعها؛ فإن العقل يدرك تقدم وجود السراج على ضوء السـراج وإن امتنع تأخُّر أحدهما عن الآخر في الزمان. الثاني: التقدم بالطبع وهو تقدم الشرط على المشروط مثل تقدم الواحد على الاثنين، والفرق بينه وبين ما قبله بعد اشتراكهما فالمتأخر ( لعله في أن المتأخر ) لا يوجد إلا بعد وجود المتقدم إذْ العلة ( لعله أنَّ العلة ) تستلزم وجود المعلول، والشرط لا يستلزم وجود المشروط ( خلاصته أن تقدم الطبع لا يكون فيه المتقدم علة تامة للمتأخر بخلاف التقدم بالعلية ). الثالث: التقدم بالشرف والرتبة كتقديم ( أو تقدّم ) العالم والقادر على الجاهل والعاجز.الرابع التقدم بالمكان ( ويقال له تقدم بالرتبة ) كتقدم الإمام على المأموم.وخامسها التقدم بالزمان كتقدم الشيخ على الشاب.
    ... وبيان ذلك أن يقال: لا ريب أنه يقال: إن التقدم والتأخر والمقارنة من الأمور التي فيها إضافة، كما يقال: هذا إما أن يكون متقدمًا على هذا أو متأخرًا عنه أو مقارنًا له... والتقدم والتأخر قسيمان للمقارنة التي يعبر عنها بلفظ مع فيقال هو متقدم عليه أو متأخر عنه أو هو معه وإذا كان كذلك فالتقدم والتأخر والمقارنة في الأصل إنما هي بالزمان والمكان...
    فأما التقدم والتأخر بالمكان كقول سمرة بن جندب: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا. رواه الترمذي. وكقول أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه الذي في الصحيحين لما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم... ثم التقدم بالرتبة والشرف هو من هذا فإن المكانة والرتبة مأخوذة من المكان لأن صاحب الرتبة المتقدمة يكون متقدمًا في المكان والمكانة على صاحب الرتبة المتأخرة كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. والتقدم بالرتبة كالعلو بالرتبة والدرجة والمكانة، وأصله من المكان...والنوع الثاني: التقدم والسبق والأولية بالزمان كقوله سبحانه وتعالى: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس 39] وقوله: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف 11] وقول إبراهيم عليه السلام: أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ {75} أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ {76} فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ {77} .... وأما ما ذكروه من التقدم بالعلية والشرط فهذا قد نُوزِعوا فيه وقيل لهم: يمتنع في المقارنة الزمانية أن يكون أحدهما متقدمًا على الآخر بوجه من الوجوه؛ فإن التقدم إذا كان من عوارض الزمان وهو ضد المقارنة، واجتماع ( لعله فاجتماع ) التقدم والتأخر مع المقارنة في شيئين لأعيانهما جمع بين الضدين، فكما أنه يمتنع أن يكون أمامه ويكون معه في ظروف المكان والمكانة وموانعهما ( لعله وتوابعهما ) فإنه يمتنع أن يكون قبله ويكون معه في ظرف الزمان وتوابعه... وأما المتقدم ( أو التقدم ) بالشرط كما مثلوه من تقدم الواحد على الاثنين فإن الواحد ليس له وجود خارجي محدد ( لعله مجرد ) عن المواد بل ليس في الخارج من الوحدان إلا ما له حقيقة تتميز بها، ولكن الإنسان يتصور في ذهنه الواحد قبل الاثنين ويتكلم بلفظ الواحد قبل الاثنين وهذا ترتيب زماني محسوس، ثم إذا قُدِّر اجتماع تصوره للواحد والاثنين أو اجتماع نطقه بهما فهو كاجتماع أعيانهما في الخارج كما لو اجتمع درهم ودرهمان وثلاثة دراهم ونحو ذلك فليس هناك ترتيب أصلا وليس الدرهم متقدما على الدرهمين ولا الدرهمان متقدمين على الثلاثة.وقول القائل: لا توجد الدرهمان إلا بوجود الدرهم، أو لا يوجد الاثنان إلا بوجود الواحد. يقال له: أما الدرهمان الموجودان في الخارج فهما مستغنيان في وجودهما عن الدرهم المنفرد عنهما لا يشترط وجودُهما وجودَه بحال؛ ولكن هما متوقفان على وجود أنفسهما، كتوقف الدرهم الواحد على وجود نفسه، فليس بأن يجعل تقدمه عليهما- لكون الاثنين واحدًا وواحدًا- بأولى من أن يجعل متقدمًا على نفسه لأن الواحد واحد وكل هذا غلط ( يقصد أن الشيء متوقف على نفسه بالضرورة، فإذا كان الواحد متقدما على الاثنين لكون الاثنين واحدا وواحدا، فليجعل الواحد متقدما على نفسه أيضا لأن الواحد واحد بالضرورة القائلة الشيء يثبت لنفسه )... فتوقُّف الاثنين على الواحد وتوقف الثلاثة على الاثنين هو توقف الجملة على بعض أفرادها وهو كتوقف الشيء على نفسه كتوقف الاثنين على الاثنين والثلاثة على الثلاثة وإذا لم تكن الجملة إلا هذه الأفراد وهذا التأليف لم يكن المتوقف غير المتوقف عليه ولم يكن هناك شيء متقدمًا على شيء بوجه من الوجوه في الخارج إلا إذا وجد أحدهما قبل الآخر فيكون الترتيب زمانيًّا وهو حق، ولكن الذهن قد يدرك المفرد قبل الجملة والبسيط قبل المركب والواحد قبل العدد وننطق بذلك فيكون الترتيب في علمنا ونطقنا لا في الحقيقة نفسها فهذا هو التقدم بالشرط الذي يجعلونه في الأعداد والمقادير والمركبات ونحو ذلك ( خلاصته أن التقدم إنما في الذهن بأن يدرك هذا قبل هذا أو في النطق حينما نرتب الأعداد لا في الواقع العيني الخارجي)وكذلك هو في الصفات والكيفيات فإنه إذا قيل العلم والقدرة مشروطة بالحياة، والشرط متقدم على المشروط، فليس في الموصوف ترتيب بحال بل الحياة والعلم والقدرة موجودة معًا بكل وجه، لكن العلم يستلزم وجود الحياة فلا يوجد إلا معها، لا أنه لا يوجد إلا بعدها، وإذا لم يوجد إلا معها- سواء كانت قبله أو لم تكن- لم يقتض ذلك أنه يجب تأخره عنها، بل إذا قارنها فهو مقارن لها، وإذا قدر حياة لا علم لها ثم حصل معها علم فهنا هو متأخر عنها في الزمان أيضًا، ونحن لا ننازع في أن الصفات يعرض لها الترتيب الزمني كما يعرض الأعداد كما تقدم ولكن ليس هذا بواجب ومتى انتفى هذا الترتيب لم تكن مرتبة أصلا بل تكون متقارنة. وأما الترتيب في علم الإنسان بالصفات فهذا لا ينضبط فقد يعلم الإنسان العلم ويستدل به على الحياة، وقد يعلم الحياة ويستدل بها على العلم، وحيث وجد ذلك الترتيب فهو ترتيب زماني وهو ترتيب في العلم بها والتعبير عنها لا في ذاتها. وأما ما ذكروه من التقدم بالعلية فيقال لهم: ليس هذا أيضًا حقيقة، وليس في المخلوق شيء واحد هو علة تامة لشيء أصلا لكن مشيئة الله تعالى مستلزمة لمراده بها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وما سوى ذلك من الأسباب الموجودة فليس شيء منها بمفرده علة تامة لشيء ولكن يكون سببًا والسبب بمنزلة الشرط الذي إذا ضم إليه غيره من الأسباب صار المجموع علة، ولكن ذلك المجموع لا يكون إلا بمشيئة الله لا يكون المجموع بعلة غير مشيئة الله قط، فإذًا وصف العلية التامة لا تقوم بشيء من المخلوقات، وإذا لم يكن شيء من المخلوقات علة تامة امتنع بطريق الأولى أن يكون متقدمًا بالعلية لكن يكون سببًا وهو كالشرط والشرط لا يجب تقدمه على المشروط بل قد يقارنه وقد يسبقه كما تقدم وإذا قارنه فليس هو متقدمًا عليه بوجه من الوجوه، فكذلك ما يسمونه علة إنما هو في الحقيقة شرط وسبب ويكون متقدمًا عليه وإذا كان مقارنًا لم يكن متقدمًا فلا يجتمع الضدان ( فلا حجة لكم فيما قلتم أنه متقدم عليه بالذات مع كونه مقارنا له بالزمن )وذلك يظهر فيما يذكرونه من الأمثلة وأشهرها الشمس مع الشعاع،والشعاع عندهم إما أن يراد به ما يقوم بذات الشمس من الضوء، أو ما يقوم بالأجسام المقابلة للشمس وهو المسمى بالشعاع عندهم وهو شعاع منعكس. فإذا أريد به الضوء القائم بذات الشمس فذاك صفة من صفاتها ليست متقدمة عليه بوجه من الوجوه... وإن أرادوا بالشعاع الضوء الموجود في الأجسام المقابلة للشمس من الجدران والأرض والهواء وغير ذلك فيقال هذا الشعاع لم يحدث لمجرد الشمس وليست الشمس وحدها علة مولدة له بل لابد فيه من شيئين أحدهما الشمس والثاني جسم آخر يقابل الشمس لينعكس الشعاع عليه، وإذا لم تكن الشمس علة تامة لم يـحصل المقصود بل هي جزء العلة وهي سبب وشرط فإن الشعاع يتوقف على الشمس المستنيرة وعلى المحل الذي ينعكس عليه الشعاع وإذا كان كذلك كان توقفه على هذين توقف المشروط على شرطه فإنهم فرقوا بين التقدم بالعلة والتقدم بالطبع والشرط بأن المتقدم بالعلة يستلزم وجود المتأخر بخلاف المتقدم بالشرط وقد تقدم قولنا إنه ليس في المخلوقات شيء منفرد يستلزم وجود شيء متأخر عنه لكن مشيئته مستلزمة لمرادها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقد ظهر في الشعاع الذي ضربوه مثلا أن نفس الشمس وحدها لو قُدِّر وجودها بدون ما يقابلها لم يكن للشعاع وجود ولكن وجوده بشرط الشمس وشرط ما يقابلها فيكونان شرطين وإذا كان كل منهما شرطًا فالشرط قد يتقدم على المشروط وقد لا يتقدم عليه فلا ريب أن الجدار والأرض والهواء موجود قبل الشعاع وكذلك الشمس موجودة قبل هذا الشعاع وذلك تقدم بالزمان لكن إذا حصلت حصل الشعاع وتولد عن اجتماع هذين الأصلين له كتولُّد غيره من المتولدات عن أصلين وكل منهما متقدم عليه ومتى ظهر هذا في شعاع الشمس ظهر أنه في شعاع السراج وغيره من النيرات؛ إذ النار يكون لها شعاع كما يكون للشمس شعاع فهذا ما يمثلون به من المرئيات... وكذلك القول في مثالهم الآخر وهو تولد الحركة عن الحركة كقول القائل حركت يدي فتحرك خاتمي أو كمي فإنه من هذا الباب ليس مجرد حركة اليد علة تامة لحركة الخاتم أو الكم بل نفس وجود محل الحركة الذي هو الخاتم والكم هو شرط أو سبب في وجود الحركة فالحركة تتوقف على المحل الذي يقوم به كما تتوقف على السبب الذي يطلبها وإذا كانت هذه الحركة تتوقف على أمرين فصاعدًا فالقولُ في وجود هذه الحركة مع حركة اليد كالقول في الحركة والصوت إما أن يقال هما متقارنان في الزمان فلا يكون أحدهما علة للآخر وإن كان شرطًا مقارنًا له،وإما أن يكونا متعاقبين فيكونان متعاقبين في الزمان وإن كان سريعًا فحركة الخاتم لليد كحركة بعض اليد مع بعض مثل حركة الأصابع مع الكف أو حركة الظفر مع الأنملة. وأما قولهم العقل يدرك هذا قبل هذا قيل لهم العقل يدرك الأمور على ما هي عليه وإلا كان ذلك جهلا لا عقلا؛فإن كان ذلك الشيء في نفسه مرتبًا فأدركه العقل مرتبًا وإلا كان إدراكه جهلا ومتى كان المدرَك مرتبًا بحيث يكون بعضه قبل بعض فهذا هو الترتيب الزماني والتقدم الزماني ويمتنع مع وجود هذا الترتيب الخارجي أن يكون زمانهما واحدًا ويمتنع مع كونهما غير متميزين في الزمان أن يكونا متميزين فالجمع بين الضدين ممتنع إما ترتيب وتقدم وتأخر وإما مقارنة ليس فيها تقدم وتأخر وإذا تبين ذلك ظهر أنه ليس فيما يعلمه الإنسان شيء متقدم على غيره بالعلية أو الشرط مع مقارنته له بالزمان بل المتقدم سواء سُمّي شرطًا أو علة أو غير ذلك إن كان مقارنًا في الزمان غير متقدم فيه فليس متقدمًا بحال وإذا كان متقدمًا فيه وهو متقدم في الزمان فهو متقدم غير مقارن. بيان التأسيس- ج5-ص 188 إلى 209. فلتكرر القراءة والنظر فإن مراد الإمام واضح.

  15. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  16. #22
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس التاسع عشر- الجوهر والعرض

    الجوهر هو: ماهية إذا وجدت في الخارج وجدت لا في موضوع. كالكتاب يوجد في الخارج مستقلا أي قائما بنفسه.
    والعرض هو: ماهية إذا وجدت في الخارج وجدت في موضوع. كاللون الذي يوجد في الكتاب لا يقوم بنفسه.
    وهنا مسألة وهي: هل الجوهر والعرض من الأقسام الأولية للموجود بما هو موجود فنقول: الموجود إما أن يكون جوهرا أو عرضا، أو هو من الأقسام الثانوية فنقول: الموجود إما أن يكون واجبا أو ممكنا، ثم الممكن إما أن يكون جوهرا أو عرضا.
    المشهور هو القول الثاني وأن الله سبحانه لا يتصف بكونه جوهرا أو عرضا لأن هذين القسمين هما للماهية الممكنة.
    ولكن ذكر أرسطو وأتباعه أن الموجود بما هو موجود ينقسم إلى جوهر وعرض.
    قال الشيخ الإمام: فَإِنَّهُمْ قَالُوا ( أي الفلاسفة ): لَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ؛ لِأَنَّهُ أَيُّ أَمْرٍ نَظَرْنَاهُ وَجَدْنَاهُ إِمَّا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُفْتَقِرٍ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ الْجَوْهَرُ، وَإِمَّا مُفْتَقِرٌ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ، لَا قِوَامَ لَهُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ " الْعَرَضُ " قَالُوا: " وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِهَذَيْنَ قِسْمٌ ثَالِثٌ ".
    وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ هُوَ تَقْسِيمُ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ، وَهُوَ يُسَمِّي الْمَبْدَأَ الْأَوَّلَ جَوْهَرًا وَهَذَا تَقْسِيمُ سَائِرِ النُّظَّارِ. لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُدْخِلُونَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي مُسَمَّى الْجَوْهَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُدْخِلُهُ فِيهِ، وَبَعْضُ النِّزَاعِ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ. الجواب الصحيح- ج5-ص 44.
    أقسام الجوهر

    قسم بعض الفلاسفة الجوهر إلى خمسة أقسام هي: العقل والنفس والمادة والصورة والجسم.
    فالعقل عندهم هو: جوهر مجرد عن المادة ذاتا وفعلا.
    والنفس عندهم هي: جوهر مجرد عن المادة ذاتا لا فعلا.
    ولا يقصدون بالعقل هو عقل الإنسان وإنما شيء وراء ذلك، وذلك أنهم يقسمون الموجود إلى مادي ومجرد، فالمادي هو الذي له مادة يتكون منها من عظم ولحم أو معدن أو أي شيء يضم عنصرا من العناصر الطبيعية، وأما المجرد فهو شيء روحاني لا جسم له ولا مادة لا يقع تحت الحس، فهذا العقل له وجود مجرد عن المادة وهو كائن عظيم عاقل مدرك للمبدأ الأول- الله سبحانه- ومدرك لنفسه جامع للكمال وهو يفعل بلا حاجة إلى جسم وأعضاء وهذا معنى أنه مجرد ذاتا وفعلا، بخلاف النفس فإنها مجردة في ذاتها عن المادة ولكنها تحتاج للبدن لتعمل كالنفس الإنسانية التي تدبر البدن.
    فالعقل الأول- وهو الصادر الأول عن الله عندهم وبعض المصنفين يروون فيه حديثا موضوعا أول ما خلق الله العقل- في العالم صدر عنه ثلاثة أشياء: عقل ثان مثل العقل الأول في تجرده، وفلك أول، ونفس متعلقة بالفلك تدبر أمره.
    والفلك هو: جسم كروي متحرك بذاته ذو نفس.
    وهذا الفلك يسمونه الفلك الأعظم أو الفلك المحيط أو السماء الأولى.
    وهذا الجسم الكروي مجوف من الداخل ويوجد داخله فلك والفلك داخله فلك وهكذا فالعالم كله بما فيه داخل كرة كحلقات البصلة.
    فتحصل أن المبدأ الأول صدر عنه شيء واحد هو العقل الأول، ثم العقل الأول هذا صدر عنه ثلاثة أشياء: العقل الثاني، والفلك المحيط، والنفس المدبرة له.
    ثم العقل الثاني صدر عنه عقل ثالث وفلك ثان ونفس متعلقة بالفلك، ويسمى هذا الفلك بفلك الثوابت.
    ثم العقل الثالث صدر عنه عقل رابع وفلك ثالث ونفس متعلقة به، ويسمى هذا الفلك فلك زحل.
    ثم العقل الرابع صدر عنه عقل خامس وفلك رابع ونفس متعلقة به، ويسمى هذا الفلك فلك المشتري.
    ثم العقل الخامس صدر عنه عقل سادس وفلك خامس ونفس متعلقة به، ويسمى هذا الفلك فلك المريخ.
    ثم العقل السادس صدر عنه عقل سابع وفلك سادس ونفس متعلقة به، ويسمى هذا الفلك فلك الشمس.
    ثم العقل السابع صدر عنه عقل ثامن وفلك سابع ونفس متعلقة به، ويسمى هذا الفلك فلك الزهرة.
    ثم العقل الثامن صدر عنه عقل تاسع وفلك ثامن ونفس متعلقة به، ويسمى هذا الفلك فلك عطارد وفيه نجوم كثيرة.
    ثم العقل التاسع ويسمى العقل الفعال صدر عنه عقل عاشر وفلك تاسع ونفس متعلقة به، ويسمى هذا الفلك فلك القمر والفلك الأطلس.
    ثم تحت فلك القمر يوجد الهواء المحيط بالكرة الأرضية من جميع الجهات كإحاطة قشرة البيضة ببياضها والأرض في جوف الهواء كالمخ في بياضه.
    والعقل العاشر الذي هو آخر العقول هو الذي أبدع كل شيء في العالم السفلي عالم الأرض فهو المدبر لها وهو المعتني بشؤوننا - تعالى الله عما يقول الظالمون- والعقول العشرة والأفلاك التسعة ونفوسها التسعة كلها قديمة أزلية كالمبدأ الأول.
    فالأفلاك تسعة والكواكب سبعة والفلك الثامن فيه نجوم ثابتة كثيرة، والفلك التاسع أطلس لا نجوم فيه وهذه الأفلاك أجسام شفافة تضيء بما فيها وغير قابلة للخرق والنفوذ من خلالها.
    هذه هي النظرية المشهورة عن الفلاسفة حول العالم العلوي والسفلي
    وهي محض خرافة.
    قال الشيخ الإمام: والعرب كانوا مع شركهم وكفرهم يقولون: إن الملائكة مخلوقون، وكان من يقول منهم إن الملائكة بنات يقولون أيضا إنهم محدثون ويقولون إنه صاهر إلى الجن فولدت له الملائكة، وقولهم من جنس قول النصارى في أن المسيح ابن الله مع أن مريم أمه ولهذا قرن سبحانه بين هؤلاء وهؤلاء. وقول هؤلاء الفلاسفة شر من قول هؤلاء كلهم.
    فان الملائكة عند من آمن بالنبوات منهم هي العقول العشرة وتلك عندهم قديمة أزلية والعقل رب كل ما سوى الرب عندهم وهذا لم يقل مثله أحد من اليهود والنصارى ومشركي العرب لم يقل أحد أن ملكا من الملائكة رب العالم كله.
    ويقولون إن العقل الفعال مبدع لما تحت فلك القمر وهذا أيضا كفر لم يصل إليه أحد من كفار أهل الكتاب ومشركي العرب. الرد على المنطقيين- ج1- ص 102.

  17. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  18. #23
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس العشرون- ما يصدر عن الواحد

    استند الفلاسفة على قاعدة قعدوها وهي الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ليبرروا نشأة العقول، خلاصة ما فيها باختصار هو: أن الواحد -كالحق سبحانه- لا يصدر عنه من خلق سوى شيء واحد لإنه لا بد أن يكون بين العلة والمعلول تناسب وخصوصية فالحرارة تصدر من النار لا من الثلج، والبرودة تصدر من الثلج لا من النار، فإذا كانت العلة ذات خاصية واحدة فلا يمكن أن يكون معلولها ذات خاصتين، فلو صدر من الواحد أكثر من واحد فهذا يعني تكثر الخصوصيات التي فيه فيكون مركبا لا بسيطا.
    ولهذا لم يصدر من المبدأ الأول إلا شيء واحد هو العقل، والعقل الأول صدر عنه أكثر من شيء باعتبارات متعددة فباعتبار أنه واجب صدر عنه عقل آخر وباعتبار أنه موجود صدر عنه نفس وباعتبار أنه ممكن في ذاته صدر عنه فلك!
    قال الشيخ الإمام: مثال ذلك إذا ذكروا العقول العشرة والنفوس التسعة وقالوا إن العقلَ الأول هو الصَّادرُ الأولُ عن الواجب بذاته وأنه من لوازم ذاته ومعلولٌ له وكذلك الثاني عن الأول وإن لكل فلَكٍ عقلًا ونفسًا.
    قيل: قولكم عقل ونفس لغةٌ لكم فلا بدَّ من ترجمتها وإن كان اللفظُ عربيًّا فلا بدَّ من ترجمة المعنى فيقولون: العقلُ هو الرُّوح المجرَّدة عن المادَّة وهي الجسدُ وعلائقها سمَّوه عقلًا ويسمُّونه مفارِقًا ويسمُّون تلك المفارِقات للموادِّ لأنها مفارِقةٌ للأجساد كما أن روحَ الإنسان إذا فارقت جسدَه كانت مفارِقةً للمادَّة التي هي الجسد.
    والنفسُ هي الروحُ المدبِّرةُ للجسم مثل نفس الإنسان إذا كانت في جسمه فمتى إذا كانت في الجسم كانت محرِّكةً له فإذا فارقَتْه صارت عقلًا محضًا أي يَعْقِلُ العلومَ من غير تحريكٍ بشيء من الأجسام.
    فهذه العقولُ والنفوس وهذا الذي ذكرناه مِن أحسن الترجمة عن معنى العقل والنفس وأكثرُهم لا يحصِّلون ذلك.
    قالوا: وأثبتنا لكلِّ فلَكٍ نفسًا لأن الحركة اختياريةٌ فلا تكونُ إلا لنفسٍ ولكلِّ نفسٍ عقلًا لأن العقلَ كاملٌ لا يحتاجُ إلى حركة والمتحرِّكُ يطلبُ الكمالَ فلا بدَّ أن يكون فوقه ما يتشبَّه به وما يكونُ علةً له ولهذا كانت حركةُ أنفسنا للتشبُّه بما فوقنا من العقول وكلُّ ذلك تشبُّهٌ بواجب الوجود بحسب الإمكان.
    والأول لا يَصْدُر عنه إلا عقل لأن النفسَ تقتضي جسمًا والجسمُ فيه كثرة والصَّادرُ عنه لا يكونُ إلا واحدًا ولهم في الصُّدور اختلافٌ كثيرٌ ليس هذا موضعه. نقض المنطق- ص 173.
    وقال: وقد كنت في أوائل معرفتي بأقوالهم بعد بلوغي بقريب وعندي من الرغبة في طلب العلم وتحقيق هذه الأمور ما أوجب أني كنت أرى في منامي ابن سينا وأنا أناظره في هذا المقام وأقول له: أنتم تزعمون أنكم عقلاء العالم وأذكياء الخلق وتقولون مثل هذا الكلام الذي لايقوله أضعف الناس عقلا وأورد عليه مثل هذا الكلام فأقول:
    العقل الأول إن كان واحدا من جميع الجهات فلا يصدر عنه إلا واحد لايصدر عنه عقل ونفس وفلك وإن كان فيه كثرة فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد ولو قيل تلك الكثرة هي أمور عدمية فالأمور العدمية لايصدر عنها وجود ثم إذا جوَّزوا صدور الكثرة عن العقل الواحد باعتبارٍ ما فليجوِّزوا صدورَها عن المبدع الأول بمثل ذلك الاعتبار بدون هذه الواسطة كقولهم باعتبار وجوبه صدر عنه عقل وباعتبار وجوده صدر عن نفس وباعتبار إمكانه صدر عنه فلك فإن هذه الصفات إن كانت أمورا ثبوتية فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد وإن كانت إضافة أو سلبا أو مركبا منهما فالمبدع الأول عندهم يتصف بالسلب والإضافة والمركب منهما فبطلانُ كلامهم في هذا المقام الذي هو أصل توحيدهم يظهر من وجوه كثيرة متعددة تبيَّن فيها أن القوم من أجهل الخلق وأضلهم وأبعدهم عن معرفة الله وتوحيده فإن عوام اليهود والنصارى الذين لم نوافقهم أعلم بالله من خواص هؤلاء الفلاسفة المبدلين الصابئين. بيان تلبيس الجهمية- ج5- ص 263-264.

  19. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  20. #24
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الحادي والعشرون- المادة والصورة

    النوع الثالث والرابع هما المادة والصورة فالمادة هي: جوهر حامل للقوة. والصورة هي: جوهر يمنح المادةَ الفعليةَ.
    وهذا كلام يحتاج إلى بيان فنقول:
    إن القوة هي: استعداد الشيء لأن يكون شيئا آخر.
    والفعل هو: وجود الشيء في أحد الأزمنة بحيث تترتب عليه آثاره.
    فالبذرة مثلا شجرة بالقوة أي لها قوة وقابلية واستعداد لأن تصير شجرة بالمستقبل، والشجرة شجرة بالفعل أي قد تحققت شجريتها واقعا الآن مثلا.
    والنطفة إنسان بالقوة، والإنسان إنسان بالفعل.
    والبذرة هي المادة الحاملة للقوة والقابلية، والنطفة المادة الحاملة للقوة والقابلية.
    ففي كل المواد والعناصر الطبيعية استعداد خاص مختزن في داخل جزئياتها يعطيها القوة لأن تكون شيئا آخر في ظرف معين.
    فإذا علم هذا فنقول: إن العالم بما فيه من مواد ترجع - عندهم- إلى مادة واحدة تسمى المادة الأولى ( الهيولى الأولى ) فهذه المادة منها خلق العالم، وإذا أردنا أن نحلل تلك المادة فنجدها جسما من الأجسام ولكنه جسم غير معين فلا هو حديد ولا هو خشب ولا ماء ولا أي شيء لحد الآن، ثم حتى يكون الجسم جسما لا بد فيه من جزئين: جزء يحمل القوة والاستعداد وجزء يحمل الفعلية، وفعلية الجسم هي امتداده طولا وعرضا وعمقا، فالمادة الأولى نتصورها كطين اصطناعي، وهذا الطين عبارة عن مادة حاملة للقوة حلّ فيها جوهر أعطاها الفعلية وهو الصورة الجسمية، فالمادة الأولى= مادة مبهمة خالية من الامتدادت الثلاثة+ جوهر حل وانطبع فيها. فالمبهم يسمى مادة ومحل، ومانح الفعلية يسمى صورة جسمية وحال، فعندنا حال ومحل، ولا تتصور الصورة على أنها الشكل والهيئة كصورة الإنسان وصورة الثوب، فهذا ليس مقصودهم فتلك الصور أعراض والصورة الجسمية جوهر، تخيلها كأنها جوهر عقلي روحي حل في تلك المادة الخاملة الحاملة للقوة فقط فجعلها تكتسب الفعلية وتصير جسما.
    وهذا المادة الأولى تلبس أربع صور تمثل عناصر العالم كله وهي: الماء والهواء والنار والتراب، فالصورة النوعية حلت في شيء من المادة الأولى فصارت ماء أو هواء أو نارا أو ترابا، فالمادة الأولى مشتركة فيما بين الأربع ولكنها تلبس أثوابا مختلفة فهذه العناصر الأربعة فيها صورتان: الصورة الجسمية التي أعطت المادة الأولى فعليتها الامتدادية، والصورة النوعية التي أعطت لهذه العناصر فعليتها العنصرية، فالماء مثلا = مادة أولى+ صورة جسمية+ صورة مائية 3 جواهر وقس عليه الباقي.
    ثم من اختلاط بعض هذه العناصر ببعض بنسب معينة نشأ كل شيء فنشأت المعادن والنباتات والحيوان والإنسان.
    فالإنسان الأول نشأ من طين أي من ماء + تراب فصار جسدا له قوة ليصير إنسانا ولكنه ليس هو الإنسان الفعلي ثم تعلقت به النفس الناطقة المجردة عن المواد فصار إنسانا بالفعل فالإنسان هو مادة+ صورة، وصورته هي نفسه الناطقة.
    ثم نشأ الإنسان نشأة أخرى فالعناصر الأربع انقلبت نباتا ثم النبات غذاء، والغذاء أخلاطا، والأخلاط منيا، والمني علقة، والعلقة، مضغة، وهكذا شيئا فشيئا إلى أن ينقلب حيوانا ناطقا.
    فالنطفة مثلا نطفة بالفعل ولها كمالها الوجودي من حيث كونها تحمل خصائص النطفة حقيقة فهي مادة وصورة منوية، وهي أيضا علقة بالقوة تنتظر الصورة العلقية، فإذا حلت الصورة العلقية فسدت الصورة المنوية، فالمادة هي المادة بينهما ولكن الصور تتجدد تفسد صورة ويحل مكانها أخرى، فكل شيء في الكون المادي عبارة عن مادة واحدة وصور مختلفة.
    وقد اتضح الجوهر الخامس عندهم وهو الجسم، فإنه من حلول الصورة الجسمية في المادة ينشأ الجسم، ويعرفونه بأنه: جوهر ممتد في جهاته الثلاث. فتحصل أن الجواهر خمسة هي: الجوهر العقلي، والجوهر النفسي، والجوهر المادي، والجوهر الصوري، والجوهر الجسماني. وفي الحقيقة في ضوء معطيات العلم الحديث نسلم أن في العناصر الطبيعية قوة واستعداد وأنها تكتسب الفعلية لكن لا نسلم أن الجسم مركب من مادة وصورة فالجسم شيء واحد غير مركب من مادة وصورة؛ لأنه لا يوجد إلا الجسم وصفاته ولا يمكن قبول أن الصورة جوهر بل الصواب أن المواد والأجسام تستحيل من شيء إلى شيء آخر لا أنها تبقى فيها المادة الأولى مشتركة، بل تتبدل حقيقتها وجوهرها بالكلية إلى شي آخر فليس الإنسان نطفة لأنه قد استحالت النطفة وفسدت وجاء شيء آخر، فالخشب مثلا هو جسم وفيه خصائصه وصفاته، وهو يقبل أن يحترق ويصير رمادا فلا نقول إن المادة الأولى مشتركة بين الخشب والرماد وإن الذي اختلف هو الصورة الخشبية أو الصورة الرمادية كما يقولون فهذا لا يصح عليه دليل نعم الخشب فيه قوة لأن يصير رمادا ولكن هذه القوة إما أن تكون صفة حقيقية وعرض في الخشب أو أمر ذهني انتزاعي ينتزعه الذهن بالمقارنة والقياس بين الخشب والرماد وعلى التقديرين فقد استحالت أجزاء الخشب إلى شيء آخر وحقيقة أخرى وجسم آخر له صفاته الفعلية ولهذا يسمى هذا العالم عالم الكون والفساد أي التغير، ثم لا يخفى أن الفلاسفة يجعلون المادة الأولى قديمة أزلية وإنما الصور التي تعرض عليها حادثة فالمادة وإن تحولت إلى عناصر ومعادن وكائنات حية إلا أن المادة الأولى محفوظة فيها والصور هي الحادثة حدوثا زمانيا. وإثبات ذات قديمة غير الله باطل.
    قال الشيخ الإمام: كذلك لما قسموا الجوهر إلى خمسة أقسام العقل والنفس والمادة والصورة والجسم، وجعلوا الجسم قسمين: فلكيا وعنصريا، والعنصري الأركان التي هي الأسطقسات ( لفظ يوناني بمعنى العناصر ) والمولدات: الحيوان والنبات والمعدن، كان هذا التقسيم مع فساده في الإثبات ليس حصر الموجودات فيه معلوما فإنه لا دليل لهم على حصر الأجسام في الفلكيات والعنصريات وهم معترفون بإمكان وجود أجسام وراء لأفلاك فلا يمكن الحصر فيما ذكر حتى يعلم انتفاء ذلك وهم لا يعلمون انتفاءه فكيف وقد قامت الأدلة على ثبوت أعيان قائمة بأنفسها فوق الأفلاك كما قد بسط في موضعه ( وهم الملائكة الكرام ) وهم منازعون في واجب الوجود هل هو داخل في مقولة الجوهر فأرسطو والقدماء كانوا يجعلونه من مقولة الجوهر وابن سينا امتنع من ذلك... الرد على المنطقيين- ج1-ص303-ص 304.
    وقال: وليس في مجرد العلم بذلك ( أي مسمى الوجود ) ما يوجب كمال النفس بل ولا في العلم بأقسامه العامة فإنا إذا علمنا أن الوجود ينقسم إلى جوهر وعرض وأن أقسام الجوهر خمسة كما زعموه مع أن ذلك ليس بصحيح ولا يثبت مما ذكروه إلا الجسم وأما المادة والصورة والنفس والعقل فلا يثبت لها حقيقة في الخارج إلا أن يكون جسما اوعرضا ولكن ما يثبتونه يعود إلى أمر مقدر في النفس لا في الخارج كما قد بسط في موضعه. وقد اعترف بذلك من ينصرهم ويعظمهم كأبي محمد بن حزم وغيره. الرد على المنطقيين- ج1-ص131.
    وقال: فإن الفلاسفة يقولون بإثبات المادة والصورة، ويجعلون المادة والصورة جوهرين، وهؤلاء ( المتكلمون ) يقولون: ليست الصورة إلا عرضا قائما بجسم.
    والتحقيق: أن المادة والصورة لفظ يقع على معان: كالمادة والصورة الصناعية، والطبيعية، والكلية والأولية.
    فالأول: مثل الفضة إذا جعلت درهما وخاتما وسبيكة، والخشب إذا جعل كرسيا، واللبن والحجر إذا جعل بيتا، والغزل إذا نسج ثوبا، ونحو ذلك، فلا ريب أن المادة هنا التي يسمونها الهيولى: هي أجسام قائمة بنفسها، وأن الصورة أعراض قائمة بها، فتحول الفضة من صورة إلى صورة هو تحولها من شكل إلى شكل، مع أن حقيقتها لم تتغير أصلا.
    ...والثاني: من معاني المادة والصورة: هي الطبيعية، وهي صورة الحيوانات والنباتات والمعادن ونحو ذلك، فهذه إن أريد بالصورة فيها نفس الشكل الذي لها فهو عرض قائم بجسم، وليس هذا مراد الفلاسفة، وإن أريد بالصورة نفس هذا الجسم المتصور، فلا ريب أنه جوهر محسوس قائم بنفسه.
    ومن قال: إن هذا عرض قائم بجوهر من أهل الكلام فقد غلط، وحينئذ فقول المتفلسف: إن هذه الصورة قائمة بالمادة والهيولى، إن أراد بذلك ما خلق منه الإنسان كالمني - وهو لم يرد ذلك - فلا ريب أن ذاك جسم آخر فسد واستحال، وليس هو الآن موجودا، بل ذاك صورة، وهذا صورة، والله تعالى خلق إحداهما من الأخرى وإن أراد أن هنا جوهرا بنفسه غير هذا الجسم المشهود الذي هو صورة، وأن هذا الجسم المشهود - الذي هو صورة - قائم بذلك الجوهر العقلي، فهذا من خيالاتهم الفاسدة.
    ومن هنا تعرف قولهم في الهيولى الكلية ( الأولى ) حيث ادعوا أن بين أجسام العالم جوهرا قائما بنفسه،تشترك فيه الأجسام.
    ومن تصور الأمور وعرف ما يقول علم أنه ليس بين هذا الجسم المعين وهذا الجسم المعين قدر مشترك موجود في الخارج أصلا، بل كل منهما متميز عن الآخر بنفسه المتناولة لذاته وصفاته، ولكن يشتركان في المقدارية وغيرها، من الأحكام اللازمة للأجسام، وعلم أن اتصال الجسم بعد انفصاله هو نوع من التفرق، والتفرق والاجتماع هما من الأعراض التي يوصف بها الجسم، فالإتصال والإنفصال عرضان، والقابل لهما نفس الجسم الذي يكون متصلا تارة، ومنفصلا تارة أخرى، كما يكون مجتمعا تارة ومفترقا أخرى ومتحركا تارة وساكنا أخرى، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. درء تعارض العقل والنقل- ج3-ص84-85-86.
    تنبيه: يتفق كثير من علماء الفيزياء مع قول مشهور الفلاسفة بقدم المادة، ويقولون: المادة لا تفنى ولا تبيد.
    ونحن نقول: قد عجز الخلق أجمعين عن خلق أي مادة مهما صغرت، وعجزوا كذلك عن إعدام أي مادة ولو خيط أبرة فكما أن حيلة الخلق في الإيجاد هو تحويلها من صورة إلى صورة فكذلك في الإعدام ليس لنا قدرة على إفنائها وتحويلها إلى عدم محض، وهذا دليل على القدرة الإلهية وأنه سبحانه وحده هو الذي يخلق وهو الذي يفني لا إله غيره ولا رب سواه.

  21. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  22. #25
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الثاني والعشرون- مزيد تحقيق حول المادة والصورة والجنس والفصل

    اعلم أن مبنى القول بالمادة والصورة هو على الاعتقاد بوجود الكلي الطبيعي في الخارج.
    بيانه:
    ما الفرق بين المادة والصورة والجنس والفصل ؟
    الجواب: لا يوجد فرق حقيقي بينهما بل فرق اعتباري. فإن المادة هي الجنس، والصورة هي الفصل.
    مثال ذلك: الحيوان الناطق، فالحيوان إذا أخذناه لا بشرط من الحمل كان جنسا فنستطيع أن نقول: الحيوان إما إنسان أو غيره.
    وإذا نظرنا للحيوان بشرط الإباء عن الحمل أي بشرط لا كان مادة.
    وكذا الناطق إذا نظرنا إليه لا بشرط الإباء عن الحمل كان فصلا، وإذا نظرنا إليه بشرط لا أي عدم الحمل كان صورة.
    بعبارة أخرى تارة ننظر للحيوان والناطق على أنهما شيئان متغايران فإن الحيوان غير الناطق، والناطق غير الحيوان، فيكون كل منهما جزئين في تركيب الجسم الإنساني وهما المادة والصورة.
    وتارة ننظر للحيوان على أنه قابل للحمل والصدق على الإنسان وغيره، ولهذا كان جنسا لأنه أعم من الإنسان، ولهذا كان الناطق فصلا لأنه مساو للإنسان فنقول الناطق إنسان.
    فتحصل أن المادة هي الجنس بشرط لا، وأن الجنس هو المادة لا بشرط، وأن الصورة هي الفصل بشرط لا، والفصل هو الصورة لا بشرط.
    فإذا علم هذا فالجنس + الفصل= الماهية، والفرق بينهما في الاعتبار الحد مفصل والماهية مجملة.
    والماهية هي الماهية فإذا وجدت في الخارج كان مادة وصورة وإذا وجدت في الذهن كانت جنسا وفصلا.
    ووجود الماهية في الخارج هو بعينه القول بالكلي الطبيعي فإن الكلي الطبيعي المراد به مصاديقه أي الطبائع والماهيات كالإنسان والحيوان والشجر.
    فمتى نفينا وجود الكلي الطبيعي في الخارج لزم القول بنفي المادة والصورة. وقد تقدم نفيه فيما سبق.
    فالقائلون بالمادة والصورة يجعلون الجسم الإنساني منطبعا في الماهية أي في المادة والصورة الكليتين العقليتين.
    تذكر أننا قلنا إن القول بوجود الكلي الطبيعي في الخارج بما هو كلي يعني وجود زيد بمشخصاته مع ماهيته الكلية العقلية التي هي الحيوان الناطق.
    فتحصل أن المادة والصورة هما جوهران كليان ولكنهما مقارنان للأفراد الخارجية.
    قال الشيخ العلامة ابن القره داغي الكردي رحمه الله: ومبنى نفي الهيولى والصورة على نفي الكلي الطبيعي في الخارج، بل النفيان متحدان؛ لأن التغاير بينهما وبين الجنس والفصل اعتباري؛ إذْ ما به يتقوّم الشيء إن أخذ بشرط لا كان جزءا خارجيا غير محمول وهو الأوليانِ، أو لا بشرط شيء كان جزءا ذهنيا محمولا وهو الأخيران..اهـ البدر العلاة في كشف غوامض المقولات- ص 13.
    ومن هنا يتبين لنا شيء آخر متعلق بالمنطق وهو أن القول بتركب الماهية من الجنس والفصل المساوي لتركبها من المادة والصورة يعني أن القول بتركب الحد من الذاتيات: الجنس والفصل مبني على القول بوجود الكلي الطبيعي أي بوجود الماهية الكلية في الخارج مقرونة مع الأفراد المشخصة فيطلب العقل البشري معرفة الماهية وذلك بوضع اليد على الجنس والفصل، فيتحصل أن من لا يؤمن بالكلي الطبيعي كما هو مشهور قول المتكلمين وبعض الفلاسفة كيف يؤمن بتركب الماهية من الجنس والفصل وكيف يفرق بين الذاتيات والعرضيات؟!
    فأي قيمة للحد الأرسطي إذا نفينا الكلي الطبيعي؟! ولا يمكنني تصور القبول بوجود الكلي الطبيعي في الخارج إطلاقا!
    قال الشيخ الإمام: ومن علم هذا علم كثيرا مما دخل في المنطق من الخطأ في كلامهم في الكليات والجزئيات، مثل الكليات الخمس: الجنس، والفصل، والنوع، والخاصة، والعرض العام.
    وما ذكروه من الفرق بين الذاتيات واللوازم للماهية، وما ادعوه من تركيب الأنواع من الذاتيات المشتركة المميزة التي يسمونها الجنس والفصل، وتسمية هذه الصفات أجزاء الماهية، ودعواهم أن هذه الصفات التي يسمونها أجزاء تسبق الموصوف في الوجود الذهني والخارجي جميعا، وإثباتهم في الأعيان الموجودة في الخارج حقيقة عقلية مغايرة للشيء المعين الموجود، وأمثال ذلك من أغاليطهم التي تقود من اتبعها إلى الخطأ في الإلهيات، حتى يعتقد في الموجود الواجب: أنه وجود مطلق بشرط الإطلاق كما قاله طائفة من الملاحدة ( فيكون الله محض وجود لا صفة له إلا الوجود ولا حقيقة له غير الوجود )، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية كلها كما قاله ابن سينا وأمثاله، مع العلم بصريح العقل أن المطلق بشرط الإطلاق أو بشرط سلب الأمور الثبوتية يمتنع وجوده في الخارج، فيكون الواجب الوجود ممتنع الوجود ( فإنهم لما آمنوا بوجود الماهية العقلية في الخارح التي هي مطلقة بشرط الإطلاق أمكنهم أن يؤمنوا بأن الله هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق أو بشرط سلب الصفات الحقيقية الثبوتية عنه كي يثبتوا للباري حقيقة تخالف سائر الحقائق ). درء تعارض العقل والنقل- ج1-ص217.

  23. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  24. #26
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الثالث والعشرون- الجسم

    تقدم أن الجسم عند بعض الفلاسفة مركب من مادة وصورة أي هو مركب من ثلاثة جواهر: مادة، وصورة جسمية، وصورة نوعية. وتقدم الرد عليهم.
    وهنالك آراء أخرى حول الجسم أهمها هو قول جمهور المتكلمين بأن الجسم مركب من جواهر صغيرة جدا تسمى الجواهر الفردة.
    بيانه: الأجسام تتجزأ إلى أجزاء أصغر وأصغر حتى تصل إلى حد تقف عنده التجزئة ولا يمكن بعد قسمتها، فهذا الجزء الذي لا يمكن تجزئته بعد يسمى الجزء الذي لا يتجزأ، فالأجسام تتكون من ذرات صغيرة جدا لا يمكن أن تنقسم، وبضم بعضها إلى بعض يحصل الجسم. وإنما تتفاوت الأجسام بكبرها وصغرها بناء على عدد ذراتها، فكل ما في الكون من كواكب ونجوم وجبال ومعدن ونبات وحيوان وإنسان عبارة عن ذرات صغيرة مجتمعة تختلف في عدد جواهرها.
    ثم إن هذه الجواهر عند أكثرهم متماثلة فيما بينها فلا فرق بين الأجسام في ذواتها لا فرق بين الماء والتراب والشجر والحجر والإنسان والذهب كلها متماثلة في ذواتها وحقيقتها وجواهرها الفردة ولكنها تختلف باختلاف الأعراض التي تعرض عليها.
    وقد اختلفوا بعد ذلك في عدد الذرات اللازمة لتشكيل أصغر جسم.
    فقيل: اثنان. وقيل: أربعة. وقيل: ستة. وقيل: ثمانية. وقيل: ستة عشر. وقيل: اثنان وثلاثون.
    هذه خلاصة نظريتهم التي نافحوا ولا يزالون ينافحون عنها.
    وبالمقارنة بين مشهور مذهب الفلاسفة ومذهب المتكلمين نجد أن الفريقين متفقان على بقاء شيء مشترك.
    فمثلا لو قارنا بين ( النطفة والعلقة ) فالمادة عند الفلاسفة، والجواهر الفردة عند المتكلمين باقية في الحالتين وإنما تحدث صورة جديدة عند الفلاسفة أو أعراض جديدة عند المتكلمين.
    كما أن المتكلمين يرون أن الله خلق الجواهر الفردة في زمان بعيد جدا خارج عن معرفتنا وحواسنا ثم بعد ذلك كان الله يخلق الأشياء لا بطريقة الإيجاد والإختراع لذواتها بل بطريق إحداث الأعراض فيها لأن الجواهر الفردة موجودة في الكون منذ آلاف أو ملايين السنين وكل ما نشاهده في الكون من إحداث خلق الإنسان والحيوان والنبات هو عبارة عن إحداث أعراض في تلك الجواهر!
    قال الشيخ الإمام: والناس قد تنازعوا في الأجسام المخلوقة كالكواكب والفلك والهواء والماء وغير ذلك، فقيل: هي مركبة من الجواهر المنفردة، وقيل: مركبة من المادة والصورة، ومنهم من فرق بين الجسم الفلكي والعنصري ( فالجسم الفلكي ليس مركبا من مادة وصورة بخلاف الجسم العنصري الذي تتولد منه المولدات ).
    والصواب عند محققي الطوائف أنها ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا. وهذا قول أكثر أهل الطوائف أهل النظر مثل: الهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وطائفة من الكرامية وغيرهم.
    وقد تنازع الناس في الجسم هل يقبل القسمة إلى غاية محدودة هي الجوهر الفرد، أو يقبل القسمة إلى غير غاية ( كما يقوله الفلاسفة )، أو يقبل القسمة إلى غاية من غير إثبات الجوهر الفرد على ثلاثة أقوال.
    والثالث هو الصواب؛ فإن إثبات الجوهر الفرد الذي لا يقبل القسمة باطل بوجوه كثيرة؛ إذ ما من موجود إلا ويتميز منه شيء عن شيء.
    وإثبات انقسامات لا تتناهى فيما هو محصور بين حاصرين ممتنع لامتناع وجود ما لا يتناهى فيما يتناهى وامتناع انحصاره فيه. لكن الجسم كالماء يقبل انقسامات متناهية إلى أن تتصاغر أجزاؤه فإذا تصاغرت استحالت إلى جسم آخر فلا يبقى ما ينقسم ولا ينقسم ( كذا في المطبوع ولعل الصواب فلا يبقى ينقسم وينقسم ) إلى غير غاية بل يستحيل عند تصاغره، فلا يقبل الانقسام بالفعل مع كونه في نفسه يتميز منه شيء عن شيء، وليس كل ما تميز منه شيء عن شيء لزم أن يقبل الانقسام بالفعل بل قد يضعف عن ذلك ولا يقبل البقاء مع فرط تصاغر الاجزاء لكن يستحيل إذ الجسم الموجود لا بد له من قدر ما ولا بد له من صفة ما فإذا ضعفت قُدَرُهُ عن اتصافه بتلك الصفة انضم إلى غيره إما مع استحالة إن كان ذلك من غير جنسه وإما بدون الإستحالة إن كان من جنسه كالقطرة الصغيرة من الماء إذا صغرت جدا فلا بد أن تستحيل هواء أو ترابا أو أن تنضم إلى ماء آخر وإلا فلا تبقى القطرة الصغيرة جدا وحدها وكذلك سائر الأجزاء الصغيرة جدا من سائر الأجسام. الصفدية- ج1- ص117-118.
    وقال: وهؤلاء، وهؤلاء ( الفلاسفة والمتكلمون ) تحيّروا في خلق الشيء من مادة؛ كخلق الإنسان من النطفة، والحب من الحب، والشجرة من النواة، وظنّوا أنّ هذا لا يكون إلا مع بقاء أصل تلك المادّة؛ إمّا الجواهر عند قوم ( وهم المتكلمون ) وإمّا المادّة المشتركة عند قوم ( وهم الفلاسفة ).
    وهم في الحقيقة يُنكرون أن يخلق الله شيئا من شيء؛ فإنّه عندهم لم يُحدِث إلا الصورة التي هي عرض عند قوم، أو جوهر عقليّ عند قوم. وكلاهما لم يخلق من مادّة، والمادّة عندهم باقية بعينها، لم تخلق. النبوات- ج1-ص312.
    وقال: وَإِلَّا فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ قَوْلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، لَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَعْرُوفِينَ، بَلِ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ مُنْذُ خَلَقَ الْجَوَاهِرَ الْمُنْفَرِدَةَ شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، لَا سَمَاءً وَلَا أَرْضًا، وَلَا حَيَوَانًا وَلَا نَبَاتًا، وَلَا مَعَادِنَ، وَلَا إِنْسَانًا وَلَا غَيْرَ إِنْسَانٍ، بَلْ إِنَّمَا يُحْدِثُ تَرْكِيبَ تِلْكَ الْجَوَاهِرِ الْقَدِيمَةِ فَيَجْمَعُهَا وَيُفَرِّقُهَا، فَإِنَّمَا يُحْدِثُ أَعْرَاضًا قَائِمَةً بِتِلْكَ الْجَوَاهِرِ، لَا أَعْيَانًا قَائِمَةً بِأَنْفُسِهَا. فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ إِذَا خَلَقَ السَّحَابَ وَالْمَطَرَ وَالْإِنْسَانَ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ وَالثِّمَارِ، لَمْ يَخْلُقْ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا خَلَقَ أَعْرَاضًا قَائِمَةً بِغَيْرِهَا. وَهَذَا خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ السَّمْعُ وَالْعَقْلُ وَالْعِيَانُ، وَوُجُودُ جَوَاهِرَ لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ مُنْفَرِدَةً عَنِ الْأَجْسَامِ مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالْعَقْلِ وَالْحِسِّ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا إِلَّا ذَلِكَ، وهؤلاء ( المتكلمون ) يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَجْسَامَ لَا يَسْتَحِيلُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، بَلِ الْجَوَاهِرُ الَّتِي كَانَتْ مَثَلًا فِي الْأَوَّلِ هِيَ بِعَيْنِهَا بَاقِيَةٌ فِي الثَّانِي، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَتْ أَعْرَاضُهَا.
    وَهَذَا خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ - أَئِمَّةُ الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُقَلَاءِ - مِنِ اسْتِحَالَةِ بَعْضِ الْأَجْسَامِ إِلَى بَعْضٍ، كَاسْتِحَالَةِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ بِالْمَوْتِ تُرَابًا، وَاسْتِحَالَةِ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَجْسَامِ النَّجِسَةِ مِلْحًا أَوْ رَمَادًا، وَاسْتِحَالَةِ الْعَذِرَاتِ تُرَابًا، وَاسْتِحَالَةِ الْعَصِيرِ خَمْرًا، ثُمَّ اسْتِحَالَةِ الْخَمْرِ خَلًّا، وَاسْتِحَالَةِ مَا يَأْكُلُهُ الْإِنْسَانُ وَيَشْرَبُهُ بَوْلًا وَدَمًا وَغَائِطًا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي النَّجَاسَةِ: هَلْ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ أَمْ لَا؟ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الِاسْتِحَالَةَ. المنهاج- 2- ص139- 140.
    وقال: وَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ: الْمَشْهُورُ عَنْهُمْ؛ بِأَنَّ الْجَوَاهِرَ مُتَمَاثِلَةٌ؛ بَلْ وَيَقُولُونَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ: أَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْمُتَمَاثِلَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ الْأَعْرَاضِ وَتِلْكَ صِفَاتٌ عَارِضَةٌ لَهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً فَلَا تَنْفِي التَّمَاثُلَ فَإِنَّ حَدَّ الْمِثْلَيْنِ أَنْ يَجُوزَ عَلَى أَحَدِهِمَا مَا يَجُوزُ عَلَى الْآخَرِ وَيَجِبُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ. وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْجَوَاهِرَ مُتَمَاثِلَةٌ فَيَجُوزُ عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مَا جَازَ عَلَى الْآخَرِ وَيَجِبُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ. مجموع الفتاوى- 17- 244-245.
    وقال: قلت: هذا بناء على أصل تلقوه من المعتزلة، وهو أن الجواهر والأجسام متماثلة، بخلاف الأعراض، فإنها قد تختلف وقد تتماثل.
    وحقيقة هذا القول أن الأجسام متماثلة من كل وجه، لا تختلف من وجه دون وجه، بل الثلج مماثل للنار من كل وجه، والتراب مماثل للذهب من كل وجه، والخبز مماثل للحديد من كل وجه، إذ كانا متماثلين في صفات النفس عندهم.
    وهذا القول فيه من مخالفة الحس والعقل ما يستغنى به عن بسط الرد على صاحبه، بل أصل دعوى تماثل الأجسام من أفسد الأقوال، بل القول في تماثلها واختلافها كالقول في تماثل الأعراض واختلافها، فإنها تتماثل تارة وتختلف أخرى. درء تعارض العقل والنقل- ج5- ص 192.


  25. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  26. #27
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الرابع والعشرون- الأعراض

    تقدم أن الماهية إما أن تكون جوهرا أو عرضا وأن الجوهر عندهم خمسة ، وأما الأعراض فهي تسعة: الكم والكيف والأين والمتى والوضع والملك والإضافة والفعل والانفعال.
    والسؤال الذي يطرح على أي أساس تم حصر هذه المقولات ؟
    والجواب: على أساس الاستقراء فلا يوجد دليل عقلي، فلذا يمكن الزيادة عليها.
    ولكن حتى مع التسليم بأن الحصر استقرائي لا يفيد إلا الظن يبقى السؤال لم عدت عشرة فيمكن عدها بطرق مختلفة، فلم لا يقال: إن المقولات اثنان: جوهر وعرض كما ذهب إليه بعضهم، فكما قسمتم الجوهر إلى خمسة فقسموا العرض إلى تسعة أقسام، أو قولوا إن المقولات خمسة + تسعة= 14.
    ثم إن بعضهم قال بل المقولات أربعة الجوهر والكم والكيف والنسبة، وأما سائر المقولات العرضية فترجع إلى النسبة.
    وذهب السهروردي إلى إثبات مقولة سماها الحركة فعد الحركة مقولة برأسها وقال المقولات خمسة: الجوهر والكم والكيف والحركة والنسبة.
    وبعضهم قال غير ذلك، فالاضطراب فيها ظاهر.
    وأرسطو وأتباعه عندهم هذه المقولات أجناس عالية فلا جنس فوقها وهذا يعني أنها متباينة بتمام الذات، فمثلا إذا قلنا إن الإنسان يباين الحمار فإن التباين هنا بجزء الذات وهو الفصل، ولكنهما مشتركان في الجنس الذي هو الحيوان، فالتباين ليس بتمام الذات.
    أما بالنسبة للمقولات فهي أجناس عالية فلا اشتراك بينها في جنس فمثلا الكم يباين الكيف بتمام الذات فلا وجود لجزء مشترك.
    ويقولون: هنالك فرق بين صدق الجوهر على ما تحته وصدق العرض على ما تحته؛ فإن الجوهر جنس تحته خمسة أنواع فبالتالي لا يكون التباين بين أنواعه تباينا تاما فمثلا الجوهر العقلي والجوهر النفسي كلاهما جوهر، والجوهرية داخلة في حدهما فحينما نعرف تلك الأنواع نذكر كلمة الجوهر في أولها ليكون جنسا لها، والتباين بينها بالفصل.
    وأما العرض فالأمر مختلف فصدقه على ما تحته صدق عرضي وليس صدقا ذاتيا فإذا ذكرنا كلمة العرض في تعريف الكم والكيف وبقية المقولات فيكون من قبيل التعريف بالعرض العام والخاصة.
    وكذا صدق النسبة على الأعراض النسبية صدق بالعرض.
    ولنبدأ ببيان تلك الأعراض:
    أولا: الكم وهو: عرض يقبل القسمة لذاته. وله نوعان:
    1- كم منفصل وهو: ما ليس بين أجزائه الوسطى حدود مشتركة. وهو العدد فالعشرة مثلا لو قسمناها إلى نصفين فلا نجد حدا مشتركا فالعدد خمسة نهاية القسم الأول، والعدد ستة بداية القسم الثاني.
    2- كم متصل وهو: ما بين أجزائه الوسطى حدود مشتركة. وهو يشمل الخط والسطح والجسم التعليمي والزمان.
    بيان ذلك: إن الخط يمثل عندهم الطول والسطح هو الطول والعرض معا والجسم التعليمي يقصدون به الطول والعرض والارتفاع أي الحجم.
    خذ مسطرة ولنفرض طولها 30 سم ضع نقطة في المنتصف أي على 15 فسنجد أن هذه النقطة تمثل نهاية الجزء الأول أي من البداية إلى 15 وبداية الجزء الثاني أي من 15 إلى 30.
    وكذا الزمن فإن الآن هو نهاية الماضي وبداية المستقبل.
    ومعنى قولهم يقبل القسمة لذاته أن المقادير تنقسم بنفسها وأما الأجسام فإنما تنقسم بعروض الكم المتصل عليها فإذا أردت أن تقسم الحائط مثلا فهو ينقسم لعروض المقدار عليه من الأمتار والسنتيمترات لا أنه بنفسه ينقسم.
    ومرادهم من القسمة هو القسمة الفرضية بمعنى أن تفرض الانقسام في الشيء المتصل كالخط لا القسمة الخارجية الفعلية كأن تأتي بمتر من مادة معينة وتقصه بالمقص إلى نصفين لأن
    المتر سيزول ولا يعد مترا، فالمقصود هنا هو تقدير القسمة ذهنا.
    ويقسمون الكم المنفصل إلى قار وغير قار
    فالكم المتصل غير القار هو الزمن لعدم اجتماع أجزائه في الوجود تنقضي ثانية وتأتي أخرى ولا يمكن اجتماعها معا لأن الزمان متصرّم، والكم المتصل القار هو الخط والسطح والجسم التعليمي.
    هذه خلاصة ما يذكرونه هنا باختصار.
    وعد العدد عرضا غير مستقيم عندي فإن العرض هو أمر وجودي، والأعداد إن قصد بها الأعداد المجردة عن المواد أي 2 3 4... إلى آخره فهذه لا وجود لها في الخارج ولم يثبتها إلا فيثاغورس، وإن قصدوا أن المعدودات في الخارج يقوم بها عرض العدد فغير صحيح أيضا، خذ مثلا برتقالة واحدة ثم ضع بجنبها برتقالة أخرى فهل قامت بهما الاثنينية؟ إن قلتم نعم فهل قامت بالبرتقالة الأولى فكيف يقوم الاثنان بالواحد أو بالأخرى فهي واحدة فكيف قامت الاثنينة بها، وإن قلتم قامت بهما فكيف قام عرض واحد في محلين وأين يقوم بهما وهما منفصلتان، ثم جئنا ببرتقالة أخرى فهل ارتفع عنهما عرض الاثنين وحل بها عرض الثلاثة! أنا الآن لوحدي فإذا جاء شخص آخر معي صرنا اثنين لم يقم عرض بي ولا به فإذا جاء شخص ثالث فلم يزل عرض منا ويقم عرض الثلاثة هذه كلها اعتبارات ذهنية.
    ولم يثبت المتكلمون لا الكم المنفصل ولا الكم المتصل؛ لأنه لا اتصال حقيقي بين الأجسام باعتبار أن الجواهر الفردة منفصلة ويوجد فراغ بين الذرات وإن كان يتراءى للناظر اتصالها.
    قال الشيخ الإمام: وَكَذَلِكَ النُّظَّارُ يُرِيدُونَ بِلَفْظِ " الْجِسْمِ " تَارَةً الْمِقْدَارَ وَقَدْ يُسَمُّونَهُ الْجِسْمَ التَّعْلِيمِيَّ وَتَارَةً يُرِيدُونَ بِهِ الشَّيْءَ الْمُقَدَّرَ وَهُوَ الْجِسْمِيُّ الطَّبِيعِيُّ وَالْمِقْدَارُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الْمُقَدَّرِ كَالْعَدَدِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْمَعْدُودِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي الْأَذْهَانِ دُونَ الْأَعْيَانِ. وَكَذَلِكَ السَّطْحُ وَالْخَطُّ وَالنُّقْطَةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ الْمَحَلِّ الَّذِي تَقُومُ بِهِ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي الذِّهْنِ. مجموع الفتاوى- ج12- ص 316- 317.

  27. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  28. #28
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الرابع والعشرون- المقولات النسبية

    والأعراض النسبية سبعة هي: الإضافة، والأين، والمتى، والوضع، والملك، والفعل، والانفعال.
    وسميت نسبية لأن فيها نسبة قائمة بطرفين فأولها هو: الإضافة وهي: هيئة حاصلة من تكرر النسبة بين شيئين كالأبوة والأخوة والصداقة، فالأبوة هيئة ونسبة حاصلة بين الأب والابن، ولا يمكن تعقلها بدون البنوة، كما لا يمكن تعقل البنوة بدونها فهما متعقلان معا.
    وثانيها: الأين وهي: هيئة حاصلة من نسبة الشي إلى المكان. مثل وجود الماء في الكأس، ووجود الشخص في بيته.
    ويقسم الفلاسفة الأين إلى قسمين:
    أين حقيقي وهو: حصول الجسم في مكان يكون مملوءا به بحيث لا يسع معه غيره ككون الماء في الكوز مالئا له.
    والأين غير الحقيقي هو: حصول الجسم الطبيعي في مكان يسعه وغيره ككون محمد في البيت أو السوق أو المدينة.
    فحصول الجسم فيما ذكر يسمى أينا غير حقيقي استعمل فيه اسم الأين مجازا لصحة وقوعه في جواب السؤال عنه بـ أين.
    وذهب المتكلمون إلى أن مقولة الأين لها أربعة أقسام هي:
    الحركة وهي: حصول الشيء في آنين في مكانين.
    والسكون هو: حصول الشيء في آنين في مكان واحد.
    والاجتماع هو: حصول الجوهرين في مكانين بحيث لا يمكن أن يتخللهما جوهر آخر.
    والافتراق هو: حصول الجوهرين في مكانين بحيث يمكن أن يتخللهما جوهر ثالث.
    وقالوا إن الجسم أي جسم لا يخلو من هذه الأعراض لأنه إما متحرك أو ساكن، وإما جواهره الفردة مجتمعة أو متفرقة.
    وهو مبني على ثبوت تركب الجسم من الجواهر الفردة وقد تقدم الكلام في ذلك.
    وثالثها المتى وهي: هيئة حاصلة من نسبة أجزاء الشيء إلى الزمان. مثل حصول الصيام في اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ومثل حصول حادثة معينة في زمن ما.
    ورابعها: الوضع وهي: هيئة حاصلة من نسبة أجزاء الشيء بعضها إلى بعض، والمجموع إلى الخارج عنها وهي جهات العالم. كأوضاع الجسم كالقيام مثلا فإنه وضع للجسم أي هيئة اعتبر فيها نسبة الأعضاء بعضها إلى بعض ونسبة تلك الأعضاء إلى أمور خارجية عنها ككون الرأس نحو السماء والرجلين نحو الأرض، وكذا بقية الهيئات كالقعود والنوم والركوع فكلها تختلف نسبة الأعضاء بعضها إلى بعض ونسبتها إلى الجهات، وكوضوع الكرسي بوضع يصلح الجلوس عليه ثم تغيير وضعيته، وكوضع الكتاب أو الرف.
    وخامسها: الملك وهي: هيئة تعرض للجسم بسبب ما يحيط به وينتقل بانتقاله. مثل التنعل الحاصل من إحاطة الحذاء بالرجل، ومثل التقمص، ومثل التعمم بعمامة والتختم بخاتم ففيها شيء يحيط بالجسم وينتقل بانتقاله.
    وسادسها: الفعل وهي: هيئة حاصلة من تأثير المؤثر ما دام يؤثر. وتسمى بمقولة أن يفعل، مثل قطع النجار الخشب ما دام يقطع أي ما دام مستمرا بالفعل، ومثل تسخين النار للماء ما دامت تسخنه، وتقطيع السكين للحم ما دام يقطعه.
    وسابعها: الانفعال وهي: هيئة حاصلة من تأثر المتأثر ما دام يتأثر. وتسمى أن ينفعل، مثل انقطاع الخشب مادام ينقطع تحت المنشار، وكتسخن الماء بالنار ما دام يتسخن،وتقطع اللحم بالسكين ما دام يتقطع.
    وقد أنكر المتكلمون وجود الإضافات في الخارج وقالوا إنها أمور اعتبارية ومعقولات ثانوية لا وجود لها في الخارج فلا هي جوهر ولا عرض.
    وآخر المقولات هو الكيف وهو: عرض لا يقبل القسمة ولا النسبة لذاته.
    كالألوان من البياض والسواد والحمرة فإنها لا تقبل القسمة لذاتها لأنها ليست مقدار ولا فيها نسبة بذاتها، ولكنها تقبل القسمة بواسطة الكم كتقسيم اللون العارض على الجسم إلى عدة سنتيمترات.
    ولها أربعة أقسام:
    1- الكيفيات المحسوسة بإحدى الحواس الخمس الظاهرة كالحرارة والبرودة المدركتين بقوة اللمس، وكالأضواء والألوان المدركة بقوة البصر، وكالأصوات المدركة بقوة السمع، وكالروائح المدركة بقوة الشم، وكالطعوم من حلاوة ومرارة وحموضة المدركة بقوة الذوق.
    2- الكيفيات النفسانية وهي المختصة بذوات الأنفس كالحياة والعلم والقدرة والذة والألم والحلم والغضب والفرح والحزن والشجاعة والجبن وسائر الأخلاق.
    وما كان من هذه الكيفيات راسخا بحيث لا يزول أو يعسر زواله يسمى ملكة، وما كان غير راسخ يسمى حالا.
    وقد يكون بعض الكيفيات النفسانية حالا ثم يصير ملكة، كالكتابة فإنه في ابتداء تعلمها تكون حالا ثم إذا كثر الاشتغال بها تصير ملكة.
    3- الكيفيات الاستعدادية: وهي نوعان:
    النوع الأول: القوة وهي استعداد الجسم لأن يفعل ويعالج ولا يتأثر بسهولة كالصلابة.
    النوع الثاني الضعف وهي استعداد الجسم لأن يفعل ويعالج ويتأثر بسهولة كاللين كلين الشمع يقبل الانغماز باليد والتشكيل بسهولة.
    4- الكيفيات المختصة بالكميات كالتثليث والتربيع والتدوير العارضة للسطح، والاستقامة والانحناء العارضين للخط، وكالزوجية والفردية العارضين للعدد.
    ويعد الكيف أظهر المقولات العشر وجودا لوقوعه تحت الحس.
    قال الشيخ الإمام: وَهُمْ يُقَسِّمُونَ الْوُجُودَ: إلَى جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ وَالْأَعْرَاضُ يَجْعَلُونَهَا " تِسْعَةَ أَنْوَاعٍ " هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ يَجْعَلُونَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَنْطِقِ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْمُفْرَدَاتِ الَّتِي تَنْتَهِي إلَيْهَا الْحُدُودُ الْمُؤَلَّفَةُ وَكَذَلِكَ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْبَابِ كَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ فَقَالُوا: " الْكَلَامُ فِي هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْمَنْطِقِ " فَأَخْرَجُوهَا مِنْهُ وَكَذَلِكَ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَ ابْنِ سِينَا كَأَبِي حَامِدٍ وَالسُّهْرَوَرْدِي الْمَقْتُولِ وَالرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرِهِمْ. وَهَذِهِ هِيَ " الْمَقُولَاتُ الْعَشْرُ " الَّتِي يُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِقَوْلِهِمْ: الْجَوْهَرُ. وَالْكَمُّ. وَالْكَيْفُ. وَالْأَيْنُ. وَمَتَى وَالْإِضَافَةُ وَالْوَضْعُ وَالْمِلْكُ وَأَنْ يَفْعَلَ وَأَنْ يَنْفَعِلَ وَقَدْ جُمِعَتْ فِي بَيْتَيْنِ وَهِيَ:
    زَيْدُ الطَّوِيلُ الْأَسْوَدُ ابْنُ مَالِكِ ... فِي دَارِهِ بِالْأَمْسِ كَانَ متكي
    فِي يَدِهِ سَيْفٌ نَضَاهُ فانتضا ... فَهَذِهِ عَشْرُ مَقُولَاتٍ سوا ( زيد جوهر- الطويل كم- الأسود كيف- ابن مالك الإضافة- في داره أين- بالأمس متى- يتكي وضع- في يده سيف ملك- نضاه فعل- فانتضى انفعال، ومعنى نضاه هو أخرجه من غمده )
    وَأَكْثَرُ النَّاسِ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَغَيْرِ أَتْبَاعِهِ أَنْكَرُوا حَصْرَ الْأَعْرَاضِ فِي تِسْعَةِ أَجْنَاسٍ وَقَالُوا: إنَّ هَذَا لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. وَيُثْبِتُونَ إمْكَانَ رَدِّهَا إلَى ثَلَاثَةٍ وَإِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْدَادِ. مجموع الفتاوى- ج9- ص 274-275.

  29. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  30. #29
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الخامس والعشرون- التغيّر

    التغير هو: خروج الشيء من القوة إلى الفعل. كتحول البذرة إلى شجرة. وهو قسمان:
    1- تغيير تدريجي ويسمى بالحركة وهو يحتاج إلى زمان.
    والمقصود بالحركة هو كل تغير تدريجي فيشمل الحركة المعروفة في العرف وهي انتقال الجسم من مكان إلى مكان آخر كتحرك زيد من بيته إلى عمله أو كتحرك السيارة من نقطة إلى نقطة أخرى، ويشمل أيضا الحركة في غيرها كحركة الأعراض كتحول التفاح من أخضر إلى أصفر، فالتفاحة ثابتة في مكانها في الشجرة ولكن يحدث فيها تغيير تدريجي.
    2- تغير دفعي وهو يحدث في آن واحد دفعة واحدة ولا يحتاج إلى زمان، ويمثلون له باتصال الأجسام، كما لو حركت أحد إصبعيك ليتصل بالإصبع الآخر فهذه حركة تحتاج إلى زمن ربما تحتاج ثانية أو ثانيتين ولكن لحظة اتصالهما تحصل دفعة واحدة فلا تسمى حركة لأن الحركة تغيير تدريجي لا دفعي.
    قال الشيخ الإمام: فإن الحركة في اصطلاحهم ليست هي النقلة من مكان إلى مكان، بل النقلة نوع من الحركة وهم يقولون: حركة في الكم، وحركة في الكيف، وحركة في الأين، وحركة في الوضع.
    فالحركة في الكيف هو: تحول الموصوف من صفة إلى صفة إما في لونه وإما في طعمه أو ريحه أو غير ذلك، وكذلك النفس إذا كانت جاهلة فصارت عالمة، أو كانت مبغضة فصارت محبة، أو كانت متألمة فصارت ملتذة فهذا حركة في الكيف.
    والحركة في الكم مثل النمو الذي يحصل في أبدان الحيوان والنبات.
    والحركة في الوضع مثل حركة الفلك فإن حركته لا توجب خروجه من حيزه.
    والحركة في الأين هي: النقلة مثل حركة الماء والتراب والهواء والمولدات من حيز إلى حيز.
    وإذا كان كذلك فالنفس بعد الموت لها محبة لشيء وطلب إن حصل التذت به وإلا تألمت فهي متألمة أو ملتذة لما تدركه من مناسب أو مناف وهذه حركة ومن المعلوم بالضرورة أن ما يحدث له آلام ولذات فلا بد له من نوع حركة. الصفدية- 2-270.

    شروط الحركة

    إذا ذهب زيد من بيته إلى محل عمله فهنا ستة أمور تتوقف عليها تلك الحركة وتسمى لوازم الحركة وهي:
    1- المحرِّك، ويسمى فاعل الحركة كنفس زيد.
    2- المتحرك، ويسمى موضوع الحركة كبدن زيد.
    3- مبدأ الحركة، ويسمى ما منه الحركة كالبيت.
    4- منتهى الحركة، ويسمى ما إليه الحركة كمحل العمل.
    5- المسافة، ويسمى ما فيه الحركة وهي طريق الحركة.
    6- الزمن، أي زمن وقوع الحركة.

    أنواع الحركة

    أولا: الحركة الإرادية وهي: التي تكون بطبيعة الجسم المتحرك مع شعور وإرادة من المتحرك كحركة الحيوان.
    ثانيا: الحركة الطبيعية وهي: التي تكون بطبيعة الجسم المتحرك بدون شعور وإرادة من المتحرك كحركة الحجر إلى الأسفل وحركة المياه.
    ثالثا: الحركة القسرية وهي: التي تكون على خلاف مقتضى طبيعة المتحرك بقسر القاسر، كحركة الحجر المرمي إلى فوق.
    قال الشيخ الإمام: فَإِنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ فِي الْعَالَمِ إنَّمَا صَدَرَتْ عَنْ إرَادَةٍ. فَإِنَّ الْحَرَكَاتِ إمَّا طَبْعِيَّةٌ وَإِمَّا قَسْرِيَّةٌ وَإِمَّا إرَادِيَّةٌ. لِأَنَّ مَبْدَأَ الْحَرَكَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَحَرِّكِ أَوْ مِنْ سَبَبٍ خَارِجٍ. وَمَا كَانَ مِنْهَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الشُّعُورِ أَوْ بِدُونِ الشُّعُورِ. فَمَا كَانَ سَبَبُهُ مِنْ خَارِجٍ فَهُوَ الْقَسْرِيُّ وَمَا كَانَ سَبَبُهُ مِنْهَا بِلَا شُعُورٍ فَهُوَ الطَّبْعِيُّ وَمَا كَانَ مَعَ الشُّعُورِ فَهُوَ الْإِرَادِيُّ. فَالْقَسْرِيُّ تَابِعٌ لِلْقَاسِرِ وَاَلَّذِي يَتَحَرَّكُ بِطَبْعِهِ كَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ هُوَ سَاكِنٌ فِي مَرْكَزِهِ؛ لَكِنْ إذَا خَرَجَ عَنْ مَرْكَزِهِ قَسْرًا طَلَب الْعَوْدَ إلَى مَرْكَزِهِ فَأَصْلُ حَرَكَتِهِ الْقَسْرُ. وَلَمْ تَبْقَ حَرَكَةٌ أَصْلِيَّةٌ إلَّا الْإِرَادِيَّةُ. فَكُلُّ حَرَكَةٍ فِي الْعَالَمِ فَهِيَ عَنْ إرَادَةٍ. مجموع الفتاوى- 16- ص131.

  31. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  32. #30
    :: مشرف ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,456
    شكر الله لكم
    609
    تم شكره 2,307 مرة في 735 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس السادس والعشرون- الزمن

    في تفسير حقيقة الزمن أقوال أشهرها هو:
    1- الزمن هو: مقدار حركة الفلك.
    فهنالك ارتباط ولزوم بين الحركة والزمان، فالحركة إذا توقفت توقف الزمان، ومادامت الحركة موجودة ومستمرة فالزمان موجود، فالزمان هو: كم متصل غير قار بالذات يقدر به امتداد الحركة.
    والحركة كما تقدم خروج الشيء من القوة إلى الفعل بالتدريج فهي وجود متصل غير قار، ولكنه وجود غير معين وغير مقدر فإذا عرض الزمان على الحركة تعينت الحركة.
    وهذا نظير الجسم الطبيعي والجسم التعليمي، فالجسم الطبيعي كمادة له امتداد ولكنه غير معين في الأبعاد الثلاثة حتى يعرض عليه ويحل به الجسم التعليمي الذي هو الطول والعرض والارتفاع.
    فكذلك الحركة هي نظير الجسم الطبيعي وجود ممتد غير معين فإذا عرض الزمان على الحركة تعين مقدارها.
    فالزمان عرض يعرض على الأجسام بواسطة الحركة يحدد به امتدادها، فهو من مقولة الكم المتصل.
    بقي أن نعرف أن الزمان مقدار أي حركة ؟
    الجواب هو: مقدار أقدم حركة في عالم الأجسام وهو الفلك الأعظم أول كائن جسماني، فهذا الفلك حركته كانت ولا تزال ولن تنقطع حركة دائرية مستمرة وهو الذي يتحرك في كل يوم وليلة دورة واحدة بالتقريب، فالزمان إذا قديم بقدم الفلك.
    والزمان عندهم نوعان:
    زمان مطلق وهو الزمان المستمر والدائمي وهو المقصود بالبحث وهو مقدار حركة الفلك الأعظم.
    وزمان نسبي معين وهو زمان الحوادث المعينة التي يتواضع الناس عليها بالساعات والأيام والأشهر والسنين والعقود، فالحركات المعينة كحركة السفينة أو حركة عقرب الساعة أيضا لها زمان معين ويعرض لها الزمان، ولكن المقصود بالبحث هو جنس الزمان العام المستمر.
    وهذا هو رأي أرسطو من اتبعه.
    وببطلان فرضية العقول والأفلاك لا يمكن القبول بكون الزمان مقدار حركة الفلك الأعظم.
    2- مقارنة متجدد موهوم لمتجدد معلوم إزالة للإبهام.
    مثاله قولك: سآتيك عند طلوع الشمس، فإن طلوع الشمس معلوم، ومجيئك موهوم مبهم، فإذا قرن ذلك الموهوم المبهم بذلك المعلوم زال إبهامه. فليس الزمان جوهر ولا عرض وإنما هو أمر اعتباري لا وجود له في الخارج.
    وهذا هو قول المتكلمين.
    وقال بعض الفلاسفة إن الزمان هو جوهر مجرد أي هو موجود عيني ولكن وجوده وجود روحي مجرد كالعقول عندهم!
    قال الشيخ الإمام: وَإِذَا قِيلَ: الزَّمَانُ مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ، فَلَيْسَ هُوَ مِقْدَارَ حَرَكَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَحَرَكَةِ الشَّمْسِ، أَوِ الْفَلَكِ، بَلِ الزَّمَانُ الْمُطْلَقُ مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حَرَكَاتٌ وَأَزْمِنَةٌ، وَبَعْدَ أَنْ يُقِيمَ اللَّهُ الْقِيَامَةَ، فَتَذْهَبُ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ تَكُونُ فِي الْجَنَّةِ حَرَكَاتٌ وَأَزْمِنَةٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}
    وَجَاءَ فِي الْآثَارِ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بِأَنْوَارٍ تَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ العرش. منهاج السنة النبوية. ج1- ص 172.
    وقال: وأول من عرف عنه من الفلاسفة المشائين القول بقدم الأفلاك هو أرسطو وحججه على ذلك واهية جدا لا تدل على مطلوبه بل استدلاله على قدم الزمان وأنه مقدار الحركة فيلزم قدمها ثم ظن أن جنس الزمان مقدار حركة الفلك وهذا غلط عظيم فإن جنس الزمان إذا قيل الزمان مقدار الحركة فهو مقدار جنس للحركة لا حركة معينة بل الزمان المعين مقدار الحركة المعينة ولهذا كان جنس الزمان باقيا عند المسلمين بعد قيام القيامة وانشقاق السماء وتكوير الشمس ولأهل الجنة أزمنة هي مقادير حركات هناك غير حركة الفلك ولهم في الآخرة يوم المزيد يوم الجمعة مع أن الجنة ليس فيها شمس ولا زمهرير بل أنوار وحركات أخر. الصفدية. ج2- ص 167.
    وقال بعد أن سئل عن حديث مسلم: لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله: ... وَلَا يَتَوَهَّمُ عَاقِلٌ أَنَّ الله هُوَ الزَّمَانُ، فَإِنَّ الزَّمَانَ مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ، وَالْحَرَكَةُ مِقْدَارُهَا مِنْ بَابِ الْأَعْرَاضِ وَالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِغَيْرِهَا كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ هُوَ مِنْ بَابِ الْأَعْرَاضِ وَالصِّفَاتِ الْمُفْتَقِرَةِ إلَى الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْيَانِ فَإِنَّ الْأَعْرَاضَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا، بَلْ هِيَ مُفْتَقِرَةٌ إلَى مَحَلٍّ تَقُومُ بِهِ... فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ مِمَّا عُلِمَ بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ، أَنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ هُوَ الدَّهْر الَّذِي هُوَ الزَّمَانُ، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَى الزَّمَانِ، فَإِنَّ النَّاسَ مُتَّفِقُونَ عَلَى الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَكَذَلِكَ مَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}. قَالُوا: عَلَى مِقْدَارِ الْبُكْرَةِ وَالْعَشِيِّ فِي الدُّنْيَا، وَفي الْآخِرَةِ يَوْم الْجُمُعَةِ يَوْمَ الْمَزِيدِ، وَالْجَنَّةُ لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا زَمْهَرِيرٌ، وَلَكِنْ تُعْرَفُ الْأَوْقَاتُ بِأَنْوَارٍ أُخَرَ، قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ تَظْهَرُ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، فَالزَّمَانُ هُنَالِكَ مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ الَّتِي بِهَا تَظْهَرُ بِهَا تِلْكَ الْأَنْوَارُ.
    وَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ سَيَّالٌ هُوَ الدَّهْرُ؟ هَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ النَّاسُ، فَأَثْبَتَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ مِنْ أَصْحَابِ أَفْلَاطُونَ، كَمَا أَثْبَتُوا الْكُلِّيَّاتِ الْمُجَرَّدَةَ فِي الْخَارِجِ الَّتِي تُسَمَّى الْمُثُلَ الْأَفْلَاطُونِيَّة وَالْمُثُلَ الْمُطْلَقَةَ، وَأَثْبَتُوا الْهَيْوُلَى الَّتِي هِيَ مَادَّةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ الصُّوَرِ، وَأَثْبَتُوا الْخَلَاءَ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ.
    وَأَمَّا جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ يُقَدِّرُهَا الذِّهْنُ وَيَفْرِضُهَا؛ فَيَظُنُّ الْغَالِطُونَ أَنَّ هَذَا الثَّابِتَ فِي الْأَذْهَانِ، هُوَ بِعَيْنِهِ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ عَنْ الْأَذْهَانِ، كَمَا ظَنُّوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ، مَعَ أَنَّ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ وُجُودُهُ فِي الذِّهْنِ، وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ إلَّا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ وَهِيَ الْأَعْيَانُ وَمَا يَقُومُ بِهَا مِنْ الصِّفَاتِ، فَلَا مَكَانَ إلَّا الْجِسْمَ أَوْ مَا يَقُومُ بِهِ، وَلَا زَمَانَ إلَّا مِقْدَارَ الْحَرَكَةِ، وَلَا مَادَّةَ مُجَرَّدَةً عَنْ الصُّوَرِ، بَلْ وَلَا مَادَّةَ مُقْتَرِنَةً بِهَا غَيْرُ الْجِسْمِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ، وَلَا صُورَةَ إلَّا مَا هُوَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِالْجِسْمِ، أَوْ مَا هُوَ جِسْمٌ يَقُومُ بِهِ الْعَرَضُ. الفتاوى الكبرى- ج5- ص 64-65-67.

  33. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 2 (0 من الأعضاء و 2 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].