بسم الله الرحمن الرحيم
استدلالات لا تثبت في اثبات النقد في زكاة الفطر
الحمد لله رب العلمين وبعد , إن من الأمور التي شغلت الناس هذه الأيام قضية القيمة والمطعومات في زكاة الفطر , وهذه من الخلافات التافهة التي يشعلها العوام لإثارة الخصومات والنزاعات الفارغة , لذلك أقول أن هذا الأمر لا ينبغي أن يكون مدار حديث العوام بل ينبغي أن يكون مدار أهل الصنعة فلكل حرفة أهلها وللفقه وعلوم الشريعة أهلها وطلابها الذين ينبغي أن يدرسوا القضية من زواياها العلمية مع رحابة صدر للمخالف , ومحبة له في الله , فهذه الخلافات الجزئية لا توجب لا تكفيرا ولا تبديعا ولا تفسيقا , فمن أخذ بما دلت عليه النصوص فهو الأولى والأفضل والأكمل ومن رأى الأخذ بالقيمة فلا حرج عليه خاصة إذا ألجأته الضرورة إلى ذلك علما أنه قول معتبر قال به جلة من العلماء والتابعين ولعل أجلهم في هذا المقام عمر بن عبد العزيز رحمه الله وقد استدل لهذا القول ببعض الأدلة التي لا تثبت لذلك أردت أن أنبه عليها وهي كالآتي :

  • الاستدلال بحديث معاذ الذي ذكره البخاري تعليقا في صحيحه وخرجه البيهقي في السنن الكبرى

أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب , ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، قال: قال معاذ يعني ابن جبل باليمن: " ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة "[1]
هذا الحديث فيه انقطاع في السند بين طاوس ومعاذ بن جبل فهو منقطع كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : (وقال طاوس قال معاذ لأهل اليمن هذا التعليق صحيح الإسناد إلى طاوس لكن طاوس لم يسمع من معاذ فهو منقطع....)[2]
قال البيهقي : (قال أبو بكر الإسماعيلي فيما أخبرنا أبو عمرو الأديب عنه حديث طاوس عن معاذ إذا كان مرسلا فلا حجة فيه، وقد قال فيه بعضهم من الجزية بدل الصدقة. قال الشيخ: هذا هو الأليق بمعاذ والأشبه بما أمره النبي صلى الله عليه وسلم به من أخذ الجنس في الصدقات وأخذ الدينار أو عد له معافر ثياب باليمن في الجزية , وأن ترد الصدقات على فقرائهم لا أن ينقلها إلى المهاجرين بالمدينة الذين أكثرهم أهل فيء لا أهل صدقة والله أعلم) .
فهذا الأثر كما ترى منقطع والمنقطع من أنواع الضعيف الذي لا حجة فيه كما قال أبوبكر الإسماعيلي لكن يرد هنا أمران :

  • الأمر الأول أن البخاري احتج به وجاءبه معلقا بصيغة الجزم , فهل كل ما يعلقه البخاري هو صحيح عنده , قد وضح الحافظ في الفتح أن ماعلقه يكون صحيحا إلى من علقه عنه ثم يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك السند وقد يكون هذا المعلق صحيحا عند غير البخاري أو حسنا أوضعيفا

قال الحافظ : (فالصيغة الأولى يستفاد منها الصحة إلى من علق عنه لكن يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث فمنه ما يلتحق بشرطه ومنه ما لا يلتحق......)[3]
وقال : ( وأما ما لا يلتحق بشرطه فقد يكون صحيحا على شرط غيره وقد يكون حسنا صالحا للحجة وقد يكون ضعيفا لا من جهة قدح في رجاله بل من جهة انقطاع يسير في إسناده.....)[4]
فتبين من كلام الحافظ أنه ليس كل ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم فهو صحيح فمنه صحيح ومنه حسن ومنه ضعيف , ولكن صيغة الجزم تقتضي صحة الإسناد إلى من علق عنه , وفي حديث معاذ السالف السند صحيح إلى طاوس ولكنه منقطع إلى معاذ بن جبل , فالحكم العام على السند أنه ضعيف للإنقطاع فهو منقطع والمنقطع من أنواع الضعيف .

  • الأمر الثاني احتجاج البخاري به :

قال الحاقظ ابن حجر : (إلا أن إيراده له في معرض الاحتجاج به يقتضي قوته عنده وكأنه عضده عنده الأحاديث التي ذكرها في الباب...)
إذا فقوة الحديث وحجيته عند البخاري مبنية حسب الحافظ ابن حجر على صحة الأحاديث التي أوردها بعده ودلالتها على نفس دلالة حديث معاذ , فهل الأحاديث التي أوردها البخاري لها نفس الدلالة وكيف أجاب الجمهور عنها ؟
أورد البخاري بعد الترجمة التي هي حديث معاذ حديث من بلغت صدقته بنت مخاض قال : (حدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة، أن أنسا رضي الله عنه حدثه: أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم: «ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده، وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء»[5]
قال الحافظ في بيان وجه الدلالة من الحديث : (وموضع الدلالة منه قبول ما هو أنفس مما يجب على المتصدق وإعطاؤه التفاوت من جنس غير الجنس الواجب وكذا العكس..)
إذا وجه الدلالة أنه يمكن الأستعاضة عن التفاوت بين الجنسين بالقيمة ,أجاب الجمهور عن هذا بقولهم : ( لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأنه لو كان كذلك لكان ينظر إلى ما بين الشيئين في القيمة فكان العرض يزيد تارة وينقص أخرى لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل في مثل ذلك ولولا تقدير الشارع بذلك لتعينت بنت المخاض مثلا ولم يجز أن تبدل بنت لبون مع التفاوت والله أعلم )[6]
خلاصة رد الجمهور أن هذا التقدير في التفاوت والعوض قد حدده الشرع وبينه وأجازه ولولم يكن كذلك لما جاز .
وقد أورد بعضهم إيرادا ثالثا وهو أنه ليس كل حديث ضعيف لا يعمل به ولكن إذا كان ضعيف الإسناد وتلقته الأمة بالقبول عمل به , الجواب أن هذا ليس من الأحاديث التي تقبلتها الأمة بالقبول والدليل على ذلك أن الجمهور لم يحتج به .



  1. الاستدلال بالحديث الذي الإمام أحمد[7] والبيهقي في السنن الكبرى قال: (وأما الذي رواه مجالد عن قيس بن أبي حازم، عن الصنابحي الأحمسي، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر ناقة مسنة في إبل الصدقة فغضب وقال: " قاتل الله صاحب هذه الناقة " فقال: يا رسول الله إني ارتجعتها ببعيرين من حواشي الصدقة قال: " فنعم إذا " , وهذا فيما أنبأني أبو عبد الله الحافظ أن أبا الوليد أخبرهم , أنبأ الحسن بن سفيان , ثنا أبو بكر بن أبي شيبة , ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن المجالد فذكره)[8]

قال البيهقي : (فقد قال أبو عيسى: سألت عنه البخاري فقال: روى هذا الحديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في إبل الصدقة مرسلا وضعف مجالدا... )[9]
قال محققوا المسند : (حديث ضعيف، وهذا إسناد اختلف فيه على قيس بن أبي حازم، فرواه مجالد- كما في هذه الرواية- عنه، عن الصنابحي مرفوعا، ومجالد بن سعيد ضعيف، ورواه إسماعيل بن أبي خالد- كما عند البخاري في "التاريخ الصغير" 1/168، والبيهقي 4/114- عنه مرسلا، وقال البخاري: ولم يصح حديث الصدقة. والصنابحي: هو الصنابح بن الأعسر الأحمسي، وقد أخطأ من سماه الصنابحي- بياء النسبة- وقد بينا ذلك في الرواية السالفة برقم (19063) ، وبقية رجاله ثقات.
وأخرجه الترمذي في "العلل الكبير" 1/308 عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، بهذا الإسناد، وقال الترمذي: سألت محمدا -يعني البخاري- عن هذا الحديث، فقال: روى هذا الحديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في إبل الصدقة، مرسل. وأنا لا أكتب حديث مجالد، ولا موسى بن عبيدة.
وأخرجه ابن أبي شيبة 3/125-126 و6/116- ومن طريقه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2539) ، وأبو يعلى (1453) ، والبيهقي 4/113 - والطبراني في "الكبير")[10]
فالحديث إذن ضعيف لا حجة فيه ولا يثبت به حكم .

  1. استدلالهم بفعل عمر وابن عمر وابن مسعود وابن عباس :

نسبة ذلك إلى هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم يحتاج إلى اثبات بسند يصح إليهم ولا سند على ذلك وإنما هو مجرد حكاية قول بلا إسناد , وأما ابن عمر فالمروي عنه اخراجها تمرا أوشعيرا قال البخاري : (حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا محمد بن جهضم، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»[11]
وخرج عنه أيضا في باب صدقة الفطر صاعا من تمر : (حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا الليث، عن نافع، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير» قال عبد الله رضي الله عنه: «فجعل الناس عدله مدين من حنطة»[12]
أما ابن عباس فالمروي عنه اخراجها صاعا من طعام تمرا أو شعيرا أو نصف صاع من قمح , قال أبو داود : (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا سهل بن يوسف، قال حميد: أخبرنا عن الحسن، قال: خطب ابن عباس رحمه الله في آخر رمضان على منبر البصرة، فقال: أخرجوا صدقة صومكم، فكأن الناس لم يعلموا، فقال: «من هاهنا من أهل المدينة قوموا إلى إخوانكم فعلموهم، فإنهم لا يعلمون، فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة صاعا من تمر، أو شعير، أو نصف صاع من قمح، على كل حر أو مملوك، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير»، فلما قدم علي رضي الله عنه رأى رخص السعر، قال: «قد أوسع الله عليكم، فلو جعلتموه صاعا من كل شيء»، قال حميد: وكان الحسن يرى صدقة رمضان على من صام)[13]
تبين أن هذه الإستدلالات لا تثبت بالميزان العلمي إنما هي من باب الإستئناس بها فقط ولاتصلح دليلا في موضع النزاع فحديث معاذ والصنابحي ضعيفين , ونسبة الفعل لعمر وابن عمر وابن مسعود وابن عباس لا تثبت بل المروي الثابت عن ابن عمر خلافه , والمروي عن ابن عباس خلافه . والله أعلى وأعلم
كتبه محبكم في الله أبو أنس محمد حمو المراكشي المغربي


[1] السنن الكبرى للبيهقي , كتاب الزكاة, باب من أجاز أخذ القيم من الزكوات , المحقق: محمد عبد القادر عطا,الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنات ,الطبعة: الثالثة، 1424 هـ - 2003 م, وصحيح البخاري , كتاب الزكاة باب العرض في الزكاة ( وقد ذكره معلقا بصيغة الجزم , والمعلق في صحيح البخاري ماحذف اسناده لأنه ليس على شرط البخاري في صحيحه وقد يكون صحيحا عند غيره )

[2] فتح الباري , ج3 ص 312, الناشر: دار المعرفة - بيروت، 1379

[3] فتح الباري , ج1 ص 17

[4] نفس المصدر السابق ونفس الصفحة

[5] صحيح البخاري , كتاب الزكاة , باب العرض في الزكاة , رقم الحديث 1448 .

[6] فتح الباري ج 3, 313

[7] مسند أحمد ج 31 , ص , 414 , رقم الحديث 19066, المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون
إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالة ,الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م

[8] السنن الكبرى ,ج 4 , ص 190, رقم الحديث 7374

[9] نفسه

[10] مسند أحمد ج 31 , ص ,415 , رقم الحديث 19066, المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون
إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالة ,الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م

[11] صحيح البخاري ,باب فرض زكاة الفطر , الحديث رقم 1503

[12] صحيح البخاري ,باب صدقة الفطر صاعا من تمر , الحديث رقم 1507

[13] سنن أبي داود , باب من روى نصف صاع من قمح , الحدبث رقم 1622 , ضعفه الألباني