قال الله تعالى : {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}آل عمران(159)
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذا الآية في كتابه ( تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 373 ) : ولذلك كان رسول الله r يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث ، تطييباً لقلوبهم ، ليكونوا أنشط لهم فيما يفعلونه .
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله في تفسيره لهذا الآية في كتابه ( فتح القدير ج 1 ص 496 ) : أي الذي يرد عليك ، أي أمر كان مما يُشاور في مثله ، أو في أمر الحرب خاصة كما يفيد السياق لما في ذلك من :
1-تطييب خواطرهم .
2-واستجلاب مودتهم .
3-ولتعريف الأمة بمشروعية ذلك حتى لا يأنف منه أحد بعدك .
4- استظهاراً بآرائهم ، الإمام القاسمي في كتابه ( محاسن التأويل ج 2 ص 496 ) .
وقال : والمراد هنا المشاورة في غير الأمور التي يرد الشرع بها .
وقال : قال ابن خوز منداد : واجب الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدنيا ، ومشاورة وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ، ووجوه الكتّاب والعمال والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها ، قال : وحكى القرطبي عن ابن عطية أنه لا خلاف في وجوب عزل من لا يستشير أهل العلم والدين .
قال الإمام القاسمي في كتابه ( محاسن التأويل ج 2 ص 496 ) : وقد ساق العلامة الرازي وجوهاً أخرى في فائدة أمره تعالى له عليه الصلاة والسلام بمشاورتهم ، منها :
1- أنه r وإن كان أكمل الناس عقلاً ، إلا أن علوم الخلق متناهية ، فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان ومن وجوه المصالح ما لا يخطر بباله ، لا سيما فيما يفعل من أمور الدنيا فإنه r قال : ( أنتم أعرف بأمور دنياكم ) . أخرجه أحمد ( 1402 ) والبزار ( 937) من حديث طلحة بن عبيد الله .
2- أن الأمر بمشاورتهم لا لأجل أنه r محتاج إليهم ، ولكن لأجل أنه إذا شاورهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في تلك الواقعة ، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها ، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله ، وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات ، وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد .
وقال : قال الخفاجي : في الآية إرشاد إلى الاجتهاد وجوازه بحضرته r .
وقال : قال الرازي : دلت على أنه r كان مأموراً بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه الوحي ، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة ، فلهذا كان مأموراً بالمشاورة .
وقال : قال بعض المفسرين : ثمرة الآية التمسك بمكارم الأخلاق وخصوصاً لمن يدعو إلى الله تعالى ويأمر بالمعروف .
وقال ابن الجوزي في تفسيره لهذه الآية:
اختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيه r بمشاورة أصحابه -مع كونه كامل الرأي، تام التدبير- على ثلاثة أقوال:
أحدها: ليستن به من بعده، وهذا قول الحسن وسفيان بن عيينة.
الثاني: لتطييب قلوبهم، وهو قول قتادة، والربيع، وابن إسحاق، ومقاتل، قال الشافعي -رحمه الله-: نظير هذا قوله r ( البكر تستأمر فيها نفسها ) ، إنما أراد استطابة نفسها، فإنها لو كرهت كان للأب أن يزوجها ، وكذلك مشاورة إبراهيم -عليه السلام- لابنه حين أمر بذبحه.
الثالث: للإعلام ببركة المشاورة، وهو قول الضحاك.
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في كتابه ( مختصر تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 432 ) وهذه الآية : {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} والآية الأخرى : {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}الشورى (38) اتخذها اللاعبون بالدين في هذا العصر – من العلماء وغيرهم – عدتهم في التضليل بالتأويل ، ليواطؤا صنع الإفرنج في منهج النظام الدستوري الذي يزعمونه ، والذي يخدعون الناس بتسميته ( النظام الديمقراطي ) ! فاصطنع هؤلاء اللاعبون شعاراً من هاتين الآيتين ، يخدعون بها الشعوب الإسلامية أو المنتسبة إلى الإسلام ، يقولون كلمة حق يراد بها الباطل ، يقولون : ( الإسلام يأمر بالشورى ) ، ونحو ذلك من الألفاظ .
وحقاً إن الإسلام يأمر بالشورى ، ولكن أي شورى يأمر بها الإسلام ؟ إن الله سبحانه يقول لرسوله r :{وََشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ} ومعنى الآية واضح صريح ، لا يحتاج إلى تفسير ، ولا يحتمل التأويل ، فهو أمر للرسول r ، ثم لمن يكون ولي الأمر من بعده : أن يستعرض آراء أصحابه الذين يراهم موضع الرأي ، الذين هم ألوا الأحلام والنهى ، في المسائل التي تكون موضع تبادل لأراء وموضع الاجتهاد في التطبيق ، ثم يختار من بينها ما يراه حقاً أو صواباً أو مصلحة ، فيعزم على إنفاذه غير متقيد برأي فريق معين ، ولا برأي عدد محدود ، لا برأي أكثرية ، ولا برأي أقلية ، فإذا عزم توكل على الله ، وأنفذ العزم على ما ارتاه .
ومن المفهوم البديهي الذي لا يحتاج إلى دليل : أن الذين أمر الرسول r بمشاورتهم ويأتسي به فيه من يلي الأمر من بعده هم الرجال الصالحون القائمون على حدود الله ، المتقون لله ، المقيمو الصلاة ، المؤدو الزكاة ، المجاهدون في سبيل الله ، الذين قال فيهم رسول الله r : ( ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ) ، ليسو هم الملحدين ، ولا المحاربين لدين الله ، ولا الفجار الذين لا يتورعون عن منكر ، ولا الذين يزعمون أن لهم أن يضعوا شرائع وقوانين تخالف دين الله ، وتهدم شريعة الإسلام ، هؤلاء و أولئك – من بين كافر وفاسق – موضعهم الصحيح تحت السيف أو السوط ، لا موضع الاستشارة وتبادل الآراء .
والآية الأخرى ، آية سورة الشورى كمثل هذه الآية وضوحاً وبياناً صراحة :{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}الشورى(38) ، ثم هي ما كانت خاصة بطرق لحكم وأنظمة الدولة ، إنما هي في خلق المؤمنين الطائعين المتبعين أمر ربهم أن من خلقهم أن يتشاوروا في شؤونهم الخاصة والعامة ، ليكون ديدنهم التعاون والتساند في شأنهم كله ، ومجال القول ذو سعة ، وفيما قلنا عبرة وعظة وكفاية ، إن شاء الله .
المراجع : تفسير القرآن العظيم لـ ابن كثير ، فتح القدير لـ الشوكاني ، محاسن التأويل لـ القاسمي ، مختصر ابن كثير لـ احمد محمد شاكر .
مواضع الشورى في سور القرآن :
سورة البقرة الآية : ( 233 ) ، سورة آل عمران الآية : (159) ، سورة الأعراف الآيات : (109 – 111) ، سورة الأنفال الآية: ( 30 ) ، سورة يوسف الآيات: ( 8-10- 15- 43- 83 ) ، سورة الشعراء الآيات: ( 34 - 36 ) ، سورة النور الآية: ( 62 ) ، سورة النمل الآية: ( 32 ) ، سورة الشورى الآية: ( 38 ) ، سورة الطلاق الآية: ( 6 ) وهي كما يلي :
الموضع الأول: قوله تعالى في سورة البقرة: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [سورة البقرة، الآية: 233 ].
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: قال بعضهم: عني بذلك: فإن أراد فصالا في الحولين عن تراض منهما وتشاور، فلا جناح عليهما.
وهذا في موضوع إرضاع الصبي، ووجوب التشاور حول فطامه، ومن يرضعه ومقدار الأجرة لذلك؟!!
الموضع الثاني : قوله تعالى في سورة آل عمران: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [ سورة آل عمران، الآية 159 ].
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله أمر -تعالى ذكره- نبيه r أن يشاورهم ، وما المعنى الذي أمره أن يشاورهم فيه؟ فقال بعضهم: أمر الله نبيهr بقوله: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) بمشاورة أصحابه في مكايد الحرب وعند لقاء العدو ، تطييبا منه بذلك لأنفسهم ، وتألفا لهم على دينهم ، وليروا أنه يسمع منهم ، ويستعين بهم ، وإن كان الله U قد أغناه بتدبيره له أموره وسياسته إياه، وتقويمه أسبابه عنهم.
الموضع الثالث : قوله تعالى عن قصة فرعون مع موسى: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [سورة الأعراف، الآيات: 109 - 111]
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: قال فرعون للملأ: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}يقول: فأي شيء تأمرون أن نفعل في أمره ، بأي شيء تشيرون فيه .
الموضع الرابع : قوله تعالى في سورة الأنفال: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [ سورة الأنفال، الآية: 30 ].
قال قتادة ومقسم: تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة ، فقال بعضهم : إذا أصبح فأوثقوه بالوثاق ، وقال بعضهم : بل اقتلوه ، وقال بعضهم : بل أخرجوه .
الموضع الخامس : قوله تعالى عن إخوة يوسف: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}[سورة يوسف، الآيات: 8-10 ]
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: قال إخوة يوسف بعضهم لبعض: اقتلوا يوسف، أو اطوحوه في أرض من الأرض ، ثم قال: قال ابن إسحاق في قوله -تعالى-: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ} ذكر لي -والله أعلم- أن الذي قال ذلك منهم روبيل الأكبر من بني يعقوب، وكان أقصدهم فيه رأيا .
ثم قال بعد ذلك: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [ سورة يوسف، الآية: 15 ].
قال الطبري في قوله: (وَأَجْمَعُوا) يقول: وأجمعوا رأيهم وعزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب .
الموضع السادس : قوله تعالى في سورة يوسف حكاية عن العزيز عندما رأى الرؤيا، حيث جمع ملأه، ثم قال لهم: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ} [ سورة يوسف، الآية: 43 ].
قال ابن الجوزي: فدعا أشراف قومه ، فقصها عليهم .
الموضع السابع : في قصة السرقة التي ذكرها الله في آخر السورة، وبعد أن بذلوا محاولاتهم لأن يطلق يوسف سراح أخيهم، فلما عجزوا ماذا حدث؟ قال الله -تعالى-: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [ سورة يوسف، الآية: 80]
قال ابن الجوزي: {خَلَصُوا نَجِيّاً} أي اعتزلوا الناس، ليس معهم غيرهم، يتناجون ويتناظرون ويتشاورون .
فهذه الآيات مثال عملي على مزاولة الشورى، وهي منهج قد ألفوه، فقد تشاوروا عندما أرادوا التخلص من يوسف، وتشاوروا عندما وقعوا في مشكلة السرقة.
الموضع الثامن : في سورة الشعراء: {قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [ سورة الشعراء، الآيات: 34 - 36. ].
الموضع التاسع: قوله تعالى في سورة النور: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [ سورة النور، الآية: 62 ].
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: (عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ)يقول: على أمر يجمع جميعهم من حرب حضرت، أو صلاة اجتمع لها، أو تشاور في أمر نـزل (لَمْ يَذْهَبُوا) يقول: لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الأمر، حتى يستأذنوا رسول الله r .
الموضع العاشر : قوله تعالى في سورة النمل، في ذكر ملكة سبأ وقصتها مع سليمان -عليه السلام-:{قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ} [ سورة النمل، الآية: 32 ].
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: قالت ملكة سبأ لأشراف قومها: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} تقول: أشيروا علي في أمري الذي قد حضرني من أمر صاحب هذا الكتاب الذي ألقي إليّ، فجعلت المشورة فتيا.
{مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ}تقول: ما كنت قاضية أمرا في ذلك حتى تشهدون، فأشاوركم فيه.
الموضع الحادي عشر : قوله تعالى في سورة الشورى: مبينا بعض صفات المؤمنين، ومثنيا عليهم في ذلك: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [ سورة الشورى، الآية: 38 ].
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية:وإذا حزبهم أمر تشاوروا فيما بينهم.
الموضع الثاني عشر: وقال -سبحانه- في سورة الطلاق: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [ سورة الطلاق، الآية: 6 ] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} أي: ولتكن أموركم فيما بينكم بالمعروف من غير إضرار ولا مضارة .
في موضوع إرضاع الصبي ، ووجوب التشاور حول فطامه ، ومن يرضعه ومقدار الأجرة لذلك؟!!
الشورى في السنة
وقد ثبت مشاورته r لأصحابه في عدة أمور منها :
1- مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لخديجة -رضي الله عنها- منذ بعثته حتى وفاتها .
2- استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه في مكة، ومن أبرز الوقائع في ذلك حادثة الهجرة، واتخاذ الترتيبات لذلك .
مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في غزوة بدر ومن ذلك :
3- ما حدث في بدر من مشاورة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في عدة مواضع أهمها:
(أ) استشارته لأصحابه قبل اتخاذ قرار المواجهة مع قريش ، فعندما أتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عيرهم استشار الناس بعد أن أخبرهم بقدوم قريش ، فقام عدد من الصحابة من المهاجرين كأبي بكر والمقداد بن عمرو ، وأشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يمضي لما أراه الله ، فهم موافقون لأي قرار يتخذه ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد رأي الأنصار تنفيذا لما تم الاتفاق عليه في بيعة العقبة ، فقال: ( أشيروا علي أيها الناس ) فقام سعد بن معاذ ، وتكلم عن الأنصار ، وكان مما قال : فامض لما أردت فنحن معك ، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر بعد أن سمع من المهاجرين والأنصار ، ولم يخالف في ذلك أحد منهم .
(ب) عندما نـزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر ، وقبل الوصول إلى الماء جاء الحباب بن المنذر ، وأشار على رسول الله أن يغير المكان إلى مكان أفضل منه من الناحية الحربية ، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَبِل مشورته .
(ج) وقمة الاستشارة في هذه الغزوة استشارته في أسارى بدر ، فقد روى الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار الناس يوم بدر في الأسارى فقال: ( إن الله قد أمكنكم منهم ) فأشار عليه عدد من الصحابة بعدة آراء ، وهي تدور على: إطلاق سراحهم ، أو الفداء ، أو القتل ، وكان ممن أشار بالعفو مع الفداء : أبو بكر ، وأشار عمر بضرب أعناقهم ، وقد أخذ صلى الله عليه وسلم برأي أبي بكر ، فأخذ منهم الفداء ، وأطلق سراحهم ، ونـزل القرآن موافقا لرأي عمر حيث قال سبحانه:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، [ سورة الأنفال، الآيتان: 67، 68 ].
4- مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في غزوة أحد : استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته قبل غزوة أحد ، هل يقاتلون من داخل المدينة ، أم يخرجون إلى خارجها ، وقال : أشيروا علي : وقد أشار عدد من الصحابة بأن يبقوا داخل المدينة ، فإن دخلت قريش عليهم قاتلوهم في الأزقة ، ورموهم من فوق الصياصي والآطام ، وقد كانت المدينة شبه محصنة ، وكان هذا رأي كبار الصحابة ، وهو رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يعزم عليهم ، ولذلك قال بعض الفتيان ممن لم يشهدوا بدراً ، وكانوا يتشوقون للجهاد ليبلوا كما أبلى أصحاب بدر ، حيث إنهم لم يشهدوها ، فقد قال هؤلاء : اخرج بنا إلى عدونا ، وأيدهم بعض كبار الصحابة كحمزة ، وسعد بن عبادة ، والنعمان بن ثعلبة ، وغيرهم ، وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي هؤلاء ، وعندما لبس لامته ودرعه ، خشي أولئك أنهم استكرهوه ، فعادوا إلى رأيه ، فأبى صلى الله عليه وسلم بعد أن عزم على الخروج ، فخرج .
5- مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في قصة الإفك : إستشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب ، وأسامة بن زيد في قصة الإفك ، وبخاصة ما يتعلق بعائشة -رضي الله عنهم أجمعين ، فأما أسامة فأثنى خيراً ، ثم قال : يا رسول الله ، أهلك ولا نعلم منهم إلا خيراً ، وأما علي فقال : يا رسول الله إن النساء لكثير ، وسل الجارية فإنها تصدقك ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة يسألها... الحديث .
6- مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه غزوة الخندق :في غزوة الخندق كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح بينه وبين عيينة بن حصن على ثلث ثمار المدينة على ألا يقاتلوا مع الأحزاب ، وقبل إكمال إجراءات العقد والإشهاد عليه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ يستشيرهما في ذلك ، فقالا: أمرا تحبه فنصنعه ، أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ، أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال : ( لا ، بل شيء أصنعه لكم ) ، فذكر سعد بن معاذ أنهم لا يرون ذلك ، وأيده سعد بن عبادة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيهما وألغى الكتابة مع عيينة بن حصن .
7- مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الحديبية : وفي الحديبية شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته في أكثر من مرة ومنها:
(أ) لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة قاصدا مكة محرماً ، ووصل إلى غدير الأشطاط جاءه رجل فقال له : إن قريشا قد جمعوا لك جموعاً ، وقد جمعوا لك الأحابيش ، وهم مقاتلوك ، وصادوك ، ومانعوك ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( أشيروا أيها الناس علي : أترون أن نميل على عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟ أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا قاتلناه؟ ) ، فأشار عليه أبو بكر بالخيار الثاني ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( فامضوا على اسم الله تعالى ) الحديث .
(ب) ذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استدعى عمر- رضي الله عنه ، وطلب منه أن يذهب إلى قريش لإخبارها بقصد الرسول صلى الله عليه وسلم من مقدمه إلى مكة ، فأشار عليه عمر أن يرسل عثمان بن عفان لأسباب ذكرها ، فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم برأيه وأرسل عثمان رضي الله عنه .
(جـ) لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب مع سهيل بن عمرو ، أمر الصحابة أن يحلوا بالحلق بعد النحر ، فما قام منهم رجل واحد ، وقال ذلك ثلاث مرات ، فلم يفعلوا ، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها ، وذكر لها ما لقي من الناس ، فأشارت عليه أم سلمة أن يخرج ثم ينحر بدنه ولا يكلم أحدا منهم ، ثم يدعو حالقه فيحلقه ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل ما أشارت به أم سلمة من النحر والحلق ، فلما رأى الصحابة ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتى
كاد بعضهم يقتل بعضا غما .
مواضع الشورى في سور القرآن ، والشورى في السنة من كتاب : ( فقه الاستشارة للشيخ أ . د. ناصر بن سليمان العمر ، حفظه الله) بتصرف .
فما كان فيها من صواب فمن الله وحده ، وما كان فيها من خطأ فمن نفسي والشيطان ، والله تعالى ورسوله بريئان .