حكم صلاة الجمعة في البيوت عند العجز عن اقامتها في المساجد
د. صلاح الدليمي / بغداد / 22/ 3/2020م
أن اجتماع المسلمين ووحدتهم من أهم المقاصد التي راعاها الإسلام في طبيعة العلاقة بين المسلمين، فقد أوجد لهم مناسبات عدة، وشرع لهم عبادات جماعية، وكأن الإسلام يدفع المسلمين دفعًا نحو الاجتماع والوحدة، ومن تلك الوسائل يوم الجمعة، فجعله يوم عيد للمسلمين، كما ورى ابن ماجة انه قال صلى الله عليه وسلم : «إن هذا يوم عيد، جعله الله للمسلمين» ومن وسائل الاجتماع والوحدة في الجمعة أن شرعت الصلاة فيها جماعة فريضة دون الصلوات الأخرى، فهي مِن اهم شعائر الدّين، ولا يتحقَّق ذلك بإقامتها في البيوت ونحوها، لأنه يُخل بمقاصدها الكلية والجزئية بل يناقضه كلَّ المناقضة،. فلابد من الحفاظ على بصورتها وقصدها وأن لا تستبدل بصور أخرى ما قصَدَها ولا عناها الشارع الحكيم ولا الفقهاء بحال من الاحوال. فصلاة الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة ولم يَثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّاها ولو مرة في البيوت بمكة، ومع ذلك أذِن لأسعد بن زرارة، ومصعب بن عمير بإقامتها في المدينة، والذي مَنعه صلى الله عليه وسلم من أدائها في مكة: عدم توفر كثير من شرائطها، كفقد العدد، أو لأن شعارها الإظهار، وهم كانوا في مرحلة استضعاف. فقد جاءت النصوص الشرعية على انه من فاتته صلاة الجمعة بعذر صلى الظهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم عرفة ظهرا مع أصحابه ولأنه لم يوجب الجمعة على النساء في البيوت ولم يوجبها على أهل البوادي والمسافرين. ويصليها أربعا إن كان مقيما وإن كان مسافرا صلاها ركعتين قصرا لأن القصر مشروع في حقه وهذا هو المستقر عند الصحابة رضي الله عنهم قال ابن مسعود "ومن فاتته الركعتان فليصل أربعاً"، وفي حديث ابن مسعود إشارة إلى أن الظهر هي الأصل، وأنها هي الواجبة على من لم يصل الجمعة . ويؤيد ذلك أمور : لأول: ما هو معلوم يقيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون يوم الجمعة الظهر إذا كانوا في سفر، ولكنهم يصلونها قصراً. فلو كان الأصل يوم الجمعة صلاة الجمعة لصلوها جمعة. الثاني: قال عبد الله بن معدان عن جدته قالت : قال لنا عبد الله بن مسعود : ( إذا صليتن يوم الجمعة مع الإمام فصلين بصلاته، وإذا صليتن في بيوتكن فصلين أربعاً ) .أخرجه ابن أبي شيبة (1/207). وكذلك ما ثبت من فعل الصحابة رضي الله عنهم انهم صلوا الظهر بدلا عن الجمعة عند تحقق الاعذار، ففي "المصنف" (1/206) بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ذؤيب قال : "خرجت مع الزبير مخرجاً يوم الجمعة فصلى الجمعة أربعاً"، وهذا دليل من فعل الصحابة انهم لم يحضروا الجمعة وصلوا الظهر مع انهم احرص الناس على اقامة شعائر الاسلام وعدم التهاون بها، ولوا كانت صلاة الجمعة معتبر بدون المسجد وباي مسمى للجماعة لصلى ابن الزبير ومن معه صلاة الجمعة وليس ظهرا. وذكر ابن قدامة في المغني انه " وروي عن ابن مسعود أنه فاتته الجمعة، فصلى بعلقمة والأسود". فلا يجوز العدول عن النص الى الاجتهاد في تقرير المسائل الفقهية، جاء في حاشية الصاوي على الشرح الصغير عند ذكر شروط صحة الجمعة قال: (الشرط الخامس: الجامع وإليه أشار بقوله: "بجامع"، لا تصح في البيوت، ولا في براح من الأرض، ولا في خان، ولا في رحبة دار...).
ان القول بجواز إقامة صلاة الجمعة في البيوت قول مُحدث لم يقل به احد من الفقهاء لا من السلف ولا من الخلف، لا في حالات الاستثناء ولا في اوقات الضرورة ولا عند وجود الاعذار المشروعة، بل ان الفقهاء جعلوا البديل عن صلاة الجمعة عند تحقق الموانع الشرعية من اقامتها هو صلاة الظهر لان الرخصة في الشريعة جاءت من اجل للتيسير والتخفيف ورفع الحرج، فلابد ان تكون عامة ومطردة لتشمل جميع افراد جنسها، وان القول بجواز صلاة الجمعة في البيت لا يشمل جميع المكلفين بهذا العذر، لوجود التفاوت في القدرات، وقد تجلب المشقة وليس التيسير، في تحقيق الشروط التي وضعها المجيزون لها، من اسباب التي وضعها الفقهاء للأخذ بالرخصة: عند الضرورة ، وعند الحاجة، فلا توجد سببا من ضرورة او حاجة تجيز صلاة الجمعة في البيوت مع وجود الاصل المعتبر فيها بأداء صلاة الظهر اربع. خصوصا ان الفقهاء اشترطوا لصحة الجمعة ان توقع ضمن وقتها، فاذا خرج الوقت لم تفض جمعة، وانما تقضى ظهرا، لان الجُمُعةَ لا يُمكِنُ قضاؤُها؛ لأنَّها لا تصحُّ إلَّا بشروطِها، ولا يُوجَدُ ذلك في قضائِها؛ فتَعيَّن المصيرُ إلى الظهرِ عندَ عدمِها، ذكر الاجماع على ذلك ابنُ المنذرِ، والنوويُّ، وابنُ تيميَّة، وابنُ رَجبٍ، وهذا حالُ البَدلِ. قال ابنُ تيميَّة في منهاج السنة : "وقد اتَّفق المسلمون على أنَّ... الجُمعة لا يَقضيها الإنسانُ، سواء فاتتْه بعُذر أو بغير عذر، وكذلك لو فوَّتها أهلُ المصر كلُّهم لم يصلُّوها يوم السبت" وقال السرخسي في المبسوط "أن أصل الفرض الظهر ولكنه مأمور بإسقاط هذا الفرض عن نفسه بأداء الجمعة إذا استجمع شرائطها فهي تختص بشرائط منها في المصلي ومنها في غيره" وهذا تصريح واضح ان لابد من للمكلف ان يستجمع شرائط الجمعة كاملة التي قررها الفقهاء والا عاد الى الاصل فرض الظهر. وقال ابن قدامة في المغني (2/246): "أن ما كان شرطا لوجوب الجمعة، فهو شرط لانعقادها، فمتى صلوا جمعة مع اختلال بعض شروطها، لم يصح، ولزمهم أن يصلوا ظهرا".
ان القول صلاة الجمعة تنعقد بما تنعقد به الجماعة لا يلزم منه جواز صلاة الجمعة في البيوت، (الحنفية والظاهرية، وابن تيمية من الحنابلة)، فأما االحنفية: فقد اشترطوا مع هذا الشرط شروطا اخرى تمنع القول بجوازها في البيوت ومن هذه الشروط : اولا: لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع أو في مصلى المصر ولا تجوز في القرى، ثانيا: الاذن العام، "أي أن يأذن للناس إذنا عاما بأن لا يمنع أحدا ممن تصح منه الجمعة عن دخول الموضع الذي تصلى فيه وهذا مراد من فسر الإذن العام بالاشتهار، اما الظاهرية فقد اشترط ابن حزم في المحلى ان تقام في المدن والقرى، والقرية عنده ثلاث بيوت، وهذا يشير على ان البيت ليس محلا لتقام فيه الجمعة، وان كان العدد بما تنعقد به الجماعة، وكذلك ابن تيمية اسقط الجمعة اذا اجتمعت مع العيد، وفي الخوف، وجعل الظهر بدلا عنها، وهذا يشير الى ان الاستقراء الفقهي من خلال سبر مذهبهم في فقه الصلاة والجمعة والقواعد المقررة عندهم انهم لا يتصور منهم القول بجواز الجمعة في البيوت وهو تكلف في غير محله، وحمل على هذا الشرط في غير موضعه.
وان قاعدة الاحتياط في العبادات التي يعني الأخذ بالثقة، والتأكد من الشيء للاطمئنان له، تسير بها الى عدم الاطمئنان الى ان القول بصلاة الجمعة في البيوت تجزأ عن صلاة الظهر لان القاعدة المستقرة في العبادات وجوب أدائها بكمالها، لتبرأ الذمة منها، فإن طرأ شك أو تردد في أدائها كاملة، أو في أداء بعض أركانها، فيجب على المكلف الأخذ والعمل بما هو أوثق وأحوط في دينه؛ لأن ذمته مشغولة بالعبادة المطلوبة يقيناً، فيجب أن تؤدى العبادة على وجه اليقين أو غلبة الظن لتبرأ الذمة؛ لأن الذمة إذا شغلت بيقين فلا تبرأ
ويُخشى كذلك ان يكون القول بالجواز قد يؤدي الى اثار يعض السلبيات ومن اهمها الاول: ارباك الناس واضطرابهم في فهم المراد من هذا الجواز خصوصا ان اغلاق المساجد شملت اغلب بلاد المسلمين، وليس كل المتلقين يمتلكوا تلك الثقافة الفقهية المقارنة والثاني: استهانة الناس بالشعيرة والمداومة عليها في البيوت، وترك المساجد بعد زوال الغمة، واستحضار هذه الفتوى في كل الاعذار التي وضعها الفقهاء في ترك الجمعة، خاصة وأن من أفتى بها استدعى نصوصا فقهية عامة لا تختص بكارثة أو وباء.
ونخلص في اخر المطاف الى عدم صحة صلاة الجمعة في البيوت وعدم إجزائها أو سقوط الفرض بها، وأن ما يجب العمل به هو الالتزام بالبقاء في البيوت وأداء الصلوات جماعة فيها، وصلاة الظهر بدل الجمعة مهما طال الوقت؛ حفاظاً على الأنفس والأرواح، وعملاً بالهدي النبوي: “صلوا في بيوتكم”، والتزاماً بقرار الحجر الصحي عند انتشار الاوبئة والامراض المعدية، فالحاصل أن عدم إقامة الجمعة عند عدم توفر شروطها هو الهدي النبوي، كما هو حالنا اليوم في ظل هذه الازمة الوبائية، .