مشروعية الحجر الصحي وحكمه عند انتشار الاوبئة والامراض المعدية
د. صلاح الدليمي / بغداد 15/ 3/ 2020
يعتبر الحجر الصحي من أهم الوسائل التي تتخذها الحكومات والدول في الحَدِّ من انتشار الأمراض الوبائية، هو مكان يعزل فيه أشخاص بعينهم وأماكن أو حيوانات قد تحمل خطر العدوى. وتتوقف مدة الحجر الصحي على الوقت الضروري لتوفير الحماية من مواجهة الأمراض الوبائية، حيث تتواجد صوراً مختلفةً للحجر الصحي والتي يتم تطبيقها اعتماداً على نمط العدوى والعوامل المتضمنة في انتشارها، وذلك بهدف مواجهة عملية الانتشار عبر الجسيمات الهوائية أو القطرات، أو من عبر الاتصال عن طريق الجلد، أو من خلال الاتصال عن طريق سوائل الجسم.
والحجر الصحي هو وسيلة من الوسائل التي تحافظ على النفس وهي إحدى الضروريات الخمس التي شدد الإسلام عليها، كقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]، ومنها قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].
ومن القواعد الهامة والاساسية التي يمكن من خلالها الاستدلال على اهمية الوقاية الصحية وسلامة البيئة والانسان والمحافظة عليها في النظام الفقهي والتشريعي للإسلام القاعدة المستفادة مما اخرجه الحاكم والبيهقي والدارقطني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر، ولا ضرار» وهذا دليل عام يشمل جميع أنواع الضرر بكل ما يدخل عن نفسه الضرر او الاضرار بالآخرين، واشد انواع الضرر وقوعا على البشر هو التماهي في عدم الوقاية من المرض، والتسبب في اصابة الاخرين به.
لا ريب أن الأمراض والأوبئة الفتاكة التي من طبيعتها الانتشار بالعدوى: تقاس على مرض الطاعون، من حيث أحكامه المتعلقة بما يسمَّى "الحجر الصحي". وقد حددت الشريعة الاسلامية مبادئ الحجر الصحي كأوضح ما يكون من خلال الاحاديث النبوية الصحيحة، ومن اهم تلك المبادئ:
اولا: منع اختلاط الاشخاص المصابين بغيرهم: وتندرج تحت هذه القاعدة الكثير من الاجراءات والوسائل او الخطوات الوقائية التي تقوم بها الحكومات كإغلاق المدارس والجامعات او عزل الاشخاص للمرضى في المستشفيات او في منازلهم وغيرها من تلك الاجراءات الوقائية ، او التي يتخذها الاشخاص بشكل طوعي.

  1. روى احمد في مسنده عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"، قال العيني في عمدة القاري (21/247) : "أعلم أن الله تعالى جعل ذلك سببا، فحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله عز وجل".
  2. ورى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يوردن ممرض على مصح». قال ابن حجر في الفتح (1/187) : "أي مريض على صحيح أو صاحب إبل مريضة على صاحب إبل صحيحة"، وقال النووي في شرح مسلم (14/214): "فأرشد فيه إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقدره"، قال البيهقي في الآداب ص 145: "فنهى عن ذلك لما في إيراده عليه من التأذي بالاختلاط الذي قد يجعله الله سببا لجرب بعير".

ثانيا: منع الخروج والدخول من المدن التي يضربها الوباء: وهذا يشمل كل الاجراءات التي تتخذها الحكومات من اجل السيطرة على انتشار الامراض الوبائية كاغلاق الحدود، والمعابر البرية والبحرية والجوية، واغلاق وسائل النقل العامة، والزام الناس بعدم التنقل بين المدن والاحياء او الحظر التجوال وغيرها .

  1. اخرج البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها". أن علة النهي عن القدوم عليه التحرز من العدوى. فإن السليم إذا دخل أرض وباء معد، لعرض نفسه للعدوى والإصابة، والنهي عن خروج من وقع الطاعون بأرض هو بها، عدم نقل العدوى من مكان الوباء إلى غيره، ومنع انتشاره، وقال ابن القيم في زاد المعاد (4 /42) : "وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها, ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه: كمال التحرز منه؛ فإن في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضاً للبلاء, وموافاة له في محل سلطانه, وإعانة للإنسان على نفسه, وهذا مخالف للشرع والعقل، بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد الله سبحانه إليها، وهي حمية عن الأمكنة، والأهوية المؤذية". ويقول د. محمد علي البار في كتاب العدوى بين الطب وأحاديث المصطفى: فمنع السليم من الدخول إلى أرض الوباء قد يكون مفهوماً بدون الحاجة إلى معرفة دقيقة بالمرض ولكن منع سكان البلدة المصابة بالوباء من الخروج وخاصة منع الأصحاء منهم يبدوا عسيراً على الفهم بدون معرفة واسعة بالعلوم الطبية الحديثة. فالمنطق والعقل يفرض على السليم الذي يعيش في بلدة الوباء أن يفر منها إلى بلدة سليمة حتى لا يصاب هو بالوباء !! ولكن الطب الحديث يقول لك: إن الشخص السليم في منطقة الوباء قد يكون حاملاً للميكروب. وكثير من الأوبئة تصيب العديد من الناس ولكن ليس كل من دخل جسمه الميكروب يصبح مريضاً… فكم من شخص يحمل جراثيم المرض دون أن يبدو عليه أثر من آثار المرض.

وهذا هو المعروف في عرف الطب في أرقى العصور بالعزل الصحي، أو الحجر الصحي، أي محاصرة المرض المعدي في أضيق حدوده، وهذا لا يتعارض مع الإيمان بالقضاء والقدر، ولا مع أن العدوى لا تؤثر بنفسها، بل بإرادة الله تعالى.

  1. روى ابن خزيمة من حديث عائشة مرفوعاً بسند حسن. قلت: يا رسول الله! فما الطاعون؟ قال: غدة كغدة البعير، المقيم فيها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف. وفي رواية احمد "والصابر فيه كالصابر في الزحف" : يقول المباركفوري في تحفة الأحوذي (4/149): يحرم الخروج منها لظاهر النهى الثابت في الأحاديث الماضية. وهذا هو الراجح عند الشافعية وغيرهم، ويؤيده ثبوت الوعيد على ذلك، وقال الصنعاني في التنوير (7/560): " الهارب من أرض نزل بها الطاعون، كالفار من الزحف وقد ثبت أن الفرار من الزحف كبيرة فيحرم الفرار من الطاعون، بل يجب البقاء في محله والتوكل على الله والرضى بما قضى به".
  2. وقد طبق هذا المنهج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يوم أن خرج إلى الشام، وعندما علم أن الوباء قد وقع بها، فدعا من معه فاستشارهم فاجتمع رأيهم على أن يرجع بالناس ... فقال أبو عبيدة بن الجراح وكان يكره أن يخالفه: أفرارا من قدر الله، فغضب عمر وقال: لو غيرك قال هذا يا أبا عبيدة، نعم أفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو أن رجلا هبط واديا له عدوتان واحدة جدبة والأخرى خصبة أليس إن رعى الجدبة رعاها بقدر الله، وإن رعى الخصبة رعاها بقدر الله. قال: ثم خلا بأبي عبيدة فتراجعا ساعة، فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجته، فجاء والقوم مختلفون فقال: إن عندي في هذا علما، ــــ ذكره له حديث اسامة المتقدم ذكره ــــ فحمد الله عمر، فرجع وأمر الناس أن يرجعوا.

والحجر الصحي مع قيام مقتضاه جائز في الشريعة, بل قد يكون من باب الوجوب محافظة على صحة العامة, ولو كان في الحجر الصحي مضرة ومفسدة خاصة إلا أننا نرتكبها لأننا ندفع به ضرراً عاماً ومفسدة عامة, وإذا تعارض ضرران روعي أشدهما بارتكاب أخفهما, ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح, والضرر العام مقدم على الضرر الخاص, ويستفاد من قاعدة (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة) فيجب عليه وجوب عين أن يراعي المصالح والمفاسد في رعيته حتى تستقيم أمورهم، ومنها منها : طاعته في الحجر الصحي على بعض المرضى إذا كانت المصلحة تدعو إلى الحجر عليهم ، فهذا أمر يجب طاعته فيه ولا تجوز مخالفته ؛ لأن فيه مصلحة وما كان فيه مصلحة فإنه تجب طاعته فيه، بل جاء المنع الشديد وكان الذنب كبيراً كالهارب من الزحف، لكل من يعرض الآخرين للخطر دون أن يشعر هو أو يشعر الآخرين .