دعوى نقصان سورة الأحزاب

دعوى نقصان سورة الأحزاب وردت في رواية منسوبة إلى عائشة رضي الله عنها، ووردت في روايتين منسوبة إلى أبيّ بن كعب رضي الله عنه.

أما الرواية المنسوبة إلى عائشة رضي الله عنها فهي عند أبي عبيد القاسم بن سلام: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ (سعيد بن أبي مريم)، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ (مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَتِيْمِ عُرْوَةَ)، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَتْ سُورَةُ الأَحْزَابِ تُقْرَأُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَتَيْ آيَةٍ، فَلَمَّا كَتَبَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ لَمْ يَقْدِرْ مِنْهَا إلاَّ عَلَى مَا هُوَ الآنَ."[1]

هذه الرواية لا تصرح بوقوع النسخ في زمن نزول الوحي، ولكنها تقول إن سورة الأحزاب كانت تقدر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بمائتي آية، ولكن لما كتب عثمان بن عفان المصاحف -بعد حوالي عشرين سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم- لم يقدر منها سوى على ما هو موجود حاليا في المصحف (73 آية)!

إن نص هذه الرواية يشير إلى أن الأجزاء المفقودة من هذه السورة كانت موجودة في زمن أبي بكر وعمر، فلما أمر عثمان بن عفان بكتابة المصاحف لم يجدها! فأين ذهبت يا ترى؟ هل تبخَّرت من المصحف الذي جُمِع في عهد أبي بكر؟ وهل تطايرت من عقول حُفاظ القرآن الكريم من الصحابة؟

إن حمل هذه الرواية على النسخ مستحيل؛ لأن النسخ يكون في زمن نزول الوحي، وهذه الرواية تتحدث عن اختفاء تلك الأجزاء في خلافة عثمان بن عفان! لو قالت الرواية إن الصحابة لم يجدوا تلك الأجزاء عندما جمعوا المصحف في زمن أبي بكر -بعد زمن يسير من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم- ربما قيل إنها نُسخت في أواخر زمن الوحي ولذلك لم يجدها الصحابة! إن متن هذه الرواية منكَر ساقط، ولا غرابة في نكارته، فإن في سندها عبد الله بن لهيعة، وهو صاحب مناكير، وقد سبق تفصيل القول فيه.

أما الروايتان المنسوبتان إلى أبي بن كعب رضي الله عنه، فإحداهما عن عاصم بن بهدلة، والأخرى عن يزيد بن أبي زياد الكوفي.

الرواية الأولى: وردت بألفاظ متقاربة في مسند أبي داود الطياليسي (1/ 437)، ومسند أحمد (35/ 134)، وصحيح ابن حبان - محققا (10/ 273- 274)، والسنن الكبرى للبيهقي (8/ 367)، والمستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 450). وهي طرق ترجع كلها إلى رواية واحدة عن: عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرٍّ بن حُبَيْش، عن أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. نورد منها رواية الإمام أحمد في مسنده (ط الرسالة 35/ 134): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كَأَيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الأَحْزَابِ؟ أَوْ كَأَيِّنْ تَعُدُّهَا؟ " قَالَ: قُلْتُ لَهُ: ثَلاثًا وَسَبْعِينَ آيَةً، فَقَالَ: "قَطُّ! لَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُعَادِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ، وَلَقَدْ قَرَأْنَا فِيهَا: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا ألْبَتَّةَ نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ."

هذه الرواية أيضا لا تصرح بوقوع النسخ، ولكنها تزعم أن أبيّ بن كعب أنكر أن تكون سورة الأحزاب ثلاثا وسبعين آية فقط، بل كانت تعدل في طولها سورة البقرة! وصيغة الإنكار في كلام أبيّ بن كعب تشير إلى نفيه وقوع النسخ فيها، أو على الأقل إلى عدم تسليمه بوقوع ذلك النسخ! ولو كان ذلك الجزء الضخم من السورة قد نُسخ، فكيف لا يعمله أبيّ بن كعب وهو من أشهر قُرَّاء القرآن الكريم؟

ولا عجب من نكارة متن هذه الرواية؛ فإن في سندها عاصم بن بهدلة (ابن أبي النجود)، وهو معروف بالوهم وسوء الحفظ في الحديث.
جاء في ميزان الاعتدال: "هو عاصم بن بهدلة الكوفي مولى بنى أسد، ثَبْتٌ في القراءة، وهو في الحديث دون الثَّبْت؛ صدوق يَهِم. قال يحيى القطان: ما وجدت رجلا اسمه عاصم إلا وجدته رديء الحفظ. وقال النسائي: ليس بحافظ. وقال الدارقطني: في حفظ عاصم شيء. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال ابن خراش: في حديثه نكرة. قلت: هو حسن الحديث... قلت: خرج له الشيخان لكن مقرونا بغيره، لا أصلا وانفرادا."[2]

ولم يتابع أحدٌ من الحفاظ الثقات عاصم بن بهدلة على هذه الرواية، بل رواها من هو أسوأ منه (يزيد بن أبي زياد الكوفي كما سيأتي بعد هذا). فلا يكون حجة فيها، وتكون معدودة في أوهامه ومناكيره.

الرواية الثانية: في مسند أحمد (ط الرسالة 35/ 133- 134): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الطَّحَّانُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَمْ تَقْرَءُونَ سُورَةَ الأَحْزَابِ؟ قَالَ: بِضْعًا وَسَبْعِينَ آيَةً. قَالَ: "لَقَدْ قَرَأْتُهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ الْبَقَرَةِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَإِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ."

هذه الرواية أيضا ساقطة؛ لأن في سندها يزيد بن أبي زياد الكوفي. جاء في كتاب: تاريخ الإسلام: "كان محدثا مكثرًا شيعيًا ليس بحجة... وكان صدوقًا فِي نفسه سَيِّء الحفظ. قال ابن معين: ضعيفُ الحديث... وسئل أَحْمَد بن حنبل عن يزيد فضعَّفه وحرك رأسه. وساق له ابن حبان مناكير."[3]

وجاء في كتاب: الكواكب النيرات: "قال ابن سعد: كان ثقة في نفسه إلا أنه اختلط في آخر عمره فجاء بالعجائب... وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: كوفيّ ليِّنٌ يُكتب حديثُه ولا يُحتج به. وقال العجلي: جائز الحديث وكان بِآخِرَةٍ يُلقَّن... وقال ابن حبان: كان صدوقا، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، فكان يتلقن ما لُقِّن، فوقع المناكير في حديثه من تلقين غيره إياه، وإجابته فيما ليس من حديثه لسوء حفظه. فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماع صحيح، وسماع من سمع منه في آخر قدومه الكوفة بعد تغيُّر حفظه وتلقنه ما يُلقَّن سماع ليس بشيء. وقال ابن حجر: ضعيف، كبر فتغير، صار يتلقن."[4] وفضلا عن ذلك فقد كان من المدلسين، قال ابن حجر: "وصفه الدارقطني والحاكم وغيرهما بالتدليس."[5] وروايته هنا بالعنعنة، وهو يقوي تهمة التدليس.

الخلاصة أن دعوى نقصان سورة الأحزاب لا تثبت، وأنها من أوهام ومناكير ابن لهيعة وعاصم بن بهدلة ويزيد بن أبي زياد الكوفي.
[1] أبو عبيد القاسم بن سلام، فضائل القرآن، ص20.
[2] الذهبي، ميزان الاعتدال، ج2، ص357.
[3] شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، تحقيق بشار عوّاد معروف (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2003م) ج3، ص753-754.
[4]
بركات بن أحمد بن محمد الخطيب زين الدين ابن الكيال، الكواكب النيرات في معرفة من الرواة الثقات، تحقيق عبد القيوم عبد رب النبي (بيروت: دار المأمون، 1981م) ص509-510.
[5] ابن حجر العسقلاني، تعريف أهل التقديس، ج1، ص48.