إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

المبالغة في توظيف المقاصد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • المبالغة في توظيف المقاصد

    المبالغة في توظيف المقاصد

    لا مراء في أن لمعرفة مقاصد الأحكام الشرعية فائدة جليلة في التّفقُّه والاستنباط وتنزيل الأحكام الشرعية (تحقيق المناط)، ولكن الباحث ينبغي أن يكون على حذر في توظيف المقاصد حتى لا يخرج عن جادة التحقيق العلمي، ويحشر الأمور في غير مواضعها.
    ولما كان التأليف في مقاصد الشريعة يهدف أساسا إلى إعانة الدارس على التفقُّه في أحكام الدين، فإنه ينبغي التدقيق في الأمثلة حتى لا تكون مثارا للتشويش في أذهان القُرّاء بدلا من التفقُّه.
    وقد رأيت شيئا من قِلَّة التدقيق في إطلاق القواعد وفي تحرير الأمثلة فيما كُتب في مقاصد الشريعة والقواعد الفقهية وتخريج الفروع على الأصول. وهذا تنبيه على بعض الأمثلة وردت في كتاب من كتب مقاصد الشريعة. وليس المراد منه لمز الكتاب وصاحبه ولا التنقيص من قدرهما الجليل، وإنما هي مدارسة للإسهام في إثارة ملكة التدقيق والتمحيص عند القراءة وعند التأليف.

    جاء في أحد الكتب القيّمة في مقاصد الشريعة عند الحديث عن الترجيح بين المقاصد:
    (ومن أمثلة ذلك ما انتهجته عائشة رضي الله عنها في ردها خبر ابن عمر في أن الميت يعذب ببكاء أهله، رادة ظاهر الحكم الذي يتضمنه، مرجحة عليه الحكم الذي يتضمنه قوله تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" (الأنعام/164)، فهذا الترجيح لدليل على آخر، وبالتالي لحكم على آخر إنما تم جراء تحديد المقصد الشرعي لكل منهما وتقدير نوعه ودرجته، إذ المقصد الشرعي من خبر ابن عمر هو منع الأذى عن السامعين الذن يتأذون بالعويل على الميت، أو لعله قطع الطريق على وساوس النفس بالاحتجاج على قدر الموت، بيمنا المقصد الشرعي من الحكم بأن لا تزر وازرة وزر أخرى هو تحقيق العدالة بين الناس، وهو مقصد ضروري وكلي وأصلي، وليس المقصد الأول كذلك). انتهى كلام المؤلف. (مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة للدكتور عبد المجيد النجار، ص244)

    والواقع أن ما فعلته عائشة رضي الله عنها ليس فيه ترجيح مقصد على مقصد، وإنما هو حكمٌ منها بعدم صحة الخبر بالطريقة التي نُقل بها لأنه يُعارض قاعدة كلية ونصا قطعيّا في القرآن الكريم، وهو (لا تزر وازرة وزر أخرى). ولذلك ذهب من ذهب ممن أثبت صحة الخبر إلى تأويل معناه بمن أوصى بالنواح عليه فيكون مسؤولا عن ذلك الفعل.
    فما فعلته عائشة رضي الله عنها لا مدخل فيه للموازنة بين المقاصد الكلية والجزئية، أو الضرورية وغير الضرورية، أو الأصلية والتبعية. وإنما هو الاعتراض على خبر لما رأته فيه من مخالفة قاعدة كلية مقطوع بها.

    وجاء في الكتاب نفسه:
    (ومن أمثلة ذلك أيضا ما انتهجه عامة الفقهاء من الحكم بمنع أن يسلِّم المسلمون أموال السفهاء إليهم ويمكنوهم منها استنتاجا من قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) (النساء/5) مرجحين هذا الحكم على الحكم بمنع أن يسلِّم أي مسلم ماله إلى السفهاء، وهما حكمان يحتملهما نص الآية، ولكن رُجح الأول بناء على تحديد المقصد الشرعي من كل منهما، إذ الحكم الأول مقصده أن تكون كل أموال الأمة مصونة عن عبث السفاهة باعتبار أن المال وإن كان مملوكا للأفراد فإن لمجموع الأمة فيه حقوقا، فهو مقصد كلي، بينما الحكم الثاني مقصده صيانة مال الأفراد عن عبث السفهاء، فهو مقصد جزئي، والكلي من المقاصد مقدم على الجزئي منها.) انتهى كلام المؤلف. (مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة للدكتور عبد المجيد النجار، ص244-245)

    وتمام الآية التي يشير إليها المؤلف: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا)
    والواقع أن ترجيح كون المعنى هو عدم تمكين السفهاء من التصرف المطلق في أموالهم، لما يؤدي إليه ذلك من تضييع للأموال وإهدار لها في غير فائدة، هو سياق الآية وما حملته من قرائن، منها قوله عز وجل: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا)، فرزقهم وكسوتهم تجب في أموالهم الخاصة، والقول المعروف لما قد يجده السفهاء في أنفسهم أو يصدر منهم من مكروه بسبب منعهم من التصرف المطلق في أموالهم.
    ولا علاقة لهذا الترجيح بالمقاصد الكلية والمقاصد الجزئية سواء قلنا إن المال هو مال السفهاء أو هو مال غيرهم من القيّمين عليهم. كما أن اللجوء إلى الترجيح بين المصالح إنما يكون في حال التعارض، وليس هنا أي وجه للتعارض بين مصلحة كلية ومصلحة جزئية. وحتى إذا أخذنا بفكرة صاحب الكتاب في أن من المقاصد الكلية أن تكون الأموال مصونة عن عبث السفاهة فإن هذا ينطبق على أموال أهل الرشد وأموال أهل السّفه جميعا ولا يكون مخصوصا بمال صنف دون صنف. وبذلك يكون غير صالح للترجيح.

    وما دام صاحب الكتاب قد أحال في تفسير الآية على ابن عاشور، فهذا كلام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في بيان معنى الآية، حيث الترجيح بالسياق لا بالمقاصد:
    يقول ابن عاشور: (والمراد بالأموال أموال المحاجير المملوكة لهم، ألا ترى إلى قوله: (وارزقوهم فيها) وأضيفت الأموال إلى ضمير المخاطبين ....) إلى آخر الكلام.
    ولا يوجد في كلام ابن عاشور إشارة إلى الترجيح بين مقاصد الأحكام، وإنما هو ترجيح بدلالة السياق.
    هذا، والله أعلم

  • #2
    رد: المبالغة في توظيف المقاصد

    أحسن الله إليكم

    تعليق


    • #3
      رد: المبالغة في توظيف المقاصد

      بارك الله فيكم // هذا ما يسمى بالتحقيق والتنقيح والمتابعة
      جزاكم الله خيرا

      تعليق


      • #4
        رد: المبالغة في توظيف المقاصد

        جزاك الله تعالى كل خير د.نعمان

        تعليق


        • #5
          رد: المبالغة في توظيف المقاصد

          مسألة في غاية الأهمية وما أحوجنا إلى مراعاتها في بحوثنا دروسنا المقاصدية حتى لا نقع في "تقصيد الشرع ما لا يقصد"، وفي ضلال وإضلال والعياذ بالله.

          تعليق


          • #6
            رد: المبالغة في توظيف المقاصد

            جعل المقاصد ميزانا لقبول الأحاديث وردها مهيع خطير لنقض الشريعة وقد دعا إليه بعض المعاصرين ممن استهواهم بريق المقاصد للإسف !َ

            تعليق


            • #7
              رد: المبالغة في توظيف المقاصد

              بوركتم أخي د. نعمان.
              نعم هناك مبالغة في توظيف ما يظن مقصدا (ولا أقول المقاصد) من كثيرين. وهو أمر قديم على التحقيق، وإن كان قد اشتد في العصر الحاضر لكثرة المتمجهدين وضعف "موضة" التقليد.
              ومع التسليم بأن الشأن ألّا يُعترض على المثال، لأن التشاحَّ في الأمثلة لا يعود على القواعد بالنقض (ذكر هذا الغزالي وغيره) إلا إن مناقشتها والبحث عن بديل، لا شك، مُثرٍ للمادة الأصولية محقِّقٌ للغرض منها.
              وكما أنّ في توظيف ما يظن مقصدا مبالغة في هذا العصر، فإنه لا ينبغي التغافل عن أنّ هناك مبالغةً أيضًا في توظيف ما يُظن ظاهرًا. ولعل هذه أخطر من الأولى. فهذا عصر الظاهرية الجامدة بامتياز، وما داعش وأضرابهم من المشتغلين بالروايات، دون اعتبار أئمة الفقه ولا أصول الاستنباط، عنا ببعيد.
              التعديل الأخير تم بواسطة د. أيمن علي صالح; الساعة 15-04-09 ||, 12:31 PM.
              " من عَرَف كتاب الله نصَّاً واستِنباطاً استَحَقَّ الإمامةَ في الدِّين "الإمام الشافعي
              الكتب والبحوث المنشورة
              موا ضيعي في الملتقى


              تعليق


              • #8
                رد: المبالغة في توظيف المقاصد

                سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
                فإن المقاصد علم جليل لكنه كذلك باب نخشى أن يؤتى الدين من قِبله، فكان مقالكم في الصميم.
                بارك الله فيكم ونفع بعلمكم.
                والسلام عليكم

                تعليق


                • #9
                  رد: المبالغة في توظيف المقاصد

                  وفقكم الله وأعانكم

                  تعليق


                  • #10
                    رد: المبالغة في توظيف المقاصد

                    السلام عليكم إخوتي الأفاضل وأخواتي الفضليات،شكرا أخي الفاضل د/ نعمان على إشاراتك القيمة وتوجيهاتك النيرة وأنت صاحب الاختصاص،والجدير بالذكر في هذا السياق أنه لما ظهرت المذاهب الفقهية المعروفة اشتغل كل أتباع مذهب بجمع وتحرير أقوال إمام مذهبهم، ووضع أصول المذهب وتقعيد قواعده، واتسعت دائرة الخلاف إلى أن أصبحت مواطن الاتفاق قليلة جداً، وقد نشأ عن الاختلاف في القواعد اختلاف كبير في الفروع.
                    ولهذه الاعتبارات ظهرت الارهاصات الأولية لعلم المقاصد بهدف تقليل الخلاف الحاصل بين الفقهاء في استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية باعتماد قاعدة المصالح ومقاصد الشريعة كقضايا كلية تضبط الفهم وترسخ الأهداف الحقيقة من الوجود الإنساني ,والكيفية التي بها يعيش ويتعامل مع غيره ومع ظروف الحياة ونواميس الكون؛ تؤكد أن اعتبارها كفيل بحفظ بنية العقل من الشطط أو الوهم، وكفيل أيضاً بتنظيم العقل وترتيب أولويته في الذهن، لذلك قام الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله وقد عَلِم بهذا الدور الكبير الذي تؤسسه وتعمقه المقاصد في بنية العقل إلى محاولة ضبط المقاصد حتى لا يختلط المقصد بالوسيلة ولا الكلية بالجزئية.فجعل رحمه الله للمقصد المعتبر أربعة شروط لابد من توافرها وهي:
                    أ . الظهور: بمعنى أن يكون المقصد واضحاً لا تختلف أنظار المجتهدين في الاتجاه إليه وتشخيصه بعيداً عن كل التباس أو مشابهة، وذلك مثل اتفاقهم على تشريع القصاص لحفظ النفوس.
                    ب . الثبوت: بمعنى ان تكون تلك المعاني مجزوماً بتحققها أو مظنوناً بوجودها ظناً قريباً من الجزم.
                    ج.الانضباط: أي أن يكون للمقصد الشرعي حدّ معتبر وقدر معين لا يتجاوزه، فلايؤدي إلى وقوع الحرج المرفوع شرعاً ونفور البشر من التشريع ولا تقصير عنه فيؤدي إلى ضعف الوازع الديني في النفوس وفقدان الشريعة لهيبتها وسلطانها على الخلق.
                    د.الاطراد: بمعنى أن لا يكون المعنى مختلفاً باختلاف أحوال الأفكار والقبائل والأعصار.
                    فهذه الشروط والضوابط المحددة للمقصد المعتبر هي لاشك ضوابط محددة للتفكير الموضوعي والاستدلال الصحيح والفهم الشامل الذي يحتاجه العقل الواعي في دوره الحضاري المنشود.والله تعالى أعلم
                    ذهب رجل إلى سفيان الثورى،وقال: "يا سفيان لقد ابتليت بمرض فى قلبى ، فصف لى دواء ".فقال لــه سفيان:عليك بعروق الإخلاص،وورق الصبر،وعصير التواضع،ضع هذا كله فى إناء التقوى،وصب عليه ماء الخشية،وأوقد عليه نار الحزن على المعاصى والذنوب،صفيه بمصفاة المراقبة،وتناوله بكف الصدق،واشربه من كأس الإستغفار، وتمضمض بالورع،وابتعد عن الحرص والطمع،تُشفى من مرضك بإذن الله.

                    تعليق


                    • #11
                      رد: المبالغة في توظيف المقاصد

                      السلام عليكم
                      شكرا لدكتور نعمان مبارك على هذه القضية خصوصا لمن هم في بداية الطريق في مجال العلم الشرعي و بالأخص في علم المقاصد
                      فالهيمة المقاصدية على الفكر الاستنباطي( الغير مضبوط ) اصبح له الأثر السلبي على علم الاصول

                      تعليق


                      • #12
                        رد: المبالغة في توظيف المقاصد

                        السلام عليكم
                        شكر خاص لدكتور أيمن صالح على كلمة " المتمجهدين "

                        تعليق


                        • #13
                          رد: المبالغة في توظيف المقاصد

                          السلام عليكم - لا أتفق مع استاذنا الدكتور نعمان فيما طرحه ، فالرجل أراد أن يدافع عن الشريعة ، فوقع في محظور آخر وهو اظهارها بمظهر الشتات ، فالشريعة متقنة ومحكمة كالكون تماما بتمام ،فكما أنه مشدود الى سنن ونواميس وقوانين ،فالشريعة كذلك ، فالذي أحكم الخلق هو ذاته –سبحانه وتعالى- الذي أحكم الامر ، فقول استاذنا الفاضل (فما فعلته عائشة رضي الله عنها لا مدخل فيه للموازنة بين المقاصد الكلية والجزئية، ... وإنما هو الاعتراض على خبر لما رأته فيه من مخالفة قاعدة كلية مقطوع بها.) قول صحيح ، لكن هل هذه القاعدة الكلية معلقة في الهواء وغير مشدودة بسبب الى مقصد كلي عام؟! الذي يظهر لي ان القاعدة المذكورة تندرج تحت مقصد خاص بباب العقوبات وهو المسؤولية الفردية عن أفعال الانسان –مباشرة أو بالتسبب- في الدنيا والاخرة ، وهذا المقصد الخاص يندرج تحت مقصد عام وهو تحقيق العدل بين الناس ، وبالتالي فاستدراك استاذنا الدكتور نعمان على الدكتور النجار لا يخلو من النظر، والله اعلم


                          تعليق


                          • #14
                            رد: المبالغة في توظيف المقاصد

                            بالرغم من مبالغة البعض في إعمال المقاصد والاهتمام بها من قبل الفقهاء المعاصرين والعلمانيين إلا إنه على المستوى المطلوب تفعيلا وإنتاجا ليس بذاك

                            تعليق


                            • #15
                              رد: المبالغة في توظيف المقاصد

                              المشاركة الأصلية بواسطة احمد عبد المجيد مكى مشاهدة المشاركة
                              لكن هل هذه القاعدة الكلية معلقة في الهواء وغير مشدودة بسبب الى مقصد كلي عام؟! الذي يظهر لي ان القاعدة المذكورة تندرج تحت مقصد خاص بباب العقوبات وهو المسؤولية الفردية عن أفعال الانسان –مباشرة أو بالتسبب- في الدنيا والاخرة ، وهذا المقصد الخاص يندرج تحت مقصد عام وهو تحقيق العدل بين الناس ،
                              هذا الذي تفضلتم بتسميته "مقصد خاص بباب العقوبات" هو الذي سميته "قاعدة" نص عليها القرآن الكريم بأنه "لا تزر وازرة وزر أخرى". وكل ما في الأمر أنكم سميتموها مقصدا بدلا من قاعدة. والأظهر عدّها قاعدة لا مقصدا؛ لأنها مبدأ يحكم المسؤولية عن التصرفات والأفعال الفردية، وليست أمرا يقصد الشارع إلى تحقيقه من وراء تشريع ما. والله أعلم.

                              تعليق

                              يعمل...
                              X