العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
مقدمة
إِنِ الْحَمْدَّ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }
«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»
قبيل تفجر الثورة المصرية على فرعونَ مصرَ مبارك، كنت من أشد المعارضين لها، ليس حبا في مبارك، بل خوفا على إخواني خوفَ الأم التي يستأذنها ولدها للسفر الطويل، إذْ ما كنت أتوقع أبدا أن أعيش لحظة لا أرى فيها "مبارك" أو ابنه خارج سدة الحكم ، وظننت أنهم سيفعلون ويفعلون بالشعب المسكين، كما فعل طاغوت ليبيا بأهلها، فأخذت أهاجمها حقنا للدماء، ودرءا للنتائج غير المحسوبة، بيد أني لما وجدت الفتن قد تلاطمت، وبوادر انتصار إرادة الشعب على سلطان الظلم والطغيان قد تظاهرت، آثرت ترك الخوض فيها سلبا أو إيجابا حتى تنجليَ تلك المحنة، إذ صار لكل كلمة خطرها، فسكت لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، فلما سقط الطاغوت ، وهرب الفئران، قلت في نفسي إن يكن ما أراه حقيقةً فإن ذلك يعني ثورة أخرى لكنها في الفكر ، ستجعل كثيرا من أهل العلم يغيرون كثيرا من مواقفهم إزاء المتغيرات الحادثة، ولم لا فهذه طبيعة الاجتهاد الفقهي، يتغير بتغير الزمان والمكان، وهل ننسى صنيع الإمام العلم الشافعي رحمه الله لما حل مصرنا ماذا فعل ؟ غير جل مذهبه الاجتهادي . فأُلقي في قلبي أن الدعوة السلفية ستوضع في مواجهة مع نفسها، أقصد أبناءَها لا أعداءها، لاسيما حينما تدق أسماعَهم فتاوى جديدةٌ لم يعهدوها من قبل في الخطاب السلفي ، نظرا لاختلاف الواقع ومناطاته، ربما سيتفهم طلبة العلم ذلك التغير، لكن الأكثرين لا إخالهم سيلتفتون له، ساعتها لم يدر بخَلدي: ما الجديد الذي سيطرأ على الخطاب الدعوي على وجه التعيين ؟، لأن الأمر كان فوق طاقتي. ولكني كنت أصرخ وأنادي من استطعت: أعيدوا تأهيل السلفيين مع الوضع الجديد قبل إحداث التغيير المطلوب في البناء الدعوي للمرحلة القادمة، فإني أكاد أجزم أننا سننقسم إلى طرفين ووسط، طرف سيستصحب معه الماضيَ بكل أتراحه وآلامه، وطرف سيتعجل الثمرة قبل أوانها، وربما يضع نفسه في مواجهات مع الأعداء ظننا منهم أنهم ذهبوا. وقد وقع ما توقعت، رأينا إخوانا لنا يتبنون البقاء في المساجد لا يتخطونها، بل ويمنعون من غير ذلك، وكأن شيئا لم يكن، وآخرين تسرعوا واستخدموا العنف إن لم يكن الجسديَّ فالفكري، فيهددون ويتوعدون الخاصة والعامة بالقطع والرجم ... إلخ
أما أنا فلم أسلم من آثار هذه الثورة فكنت ممن ثار أيضا، لكن على كثير من الأفكار القديمة، التي كانت مناسبة لواقع ليس هو واقعنا الجديد، تلك الأفكار التي طالما سمعناها ورددناها: حرمة المشاركة السياسية مطلقا، حرمة المظاهرات مطلقا، المسجد مبدؤنا ومنتهانا لا شيء سواه.... إلخ وكنا نسلم به ، لأن القول بغير ذلك ليس واقعيا ، فطفِقت في إعادة النظر في ذلك كله شيئا فشيئا، على قدر طاقتي ووُسعي، فكان ذلك البحثُ الصغير في أحكام الممارسات السلفية السياسية، ذلك الجانب الذي نالته ثورتي.
هذا وإن كنت أود لو تأخرت مشاركاتُ السلفيين السياسية حتى تُختبر البيئة السياسية الجديدة ؛ لنرى هل يمكن ولوج السلفيين إليها دون خسارة في رأس المال الدعوي ، أم لا ؟ لأنه كما تعلمون أن الحفاظ على رأس المال مقدم على الربح، ودعوتنا هي رأس مالنا، والسلطان هو ربح لا يقدم على الأصل، لكن قدَرُ الله وما شاء فعل. وقد وضعت هذا البحث لأدفع قول المتقولين بتبديع أو تفسيق المشاركين في العمليات السياسية المعاصرة. وقد سلكت في صناعة هذا البحث ثلاثة مسالك :
:
الأول: المسلك النظري التأصيلي المجرد: فتضمن تصور الوسائل وضوابط التشبه، وافتقار الدين للسلطان، وطريقة السلف في الولايات
الثاني: المسلك التطبيقي على المسائل النازلة: فتضمن حكم العملية السياسة المعاصرة، وحكم إنشاء حزب سياسي ديني، وحد الديمقراطية
الثالث: المسلك التنزيلي على الوقائع المعينة غالبا: فضمنته فتاوى لجمهرة من قادة الصحوة السلفية في العصر الحديث، مما عرفوا بالاجتهاد في النوازل.
أسأل الله تعالى الإخلاص والصواب إنه سميع مجيب الدعاء.
رقمه
أبو صهيب أشرف بن محمد المصري
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

تصوير الوسائل
قبل أن نحكم على الممارسات السياسية الحديثة بحكم، نتكلم أولا عن معنى الوسيلة لنتصور حقيقتها وضوابطها؛ لنرى هل تتحقق في تلك الممارسات أولا ؟ لأن كثيرا من إخوانا لم يتصور معنى الوسيلة جيدا، حتى إن بعضهم يظن أن الوسيلة لابد لها من نص شرعي، وكما قيل: الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
القاعدة:
الأصل في الوسائل الحل حتى يرد دليل خاص بحرمتها، أو يتبينَ تركُها مع قيام مقتضيها.
الدليل:
الأمر بالشيء أمر بوسائله وشروطه ضرورة، يقول شيخ الإسلام: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِلَوَازِمِهِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ نَهْيٌ عَمَّا لَا يَتِمُّ اجْتِنَابُهُ إلَّا بِهِ.ا.هـ[SUP]([1])[/SUP] وذلك ما لم يعين الشارع وسيلة له كالطهارة والأذان للصلاة مثلا، فهذا يفعل كما هو دون زيادة أو نقص . من ذلك الأمر بالجهاد والإعداد له ، يقول تعالى { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ } فما نوع هذا الإعداد وما كيفيته وما مصدره ؟ أسئلة لا إجابة عنها في نصوص الشرع، مما يؤذن بأن لا توقيف في هاتيك الوسائل ، فجازت كل وسيلة يتحصل بها الجهاد ما لم ينص على حرمتها، أو تترك قصدا. وكذلك أمر بحفظ الحياة ولم يحدد لها وسيلة معينة يمنع ما عداها. وأمر بالخروج إلى الحج فلم يعين له وسيلة معينة ما لم يُنه عنها، وأمر بحفظ الدين ولم يحدد وسيلة بعينها –سوى الجهادِ-وهكذا . وعليه فليس من الفقه أبدا الاعتراض على مبدأ الوسائل بحديث: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" لأنه يرد في المقصود ونحوه بالتعبد لذاته. ولا يلزم به الخصم إلا إذا سلم بكونها عبادة.
الحكمة:
أمر الشارع بأوامر عديدة ولم يحدد لها وسيلة بعينها فلو توقفنا حتى ينص الشارع عليها لتعطلت أكثر الشرائع والمعايش، يقول شيخ الإسلام: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مَنْ أَهْمَلَ مَصَالِحَ يَجِبُ اعْتِبَارُهَا شَرْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهَا فَفَوَّتَ وَاجِبَاتٍ وَمُسْتَحَبَّاتٍ أَوْ وَقَعَ فِي مَحْظُورَاتٍ وَمَكْرُوهَاتٍ وَقَدْ يَكُونُ الشَّرْعُ وَرَدَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ.ا.هـ [SUP]([2])[/SUP]

  • مثال الوسائل المشروعة غير المنصوصة: والتي درجت الأمة على العمل بها دون دليل بخصوصها ولم تكن بصورتها على عهد النبي والخلفاء الراشدين وإن كان جنس المصالح ينتظمها:
1. المدارس الدينية: كالمدرسة الجوزية والصدرية
2. تقسيم العلوم الدينية: فقه وعقيدة وتفسير
3. المذاهب الفقهية: حنفي وحنبلي
4. الاصطلاحات الدينية: الكراهة التنزيهية والكراهة التحريمية والمفهوم والاقتضاء
5. تقاويم الصلاة أو المزولة والساعة
6. المآذن لتبليغ صوت المؤذن، وربما القباب قديما لرفع صوت الإمام لا للزخرفة والتباهي.
7. إدخال المصاحف في الأجهزة الحديثة
8. حوامل المصاحف للتهجد
9. نقط المصحف وضبطه
10. المسابقات الدولية للقرآن
11. الأسابيع الثقافية
12. الجماعات الإسلامية السلفية كأنصار السنة
14. تقنين الشريعة على هيئة بنود
15. النظم الإدارية المتصلة بالدين: كوزارة الشؤون الدينية أو الدعوة والإرشاد، والأوقاف
16. ترتيب أئمة ومؤذنين ومقيمي شعائر للمساجد وإجراء الأرزاق عليهم ومعاقبة مقصرهم.
يقول العثيمين في اللقاء المفتوح: وأما مسألة تحديد الخروج بثلاثة أيام، أو أربعة أيام، أو شهر، أو شهرين، فأنا لا أنقمه على جماعة التبليغ لأن هذا قد يكون من باب الوسائل، أي من باب أنهم يرون أن تحديد المدة وسيلة لاستصلاح الرجل الخارج معهم والوسائل ليس لها حد شرعي، فكل ما أدى إلى المقصود فهو مقصود ما لم يكن منهياً عنه بعينه، فإن كان منهياً عنه بعينه فلا نقربه.فلو قال قائل: أنا أريد أن أدعو شخصاً بالغناء والموسيقى؛ لأنه يطرب لها ويستأنس بها وربما يكون هذا جذباً له فأدعوه بالموسيقى والغناء هل نبيح له ذلك؟ لا ، لا يجوز أبداً، لكن إذا كانت وسيلة لم ينه عنها ولها أثر فهذه لا بأس بها، فالوسائل غير المقاصد، وليس من اللازم أن ينص الشرع على كل وسيلة بعينها يقول: هذه جائزة وهذه غير جائزة، لأن الوسائل لا حصر لها، ولا حد لها، فكل ما كان وسيلة لخير فهو خير .ا.هـ

  • مثال الوسائل غير الشرعية

  1. كالسماع المحرم في الدعوة إلى الله للنص على حرمتها
  2. وكالأذان للعيدين لإهمال مقتضيها
الوسائل والمصلحة المرسلة
لا شك أن قاعدة الوسائل تدخل تحت أصل المصالح لأن المقصود منها استصلاح الدين والدنيا ، وهذا ما يعرف بالمصالح المرسلة وهي –كما أشرنا- أعمالٌ ليس لها دليلٌ بخصوصها أو نظير معين في الشرع لنقيس عليها، ولكن فيها وصف يقتضي تحقيق مصلحة أو دفع ضرر. وهذا هو المقصود بالمصالح المرسلة عند الأصوليين فهي متضمنةٌ مصلحةً؛ لأنها تجلب نفعا يعرف عن الشارع رضاه به وتدفع ضررا يعرف عن الشارع رفضه له، وهي مرسلة لأنها مطلقة عن الوقائع التي نص الشارع على اعتبارها أو إلغائها.
مثاله: إذا قررنا إماماً مطاعاً مُفْتَقِراً إلى تكثيرِ الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم، فللإمام -إذا كان عدلاً- أن يوظِّف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم في الحال، إلى أن يظهر مال بيت المال. وإنَّما لم يُنقل مثل هذا عن الأوَّلين لاتساع مال بيت المال في زمانهم بخلاف زماننا، فإنَّ القضية فيه أحرى، ووجه المصلحة هنا ظاهر؛ فإنَّه لو لم يفعل الإمام ذلك النظام صارت ديارُنا عُرضة لاستيلاء الكفار، وشرط جواز ذلك كله عندهم عدالة الإمام، وإيقاع التصرف في أخذ المال وإعطائه على الوجه المشروع.
هذا وأخذ أموال الناس بغير رضا من الكبائر قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} وقل النبي -صلى الله عليه وسلم- : إِنَّ صَاحِبَ الْمَكْسِ فِي النَّارِ.... [SUP]([3])[/SUP] ومع ذلك اغتفرت هذه المفسدة دفعا لمفسدة أعظم وهي هلاك المسلمين وضياع دينهم، وقد عرف عن الشرع دفعُه لكل ما يفضي إلى هلكة الأمة أو ضياع الدين لذلك شرع الجهاد وقتلَ المرتد والزنديق وقتلَ الأنفس، وإتلافَ الممتلكات إذا لزم الأمر، قال تعالى : {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}
مثال ثان: إذا شاعت شهادة الزور بين الناس إلى حد يؤدي إلى اختلاط الأنساب أو إلى ضياعها أو إلى أكل أموال الناس بالباطل ورأينا أن تسجيل عقود الزواج والبيع يمنع هذا الضرر أو يخفف منه فهل يترك لأنه ليس هناك نص أو فعل عند السلف مماثل لتسجيل العقود لنقيس عليه أم نحملهم على تسجيل هذه العقود منعا لهذا الضرر وتحقيقا لتلك المصلحة التي دلت تصرفات الشارع عامة على رعايتها وهي حفظ النسل والمال فحمل الناس على تسجيل عقودهم لما يترتب عليه من المحافظة على مصلحة شرعية من غير قياس على فعل مماثل أو إلزامهم بذلك لوجود وصف مناسب يترتب على ربط الإلزام به تحقق مصلحة شرعية هو من باب رعاية مصالح الخلق أو العمل بالمصلحة المرسلة. ويتبين من هذا أن المصلحة المرسلة ترجع إلى مقاصد التشريع لا إلى أعيان أصوله.
ولا شك أن أمور السياسات تدخل في باب الوسائل، لأنها ليست مقصودة لذاتها بل لما يترتب عليها من صيانة الدين واستصلاح الدنيا، ومنها الولايات والتعزيرات ونحو ذلك، يقول الماوردي: الْإِمَامَةُ: مَوْضُوعَةٌ لِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا[SUP]([4])[/SUP]، ونستأنس بقول الصحابة رضي الله عنهم عن أبي بكر -رضي الله عنه- يوم السقيفة: "رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا" في إشارة منهم إلى الإمامتين في الصلاة وهي الدينية، وفي الخلافة وشقها دنيوي. فلذلك كانت السياسة أحرى بدخولها في قاعدة الوسائل المذكورة، فلا يصح من متفقه أن يسأل عن دليل حلها فضلا عن تبديعها، بل يبحث هو عن دليل حرمتها الخاص بها ، أو إهمالِ مقتضيها، على النحو الذي بيناه، يقول ابن القيم في الطرق الحكمية: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ ": جَرَى فِي جَوَازِ الْعَمَلِ فِي السَّلْطَنَةِ بِالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: أَنَّهُ هُوَ الْحَزْمُ، وَلَا يَخْلُو مِنْ الْقَوْلِ بِهِ إمَامٌ. فَقَالَ شَافِعِيٌّ: لَا سِيَاسَةَ إلَّا مَا وَافَقَ الشَّرْعَ. فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلًا يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ، فَإِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك: " إلَّا مَا وَافَقَ الشَّرْعَ " أَيْ لَمْ يُخَالِفْ مَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ: فَصَحِيحٌ. وَإِنْ أَرَدْت: لَا سِيَاسَةَ إلَّا مَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ: فَغَلَطٌ، وَتَغْلِيطٌ لِلصَّحَابَةِ فَقَدْ جَرَى مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ الْقَتْلِ وَالتَّمْثِيلِ مَا لَا يَجْحَدُهُ عَالِمٌ بِالسُّنَنِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا تَحْرِيقُ عُثْمَانَ الْمَصَاحِفَ. فَإِنَّهُ كَانَ رَأْيًا اعْتَمَدُوا فِيهِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ، وَتَحْرِيقُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الزَّنَادِقَةَ فِي الْأَخَادِيدِ وَقَالَ:
لَمَّا رَأَيْت الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرًا ... أَجَّجْت نَارِي وَدَعَوْت قَنْبَرًا
وَنَفْيُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِنَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ. اهـ.
الخلاصة: الوسيلة من حيث هي وسيلة لا يشترط لها نص بخصوصها لجوازها بل بتحريمها بعينها أو تركها مع قيام مقتضيها. ومنها السياسات. فيطالب المخالف بالدليل لا نحن.
وفي وسائلِ الأمور مغتفرْ ... ما ليس في المقصودِ منها يُغتفرْ
***




([1])مجموع الفتاوى (10/ 531)‏

([2])مجموع الفتاوى (11/ 344)

([3]) صححه الألباني أخيرا

([4]) الأحكام السلطانية
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

افتقار الدين إلى سلطان

  • والنصر مع السلطان أيضا
لقد بعث الله تعالى نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم- إلى العالمين؛ ليبلغهم دين الله الخاتمَ ، فاقتضى ذلك أن يتكفل الله بحفظه، بل وإظهاره على العالمين؛ ليتم البلاغ المبين ، يقول تعالى { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- «لَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ»
ومن مظاهر حفظه بعثُه لجمهرة من علماء المسلمين، الذين سهروا على حفظه وتنقيحه، وبثه وتوضيحه، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «لاَ يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» قَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل أَن هَذِه الطَّائِفَةَ مُفَرَّقَةٌ فِي الْمُؤمنِينَ، فَمنهمْ قَائِم بِالْجِهَادِ، وَمِنْهُم قَائِم بِالْعلمِ، وَمِنْهُم قَائِم بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَمِنْهُم قَائِم بأنواع أُخْرَى من الْخَيْر .ا.هـ .[SUP]([1])[/SUP] وهو القائل أيضا -صلى الله عليه وسلم- " يَرِثُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ , يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ , وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ , وَتَحْرِيفَ الْغَالِينَ " .
ومن مظاهر حفظه وإظهاره أيضا قيامُ جماعة من المسلمين للجهاد في سبيله، للذب عن حياض الإسلام، والذود عن المسلمين بالسلطان القاهر، والحديد الناصر، فكان الدين بذلك في قرارا مكين، وحصن حصين، وكلاهما-الحجة والسلطة-أمران لازمان لحفظ الدين ونشره، وصيانته ونصره ، لذلك قرن تعالى بين الكتاب والحديد في قوله { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } قال شيخ الإسلام: يَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ وِلَايَةَ أَمْرِ النَّاسِ مِنْ أَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الدِّينِ؛ بَلْ لَا قِيَامَ لِلدِّينِ وَلَا لِلدُّنْيَا إلَّا بِهَا. فَإِنَّ بَنِي آدَمَ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُمْ إلَّا بِالِاجْتِمَاعِ لِحَاجَةِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مِنْ رَأْسٍ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ} فَأَوْجَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ؛ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِقُوَّةِ وَإِمَارَةٍ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا أَوْجَبَهُ مِنْ الْجِهَادِ وَالْعَدْلِ وَإِقَامَةِ الْحَجِّ وَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ. وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقُوَّةِ وَالْإِمَارَةِ. ا.هـ[SUP]([2])[/SUP]
? لكن هذه الكفالة القدرية لا تعني إهمال المسلمين للأسباب الجالبة لها، بل يجب عليهم أن يسعَوا إلى تحقيق البيان، واستعمال السلطان، ليحصل حفظ الدين وتمكين المؤمنين، فلو ترك المسلمون البيان لتحرف الدين، ولو ترك المسلمون السلطان لزال الدين، وهذا لا يتعارض مع وعد الله القدري، كما لا يتعارض وعدُه بحفظه كتابَه، وضياعَه من أيدي بعض الناس لتفريطهم وتقصيرهم، لذلك قال عمر لأبي بكر: إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إِلَّا أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لَأَرَى أَنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ ".
فلم يتّكِلِ الصحابة على السلطان القدري، حتى قاموا بالسلطان الشرعي –أعني الأسباب المادية- فوعْدُ الله ألا يذهبَ الدين صادق، لكن قد يذهب كله عن بعض المواطن، أو يذهب بعضه في كثير من الأماكن؛ لتخاذل أهلها في البيان ، أو ضعف السلطان، قال الماوردي [SUP]([SUP][3][/SUP][/SUP]): ثُمَّ لِمَا فِي السُّلْطَانِ مِنْ حِرَاسَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالذَّبِّ عَنْهُمَا وَدَفْعِ الْأَهْوَاءِ مِنْهُ، وَحِرَاسَةِ التَّبْدِيلِ فِيهِ، وَزَجْرِ مَنْ شَذَّ عَنْهُ بِارْتِدَادٍ، أَوْ بَغَى فِيهِ بِعِنَادٍ، أَوْ سَعَى فِيهِ بِفَسَادٍ. وَهَذِهِ أُمُورٌ إنْ لَمْ تَنْحَسِمْ عَنْ الدِّينِ بِسُلْطَانٍ قَوِيٍّ وَرِعَايَةٍ وَافِيَةٍ أَسْرَعَ فِيهِ تَبْدِيلُ ذَوِي الْأَهْوَاءِ، وَتَحْرِيفُ ذَوِي الْآرَاءِ، فَلَيْسَ دِينٌ زَالَ سُلْطَانُهُ إلَّا بُدِّلَتْ أَحْكَامُهُ، وَطُمِسَتْ أَعْلَامُهُ .ا.هـ
وهذا عينه ما قام به النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- لما انسدت كل السبل لإظهار الدين في مكة وتمكين أهله، أمره الله بالهجرة إلى المدينة حيث التمكين بالسلطان مع الدعوة، في الوقت الذي كان أهل المدينة يعدون العدة لإقامة عبد الله بن أبي بن سلول ملكا عليهم، فجاء النبي فانصرفوا عن ذلك، وولَّوا النبي -صلى الله عليه وسلم- سلطانهم وإن لم يكن ملكا. وهذه هي سنة الله في دينه، أن يحفظه بالحجة والسلطة، قال شيخ الإسلام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أرسل رُسَلَهُ بِالبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، وَأَنْزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَأَنْزَلَ الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ؛ وَخَتَمَهُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيَظْهَرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ؛ وَأَيَّدَهُ بِالسُّلْطَانِ النَّصِيرِ: الْجَامِعِ مَعْنَى الْعِلْمِ وَالْقَلَمِ لِلْهِدَايَةِ وَالْحُجَّةِ؛ وَمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالسَّيْفِ لِلنُّصْرَةِ وَالتَّعْزِيرِ .ا.هـ
فلا يمكن أن تقوم للدين قائمة إلا بالجهاد، والجهاد أنواع، منها مكافحة أهل الباطل أنى يؤفكون، والجهاد له أحكامه وضروراته، قال ابن القيم وغيره: وجنس الجهاد فرض عين، إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع، وقال الحافظ: الجهاد شرعا، بذلك الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضا على مجاهدة النفس، والشيطان، والفساق، فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين، ثم على العمل بها، ثم تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان، فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه ، من الشهوات، وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد، والمال، واللسان، والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد، ثم اللسان، ثم القلب. .ا.هـ [SUP]([4])[/SUP] فمن قصر الجهاد على الدعوة في المساجد فقط فهو مخطئ، ومن قصرها على الجهاد والسلطان فهو مخطئ، فإذا كانت التصفية والتربية تنفع المؤمنين فإن السلطان ينفع المجرمين، كما جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ مَوْقُوفًا وَنَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفٌ : إِنَّ اللَّهُ يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ". وصح معناه عن الأئمة المحققين.
ونسي هؤلاء أن شطرا كبيرا من دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- إن لم يكن جلُّها لم تكن في المسجد –وإن كان منطلقًا لها-لكنه كان يدور هنا وهناك ويستعمل ما تيسر من وسائل الاتصال والخطاب والتأثير وما أمكن من الأسباب، ويخاطب الزعماء والملوك، وهذا ما سار عليه من بعده، ويعاهد هذا ويهادن ذاك.
ومن الأنبياء والأولياء من ساسوا الناس واستعملوا السلطان -من قبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده- في إصلاح الناس وبيان الحق كموسى الذي قارع فرعون بالحجة والقوة في مظاهرة حاشدة للمصريين {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59)} ويوسف الذي طلب الولاية ليتسنى له أن يدعو إلى الله في أوسع نطاق ممكن { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } وسليمان الذي قال عنه ربه { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37)} قال النبي صلى الله عليه وسلم : «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» وحديثا محمد عبد الوهاب، الذي تحالف مع آل سعود الذي قالوا له: "أبشر ببلاد خيرٍ من بلادك، وأبشر بالعزِّ والمنَعة".[SUP]([5])[/SUP]

  • كلمة حق أرادوا بها باطلا: النصر مع الصبر.
لكن للأسف شاعت نبرة تصوف بين صفوف السلفيين إزاء هذه النازلة، وهي الاستدلال بتحقق السلطان القدري على ترك السلطان الشرعي ، حتى إني سمعت بعضهم يحتج على المنع من الاشتغال بالسياسة بقوله: ليس لنا إلا المساجد فقط ! وكما انتشرت الدعوة في ظل الاستضعاف ستنتشر أيضا في غيره بالأحرى؛ لأن هذه دعوة الله ولن يضيعها، والنصر مع الصبر... إلخ فهؤلاء فعلوا ما فعله الصوفية إذ يقولون إذا هجم الأعداء نجأر إلى الله بالدعاء وهو ينصرنا على عدونا، أو كقولهم : لا دخل لنا بالسياسة فنحن أهل حقيقة وهم أهل شريعة، أو نحو هذا الكلام. ولا يفرقون بين فعل الممكن وترك المتعذر، فإذا كنا تركنا السياسة والجهاد فذلك لتعذرهما وضعف الجدوى منهما، فأقبلنا على الدعوة إلى الله إذ هي السبيل الوحيد الممكن آنذاك، قال شيخ الإسلام: فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ وُسْعِهِ؛ فَمَنْ وَلِيَ وِلَايَةً يَقْصِدُ بِهَا طَاعَةَ اللَّهِ، وَإِقَامَةَ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ دِينِهِ، وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَقَامَ فِيهَا مَا يُمْكِنُهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتَنَبَ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ: لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا يَعْجِزُ عَنْهُ: فَإِنَّ تَوْلِيَةَ الْأَبْرَارِ خَيْرٌ لِلْأَمَةِ مِنْ تَوْلِيَةِ الْفُجَّارِ. وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ إقَامَةِ الدِّينِ بِالسُّلْطَانِ وَالْجِهَادِ، فَفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، مِنْ النَّصِيحَةِ بِقَلْبِهِ، وَالدُّعَاءِ لِلْأُمَّةِ، وَمَحَبَّةِ الْخَيْرِ، وَفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَيْرِ: لَمْ يُكَلَّفْ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ؛ فَإِنَّ قِوَامَ الدِّينِ بِالْكِتَابِ الْهَادِي، وَالْحَدِيدِ النَّاصِرُ، كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ الِاجْتِهَادُ فِي اتِّفَاقِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيدِ لِلهِ تَعَالَى، وَلِطَلَبِ مَا عِنْدَهُ، مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ فِي ذَلِكَ؛ ثُمَّ الدُّنْيَا تَخْدُمُ الدِّينَ. ا.هـ
أما الآن فقد صار السبيل السياسي متاحا، والفرصة سانحة والمصلحة لائحة فلا نمنع منها بحجة الامتناع منها سابقا، لاسيما أن السياسة سبيل عظيم للتمكين وصيانةِ الدين، ولا يكون ذلك إلا بإصلاح السلطان قدر المستطاع، في حدود قواعد الشريعة ورخصها والتي ذكرنا طرفا منها في الفصول السابقة، يقول الماوردي[SUP]([6])[/SUP]: السُّلْطَانُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينٍ تَجْتَمِعُ بِهِ الْقُلُوبُ حَتَّى يَرَى أَهْلُهُ الطَّاعَةَ فِيهِ فَرْضًا، وَالتَّنَاصُرَ عَلَيْهِ حَتْمًا، لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ لُبْثٌ وَلَا لِأَيَّامِهِ صَفْوٌ، وَكَانَ سُلْطَانَ قَهْرٍ، وَمَفْسَدَةَ دَهْرٍ. وَمِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَجَبَ إقَامَةُ إمَامٍ يَكُونُ سُلْطَانَ الْوَقْتِ وَزَعِيمَ الْأُمَّةِ لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا بِسُلْطَانِهِ، وَالسُّلْطَانُ جَارِيًا عَلَى سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: الْمُلْكُ بِالدِّينِ يَبْقَى، وَالدِّينُ بِالْمُلْكِ يَقْوَى. .ا.هـ فإذا كنا ممنوعين من السياسة فلما أتيحت خضنا غمارها ، كذلك يكون الأمر في الجهاد، قد مُنعنا منه الآن لكن إذا أتيح لنا فعلناه إن شاء الله ، فمن مَنع في الأولى امتنع في الثانية ولابد، والمعاذير لا تنقطع.
وإذا كان الله قد أمر بالصبر فإن ذلك لا يعني ترك الأخذ بالأسباب الممكنة بحسب قانون المصالح والمفاسد المقرر في الشرع الحكيم، كما أن الله تعالى قرن بين الصبر والرباط دون تنافٍ، فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فليس ثمة تعارض بين الصبر ومجاهدة المخالفين بشتى طرق الجهاد الممكنة. قال أبو حيان: جَوَازُ عَمَلِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ التَّاجِرِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ وَالْعَدْلُ، لَا بِمَا يَخْتَارُهُ وَيَشْتَهِيهِ مِمَّا لَا يُسِيغُهُ الشَّرْعُ، وَإِنَّمَا طَلَبَ يُوسُفُ هَذِهِ الْوِلَايَةَ لِيَتَوَصَّلَ إِلَى إِمْضَاءِ حُكْمِ اللَّهِ، وَإِقَامَةِ الْحَقِّ، وَبَسْطِ الْعَدْلِ، وَالتَّمَكُّنِ مِمَّا لِأَجْلِهِ تُبْعَثُ الْأَنْبِيَاءُ إِلَى الْعِبَادِ، وَلِعِلْمِهِ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ قَدْ أَسْلَمَ كَمَا رَوَى مُجَاهِدٌ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْحُكْمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ إِلَّا بِتَمْكِينِهِ، فَلِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِ. وَقِيلَ: كَانَ الْمَلِكُ يُصْدِرُ عَنْ رَأْيِ يُوسُفَ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَا رَأَى، فَكَانَ فِي حُكْمِ التَّابِعِ. وَمَا زَالَ قُضَاةُ الْإِسْلَامِ يَتَوَلَّوْنَ الْقَضَاءَ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَيْسَ بِصَالِحٍ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَبَطَلَتْ أَحْكَامُ الشَّرْعِ، فَهُمْ مُثَابُونَ عَلَى ذَلِكَ إِذَا عَدَلُوا.[SUP]([7])[/SUP]

  • التصفية والتربية مع السلطان
الدعوة ينتقل بها إلى غيرها ولا يكتفَى بها عن غيرها، فلا تعارض بين التصفية والتربية والاجتهاد في تحصيل السلطان القاهر والحديد الناصر، إن كان يقوم عليه عزة ومنعة، كما فعل يوسف، ولا دليل على المنع من ذلك حتى نربي الناس جميعا، بل يكفي أن تكون ثمة عصابة مؤمنة تؤم الناس، وهذا منهج نبوي، فقد كان النبي e يقبل في الجهاد من أسلم حديثا، البَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالحَدِيدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُ أَوْ أُسْلِمُ؟ قَالَ: «أَسْلِمْ، ثُمَّ قَاتِلْ»، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا»
وكذلك صنيع إمام الدعوة في العصر الحديث محمد بن عبد الوهاب لما تحالف مع جد السعوديين.
أما رفض النبي e لعرض قريش "إن أردت ملكا ملكناك" فليس هناكم، بل رفضه لأنه كان لقاءَ تركه الدعوةَ إلى التوحيد ونبذَ الأنداد.
ثم إن الأثر حجة عليهم، ففيه: أَنَّ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَرَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَأَبَا الْبَخْتَرِيِّ أَخَا بَنِي أَسَدٍ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ الْمُطَّلِبِ، وَزَمْعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وَالْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ، وَنُبَيْهًا وَمُنْبِهًا ابْنَيِ الْحَجَّاجِ السَّهْمِيَّيْنِ اجْتَمَعُوا، أَوْ مَنِ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ، بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ حَتَّى تُعْذِرُوا فِيهِ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ: إِنَّ أَشْرَافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَيْكَ لِيُكَلِّمُوكَ، فَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيعًا، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ بَدَا لَهُمْ فِي أَمْرِهِ بَدَاءٌ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا، يُحِبُّ رُشْدَهُمْ وَيَعِزُّ عَلَيْهِ عَنَتُهُمْ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا قَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ لِنُعْذِرَ فِيكَ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ أَدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ مَا أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِكَ، لَقَدْ شَتَمْتَ الْآبَاءَ، وَعِبْتَ الدِّينَ، وَسَفَّهْتَ الْأَحْلَامَ، وَشَتَمْتَ الْآلِهَةَ، وَفَرَّقْتَ الْجَمَاعَةَ، فَمَا بَقِيَ أَمْرٌ قَبِيحٌ إِلَّا وَقَدْ جِئْتُهُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ ... الحديث. أي أنه e كان حريصا على مخاطبتهم في نواديهم واستماع دعواهم وعروضهم، ولكن ليدعوهم، كما يريد إخواننا أن يفعلوا اليوم.
وقد سبق أن بينا أن النبي e ترك مكة لما وجد السبل قد انسدت، ومحاربة الدين قد اشتدت فلجأ إلى أهل المدينة مستعملا سلطانها في نشر التوحيد، وقمع الشرك حتى رجع إلى مكة فاتحا. فهل يقال ترك الدعوة في مكة، أم انتقل بها إلى غيرها ؟
ثم نقول : هل هناك سياسة صافية من كل كدر ؟ حتى يتدخل فيها أهل العلم والحق ليُصفُّوها، يقول شيخ الإسلام: وَفَرِيقٌ عِنْدَهُمْ خَوْفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَدِينٌ يَمْنَعُهُمْ عَمَّا يَعْتَقِدُونَهُ قَبِيحًا مِنْ ظُلْمِ الْخَلْقِ، وَفِعْلِ الْمَحَارِمِ، فَهَذَا حَسَنٌ وَاجِبٌ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَعْتَقِدُونَ مَعَ ذَلِكَ: أَنَّ السِّيَاسَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِمَا يَفْعَلُهُ أُولَئِكَ مِنَ الْحَرَامِ، فَيَمْتَنِعُونَ أَوْ يَمْنَعُونَ عَنْهَا مُطْلَقًا، وَرُبَّمَا كَانَ فِي نُفُوسِهِمْ جُبْنٌ أَوْ بُخْلٌ[SUP]([8])[/SUP] أَوْ ضِيقُ خُلُقٍ يَنْضَمُّ إلَى مَا مَعَهُمْ مِنْ الدِّينِ، فَيَقَعُونَ أَحْيَانًا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، يَكُونُ تَرْكُهُ أَضَرَّ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ يَقَعُونَ فِي النَّهْيِ عَنْ وَاجِبٍ، يَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ يَكُونُونَ مُتَأَوِّلِينَ.[SUP]([9][/SUP])

  • لهجة علمانية: ترك السياسية جملة وتفصيلا
ولم يكتف هؤلاء بالامتناع عن السياسة فحسب بل أخذوا يمنعون أهل الدين من ممارسة السياسة جملا وتفصيلا ، ويشغبون على فاعلها ، فهؤلاء لفُّوا لِفَّ العلمانيين فإذا كان أولئك فصلوا بين الدين والسياسة وانحازوا إلى السياسة، فإن هؤلاء فصلوا بين الدين والسياسة ثم انحازوا إلى الدين، وفي هؤلاء وهؤلاء يقول شيخ الإسلام: فَجَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِصَرْفِ السُّلْطَانِ وَالْمَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِالسُّلْطَانِ وَالْمَالِ هُوَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ وَإِنْفَاقَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِهِ، كَانَ ذَلِكَ صَلَاحَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَإِنْ انْفَرَدَ السُّلْطَانُ عَنْ الدِّينِ، أَوْ الدِّينُ عَنْ السُّلْطَانِ فَسَدَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ. وَإِنَّمَا يَمْتَازُ أَهْلُ طَاعَةِ اللَّهِ عَنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ بِالنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إلَى أَمْوَالِكُمْ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ». وَلَمَّا غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ إِرَادَةُ الْمَالِ وَالشَّرَفِ، صَارُوا بِمَعْزِلٍ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيَمَانِ فِي وِلَايَتِهِمْ: رَأَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الْإِمَارَةَ تُنَافِي الْإِيمَانَ وَكَمَالَ الدِّينِ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ غَلَّبَ الدِّينَ وَأَعْرَضَ عَمَّا لَا يَتِمُّ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِنْ ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى حَاجَتَهُ إلَى ذَلِكَ، فَأَخَذَهُ مُعْرِضًا عَنْ الدِّينِ: لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مُنَافٍ لِذَلِكَ، وَصَارَ الدِّينُ عِنْدَهُ فِي مَحَلِّ الرَّحْمَةِ وَالذُّلِّ. لَا فِي مَحَلِّ الْعُلُوِّ وَالْعِزِّ. وَكَذَلِكَ لَمَّا غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الدِّينَيْنِ الْعَجْزُ عَنْ تَكْمِيلِ الدِّينِ، وَالْجَزَعُ لِمَا قَدْ يُصِيبُهُمْ فِي إقَامَتِهِ مِنْ الْبَلَاءِ: اسْتَضْعَفَ طَرِيقَتَهُمْ وَاسْتَذَلَّهَا مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا تَقُومُ مَصْلَحَتُهُ وَمَصْلَحَةُ غَيْرِهِ بِهَا.
وَهَاتَانِ السَّبِيلَانِ الْفَاسِدَتَانِ -سَبِيلُ مَنْ انْتَسَبَ إلَى الدِّينِ وَلَمْ يُكْمِلْهُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ السُّلْطَانِ وَالْجِهَادِ وَالْمَالِ، وَسَبِيلِ مِنْ أَقْبَلَ عَلَى السُّلْطَانِ وَالْمَالِ وَالْحَرْبِ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إقَامَةَ الدِّينِ- هُمَا سَبِيلُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ. الْأُولَى لِلضَّالِينَ النَّصَارَىَ، وَالثَّانِيَةُ لِلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الْيَهُودُ. وَإِنَّمَا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، هِيَ سَبِيلُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَبِيلُ خُلَفَائِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ. وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].



  • خلط بين الحكم الشرعي والنهي عن الأصلح
رغم أننا نعتقد أن المسألة إلى الآن اجتهادية لا يجوز لأحد أن يجرِّح الآخر بسببها، لكننا لا نطيق الخطأ إذا جاوز الحد المعتاد، ومن مظاهر الخطأ المركب الخلطُ بين الحكم على العملية السياسية بالحرمة والنهي ودعم الأصلح لدفع الأفسد ! لا أدري من أين أتوا بهذا الأصل المهلهل ؟
يقول شيخ الإسلام: فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ النُّورُ الصَّافِي بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا النُّورُ الَّذِي لَيْسَ بِصَافٍ. وَإِلَّا بَقِيَ الْإِنْسَانُ فِي الظُّلْمَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيبَ الرَّجُلُ وَيَنْهَى عَنْ نُورٍ فِيهِ ظُلْمَةٌ. إلَّا إذَا حَصَلَ نُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ وَإِلَّا فَكَمْ مِمَّنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ النُّورِ بِالْكُلِّيَّةِ إذَا خَرَجَ غَيْرُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِمَا رَآهُ فِي طُرُقِ النَّاسِ مِنْ الظُّلْمَةِ. وَإِنَّمَا قَرَّرْت هَذِهِ " الْقَاعِدَةَ " لِيُحْمَلَ ذَمُّ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ لِلشَّيْءِ عَلَى مَوْضِعِهِ وَيُعْرَفَ أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ كَمَالِ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ الْمَأْمُورِ بِهِ شَرْعًا:
تَارَةً يَكُونُ لِتَقْصِيرٍ بِتَرْكِ الْحَسَنَاتِ عِلْمًا وَعَمَلًا
وَتَارَةً بِعُدْوَانٍ بِفِعْلِ السَّيِّئَاتِ عِلْمًا وَعَمَلًا
وَكُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ قَدْ يَكُونُ عَنْ غَلَبَةٍ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ قُدْرَةٍ. "
فَالْأَوَّلُ " قَدْ يَكُونُ لِعَجْزِ وَقُصُورٍ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ قُدْرَةٍ وَإِمْكَانٍ.
و " الثَّانِي ": قَدْ يَكُونُ مَعَ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ غِنًى وَسَعَةٍ،
وَكُلُّ وَاحِدٍ -مِنْ الْعَاجِزِ عَنْ كَمَالِ الْحَسَنَاتِ وَالْمُضْطَرِّ إلَى بَعْضِ السَّيِّئَاتِ- مَعْذُورٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وَقَالَ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا} - فِي الْبَقَرَةِ وَالطَّلَاقِ (1) - وَقَالَ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وَقَالَ: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} وَقَالَ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وَقَالَ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ} وَقَالَ: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ.
وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ: وَهُوَ: أَنْ تَعْرِفَ الْحَسَنَةَ فِي نَفْسِهَا عِلْمًا وَعَمَلًا سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً. وَتَعْرِفَ السَّيِّئَةَ فِي نَفْسِهَا عِلْمًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا مَحْظُورَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَحْظُورَةٍ - إنْ سُمِّيَتْ غَيْرُ الْمَحْظُورَةِ سَيِّئَةً -
وَإِنَّ الدِّينَ تَحْصِيلُ الْحَسَنَاتِ وَالْمَصَالِحِ وَتَعْطِيلُ السَّيِّئَاتِ وَالْمَفَاسِدِ. وَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَجْتَمِعُ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ -أَوْ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ- الْأَمْرَانِ؛ فَالذَّمُّ وَالنَّهْيُ وَالْعِقَابُ قَدْ يَتَوَجَّهُ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ أَحَدُهُمَا فَلَا يَغْفُلُ عَمَّا فِيهِ مِنْ النَّوْعِ الْآخَرِ كَمَا يَتَوَجَّهُ الْمَدْحُ وَالْأَمْرُ وَالثَّوَابُ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ أَحَدُهُمَا فَلَا يَغْفُلُ عَمَّا فِيهِ مِنْ النَّوْعِ الْآخَرِ وَقَدْ يُمْدَحُ الرَّجُلُ بِتَرْكِ بَعْضِ السَّيِّئَاتِ الْبِدْعِيَّةِ والفجورية لَكِنْ قَدْ يُسْلَبُ مَعَ ذَلِكَ مَا حُمِدَ بِهِ غَيْرُهُ عَلَى فِعْلِ بَعْضِ الْحَسَنَاتِ السُّنِّيَّةِ الْبَرِّيَّةِ. فَهَذَا طَرِيقُ الْمُوَازَنَةِ وَالْمُعَادَلَةِ وَمَنْ سَلَكَهُ كَانَ قَائِمًا بِالْقِسْطِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ لَهُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ. .ا.هـ
وقال أيضا: وَفِي الْفَاعِلِ الْوَاحِدِ وَالطَّائِفَةِ الْوَاحِدَةِ يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفِهَا وَيَنْهَى عَنْ مُنْكَرِهَا وَيُحْمَدُ مَحْمُودُهَا وَيُذَمُّ مَذْمُومُهَا؛ بِحَيْثُ لَا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرُ بِمَعْرُوفِ فَوَاتَ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ حُصُولَ مُنْكَرٍ فَوْقَهُ وَلَا يَتَضَمَّنُ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ حُصُولَ أَنْكَرَ مِنْهُ أَوْ فَوَاتَ مَعْرُوفٍ أَرْجَحَ مِنْهُ.
وَإِذَا اشْتَبَهَ الْأَمْرُ اسْتَبَانَ الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ؛ فَلَا يَقْدُمُ عَلَى الطَّاعَةِ إلَّا بِعِلْمِ وَنِيَّةٍ؛ وَإِذَا تَرَكَهَا كَانَ عَاصِيًا فَتَرْكُ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ مَعْصِيَةٌ؛ وَفِعْلُ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْأَمْرِ مَعْصِيَةٌ.
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ إقْرَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَئِمَّةِ النِّفَاقِ وَالْفُجُورِ لِمَا لَهُمْ مِنْ أَعْوَانٍ فَإِزَالَةُ مُنْكَرِهِ بِنَوْعِ مِنْ عِقَابِهِ مُسْتَلْزِمَةٌ إزَالَةَ مَعْرُوفٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِغَضَبِ قَوْمِهِ وَحَمِيَّتِهِمْ؛ وَبِنُفُورِ النَّاسِ إذَا سَمِعُوا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَاطَبَ النَّاسَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ وَاعْتَذَرَ مِنْهُ وَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَوْلًا الَّذِي أَحْسَنَ فِيهِ: حَمِيَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عبادة مَعَ حُسْنِ إيمَانِهِ. .ا.هـ
وقال سلطان العلماء: إذَا تَفَاوَتَتْ رُتَبُ الْفُسُوقِ فِي حَقِّ الْأَئِمَّةِ قَدَّمْنَا أَقَلَّهُمْ فُسُوقًا، مِثْلَ إنْ كَانَ فِسْقُ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ بِقَتْلِ النُّفُوسِ وَفِسْقُ الْآخَرِ بِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْأَبْضَاعِ، وَفِسْقُ الْآخَرِ بِالتَّضَرُّعِ لِلْأَمْوَالِ، قَدَّمْنَا الْمُتَضَرِّعَ لِلْأَمْوَالِ عَلَى الْمُتَضَرِّعِ لِلدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَقْدِيمُهُ قَدَّمْنَا الْمُتَضَرِّعَ لِلْأَبْضَاعِ عَلَى مَنْ يَتَعَرَّضُ لِلدِّمَاءِ، وَكَذَلِكَ يَتَرَتَّبُ التَّقْدِيمُ عَلَى الْكَبِيرِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْأَكْبَرِ وَالصَّغِيرِ مِنْهَا وَالْأَصْغَرِ عَلَى اخْتِلَافِ رُتَبِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: أَيَجُوزُ الْقِتَالُ مَعَ أَحَدِهِمَا لِإِقَامَةِ وِلَايَتِهِ وَإِدَامَةِ تَصَرُّفِهِ مَعَ إعَانَتِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ دَفْعًا لِمَا بَيْنَ مَفْسَدَتَيْ الْفُسُوقَيْنِ مِنْ التَّفَاوُتِ وَدَرْءًا لِلْأَفْسَدِ فَالْأَفْسَدِ، وَفِي هَذَا وَقْفَةٌ وَإِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّا نُعِينُ الظَّالِمَ عَلَى فَسَادِ الْأَمْوَالِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْأَبْضَاعِ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ.
وَكَذَلِكَ نُعِينُ الْآخَرَ عَلَى إفْسَادِ الْأَبْضَاعِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الدِّمَاءِ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ، وَلَكِنْ قَدْ يَجُوزُ الْإِعَانَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَا لِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً بَلْ لِكَوْنِهَا وَسِيلَةً إلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ وَكَذَلِكَ إذَا حَصَلَ بِالْإِعَانَةِ مَصْلَحَةٌ تَرْبُو عَلَى مَصْلَحَةِ تَفْوِيتِ الْمَفْسَدَةِ؛ كَمَا تُبْذَلُ الْأَمْوَالُ فِي فِدَى الْأَسْرَى الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْكَفَرَةِ وَالْفَجَرَةِ. .ا.هـ
قلت سبحان Q ! كيف لو سئل هؤلاء مثلا عن المسلمين الذين يحيون في أوربا لو تقدم نصراني مظهر عدواته للإسلام والمسلمين، وآخر يزعم الديمقراطية بني الجميع ولا يعرف عنه عداوة ظاهرة للإسلام والمسلمين، هل يقال اكتفوا بالدعوة ولو ذبحوا رجالكم واستحيوا نساءكم ؟
وماذا لو لم يأخذ المسلمون حقوقهم الدينية كأقلية إلا بالترشح إلى المجالس الشعبية للمطالبة بالطريقة الرسمية باستصدار قانون ينظم الأحوال الشخصية للأقليات المسلمة ؟ إذا كانوا عاجزين عن الهجرة ! هل يقال استسلموا لقوانين الأحوال الشخصية الكافرة ؟
قال د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي: سألت شيخنا رحمه الله :عن المسلمين في أمريكا ، هل يشاركون في الانتخابات التي تجري في الولايات لصالح مرشح يؤيد مصالح المسلمين ؟ فأجاب بالموافقة ، دون تردد .[SUP]([10])[/SUP]
وسئل الشيخ الألباني وهو على رأس المناهضين للعملية السياسية المعاصرة والأحزاب ونحو ذلك: ما موقف الشباب السلفي تجاه ما يقوم به الشيوعيون والعلمانيون من إشغار مناصب مهمة في الحكومة والمشاركة في الانتخابات وذلك بمزاحمتهم في هذه المناصب قصد الدعوة إلى الله أو على الأقل تقليل الشر الذي يصدر منهم حال كونهم في تلك المناصب؟
فأجاب: رأيي في هذه المسألة له شعبتان من البيان إحداهما يتعلق بمن يرشح نفسه والأخرى بمن ينتخبه.

  1. أما من يرشح نفسه فلا أنصح مسلماً أن يرشح نفسه ....
  2. أما ما يتعلق بالناخب فأنا مع ما جاء في السؤال أرى من باب دفع الشر الأكبر بالشر الأصغر أنه يجب أن نختار هؤلاء الإسلاميين الذين رضوا بأنفسهم أن يوقعوها في هذه المهلكة فإن وجودهم في البرلمان أقل شراً من وجود الأحزاب الأخرى كالشيوعيين والبعثيين والدهريين ونحو ذلك فلذلك كنت أنصح إخواننا أن يختاروا المرشحين الإسلاميين والحقيقة لابد أنكم قرأتم يعني لأول مرة بيظهر المرشحين الإسلاميين هم الكثرة الكاثرة في البرلمان [...] لكن أنا لا أعتقد أنهم سوف يستطيعون أن يفعلوا ذلك أن يفعلوا بانتخابهم شيئاً يغيرون البرلمان عن مسيرته التي وضعت لهم فلذلك أعتقد أن الذي يرشح نفسه شأنه شأن العالم الذي قال عليه الصلاة والسلام في حقه: (مثل العالم الذي لا يعمل بعلمه كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء غيره) فهذا المرشح لنفسه يحرق نفسه ويضيء قليلاً لغيره ولكن النتيجة قد ينطفئ السراج كله ولا يبقى له نور يستضاء به. هذا رأيي في هذا السؤال. [فتاوي جدة: الشريط 31/ق16:42 ]

  • ثم إني سائل هؤلاء المانعين: إذا تولى علينا نصراني فماذا أنتم فاعلون ؟

  • هل ستخرجون عليه طاعة لرسول الله الذي قال "إلا أن تروا كفرا بواحا" مهما أريقت من دماء المسلمين التزاما بالنص ورفضا لقاعدة دفع الأفسد بالفاسد ؟!
  • أو تتركون النص النبوي لقاعدة المصالح والمفاسد ؟!

  • الخلاصة: السلطان ضرورة من الضرورات اللازمة لحفظ الدين وصيانته ، ولا يغني عن الدعوة كما لا تغني عنه. فيجب تحصيله إن كان ثمة مصلحة، وفق الأصول التي قدمناها في الفصلين السابقين، وما سيأتي.




http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref1([1]) عمدة القاري

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref2([2])مجموع الفتاوى (28/ 390)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref3([3])الأدب(ص: 135)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref4([4])حاشية الروض المربع (4/ 253)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref5([5])أثر الدعوة السلفية في توحيد المملكة العربية السعودية (ص: 208)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref6([6])أدب الدنيا والدين (ص: 135)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref7([7])البحر المحيط في التفسير (6/ 291)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref8([8]) لأن السياسة تحتاج إلى جود وشجاعة، لأن سياسة الناس لا تتم إلا بذلك، فيمتنع عن السياسة تدينا وأصل الامتناع هو جبن أو بخل.

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref9([9])

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref10([10]) ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

هل طريقة التولية توقيفية
سبق أن أصلنا أن المصلحة المرسلة –ومنها الوسائل- مشروعة ما لم يرد بخصوصها نص شرعي إعمالا أو إبطالا، فإذا كان كذلك بحثنا عن مقتضياتها أيام السلف فإن وجدناها قائمة ولم تفعل فهو دليل بقصد تركها، وإلا فهي جائزة وإن لم تفعل أيام السلف. وبالنسبة لموضوع تولية الإمام فهو أمر واجب على الأمة بالإجماع، غير أن كيفية هذه التولية لم يرد فيها نص شرعي يبينها ويوجب التزامها، بل تركها النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن بعده يجتهدون فيها بحسب أحوالهم-وهذا ما كان يوم السقيفة- وهذا يقضي بأن طرق تولية الإمام تدخل في باب الوسائل غير المنصوص عليها، كوسائل الجهاد، ونستأنس بقول الصحابة -رضي الله عنهم- عن أبي بكر -رضي الله عنه- يوم السقيفة: "رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا".
وأنت تعلم –عزيزي القارئ-أن أمر الإمامة الكبرى ونحوها من الولايات العامة خطير جدا ، حتى إن الفقهاء سمَّوا إمامة الصلاة بالإمامة الصغرى، أما الإمامةُ العامة فسمَّوها بالإمامة الكبرى لاشتمالها على الإمامة الصغرى وزيادة ، فإذا كانت طريقة تولية الأئمة توقيفية لوجب أن ينص عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- لعموم خطرها، وعظم أثرها في الأمة كلها، ولا يقال إن الإشاراتِ أو القرائنَ تكفي في هذا المقام بالقطع بطريقة واحدة؛ لأنه مقام عموم بلوى فلابد فيه من نص صحيح صريح ، وإلا كان طعنا في النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتقصير في البيان وهذا باطل، أو في الأمة بالتقصير في النقل وهذا محال ، لأن الله حفظ الدين قرآنا وسنة، يقول شيخ الإسلام: الْأَحْكَامُ الَّتِي تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَهَا الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- بَيَانًا عَامًّا وَلَا بُدَّ أَنْ تَنْقُلَ الْأُمَّةُ ذَلِكَ. ا.هـ
? وأما فعل الصحابة -رضي الله عنهم- في تولية الإمام فلا شك أنه أفضل مما نحن فيه : أهل الحل والعقد هم المكلفون باختيار ولي الأمر، وإظهاره للأمة. قال شيخ الإسلام: فَالشَّرِيعَةُ جَامِعَةٌ لِكُلِّ وِلَايَةٍ وَعَمَلٍ فِيهِ صَلَاحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالشَّرِيعَةُ إنَّمَا هِيَ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ. وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ وَالسِّيَاسَاتِ وَالْأَحْكَامِ وَالْوِلَايَاتِ وَالْعَطِيَّاتِ. .ا.هـ فهذا لا نختلف فيه، لكن التحجير على ذلك اختيار أواحتياجا واضطرارا ، غير مستقيم أصوليا، وإنما هو أمر يخضع للمصلحة والمفسدة أو بسياسية الناس، يقول العثيمين: وقال: ولا بأس بتقييد الولاية سنة أو سنتين أو ثلاث أو أربعة، أو غير ذلك لا بأس به فهذا جيد لأنه يفيد ... وجعل الولاية مقيدة بسنوات هذا طيب حتى يختبر وينظر وكم من إنسان لا نظن أنه أهلا فيكون أهلا، وكم من إنسان يكون بالعكس نظنه أهلا ويكون غير أهل، نظن أن هذا الرجل ملتزما ونظنه يقوم بالواجب فإذا به يعجز، يكون ضعيفا فلا يستطيع أن يقوم بالواجب. وهذا ليس عقد إيجار هذا ولاية لكن يقدر بأربع سنوات أو ثلاث أو خمس، حسب ما تقتضيه المصلحة، لكن المهم كل المهم ألا لا يولى على المسلمين في عمل وفيهم وفيهم أصلح من هذا المولى .ا.هـ [SUP]([1])[/SUP] وهذا التقييد بلا شك أمر لا يعرفه السلف ولا هو من طريقتهم، ولكن الشيخ رحمة الله عليه له نظر ثاقب، وعلم بالسياسية الشرعية، وذلك أنه رأى أن الذمم قد خربت وأهل الحل والعقد قد فسدوا والحكام قد استبدوا بالأمر دون رعيتهم، واستشرى الخروج عن شريعة الله في أكثر أقطار المسلمين، فكان لابد من إيجاد وسيلة لاستصلاح الأمراء وليست هي مما نُهي عنه نصا، كما أصلنا.
أما إخواننا الذين يحجرون واسعا، ويقفون عند ظواهر النصوص -بل الأفعال- حتى ولو فاتت مصالح، ووقعت مفاسد، فيرد على مذهبهم أمور:

  • الإيراد الأول: أن ذلك فعل مجرد، والفعل المجرد لا أعلم أحدا من أهل العلم أوجب به شيئا من الأفعال، بل إن الأصوليين متنازعون في دلالة أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- المجردة، هل تفيد استحبابا أو لا. كلبس الطاقية وإطالة الشعر ونحو ذلك.
مِثَالُهُ[SUP]([2])[/SUP]:نُزُولُ رَسُولِ الله المُحَصَّبَ[SUP]([3])[/SUP]اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي هَذَا النُّزُولِ: هَلْ هُوَ تَشْرِيعٌ أَوْ لَيْسَ ‏كَذَلِكَ، وَالْمُحَصَّبُ: هُوَ الْأَبْطَحُ، وَهُوَ الْمُعَرَّسُ، وَهُوَ خَيْفُ مِنًى الْمَذْكُورُ فِى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ لَنَا ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ وَنَحْنُ بِمِنًى: نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ وَذَلِكَ إِنَّ قُرَيْشًا ‏وَبَنِي كِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ » .‏
قال الصنعاني: وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ هَلْ التَّحْصِيبُ سُنَّةٌ أَمْ لَا ؟ فَقِيلَ : سُنَّةٌ ، وَقِيلَ : لَا إنَّمَا هُوَ ‏مَنْزِلٌ نَزَلَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-.‏
فَكَانَ عَبْدُ ‏اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنه يَرَاهُ سُنَّةً. كَمَا فِي حَدِيثِ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً وَكَانَ ‏يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالْحَصْبَةِ. ‏
قَالَ نَافِعٌ قَدْ حَصَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ.‏
قال الصنعاني: قِيلَ : وَالْحِكْمَةُ فِي نُزُولِهِ فِيهِ إظْهَارُ نِعْمَةِ اللَّهِ بِاعْتِزَازِ دِينِهِ وَإِظْهَارِ كَلِمَتِهِ وَظُهُورِهِ عَلَى ‏الدِّينِ كُلِّهِ فَإِنَّ هَذَا الْمَحَلَّ هُوَ الَّذِي تَقَاسَمَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَلَى قَطِيعَةِ بَنِي هَاشِمٍ وَكَتَبُوا صَحِيفَةَ الْقَطِيعَةِ ‏فِي الْقِصَّةِ الْمَعْرُوفَةِ ، وَإِذَا كَانَتْ الْحِكْمَةُ هِيَ هَذِهِ فَهِيَ نِعْمَةٌ عَلَى الْأُمَّةِ أَجْمَعِينَ فَيَنْبَغِي نُزُولُهُ لِمَنْ حَجَّ مِنْ ‏الْأُمَّةِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.
قُلْتُ: فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُ التَّعَبُّدِ لِهَذِهِ الْقَرِينَةِ.‏
‏***‏
وَكَانَ عَبْدُ ‏اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ‏رضي الله عنه‏ يَقُولُ: لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏.‏
وَكَانَتْ عَائِشَةُ ل تُوَافِقُ ابْنَ عبَّاسٍ فَتَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ مَنْزِلٌ يَنْزِلُهُ النَّبِيُّ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ.‏
قال الحافظ: وَقَدْ رَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ " ثُمَّ اِرْتَحَلَ حَتَّى نَزَلَ الْحَصْبَة ‏قَالَتْ وَاللَّه مَا نَزَلَهَا إِلَّا مِنْ أَجْلِي " وَرَوَى مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ أَبِي ‏رَافِع قَالَ " لَمْ يَأْمُرنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَنْزِل الْأَبْطَح حِين خَرَجَ مِنْ مِنًى وَلَكِنْ جِئْت ‏فَضَرَبْت قُبَّته فَجَاءَ فَنَزَلَ " ‏
قلت: فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ ظَهَرَ فِيهِ القَصْدُ الْجِبِلِّيُّ .‏
‏***‏
قال الحافظ: " فَالْحَاصِل أَنَّ مَنْ نَفَى أَنَّهُ سُنَّة كَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِك فَلَا يَلْزَم ‏بِتَرْكِهِ شَيْء ، وَمَنْ أَثْبَته كَابْنِ عُمَر أَرَادَ دُخُوله فِي عُمُوم التَّأَسِّي بِأَفْعَالِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا الْإِلْزَام ‏بِذَلِكَ ، وَيُسْتَحَبّ أَنْ يُصَلِّي بِهِ الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاء وَيَبِيت بِهِ بَعْض اللَّيْل كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ‏حَدِيث أَنَس ، وَيَأْتِي نَحْوه مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه .‏
قُلْتُ: فالْأَمْرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ النُّصُوصِ وَاسِعٌ يَسَعُ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ وَاللهُ أَعْلَمُ.
أخيرا قال الخطابي: التحصيب إذا نفر الرجل من منى إلى مكة للتوديع أن يقيم بالشعب الذي يخرجه ‏إلى الأبطح حتى يهجع بها من الليل ساعة ثم يدخل مكة وكان هذا شيئا يفعل ثم ترك .‏ا.هـ
انظر كيف اختلف الصحابة بين الإباحة والاستحباب ، ثم انظر كيف أنه قد تُرك وهو لصيق بالحج الذي هو توقيفي ؛ بخلاف طرائق الإمامة ، فكيف توجبون ما فعله الصحابة -رضي الله عنهم- -ولو اجتمعوا-في مثل هذه المسألة العظيمة ، وقد تنازع أهل العلم في دلالة فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الإباحة والاستحباب ؟!
ومع كونه فعلا فقد اختلف السلف في طريقة التولية، يقول توفيق بن عبد العزيز السديري[SUP]([4])[/SUP] : وكان اختيار رئيس الدولة يتم عن طريق البيعة التي تتم بإحدى طرق أربع هي:
أ – الاختيار، كاختيار أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
ب – الاستخلاف ، كاختيار عمر رضي الله عنه.
جـ - الاختيار بين معينينَ، كاختيار عثمان رضي الله عنه.
د - ولاية العهد، كما في الدولة الأموية والعباسية.
ويمكن تلخيص النقاط التي تُستنتَج من وقائع اختيار الخليفة والبيعة في عهد الخلفاء الراشدين في النقاط التالية:
أ - تأكيد أن أمر اختيار الخليفة أو رئيس الدولة الإسلامية متروك للمسلمين، يقررون فيه ما يلائم مصالحهم.
ب - تكريس تطبيق مبدأ الشورى دون تحديد طريقة معينة بذاتها، ويتضح هذا من خلال اختيار الخلفاء الراشدين ومبايعتهم... ا.هـ
قلت: ذلك التنوع يؤكد الأصل الذي قررناه: وهو عدم لزومه بعينه دون غيره. وقد يؤكدها أيضا أن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- وسع من دائرة الشورى حتى شملت العامة والنساءَ منهم، قال ابن تيمية: بَقِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُشَاوِرُ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَخْبَرَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، وَأَنَّهُ شَاوَرَ حَتَّى الْعَذَارَى فِي خُدُورِهِنَّ. وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ أَحَدٍ كَرَاهَةٌ، لَمْ يَنْقل - أَوْ قَالَ - أحدٌ شَيْئًا وَلَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا. فَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَجْرِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ. وَالْأَمْرُ الَّذِي يَتَشَاوَرُ فِيهِ النَّاسُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ كَلَامٍ، لَكِنْ لَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْحَزْرِ.[SUP]([5])[/SUP]
وأستأنس كذلك بما خرّجه الخلال في السنة عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَامَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ قُتِلَ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ إِمَامٍ، وَلَا نَجِدُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ، أَقْدَمَ مَشَاهِدًا وَلَا أَقْرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: «لَا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي وَزِيرٌ خَيْرٌ مِنِّي أَنْ أَكُونَ أَمِيرًا» ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا نَحْنُ بِفَاعِلِينَ حَتَّى نُبَايِعَكَ. قَالَ: فَفِي الْمَسْجِدِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي بَيْعَتِي أَنْ تَكُونَ خَفِيًّا، وَلَا تَكُونَ إِلَّا لِمَنْ رَضِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ". قَالَ: فَقَامَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَلَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُشْغَبَ عَلَيْهِ، وَأَبَى هُوَ إِلَّا الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا دَخَلَ جَاءَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَبَايِعُوا وَبَايَعَ النَّاسُ.

  • الإيراد الثاني: لا يوجد اليوم أهلٌ للحل والعقد أمناءُ على الأمة في اختيار الأصلح ، فالسلفيون ليس لديهم مرجعية بشرية معتمدة يرجعون إليها، ويجعلونها أهلا للحل والعقد، ولو وجِدوا فإن العلمانيين لن يسمحوا بهذا فهم أصحاب الحل والعقد في هذا البلد. وتولية الأصلح واجبة على الكفاية ، فيجب علينا القيام به قدر المستطاع وإلا أثمنا، ولا يجوز ترك أذناب اليهود والنصارى يتحكمون في مسير ومصير الأمة ونحن نتفرج عليهم ، فهذه مفسدة ما أعظمها من مفسدة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ». فما دام بالإمكان دفع هذه المفسدة العظمى ولو بمفسدة صغرى -إذا غلب الظن دفعها بها دون غيرها- وجب ذلك كما هو مقرر في أصول الشريعة. ويضاف إلى ذلك أننا لو تركنا هؤلاء ليختاروا للأمة من شاؤوا ولو كان نصرانيا أو شيعيا أو امرأة لفسدت أحوال الناس واندرس الدين من المكان كما اندرس في العديد من البلدان –ولو في الظاهر- لاحتياجه إلى السلطان الناصر-كما بينا- وقد قال الله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"
يقول الماوردي[SUP]([6])[/SUP]: السُّلْطَانُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينٍ تَجْتَمِعُ بِهِ الْقُلُوبُ حَتَّى يَرَى أَهْلُهُ الطَّاعَةَ فِيهِ فَرْضًا، وَالتَّنَاصُرَ عَلَيْهِ حَتْمًا، لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ لُبْثٌ وَلَا لِأَيَّامِهِ صَفْوٌ، وَكَانَ سُلْطَانَ قَهْرٍ، وَمَفْسَدَةَ دَهْرٍ. وَمِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَجَبَ إقَامَةُ إمَامٍ يَكُونُ سُلْطَانَ الْوَقْتِ وَزَعِيمَ الْأُمَّةِ لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا بِسُلْطَانِهِ، وَالسُّلْطَانُ جَارِيًا عَلَى سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: الْمُلْكُ بِالدِّينِ يَبْقَى، وَالدِّينُ بِالْمُلْكِ يَقْوَى. .ا.هـ
فوجب على أهل الحق القيام بذلك الواجب بأقرب طريق ممكن لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . فصرنا بين أمرين:

  1. الالتزام بفعل الصحابة -رضي الله عنهم- ولو فات الواجب
  2. أو ترك فعل الصحابة على النحو المذكور تحقيقا لهذا الواجب
ولا إخال أحدا يقول بالأول، يقول شيخ الإسلام: إذَا كَانَ الْمُتَوَلِّي لِلسُّلْطَانِ الْعَامَّ أَوْ بَعْضَ فُرُوعِهِ كَالْإِمَارَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ وَاجِبَاتِهِ وَتَرْكُ مُحَرَّمَاتِهِ وَلَكِنْ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ مَا لَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ قَصْدًا وَقُدْرَةً: جَازَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ وَرُبَّمَا وَجَبَتْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَجِبُ تَحْصِيلُ مَصَالِحهَا مِنْ جِهَادِ الْعَدُوِّ وَقَسْمِ الْفَيْءِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَأَمْنِ السَّبِيلِ: كَانَ فِعْلُهَا وَاجِبًا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِتَوْلِيَةِ بَعْضِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ وَأَخْذِ بَعْضِ مَا لَا يَحِلُّ وَإِعْطَاءِ بَعْضِ مَنْ لَا يَنْبَغِي؛ وَلَا يُمْكِنُهُ تَرْكُ ذَلِكَ: صَارَ هَذَا مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ أَوْ الْمُسْتَحَبُّ إلَّا بِهِ فَيَكُونُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا إذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ دُونَ مَصْلَحَةِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ أَوْ الْمُسْتَحَبِّ بَلْ لَوْ كَانَتْ الْوِلَايَةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ظُلْمٍ؛ وَمَنْ تَوَلَّاهَا أَقَامَ الظُّلْمَ حَتَّى تَوَلَّاهَا شَخْصٌ قَصْدُهُ بِذَلِكَ تَخْفِيفُ الظُّلْمِ فِيهَا. وَدَفْعُ أَكْثَرِهِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِ: كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا مَعَ هَذِهِ النِّيَّةِ وَكَانَ فِعْلُهُ لِمَا يَفْعَلُهُ مِنْ السَّيِّئَةِ بِنِيَّةِ دَفْعِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهَا جَيِّدًا. وَهَذَا بَابٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدِ فَمَنْ طَلَبَ مِنْهُ ظَالِمٌ قَادِرٌ وَأَلْزَمَهُ مَالًا فَتَوَسَّطَ رَجُلٌ بَيْنَهُمَا لِيَدْفَعَ عَنْ الْمَظْلُومِ كَثْرَةَ الظُّلْمِ وَأَخَذَ مِنْهُ وَأَعْطَى الظَّالِمَ مَعَ اخْتِيَارِهِ أَنْ لَا يَظْلِمَ وَدَفْعَهُ ذَلِكَ لَوْ أَمْكَنَ: كَانَ مُحْسِنًا وَلَوْ تَوَسَّطَ إعَانَةً لِلظَّالِمِ كَانَ مُسِيئًا.[SUP]([7])[/SUP]
وكما ذكرتُ أن دفع المفسدة الكبرى بالصغرى متعين إذا لم تدفع إلا بها ونحوُ ذلك تولية إمام مستقل في كل بلد يقوم بدور الخليفة في الحكم، فالأصل أنه لا يجوز ذلك إلا لإمام واحد لكل بلاد المسلمين، ثم يقوم الخليفة بتعيين وال على كل قطر، قال النووي : وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُعْقَد لِخَلِيفَتَيْنِ فِي عَصْر وَاحِد سَوَاء اِتَّسَعَتْ دَار الْإِسْلَام أَمْ لَا ، وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه الْإِرْشَاد : قَالَ أَصْحَابنَا : لَا يَجُوز عَقْدهَا لِشَخْصَيْنِ ، قَالَ : وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوز عَقْدهَا لِاثْنَيْنِ فِي صُقْع وَاحِد ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ . قَالَ : فَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ وَتَخَلَّلَتْ بَيْنهمَا شُسُوع فَلِلِاحْتِمَالِ فِيهِ مَجَال ، قَالَ : وَهُوَ خَارِج مِنْ الْقَوَاطِع ، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ هَذَا الْقَوْل عَنْ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْل الْأَصْل ، وَأَرَادَ بِهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ ، وَهُوَ قَوْل فَاسِد مُخَالِف لِمَا عَلَيْهِ السَّلَف وَالْخَلَف ، وَلِظَوَاهِر إِطْلَاق الْأَحَادِيث . وَاَللَّه أَعْلَم . .ا.هـ فلما تعذر ذلك وجب إقامة من ينصلح به حال المسلمين في كل بلد –وهي مفسدة صغرى- ووجب له كل ما للخليفة العام خلافا لفعل السلف المنصوص عليه، لما قال بعضهم: "منا أمير ومنكم أمير" رفض المهاجرون ذلك وعلى رأسهم أبوبكر وعمر، حتى استقر الأمر على تولية أمير واحد من قريش لجميع المسلمين وأجمع المسلمون سلفا وخلفا على ذلك . فعلم أن مقام الاختيار له حكم مختلف عن مقام الاحتياج أو الاضطرار.

  • تنبيه: إذا قلنا نتركهم ولو اختاروا نصرانيا أو شيعيا دخلنا في دائرة مظلمة وهي وجوب الخروج عليه، ومدى الاستطاعة وقدر المصلحة، ، والمفسدة المترتبة على ذلك. والاختلاف حول ذلك
  • نكتة: يقول شيخ الإسلام [SUP]([8])[/SUP]عن الشيعة مبينا لوازم ترك تولية إمام انتظارا للمهدي : وَلِهَذَا تَجِدُهُمْ لَمَّا فَاتَهُمْ مَصْلَحَةُ الْإِمَامَةِ يَدْخُلُونَ فِي طَاعَةِ كَافِرٍ أَوْ ظَالِمٍ لِيَنَالُوا بِهِ بَعْضَ مَقَاصِدِهِمْ، فَبَيْنَا هُمْ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى طَاعَةِ إِمَامٍ مَعْصُومٍ، أَصْبَحُوا يَرْجِعُونَ إِلَى طَاعَةِ كَفُورٍ ظَلُومٍ .ا.هـ
  • الإيراد الثالث: أهل الحل والعقد هم وجوه الناس وأهل الرأي والمشورة وقد كان التعرف عليهم سابقا سهلا ميسورا كما هو الحال في القرى الصغيرة اليوم ، لكن التعرف على أهل الحل والعقد اليوم صار صعبا، وذلك لكثرة الناس، واختلافِهم في تحديدهم، كما أن الاطلاع المباشر من أولي الأمر على أهل الحل والعقد أو الممثلين للأمة من بين الملايين في الدولة أمر يكاد يكون محالا، ولا تكليف بمحال. لذلك يتعين أن يسأل الإمام الناس عن أفضلهم ، لكن الاتصال المباشر بهم متعذر أيضا، فكان لابد من ابتكار وسيلة للتواصل معهم في الأحياء المتباعدة لتكون أمارة وعلامة للتعرف على وجوه الناس الذين يمكن أن يمثلوا الأمة، فكانت وسيلة الانتخاب عبر الصناديق خير وسيلة ظهرت حتى الآن، لأن الأصل متعذر، ولو أمكن تغييرها لأفضل منها وجب ذلك قدر المستطاع.
  • تنبيه: البحث الآن في هذه الجزئية مقصور على مسألة "طريقة الصحابة في التولية هل هي توقيفية أو لا ؟" مجردة عما يقع الآن من مفاسد، أو شرعية الوسيلة، فهذا سنناقشه في حينه.[SUP]([9])[/SUP]
  • الخلاصة: طريقة الصحابة في تولية الإمام هي الأكمل والأفضل، وليست توقيفية، واليوم متعذرة.




http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref1([1]) شرح السياسية الشرعية [ص: 25]

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref2([2])أوردت مثالا على فعل ليس مجردا بل مقترنا بعبادة ومع ذلك اختلف العلماء في حكمه إباحة أو استحبابا ليكون دخول الفعل المجرد في ذلك من باب أولى

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref3([3]) (المُحَصَّب) بميم مضمومة، ثم حاء مفتوحة، ثم صاد مفتوحة: وادٍ بين مكة ومنًى، وهو إلى منى أقرب؛ سمي بذلك لكثرة الحصباء فيه، وهي الحصى الصغيرة، ويسمى أيضًا الأبطح . والتحصيب: هو النزول بوادي المحصَّب في النفر من منًى إلى مكة، عند انتهاء المناسك.

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref4([4]) الإسلام والدستور (1/ 144) الناشر: وكالة المطبوعات والبحث العلمي وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.
طريقة التمليك والتنازل كانتا في سياق تاريخ اقتضى ذلك وفرضه، فرضيه العلماء وأقره درءا للمفسدة، ومثل ذلك اليوم الإقرار على النظم الحديثة في اختيار الإمام وإن كان فيها بعض العور غير أنها الوسيلة المتاحة فيجب الإقرار بها ريثما يمكننا تعديلها وفق أحكام الشريعة.

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref5([5]) مختصر منهاج السنة (ص: 324)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref6([6])أدب الدنيا والدين (ص: 135)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref7([7])مجموع الفتاوى (20/ 55)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref8([8]) مختصر منهاج السنة (ص: 44)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref9([9]) ما يكتنف هذه العملية من مفاسد يمكن تلافيه بسن ضوابط وقيود تضمن وصول الأصلح من الناس ولو غالبا، ولا يوجد لدينا الآن غير ذلك ولا تكليف إلا بمقدور.
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

نستكمل غدا إن شاء الله
 
إنضم
16 أبريل 2010
المشاركات
187
التخصص
إنجليزية
المدينة
تلمسان
المذهب الفقهي
مالكي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

أخي صهيب ما تقوله كلام علمي وطيب
لكن كان يقوله قبلكم كثير من الجماعات وكنتم تعيبون عليهم ذالك
فما الفرق؟
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

أخي صهيب ما تقوله كلام علمي وطيب
لكن كان يقوله قبلكم كثير من الجماعات وكنتم تعيبون عليهم ذالك
فما الفرق؟
جزاك الله خيرا
الفرق بينهما كالفرق بين استعمال القياس في محله كاستعمال الأئمة في تجلية الحكم الشرعي واستعماله في غير محله كاستعمال أهل الهوى في التشريع من دون الله مما حدا بابن حزم إلى إنكار جملة، فتدبر
أو قل اجتهاد وتغير بتغير المناطات
فإن لم يكن هذا ولا ذاك فالعبرة بالدليل ومعناه ولا يضره اجتهاد المجتهدين ولا اختلاف الجماعات، والكل يؤخذ منه ويرد
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

هل العملية السياسية المعاصرة بدعة

انتهينا بفضل الله من وضع تصور صحيح-إن شاء الله- لأهم أصول الحوار التي يختلف حولها المتناظرون، وقد قررنا بفضل الله ما يلي:
أولا: الأصل في الوسائل الإباحة في الجملة، والسياسية جزء منها.
ثانيا: التشبه إن كان عبادة فممنوع، وإن كان في عادة فممنوع أيضا إلا لحاجة أو شيوع .
ثالثا: احتياج الدين إلى سلطان ضرورة من الضرورات التي من أجلها تستباح بعض المحظورات.
وبهذا ينتهي القسم التأصيلي النظري، ليبصر الناظر موضع قدميه عند الحوار.

وهنا نشرع في القسم التطبيقي لأهم النوازل السياسية المعاصرة ، وسيختص الحديث في هذا الفصل بمبدأ الانتخاب والتمثيل النيابي في ذاته :
سبق أن أصلنا أن الأصل في السياسات الإباحة، وسقنا قول ابن القيم رحمه الله عن ابن عقيل ، ومع ذلك قد دلت الدلائل مفهوما ومنطوقا على مبدأ الانتخاب والتمثيل النيابي في الجملة. صحيح أن هناك فروقا لكنها لا ترقى إلى درجة التأثير في الإلحاق، كإنشاء مبنى مخصوص، أو الكتابة في بطاقات الترشيح ونحو ذلك من الأوصاف الطردية، وقد سبق أن ذكرنا أن كثيرا من الأعمال التي لم تكن بصورتها أيام السلف أجمعت الأمة –فيما أعلم-على جوازها واستحسانها، وقد سقنا منها الكثير في فصل تصوير الوسائل، فلتراجع. والنصوص التي سأوردها بعد قليل بعضها في معنى التمثيل النيابي، وبعضها في معنى الانتخاب ونحو ذلك، يعني أنها بمجموعها تفيد ما نذهب إليه، من هذه النصوص التي تدعم ما ذهبنا إليه ما يصافح ناظريك الآن:

  1. أمر الله موسى بانتخاب أو اختيار اثني عشر نقيبا عن قومه، للأمة قال تعالى { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا}وهذا في معنى التمثيل النيابي اليوم، والظاهر أنه بالتعيين، وسيأتي تفصيل ذلك في الفقرة التالية.
  2. ولما أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يَردَّ على هوازنَ سبيها أراد أن يعرف رضا المسلمين في ذلك فقال: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ» ، فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا لَكَ ذَلِكَ، قَالَ: «إِنَّا لاَ نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ» فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُمْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. الحديثَ، وقد ترجم البخاري بابا بعنوان: العُرَفَاء لِلنَّاسِ. ونحوُه ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الأنصار قبل الهجرة في العقبة لما قال لهم: أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يَكُونُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ ، فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْهُمْ تِسْعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ ، وَثَلاَثَةٌ مِنَ الأَوْسِ. الحديثَ. وهذا التفات إلى رضا الناس من خلال الممثلين ، وهذا يفيد في معنى انتخاب الأمة.
قال الجصاص: وَإِنَّمَا نَقَّبَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- النُّقَبَاءَ لِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِمُرَاعَاةِ أَحْوَالِهِمْ وَأُمُورِهِمْ وَإِعْلَامِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُدَبِّرَ فِيهِمْ بِمَا يَرَى. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّ عَلَيْهِمْ نَقِيبًا كَانُوا أَقْرَبَ إلَى الِاسْتِقَامَةِ; إذْ عَلِمُوا أَنَّ أَخْبَارَهُمْ تَنْتَهِي إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْتَشِمُ مُخَاطَبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَنُوبُهُ وَيَعْرِضُ لَهُ مِنْ الْحَوَائِجِ قِبَلَهُ, فَيَقُومُ عَنْهُ النَّقِيبُ فِيهِ وَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّقِيبُ ضَامِنًا عَنْهُمْ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنًى لَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ وَلَا يُمْكِنُ الضَّمِينَ فِعْلُهُ وَلَا الْقِيَامُ بِهِ, فَعَلِمْنَا أَنَّهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ.
وقال أبو بكر ابن العربي: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَعَلَى هَذَا انْبَنَى قَبُولُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا فِي الَّذِي يُبَلِّغُهُ إيَّاهَا مِنْ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ وَأَحْكَامِ الدِّينِ وَدُخُولِ الدَّارِ بِإِذْنِ الْآذِنِ، وَأَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ لَا نُطَوِّلُ بِهَا؛ فَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَيْهَا وَعَلَى أَنْوَاعِهَا، فَأَلْحِقْ كُلَّ شَيْءٍ بِجِنْسِهِ مِنْهَا.
وهذا كلام جيد فالصور متكاثرة والموفق من ألحقها بجنسها إن لم يجد نصا بعينها، ولا يفعل فعل ابن حزم لما أبى البول في الماء الراكد للنص، وقَبِل بالبول في قارورة ثم صبِّها فيها؛ لعدم النص ! فيخرج بخفي حنين.

  1. ومما يدل على جواز الترشح والانتخاب في ذاته، أي بصرف النظر عن الكيفية، ما حدث في السقيفة يوم بيعة أبي بكر، حيث ترشح عدد من الصحابة لمنصب الولاية العامة حتى استقر رأيهم على انتخاب أبي بكر -رضي الله عنه- ، فعن عائشة -رضي الله عنه- قالت: اجْتَمَعَتِ الأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ، فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلاَمًا قَدْ أَعْجَبَنِي، خَشِيتُ أَنْ لاَ يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ، فَقَالَ فِي كَلاَمِهِ: نَحْنُ الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الوُزَرَاءُ، فَقَالَ حُبَابُ بْنُ المُنْذِرِ: لاَ وَاللَّهِ لاَ نَفْعَلُ، مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لاَ، وَلَكِنَّا الأُمَرَاءُ، وَأَنْتُمُ الوُزَرَاءُ، هُمْ أَوْسَطُ العَرَبِ دَارًا، وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا، فَبَايِعُوا عُمَرَ، أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ، فَأَنْتَ سَيِّدُنَا، وَخَيْرُنَا، وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ.
  2. ومثل ذلك أيضا الستة الذين رشحهم عمر ليختاروا منهم واحدا، وهذا هو معنى الترشيح والانتخاب أيضا، قال عمر: إِنِّي لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاَءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الخَلِيفَةُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَسَمَّى عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ
  3. وكذلك من أدلة مشروعية الانتخاب بين الأكْفاء أو الأمور المتماثلة ظاهرا مشروعية القرعة في الإسلام، وتدبر عبارة ابن القيم المؤشر عليها: وَمِنْ طُرُقِ الْأَحْكَامِ: الْحُكْمُ بِالْقُرْعَةِ، قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} قَالَ قَتَادَةُ: " كَانَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ إمَامِهِمْ وَسَيِّدِهِمْ فَتَشَاحَّ عَلَيْهَا بَنُو إسْرَائِيلَ، فَاقْتَرَعُوا عَلَيْهَا بِسِهَامِهِمْ، أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا، فَقَرَعَ زَكَرِيَّا، وَكَانَ زَوْجَ أُخْتِهَا، فَضَمَّهَا إلَيْهِ ". وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " لَمَّا وُضِعَتْ مَرْيَمُ فِي الْمَسْجِدِ اقْتَرَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْمُصَلَّى، وَهُمْ يَكْتُبُونَ الْوَحْيَ، فَاقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا " وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} يَقُولُ تَعَالَى: فَقَارَعَ، فَكَانَ مِنْ الْمَغْلُوبِينَ. فَهَذَانِ نَبِيَّانِ كَرِيمَانِ اسْتَعْمَلَا الْقُرْعَةَ وَقَدْ احْتَجَّ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» [SUP]([1])[/SUP]. ما العيب إذا وجدنا أكثر من إمام في مسجد كلُّهم أكْفاء ولم ترجح كفة أحدهما إلا بإجراء قرعة أو تصويت رواد المسجد ؟! وهذا في أمر يتعلق بعبادة محضة، فكيف لا نرضاها بأمر تتنازعه مصالح الدنيا !
  4. ومن الأدلة السلفية على استشارة الرعية في الولايات والأخذ برأيها ما صح عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ «فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلاَةَ العِشَاءِ، فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ» ، قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الكُوفَةِ وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لاَ يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلاَ يَعْدِلُ فِي القَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلاَثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالفِتَنِ...
  5. ويَدْعمنا كذلك استصحابُ حكم الوسائل، فالسياسة من اسمها تدل على حكمها وهي إدارة وقيادة الناس، والنظر في مصالحهم ، وهذا هو مقتضى اللغة والشرع. وقد بين ذلك عدد من الأئمة ممن تكلموا في السياسة كالماوردي والقاضي والشيخ وابن القيم وغيرهم. وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا بلا شك يختلف من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر ، فلا الناس كالناس، ولا المكان كالمكان. فالسياسة أساسها المصلحة، والدعوة أساسها التوقيف وكلاهما يدور في فلك قواعد وضوابط الشريعة، لا كما يقول بنو علمان، فمن سوى بين السياسية والدعوة في المورد على أساس خروجهما من منبع واحد فقد غلط، كمن فرق بينهما في المنبع.
إذن الانتخاب والترشيح بذاتهما مشرعان بأصلهما بصرف النظر عن وصفهما الآن، أعني أن أصل الانتخاب والترشيح موجود سلفا، لكنه اليوم فيه توسعة لنطاق الشورى وكيفيتِها وهذه مسألة زائدة على الأصل أوردنا لها شواهد هاهنا ، وقد قررنا في فصل الوسائل وعلمنا أن الأصل العام في مسائل السياسات أنها ترجع إلى قاعدة الوسائل غير التوقيفية والتي قررناها في الفصل السابق. وبحثناها ها هنا أيضا وبينا أن لها أصلا ترجع إليه والحمد لله.

  • عدم وجود المقتضي:
قد يقال حتى لو سلمنا إنها من باب الوسائل، ولا تشبه فيها، فإنها لا تجوز لوجود مقتضي هذه الوسيلة أيام النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يفعلها وهذا كفيل بالمنع. وهذا هو الأصل الذي أصلته في تصوير الوسائل !
قلت: لا نسلم بوجود المقتضي لها أيام السلف. فقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- جلُّهم يسكنون في مساحة جغرافية تساوي مساحة المسجد النبوي الآن فقط، يمكن جمعهم بـ"الصلاة جامعة" فالأمر لم يكن بتعقيد اليوم ، ولا بالملايين من الناس حتى يقال كان هناك مقتضٍ. لذلك لما كثر الناس بدأ السلف والأمة من بعدهم يتوسعون في الطرق الإدارية والسياسية شيئا فشيئا كإنشاء الدواوين والتجنيد الإجباري والشرطة ، وإسقاط سهم المؤلفة قلوبهم ونحو ذلك، من أمور السياسات ، قال شيخ الإسلام: وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَمْوَالِ الْمَقْبُوضَةِ وَالْمَقْسُومَةِ؛ دِيوَانٌ جَامِعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَلْ كَانَ يُقْسَمُ الْمَالُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَثُرَ الْمَالُ وَاتَّسَعَتْ الْبِلَادُ وَكَثُرَ النَّاسُ فَجَعَلَ دِيوَانَ الْعَطَاءِ لِلْمُقَاتِلَةِ وَغَيْرِهِمْ.[SUP]([2])[/SUP]
فإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحتج إلى ديوان للأموال –وزارة مالية- ثم احتيج إليها بعد ذلك والعلة كثرة الناس، وتنوع الاحتياجات، أفيقال إنه قام على عهده مقتضي هذه العمليات السياسية المعاصرة ثم تركها قصدا ؟! فهذا يؤكد ويصب في أصل واحد عظيم هو أن السياسات من الأمور الدنيوية التي تخضع للتبدل والتغير حسب المصلحة التي يقتضيها الوقت والمكان فتدخل تحت قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» قال القرافي: "اعلم أن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفًا للشرع، بل تشهد له القواعد الشرعية من وجوه: أحدها: أن الفساد قد كثر وانتشر بخلاف العصر الأول ومقتضى ذلك اختلافُ الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع بالكلية لقوله -صلى الله عليه وسلم- "لا ضرر ولا ضرار" وترك هذه القوانين يؤدي إلى الضرر، ويؤكد ذلك جميع النصوص الواردة بنفي الحرج... إلخ[SUP] ([3])[/SUP]

  • الخلاصة: شواهد الشرع تشهد بشرعية الانتخاب والتمثيل النيابي المعاصر بذاتها.




([1])الطرق الحكمية (ص: 245)

([2])مجموع الفتاوى (28/ 277)
يقول الأخ الفاضل الشيخ إبراهيم السكران: يتساءل كثير من قراء السياسة الشرعية لماذا لم يطبق الصحابة فكرة صناديق الاقتراع أو تعميم الشورى فرداً فرداً في مملكتهم الإسلامية؟ والحقيقة أن هذا التساؤل ينطوي على إهدار مضامين تاريخية جوهرية، فمن الاعتبارات الهامة التي يجب مراعاتها في البحث في مسائل السياسة الشرعية هو (تطور وسائل الاتصال المعاصرة)، فهذا معطى جوهري له دور بالغ في فهم تطور الديمقراطية ذاتها، وبالتالي فقياس فترات تاريخية تتفاوت في هذا المعطى هو بكل اختصار (قياس مع الفارق) كما يقول الأصوليون. فقبل تطور وسائل الاتصال المعاصرة لم يكن بالإمكان أصلاً تطبيق الاختيار العام، أو الاقتراع العام، بهذا الشكل الذي نراه اليوم، وسأنقل شاهداً مهما لابن حزم يشرح فيه هذا الامتناع التاريخي، يقول ابن حزم: (أما من قال أن "الإمامة لا تصح إلا بعقد فضلاء الأمة في أقطار البلاد" فباطل، لأنه تكليف ما لا يطاق، وما ليس في الوسع، وما هو أعظم الحرج، والله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وقال تعالى "وما جعل عليكم في الدين من حرج"، ولا حرج ولا تعجيز أكثر من تعرُّف إجماع فضلاء من في المولتان والمنصورة، إلى بلاد مهرة، إلى عدن، إلى أقاصي المصامدة، بل طنجة، إلى الأشبونة، إلى جزائر البحر، إلى سواحل الشام، إلى أرمينية وجبل القبج، إلى اسينجاب وفرغانة واسروسنه، إلى أقاصي خراسان، إلى الجوزجان، إلى كابل المولتان، فما بين ذلك من المدن والقرى، ولا بد من ضياع أمور المسلمين قبل أن يجمع جزء من مائة جزء من فضلاء أهل هذه البلاد)[الفصل:5/13]. فتلاحظ في هذه المناقشة التي يستعرضها ابن حزم أنه يستند أصالةً إلى (عائق الاتصالات)، وأنه لا يمكن معرفة أصوات الناخبين بين هذه الأقطار المتباعدة إلا بوقت طويل تتعطل به مصالح الناس، ويفوت به غرض الإمامة. ويشير الغزالي –أيضاً- إلى عقبة الاتصالات بصورة متخيلة طريفة، نقلها عن من يناقشهم وأقرها، يقول فيها: (وباطل أن يُعتبر إجماع جميع أهل الحل والعقد في جميع أقطار الارض، لأن ذلك مما يمتنع، أو يتعذر تعذراً يُفتقَر فيه إلى انتظار مدة عساها تزيد على عمر الإمام فتبقى الأمور في مدة الانتظار مهملة) [فضائح الباطنية:175]. إذا كان ذلك كذلك فما الذي كان يجري في عصر الخلفاء الراشدين؟ الذي كان يجري هو التوسع في مفهوم (التمثيل) فبلدان المسلمين المتباعدة كانوا يسلمون الأمر للمدينة النبوية ومن فيها من الصحابة، فمن اختاروه رضيت به بقية البلدان، ولذلك لم يظهر معارضة منهم في خلافة الثلاثة. [مقال منشور في موقع الدرر السنية]

([3])السياسة الشرعية في الشئون الدستورية - عبد الوهاب خلاف (22)
 

أبوبكر بن سالم باجنيد

:: مشرف سابق ::
إنضم
13 يوليو 2009
المشاركات
2,540
التخصص
علوم
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
الحنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

الذي أريد تقريره هنا: أن الحق أن أكثر ما كان في هذه المسائل المذكورة قبلُ إنما هو غلط من قائليه، وعلى أولئك أن يعترفوا بهذا دون مواربة، وإلصاق ذلك بالسلفية ورجم مخالفه بالخروج عنها بهتان على منهج السلف. والله الموفق
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

الذي أريد تقريره هنا: أن الحق أن أكثر ما كان في هذه المسائل المذكورة قبلُ إنما هو غلط من قائليه، وعلى أولئك أن يعترفوا بهذا دون مواربة، وإلصاق ذلك بالسلفية ورجم مخالفه بالخروج عنها بهتان على منهج السلف. والله الموفق
يا حبذا التوضيح
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

هل يشرع إنشاء أحزاب سياسية



كما هو معلوم عند أهل العلم أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره فلابد أولا أن نتصور معنى الحزب لغة وشرعا حتى يمكننا تكييفه فقهيا ومن ثم نحكم عليه بما تقتضيه الأصول.

  • التحرير اللغوي:
قال ابن منظور: الحِزْبُ: ((جَماعةُ الناسِ))، وَالْجَمْعُ أَحْزابٌ؛

  • والأَحْزابُ: جُنودُ الكُفَّار، تأَلَّبوا وَتَظَاهَرُوا عَلَى ((حِزبْ النَّبِيِّ)) -صلى الله عليه وسلم- ....
  • وحِزْبُ الرَّجُلِ: ((أَصْحابُه وجُنْدُه الَّذِينَ عَلَى رأْيِه))، والجَمْعُ كَالْجَمْعِ. والمُنافِقُونَ والكافِرُونَ حِزْبُ الشّيطانِ.
  • ((وَكُلُّ قَوْمٍ تَشاكَلَتْ قُلُوبهُم وأَعْمالُهم فَهُمْ أَحْزابٌ، وَإِنْ لَمْ يَلْقَ بعضُهم بَعْضاً)) بِمَنْزِلَةِ عادٍ وَثُمودَ وفِرعَوْنَ أُولئِكَ الْأَحْزابُ. {وكُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}: ((كلُّ طائفةٍ هَواهُم واحدٌ)).
  • .... والحِزْبُ: ((الصِّنْفُ مِنَ النَّاسِ)). قَالَ ابْنُ الأَعرابي: الحِزْب: ((الجَماعةُ)). ... والحِزْبُ: ((الطَّائفةُ)). ....
  • وحازَبَ القومُ وتَحَزَّبُوا: ((تَجَمَّعوا، وَصَارُوا أَحْزاباً)). وحَزَّبَهم: جعلَهم كَذَلِكَ. ...
  • وَفِي حَدِيثِ الإِفْكِ: وطَفِقَتْ حَمْنةُ تَحازَبُ لَهَا. أَي ((تَتَعَصَّبُ)) وتَسْعَى سَعْيَ جَماعَتِها الَّذِينَ يَتَحَزَّبُونَ لَهَا، -وَالْمَشْهُورُ بالراءِ مِنَ الحَرْب- وَفِي الْحَدِيثِ: اللَّهُمَّ اهْزِمِ الأَحْزابَ وزَلزِلْهم ؛ الأَحْزابُ: الطَّوائفُ مِنَ الناسِ، جَمْعُ حِزْب، بِالْكَسْرِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ أَن يُحَزِّبَهم أَي ((يُقَوِّيَهُم ويَشُدَّ مِنْهُمْ))، ويَجْعَلَهم مِنْ حِزْبه، أَو يَجْعَلَهم أَحْزاباً. ا.هـ [SUP]([SUP][1][/SUP][/SUP])
فالحزب على مقتضى اللغة كل أمر فيه اجتماع على شيء معين، فيصح لغة أن نطلقه على جماعة المهاجرين، وجماعة الأنصار، ومذاهب الأئمة أحزابا، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كُنَّ حِزْبَيْنِ، فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ، وَالحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. الحديث. وحديثا يمكن أن نطلق على الأسر المنتشرة في الجامعات لقب أحزاب، وكذلك الجماعات الدعوية والاجتماعية كجماعة أنصار السنة والجمعية الشرعية وغيرهما، وإدارات المساجد، والرابطات والنقابات والمؤسسات الدينية، وكتائب الجيوش وألويتها ... إلخ هي أحزاب أيضا. هذه هي الصور الحديثة لما ذكره ابن منظور وفق اللغة.
إذن فكلمة حزب وحزبية ليس في ذاتها شيئا ممنوعا ولا مطلوبا، وإنما يحكم عليها بمحتواها وغايتها، وهذا ما سنبينه في التحرير الشرعي إن شاء الله.

  • التحرير الشرعي
استعمل الشرع كلمة حزب على مقتضاها اللغوي: الجمع أو الاجتماع على أمر ما، غير أن وظيفة الشرع ليست مجردَ بيان المعنى كاللغة، بل بيانِ حكمها، تبعا لما تتضمنه وتبتغيه، فكان منها تحزب مشروع وهو ما كان على الحق وللحق كما في قوله تعالى { أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } . ومنه –التحزب- الممنوع وهو ما كان على أمر محرم كما في قوله تعالى { أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } وقوله تعالى عن الأقوام الذين تحزبوا على محاربة الأنبياء كما في وقوله تعالى { وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ }
إذن فالحزب لا يحكم عليه حتى ينظر في وسائله وغاياته فإن خيرا فخير وإن شرا فشر، يقول شيخ الإسلام: وَأَمَّا " رَأْسُ الْحِزْبِ " فَإِنَّهُ رَأْسُ الطَّائِفَةِ الَّتِي تَتَحَزَّبُ أَيْ تَصِيرُ حِزْبًا فَإِنْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فَهُمْ مُؤْمِنُونَ لَهُمْ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ. وَإِنْ كَانُوا قَدْ زَادُوا فِي ذَلِكَ وَنَقَصُوا مِثْلَ التَّعَصُّبِ لِمَنْ دَخَلَ فِي حِزْبِهِمْ بِالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْإِعْرَاضِ عَمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي حِزْبِهِمْ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَهَذَا مِنْ التَّفَرُّقِ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَمَرَا بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف وَنَهَيَا عَنْ التَّفْرِقَةِ وَالِاخْتِلَافِ وَأَمَرَا بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَنَهَيَا عَنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.[SUP]([SUP][2][/SUP][/SUP])
والحزب اليوم صار يطلق ويقصد به جماعة سياسية اجتمعت على أهداف سياسية: اقتصادية واجتماعية ونحو ذلك مستخدمين الطرق السلمية ومبدأ تداول السلطات. لكن قد غلب عليها الفساد اليوم لاستخدامها القمع ضد المصلحين، وانصراف أغلب الإسلاميين عن مواجهتهم سياسيا لما يترتب عليه من أضرار أشد مما هم فيه من البلاء. من هذا المنطلق نقول: قولهم : لا حزبية في الإسلام المقصود به : هذه الأحزاب التي تجتمع على باطل أو تتعصب لأمر يخصها دون المسلمين كما بين شيخ الإسلام آنفا، وذلك كالأحزاب العلمانية التي غلبت على الساحة الإسلامية، وبعض الجماعات الدينية. أما ما كان على خير ولخير وبمعروف فهذا خير لا ينهى عنه، وهذا هو مقصد البحث، لأن الأول متفق على حرمته، والأخيرَ لا دليل على المنع منه بل الأدلة متضافرة على مشروعيته، كقوله تعالى { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} فهذا التعاون تحزب لكنه على الحق. والاستصحاب يؤكده. يقول الشيخ العثيمين: وأما الذين يطلبون الولاية في الانتخابات، فإنهم لا يقصدون أن يتولوا هم، والله أعلم بنياتهم، لكن يقصدوا أن يتولى حزبهم مثلاً، لأن هناك حزباً مضاداً، فلو تركت الأحزاب الأخرى الضالة فإنه يحصل الفساد، وهذا كقول يوسف - عليه السلام - للعزيز: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [SUP]([3])[/SUP]
إذن الحكم الشرعي يتنزل على مضمون الحزب لا على اسمه أو لقبه ما لم يكن يشير إلى معنى غير شرعي كالفرعوني مثلا. ثم إذا فرضنا أنْ قامت دولة السنة ولم يكن لهذه الأحزاب فائدةٌ فلا شك أنها ستمنع لأنها مجرد وسيلة وأمر سياسي.

  • الخلاصة: إنشاء الأحزاب من أمور السياسات مثله مثل سائر التجمعات، يشرع لما هو مشروع ويمنع لما هو ممنوع وفق ما تقضيه حاجة الأمة.




([1])لسان العرب (1/ 308)

([2])مجموع الفتاوى (11/ 92)

([3])[الشريط الأول من شرح السياسة الشرعية د:39]
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

عفوا هذا الفصل هو الثاني على الترتيب فحقه التقديم، وفيه أشياء رائقة، وأحتاج فيه إلى آرائكم لأن تحريره أتبعني جدا
الفصل الثاني
ضوابط التشبه


لقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التشبه، من ذلك قوله: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشَارَةُ بِالأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ» وأمر بمخالفتهم أيضا فقال :" خَالِفُوا المُشْرِكِينَ " وغيرها من الأحاديث ، وليس هذا موضعَ خلاف.
لكن النبي -صلى الله عليه وسلم-‏ لما نهى عن التشبه جاء النهي مجملا ليس له حد معين يرجع له، فدل ذلك على أن ‏تحقيقه متروك للعرف، كلباس الشهرة ، ولباس النساء والرجال مثلا ، ولو قلنا بظاهر النص لتعطلت المعايش والحرف، التي جاءتنا عن طريقهم. كسائر النظم الإدارية والتنظيمية والخطط الحربية ، والسيارات والقطارات والأجهزة الحديثة ونحو ذلك. وهذا ما لم يقل به أحد من أهل العلم. فالحديث إذن ليس على إطلاقه، والصواب أن نضع ضوابط للتشبه من خلال فهمنا للنصوص الشرعية وواقع الأمة الموروث خلفا عن سلف. فنقول، لتحقق التشبه لابد من وجود أمرين معا، فإذا انتفى أحدهما جاز في الجملة:
الأمر الأول: خصوصية العمل
بمعنى أن يكون العمل شعارا أو شعيرة للكفر ‏وأهله ، كالصليب، ونجمة داود وربما يدخل الأكل بالشوكة والسكين ونحو ذلك، قال الصنعاني: وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِالْفُسَّاقِ كَانَ مِنْهُمْ أَوْ بِالْكُفَّارِ أَوْ بِالْمُبْتَدِعَةِ فِي أَيِّ شَيْءٍ مِمَّا يَخْتَصُّونَ بِهِ مِنْ مَلْبُوسٍ أَوْ مَرْكُوبٍ أَوْ هَيْئَةٍ. ا.هـ
إذ لابد من إرث بشري مشترك، لا يُلتفت فيه إلى أولية الابتداء، ولا شهرته عنهم، قال ابن حجر: وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ لُبْسَ الْبُرْنُسِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ لِبَاسِ الرُّهْبَانِ وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْهُ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ قِيلَ فَإِنَّهُ مِنْ لَبُوسِ النَّصَارَى قَالَ كَانَ يُلْبَسُ هَا هُنَا. ا.هـ ويقول العثيمين: فإن كان اللباس شائعاً بين الكفار والمسلمين فليس تشبهاً، لكن إذا كان لباساً خاصاً بالكفار، سواء كان يرمز إلى شيء ديني كلباس الرهبان، أو إلى شيء عادي لكن من رآه قال: هذا كافر بناء على لباسه فهذا حرام" ا.هـ [SUP]([1])[/SUP]
وعلى العكس قد يكون العمل مباحا ثم يختصون هم به فيصير حراما، قال شيخ الإسلام أيضا: وَلَمَّا صَارَتْ الْعِمَامَةُ الصَّفْرَاءُ أَوْ الزَّرْقَاءُ مِنْ شِعَارِهِمْ حُرِّمَ لُبْسُهَا.[SUP]([2])[/SUP]
مثاله: العمامة غير المحنكة كانت من خصائص الكفار حتى قال ابن تيمية: قال الميموني: رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه، ويكره غير ذلك وقال: العرب عمائمها تحت أذقانها. وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد: يُكره أن لا تكون العمامةُ تحت الحنك كراهية شديدة، وقال: إنما يتعمم بمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس. ولهذا أيضا كره أحمد لباس أشياء كانت شعار الظلمة في وقته من السواد ونحوه.[SUP]([3])[/SUP] وقال ابن قدامة: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَا لَهَا ذُؤَابَةٌ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا عَلَى صِفَةِ عَمَائِمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا
فهل يستساغ الآن أن يحرم أحد العمامة غير المحنكة ؟! بالتأكيد لا، لأن علة التشبه زالت بشيوعها بين المسلمين ، وتدبر تعليل ابن تيمية لكراهة أحمد للسواد بقوله " كانت شعار الظلمة في وقته" ، وقوله عن العمامة الملونة "ولما صارت" يدلك هذا إلى أثر العرف والعادة في تحقيق معنى التشبه من نفي. فإذا زالت الخصوصية حل، وإذا حلت الخصوصية حرم.
فرع: وأما ما فعلوه هم ابتداء ثم شاع وانتشر ولم يكن من خصائصهم الدالة على ‏كفرهم، لم يكن من التشبه في شيء، يقول العثيمين في شرح الكافي [ق: 47]‏[SUP]([4])[/SUP]: أما في العادات فقد ذكر العلماء رحمهم الله أن ما تعلق الحكم فيه بعلة يزول الحكم بزوال العلة فإذا كان العلة من هذا الفعل أو من هذا اللباس أو الفراش هي التشبه وانتشر هذا الأمر بين الناس حتى لا يتميز به المسلم والكافر فإنه يرتفع الحكم لأن ما ثبت بعلة زال بزوالها . ذكره الحافظ ونسبه لمالك. وهذا صحيح"
? شرط مهم : مفهوم الكلام أنّ ما كان من العبادات لم يدخل تحت هذا الفرع فلا يجوز فعله، بل يجب على المسلمين تركه. ولعله يشهد له حديث بوانة عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ كَرْدَمٍ الْيَسَارِيَّةِ، أَنَّ أَبَاهَا لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ رَدِيفَةٌ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ بِبُوَانَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ بِهَا وَثَنٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ»
الضابط الثاني: عدم الاحتياج إليه.
لا شك أن فعل الكفار في أمور العادات إذا لم نحتج عليه لم يجز الإقدام عليه لأنه يَشِي بتشرب أهوائهم، كطريقة مشيهم وأكلهم ونحو ذلك. أما إذا احتجنا إلى العمل بما هم عليه من أمور العادات جاز العمل به، وهذا معلوم بالاضطرار العملي إذ إن الأمم تتبادل كثيرا من الأفكار والعادات ، حتى في اللغة، تتداخل أحيانا اللغات بما يعرف بظاهرة الاقتراض اللغوي ، وهذا أحد تفسيرات دخول ألفاظ أعجمية للغة العربية، ومن ثم استعملها القرآن. ومن أوجه الحاجات الداعية لمشروعية العمل بعاداتهم تحقيقُ مصلحة دينية لا تتحقق إلا بها، ما لم ينص على تحريمه، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى رَهْطٍ، أَوْ أُنَاسٍ مِنَ الأَعَاجِمِ» ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لاَ يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا عَلَيْهِ خَاتَمٌ، " فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَكَأَنِّي بِوَبِيصِ ... الخَاتَمِ فِي إِصْبَعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ... "
فالظاهر أن الرسائل المختومة لم تكن معروفة لدى المسلمين ولما احتاج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى دعوتهم ارتفع حد التشبه للحاجة، ومنه أيضا دخول يوسف في نظام الملك للدعوة إلى الله وتمكين الحق، قال شيخ الإسلام: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَعَ كُفْرِهِمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَادَةٌ وَسُنَّةٌ فِي قَبْضِ الْأَمْوَالِ وَصَرْفِهَا عَلَى حَاشِيَةِ الْمَلِكِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَجُنْدِهِ وَرَعِيَّتِهِ وَلَا تَكُونُ تِلْكَ جَارِيَةً عَلَى سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدْلِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ يُوسُفُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَا يُرِيدُ وَهُوَ مَا يَرَاهُ مِنْ دِينِ اللَّهِ فَإِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَكِنْ فَعَلَ الْمُمْكِنَ مِنْ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَنَالَ بِالسُّلْطَانِ مِنْ إكْرَامِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُ أَنْ يَنَالَهُ بِدُونِ ذَلِكَ .ا.هـ وهذا هو فقه السياسة الشرعية الذي جهله الكثيرون اليوم، وهم معذورون لطول الأمد، وانقطاع السلفيين عن ممارستها دهرا. يقول شيخ الإسلام: المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور ‏الدين وعلوه كالجهاد، وإلزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أول ‏الأمر ضعفاء؛ لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا؛ شرع ‏بذلك. ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب؛ لم يكن ‏مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب ‏للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك ‏مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار ‏المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة.‏ا.هـ
ولا شك أن أكثر بلاد المسلمين اليوم قد تغرب فيها الدين بل لا أبالغ إن قلت: التضييق على الدين وأهله أشد مما هو في بلاد الكفر ، وما تركيا وتونس وغيرها عنا ببعيد.
? وكذلك من أوجه الاحتياج إلى بعض أعمالهم ما يكون لإصلاح المعايش ، كالصناعات والنظم الإدارية ونحو ذلك، ومما يدل على ذلك صناعة النبي -صلى الله عليه وسلم- الخندق أيام الأحزاب، قال أبو القاسم: وَحَفْرُ الْخَنْدَقِ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنّهُ مِنْ مَكَايِدِ الْفُرْسِ وَحُرُوبِهَا، وَلِذَلِك أَشَارَ بِهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيّ .ا.هـ
وقال حرب ‏الكرماني قلت لأحمد: فهذه النعال الغلاظ ؟ قال: "هذه السندية –قال- إذا كان ‏للوضوء أو للكنيف، أو لموضع ضرورة فلا بأس" وكأنه كره أن يمشى فيها في ‏الأزقة. [SUP]([5])[/SUP]
فهذه النعال السندية من لباس الكفار لكن أحمد أجازها عند الحاجات الشخصية والممتهنة، دون إظهارها للناس في الطرقات لعدم الحاجة إلى ذلك وسدا لذريعة التشبه بهم ، وكذلك يجوز السلام بالإشارة الذي هو من عادة اليهود والنصارى عند الحاجة ، وقد صح ذلك عن النبي في الصلاة وعلى النساء . قال ابن حجر: وَالنَّهْيُ عَنِ السَّلَامِ بِالْإِشَارَةِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ قَدَرَ عَلَى اللَّفْظِ حِسًّا وَشَرْعًا وَإِلَّا فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِمَنْ يَكُونُ فِي شُغْلٍ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّلَفُّظِ بِجَوَابِ السَّلَامِ كَالْمُصَلِّي وَالْبَعِيدِ وَالْأَخْرَسِ وَكَذَا السَّلَامُ عَلَى الْأَصَمِّ .ا.هـ
فالحاجة تقدر بقدرها ، فإذا كان ذلك فيما يحتاج الأفراد إليه فكيف بما تحتاج الأمة إليه ؟! والضرورة أو الحاجة تقدر بقدرها.
ومن أمثلة ما تحتاجه الأمة اليوم وهو من صنائع الكفار، التكلم بلغتهم في بعض المواطن[SUP]([6])[/SUP]
يقعد شيخ الإسلام قاعدة الاحتياج لمثل هذه الأمور فيقول: وَالْفِعْلُ إذَا كَانَ يُفْضِي إلَى مَفْسَدَةٍ وَلَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ‏رَاجِحَةٌ يُنْهَى عَنْهُ؛ كَمَا نُهِي عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفْسَدَةِ ‏الرَّاجِحَةِ: وَهُوَ التَّشَبُّهُ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِي يُفْضِي إلَى الشِّرْكِ. وَلَيْسَ فِي قَصْدِ الصَّلَاةِ ‏فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ لِإِمْكَانِ التَّطَوُّعِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْقَاتِ. ‏وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ فَسَوَّغَهَا كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ ‏أَظْهَرُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ النَّهْيَ إذَا كَانَ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ أُبِيحَ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ ‏.ا.هـ
وإذا رمت أن تفرق بين المحرم لذاته والمحرم لغيره فانظر إلى رخص العمل به فإذا وجدتها في مواضع الحاجة دون الضرورة كان محرما تحريم وسائل ومنه التشبه على ما ذكرنا ، ودخل تحت القاعدة التي بينها ابن تيمية، وإذا وجدت الشرع لم يبحها إلا عند الضرورة كفوات نفس أو عرض، فهي محرمة لذاتها كإظهار الكفر عند خوف القتل وأكل الميتة دفعا للهلاك، يقول ابن القيم[SUP]([7])[/SUP]: ولما كان النظر من أقرب الوسائل إلى المحرم اقتضت الشريعة تحريمه وأباحته في موضع الحاجة وهذا شأن كل ما حرم تحريم الوسائل فإنه يباح للمصلحة الراجحة كما حرمت الصلاة في أوقات النهي لئلا تكون وسيلة إلى التشبه بالكفار في سجودهم للشمس أبيحت للمصلحة الراجحة كقضاء الفوائت وصلاة الجنازة وفعل ذوات الأسباب على الصحيح .ا.هـ
وإذا نظرنا إلى الجانب العملي من واقع الأمة فإنا نجد السلف استعملوا العديد من النظم الإدارية ، وإني أستبعد أن تكون كلَّها من بنات أفكارهم. وأما اليوم فمما أجمعت عليه المجامع الفقهية، وأئمة الدين-فيما أعلم- على جوازه: استعمال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) في الدعوة إلى الله في الجملة ، وقد وجدنا كثيرا من الدعاء وأهل العلم والفضل له حساب في (الفيس بوك). ومنه أيضا إنشاء البنوك الإسلامية وفق القانون الشرعي، فصورة ذلك فيها تشبه بهم، لكن لما احتاجت الأمة لذلك جازت، بل لعل تقصير المقصرين من الفقهاء في تقنين الشريعة وتكييف صور المعاملات المالية المعاصرة والعمل على تطبيقها عمليا هو الذي دفع الأمة إلى نظم الغرب ثم احتجنا بعد ذلك إلى تعريبها أو أسلمتها والله المستعان. قال محمد رشيد رضا: حدثني علي باشا رفاعة قال: حدثني والدي أن إسماعيل باشا الخديوي استحضره وقال له: يا رفاعة بك إنك أزهري تعلمت وتربيت في الأزهر، فأنت أعلم الناس بعلماء الأزهر، وأقدرهم على إقناعهم بما ندبتك له: إن الإفرنج قد صار لهم حقوق ومعاملات كثيرة في هذه البلاد، وتحدُث قضايا بينهم وبين الأهالي، وهم يشكون إليَّ أنهم لا يعلمون بماذا يُحكم لهم أو عليهم في هذه القضايا ليراعوه ويدافعوا به عن أنفسهم؛ لأن كتب الفقه التي يحكم بها علماؤنا معقدة وكثيرة الخلاف، فاطلب من علماء الأزهر أن يضعوا كتابًا في الأحكام المدنية الشرعية مثل كتب القوانين في تفصيل موادها وعدم وجود خلاف فيها يترتب عليه اختلاف القضاة في أحكامهم، فإن لم يفعلوا فإنني أضطر إلى العمل بقانون نابليون الفرنسي - أو ما هذا مؤداه. قال علي باشا رفاعة: فأجابه والدي بقوله: يا أفندينا إنني سافرت إلى أوربة وتعلمت فيها، وخدمت الحكومة وترجمت كثيرًا من الكتب الفرنسية باللغة العربية، وقد شخت ووصلت إلى هذه السن ولم يطعن أحد في ديني، فإذا أنا اقترحت الآن هذا الاقتراح على علماء الأزهر بأمر أفندينا فإنني أخشى أن يقولوا إن الشيخ رفاعة قد ارتد عن الإسلام في آخر عمره برضاه بتغيير كتب الشريعة وجعلها كالقوانين الوضعية، فأرجو أن يعفيني أفندينا من تعريض نفسي لهذا قبل موتي لئلا يقال إنه مات كافرًا اهـ. فلما يئس الخديوي منهم أمر بالعمل بالقوانين الفرنسية وتأسيس المحاكم الأهلية، ولم يبال بالعلماء ولا بغيرهم.[SUP]([8])[/SUP]
قلت: فإذا كان تولية من يَصلُح من إِمامٍ ونحوِه واجبة على الأمة وجب على أهل الحق القيامُ بها، فإن تعذر توليته ‏بالطريقة السلفية فلا يُمنع من توليته بالطرق الغربية تحصيلا لهذا الواجب ‏العظيم، ومفسدة التشبه تزول إذا كانت الحاجة – كما أصلنا- فكيف بالضرورة وأداء الواجب . وسيأتي بيان افتقار الدين إلى السلطان، وأن تمكين الدين بالسلطان من الضرورات، وهو من منهج الأنبياء، قال الشوكاني: طَلَبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْهُ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى نَشْرِ الْعَدْلِ وَرَفْعِ الظُّلْمِ، وَيَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى دُعَاءِ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَتَرَكِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ -إِذَا دَخَلَ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ السُّلْطَانِ أَنْ يَرْفَعَ مَنَارَ الْحَقِّ وَيَهْدِمَ مَا أَمْكَنَهُ مِنَ الْبَاطِلِ- طَلَبُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ.[SUP] ([9])[/SUP] وسيأتي مزيد تفصيل ذلك في حينه إن شاء الله تعالى.

  • الخلاصة: ما احتجنا إليه من عادات الكفار أو شاع بين الناس جميعا ولم يكن من عباداتهم جاز العمل به بلا كراهة، ويجب إذا تعين لواجب.



([1]) الشرح الممتع

([2]) يعني لما أمروا بها تمييزا لهم عن المسلمين، فكان الزرقاء للنصارى والصفراء لليهود.

([3]) ورخص فيها بعض أهل العلم ، قال ابن تيمية مختصر الفتاوى المصرية (ص: 28) وَكره مَالك وَأحمد لبس الْعِمَامَة الْمُقطعَة الَّتِي لَيْسَ تَحت الحنك مِنْهَا شئ وَكَانَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ يَقُول لَا ينظر الله إِلَى قوم لَا يديرون عمائمهم تَحت أذقانهم وَكَانُوا يسمونها الفاسقية لَكِن رخص فِيهَا إِسْحَق وَغَيره وروى أَن أَبنَاء الْمُهَاجِرين كَانُوا يتعممون كَذَلِك وَقد يجمع بَينهمَا بِأَن هَذَا حَال الْمُجَاهدين والمستعدين لَهُ وَهَذَا حَال من لَيْسَ من أهل الْجِهَاد وإمساكها بالسيور يشبه التحنيك. قلت: فلما ضعفت الخصوصية جازت، في بعض الأحوال، واليوم جائزة مطلقا لزوال الخصوصية.

([4]) لست مستحضرا رقم الشريط الآن

([5]): الروض الأنف ت السلامي (6/ 195)

([6]) ولا يسع أحد اليوم أن يمنع الرعية من استعمال الأشهر الأعجمية في قضاء مصالحهم، رغم أن حكم التشبه باق لعدم احتياج الأمة إليها، لكن لما فرضه ولاة الأمر جاز للحاجة.

([7])روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 95)

([8]) مجلة المنار ()

([9])فتح القدير للشوكاني (3/ 42)
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

الفصل السابع
حكم دخول مجالس الكفر والبدع ومخالطة أهلها

لا يشك أحد في أن الدخول في مثل هذه المجالس الأصل فيه عدم الجواز لقوله تعالى { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}.
وعلة ذلك هو الرضا بالجلوس معهم وهم على هذه الصفة، يقول ابن كثير: أَيْ: إِذَا ارْتَكَبْتُمِ النَّهْيَ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَيْكُمْ، وَرَضِيتُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُمْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُكْفَرُ فِيهِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيُسْتَهْزَأُ وَيُنْتَقَصُ بِهَا، وَأَقْرَرْتُمُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ شَارَكْتُمُوهُمْ فِي الَّذِي هُمْ فِيهِ. [SUP]([1])[/SUP] فيجب على المسلم حينئذ أن يجتنب تلك المجالس، لكن كما قال الأصوليون: الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فإذا انتفت علة الإقرار مثل أن يكون مع إنكار، أو انتفت علة الرضا مثل أن يكون بالإجبار، فحينئذ يشرع استحبابا أو إيجاب حضورها، ويمكن أن نصوغ قاعدة: "لا رضا ولا إقرار مع إقرار أو إجبار" وفيما يلي نذكر أدلة هذه القاعدة لاسيما ما يخص الإنكار:

  1. القدرة على تغييرها أو تخفيف منكرها: إذا غلب على الظن تغييرها، أو تخفيفها فلا بأس حينئذ بل هي مستحبة أو واجبة بحسب الحال والإمكان، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»[SUP]([2])[/SUP] والوسيلة غير محددة ، وكذلك المكان، فشرع الدخول إليه لإنكار منكره، ولما كان من أعظم وسائل تغيير هذا المنكر -بل جلِّ المنكرات في بلاد المسلمين - هو الولوج في تلك الأماكن الحساسة التي تؤثر في صناعة القرار، وجب الدخول فيها، إذا غلب على الظن تحقيق ذلك، ولا يكون الداخل مقرا لما هم فيه من كفر إذا لا إقرار مع إنكار أو إجبار كما بينا، يقول شيخ الإسلام: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِمْرَانَ ابْنِ حُصَيْنٍ {حَدِيثُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَعَنَتْ نَاقَةً لَهَا فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ مَا عَلَيْهَا وَأُرْسِلَتْ؛ وَقَالَ: لَا تَصْحَبُنَا نَاقَةٌ مَلْعُونَةٌ}. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا اجْتَازَ بِدِيَارِ ثَمُودٍ قَالَ: {لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ} فَنَهَى عَنْ عُبُورِ دِيَارِهِمْ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْخَوْفِ الْمَانِعِ مِنْ الْعَذَابِ. وَهَكَذَا السُّنَّةُ فِي مُقَارَنَةِ الظَّالِمِينَ وَالزُّنَاةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يُقَارِنَهُمْ وَلَا يُخَالِطَهُمْ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَسْلَمُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُنْكَرًا لِظُلْمِهِمْ مَاقِتًا لَهُمْ شَانِئًا مَا هُمْ فِيهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} الْآيَةُ. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ وَعَمَلِهِ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لِصَاحِبِ مِصْرَ لِقَوْمِ كُفَّارٍ. وَذَلِكَ أَنَّ مُقَارَنَةَ الْفُجَّارِ إنَّمَا يَفْعَلُهَا الْمُؤْمِنُ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا عَلَيْهَا
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ رَاجِحَةٍ عَلَى مَفْسَدَةِ الْمُقَارَنَةِ أَوْ أَنْ يَكُونَ فِي تَرْكِهَا مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ فِي دِينِهِ فَيَدْفَعُ أَعْظَمَ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا وَتَحْصُلُ الْمَصْلَحَةُ الرَّاجِحَةُ بِاحْتِمَالِ الْمَفْسَدَةِ الْمَرْجُوحَةِ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ فَالْمُكْرَهُ هُوَ مَنْ يَدْفَعُ الْفَسَادَ الْحَاصِلَ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: {إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} ا.هـ [SUP]([3])[/SUP] فقول شيخ الإسلام يدل على أن المصلحة الدينية-وهذه لا إكراه فيها- أو المفسدة الدينية وهذه كبرى، تندفع بتحمل مفسدة مقارنة الظالمين وهذه صغرى، ويشهد لهذه القاعدة-بخلاف الأدلة المذكورة أول الفتوى- ترخيصُ إظهار الكفر –إكراها-وهذه مفسدة صغرى، دفعا لمفسدة كبرى وهي القتل، لأن الإظهار أخف من القتل، وإن كان حقيقة الكفر أعظم، فتأمل.

  1. مشروعية العمل في نظام الكافر رجاء المصلحة العامة: وقد فعل نحوَ ذلك نبيٌّ من أنبياء الله وهو يوسف، وقد ذكره الله تعالى في كتابه دون نكير:{ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}
قال أبو السعود : فإن كان المولِّي ظالماً فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين:
أحدهما: جوازها إن عمل بالحق فيما تقلده , لأن يوسف عليه السلام ولي من قبل فرعون , ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره.
الثاني: لا يجوز ذلك له لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم وتزكيتهم بتنفيذ أعمالهم.[SUP]([4])[/SUP]
وقال الزمخشري: كيف جاز أن يتولى عملا من يد كافر ويكون تبعاً له وتحت أمره وطاعته؟ قلت: روى مجاهد أنه كان قد أسلم: وعن قتادة. هو دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملا من يد سلطان جائر. وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة البغاة ويرونه. وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق. فله أن يستظهر به.[SUP]([5])[/SUP]
وقال البيضاوي: وفيه دليل على جواز طلب التولية وإظهار أنه مستعد لها والتولي من يد الكافر إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به.[SUP]([6])[/SUP]
قلت: أما قول بعض المفسرين: إن فرعونه أسلم أو فوضه في ملكه كله فغير مسَلَّم، وقد ساقه جمهرة المفسرين بصيغة التمريض "قيل"، ومن المستبعد أن يقدر يوسف على تغيير كل نظام الملك الكفري في يوم وليلة، كما أنه لو أسلم لذكره القرآن لأهميته، بل قال شيخ الإسلام: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَوَلِّي يُوسُفَ الصِّدِّيقَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لِمَلِكِ مِصْرَ بَلْ وَمَسْأَلَتُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَكَانَ هُوَ وَقَوْمُهُ كُفَّارًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ} الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُ: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} الْآيَةَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَعَ كُفْرِهِمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَادَةٌ وَسُنَّةٌ فِي قَبْضِ الْأَمْوَالِ وَصَرْفِهَا عَلَى حَاشِيَةِ الْمَلِكِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَجُنْدِهِ وَرَعِيَّتِهِ وَلَا تَكُونُ تِلْكَ جَارِيَةً عَلَى سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدْلِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ يُوسُفُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَا يُرِيدُ وَهُوَ مَا يَرَاهُ مِنْ دِينِ اللَّهِ فَإِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَكِنْ فَعَلَ الْمُمْكِنَ مِنْ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَنَالَ بِالسُّلْطَانِ مِنْ إكْرَامِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُ أَنْ يَنَالَهُ بِدُونِ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. فإذا ازْدَحَمَ وَاجِبَانِ لَا يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا فَقُدِّمَ أَوْكَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ الْآخَرُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَاجِبًا وَلَمْ يَكُنْ تَارِكُهُ لِأَجْلِ فِعْلِ الْأَوْكَدِ تَارِكَ وَاجِبٍ فِي الْحَقِيقَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَ مُحَرَّمَانِ لَا يُمْكِنُ تَرْكُ أَعْظَمِهِمَا إلَّا بِفِعْلِ أَدْنَاهُمَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُ الْأَدْنَى فِي هَذِهِ الْحَالِ مُحَرَّمًا فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ سُمِّيَ ذَلِكَ تَرْكُ وَاجِبٍ وَسُمِّيَ هَذَا فِعْلُ مُحَرَّمٍ بِاعْتِبَارِ الْإِطْلَاقِ لَمْ يَضُرَّ. وَيُقَالُ فِي مِثْلِ هَذَا تَرْكُ الْوَاجِبِ لِعُذْرِ وَفِعْلُ الْمُحَرَّمِ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ أَوْ لِلضَّرُورَةِ؛ أَوْ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَحْرَمُ. ا.هـ[SUP] ([7])[/SUP]

  1. مشروعية التقية عند الضرورة: يعلم القاصي والداني ما جرى لأهل الدين من تشريد وتضييق وسجن، بل وإجبار على الكفر والشرك، ولا يشك مبصر ولا سامع أن هؤلاء أباحوا الكفور، ونشروا الشرور بصورة منهجية منظمة، في التعليم والإعلام والمصالح والمؤسسات والجمعيات ... إلخ مما تفضي إلى كسر بيضة الإسلام ، وهذا مسوغ للتقية، ومرخص لبعض المحظورات ، فصار الدخول في هذه المجالس القائمة على مبادئ كفرية إنما هو إقرار صوري غير حقيقي، في سبيل دفع مفسدة أعظم وهي تقرير مبادئ الكفر والفجور على الأمة كلها، وهذه إحدى مقاصد الشريعة المعروفة بحفظ الدين، وهي من الضرورات الخمسة { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }.
قال السعدي: ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان . فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم. نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة والله أعلم[SUP]([8])[/SUP]

  1. مشروعية مناظرة أهل الباطل: المناظرات مع أهل الباطل مشروعة بالنص في الجملة { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } وفيها سماع للكفر بل وإقرار به أحيانا تنزلا مع الخصم فهل يعد ذلك رضا بالكفر ؟ كلا ، بل هو مدافعة له بالممكن وترك ما لا يمكن[SUP]([SUP][9][/SUP][/SUP]) ودفع الساد الأكبر باحتمال الأصغر، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو الكفار وهم يستهزئون به فهل يقال دعهم حتى يخوضو في حديث غيره ، ثم ائتهم إذا سكتوا ؟ قال شيخ الإسلام: فَهَذَا يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ الْمُنْكَرَاتِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِثْلَ قَوْمٍ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ يَجْلِسُ عِنْدَهُمْ. وَقَوْمٌ دُعُوا إلَى وَلِيمَةٍ فِيهَا خَمْرٌ وَزَمْرٌ لَا يُجِيبُ دَعْوَتَهُمْ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ. بِخِلَافِ مَنْ حَضَرَ عِنْدَهُمْ لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ أَوْ حَضَرَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ. وَلِهَذَا يُقَالُ: حَاضِرُ الْمُنْكَرِ كَفَاعِلِهِ.[SUP]([SUP][10][/SUP][/SUP])
إذن نحن إزاء مفسدة محتملة وهي ظهور الإقرار بالمحرمات أو سماعها مع إنكارها ، ومصلحة عامة وهي دفع الكفر أو تخفيفه عن الأمة كلها، فأيهما يقدم ؟ لاشك أن الشريعة جاءت بجلب المصالح وتكمليها، ودرء المفاسد وتخفيفها، فتتعين مصلحة الدخول مغتفرا مفسدةُ الإقرار الصوري ، يقول شيخ الإسلام: فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ هَذَا مِنْ الْمَيْسِرِ فَكَيْفَ اسْتَجَازَهُ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ؟ قِيلَ لَهُ: الْمُسْتَجِيزُ لِلشِّطْرَنْجِ مِنْ السَّلَفِ بِلَا عِوَضٍ كَالْمُسْتَجِيزِ لِلنَّرْدِ بِلَا عِوَضٍ مِنْ السَّلَفِ وَكِلَاهُمَا مَأْثُورٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ؛ بَلْ فِي الشِّطْرَنْجِ قَدْ تَبَيَّنَ عُذْرُ بَعْضِهِمْ كَمَا كَانَ الشَّعْبِيُّ يَلْعَبُ بِهِ لَمَّا طَلَبَهُ الْحَجَّاجُ لِتَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ. رَأَى أَنْ يَلْعَبَ بِهِ لِيُفَسِّقَ نَفْسَهُ وَلَا يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ لِلْحَجَّاجِ وَرَأَى أَنْ يَحْتَمِلَ مِثْلَ هَذَا لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ إعَانَةَ مِثْلِ الْحَجَّاجِ عَلَى مَظَالِمِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ هَذَا أَعْظَمَ مَحْذُورًا عِنْدَهُ؛ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِاعْتِذَارُ إلَّا بِمَثَلِ ذَلِكَ. [SUP]([11])[/SUP]

  • الخلاصة: دخول مجتمعات الكفر جائزة للإنكار ، ولا يضرنا نظامهم الكفري ما لم نرتكب كفرا ، لا بمجرد الحضور.
  • تنبيه: لم أقصد بلفظ الكفر تكفيرهم ولكن ليكون القياس على من دونهم من باب أولى.[SUP]([12])[/SUP]




http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref1([1])

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref2([2])

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref3([3])‏ وقال: مجموع الفتاوى (15/ 324)‏

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref4([4])تفسير الماوردي = النكت والعيون (3/ 50)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref5([5])تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (2/ 482)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref6([6])تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل (3/ 168)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref7([7]) مجموع الفتاوى (20/ 56)‏

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref8([8])تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 389)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref9([9]) راجع محاسن التأويل للقاسمي (4/393) تحت قوله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ....)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref10([10])مجموع الفتاوى (28/ 204)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref11([11])مجموع الفتاوى (32/ 238)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref12([12])يحتج بعض إخواننا بأن الدخول في هذه المجالس التزام بالكفر . وقد سبق أن ناقشنا هذا القول ، والمقصود هنا أننا لو سلمنا لهم بالمنع من ذلك ألزمناهم بما يلي:
المنع من السفر إلى أوربا للدعوة، إذ بمجرد الدخول إلى هذه الأراضي يكون المسافر ملتزما ومؤاخذا بقوانينها، فهل نقول يحرم على الدعاة السفر إلى هنالك، لأنهم سيقرون ضمنا بالقوانين الكفرية ؟ لم يقل بذلك أحد، لأن السكوت عنها ليس رضا بها، كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون على قدر الطاقة ، أما القلب فلابد أن يكون أمره ونيه كاملا تاما
المنع من إلحاق الأولاد بالأزهر وهو فيه ما فيه من عقائد الأشعرية، والالتحاق به ليس واجبا ولا مستحبا في ذاته.
المنع من إلحاق الأولاد بالمدارس العامة لما فيها ما فيها من المخالفات الشرعية المنكرة
بل إن العمل بهذه المصالح الحكومية جزء لا يتجزأ من النظام الديموقراطي، والعامل ملتزم بقوانينها في الظاهر.
المنع من التحاكم لمحاكم القوانين الوضعية دفعا لشر أو جلبا لحق سليب فلو سرق رجل أو قتل لم يجز رفع أمر القاضي أو السارق إلى ذلك القضاء.
فلماذا لا يخرجون أولادهم منها، ولماذا لا يتركون أعمالهم فيها، ولماذا لا يمنعون الناس من اللجوء إلى أقسام الشرطة في قضاي مثل الحدود ؟ ستراهم يتأولون ويترخصون من أجل مصالح شخصية بكيف بمصلحة دينية عامة ؟!
هامش 2: ويستدل المانع أيضا بأن الله ذكر الحزب في القرآن جاء بلفظ المفرد في جانب أهل الحق بينما ذكر الحزب في جانب أهل الباطل بلفظ الجمع، مما يدل على أن تعدد الأحزاب غير مشروع
نجيب: بأن لفظ الحزب في جانب أهل الباطل ذكر أيضا بلفظ المفرد في قوله تعالى { أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } ومع ذلك لم يمنع ذكره بلفظ الجمع في مواضع أخرى، فكذلك يقال ذكر لفظ المفرد لا يمنع من ذكره مجموعا، لاسيما أن اسم جنس، لا يمنع دخول عديدين فيه بالنوع، كالجماعة، فالجماعة واحدة بالجنس متعددة بالنوع، فقول النبي -صلى الله عليه وسلم- يد الله مع الجماعة، لا يعني جماعة واحدة بشخصها، بل بجنسها، فيدخل فيها كل نوع يشترك في حقيقة جنسه، فكل جماعة على الحق في أي مكان على الأرض داخلة فيه، فيصح أن نقول هي جماعة واحدة لكن بالجنس، ويصح أن نقول جماعات لكن بالنوع، كذلك الحزب واحد بالنوع –إما حقا وأما باطلا-متعدد بالنوع والأشخاص، فإذا ساغ لنا أن نقول جميع هذه الأحزاب الباطلة يصدق عليها أنها حزب الشيطان –بلفظ المفرد-يصح أن نقول جميع هذه الجماعات والأحزاب التي على الحق حزب واحد هو حزب الرحمن،وقد سبق قول عائشة وقول ابن تيمية فليراجع. فإذا قيل لماذا لم يذكر حزب الرحمن بلفظ الجمع ؟ قلت: الظاهر أنه لوحدة المنهج فصارت وكأنها واحد، بخلاف أهل الباطل فدائما مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب. والله وأعلم
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

الفصل الثامن
مصطلح الديمقراطية وحدُّ الضرورة


  • التطور الدلالي:
لقد نشأت فكرة الديمقراطية في أكناف أوربا ، وهي تعني حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب، وسبب ظهورها ردة عكسية للتسلط الديني الكنسي، ومن المقرر أن كل فكرة أو نظرية لابد له من وسائل لتحقيقها، فعملوا على وضع الوسائل التي تحقق هذه الغاية الفاسدة، والتي سنتكلم عنها بعد قليل إن شاء الله تعالى، وكما أشرنا إلى أن أصل معنى الديمقراطية كفر غير أني لا أسلم بأن التلفظ بمصطلح الديمقراطية صار اليوم كفرا في بلادنا، -وإن كنت أرى استخدامه خائطا لكن ليس كفرا- فمن القواعد المقررة عند أهل العلم أنه "لا مشاحة في الاصطلاح"، فالعبرة بما يتضمنه الاصطلاح من معان صحيحة، أو خاطئة، فعلى ذلك تتنزل الأحكام الشرعية. فلو وقف طالب العلم عند الاصطلاح ما جاء ولا راح. كما أن للعرف دورا في تخصيص أو تغيير المعاني ، فقد تكون الكلمة-أو الاصطلاح- صحيحة في نفسها ولكنها قد تستعمل بدلالة غير شرعية فحينئذ تمنع -رغم أنها صحيحة في نفسها- قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} والعكس صحيح فقد تكون الكلمة ذات دلالة خاطئة لكنها قد تستعمل بدلالة جديدة صحيحة فحينئذ تجوز شرعا، ككلمة "شاطر" فأصل دلالتها: الخبيث الفاجر،: قال أبو بكر الأنباري: وقولهم فلانٌ شاطِرٌ فيه قولان: قال الأصمعي: معناه في كلام العرب: المتباعد من الخير. أخذا من قولهم: نوىً شُطْرٌ، أي بعيدة. واحتج بقول امرىء القيس:
(وشَاقَكَ بينُ الخليطِ الشُّطُرْ ... وفيمن أقامَ معَ الحيِّ هِرّ)
وقال أبو عبيدة: الشاطر معناه في كلامهم: الذي شطر نحو الشر وأراده. من قول الله - عز وجل -: {فوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ} (195) معناه: نحو المسجد الحرام.[SUP]([1])[/SUP]
ثم استعملت بعد ذلك بدلالة جديدة مقبولة عرفا، فصارت عند العامة بمعنى : الفَهِمُ المتصرف. وعند الصوفية بمعنى: السابق المسرع إِلى الله.[SUP]([2])[/SUP]
وهذا ما يعرف بالتطور الدلالي للمفردات المعجمية، وهو كثير ، وقد يكون نحو الأخص أو الأعم، من ذلك ما ذكرنا، ونزيد واحدة أخرى كلمة "خَوَل" وتعني: عطيّة الله من النِّعَم والعبيد والإماءِ وغيرهم من الأتباع والحشم.[SUP]([3])[/SUP] لكنها اليوم صارت ذات دلالة غير مقبولة لذلك لا يشرع استخدامها بين الناس اليوم وتعد مسبة تستحق العقاب أو الذم.
وبعد ذلك يمكن القول بأن كلمة ديموقراطية لا يجوز منهجيا أن نحكم عليها دون الوقوف على معناها أو معانيها، وما أصابها من تطور .
كلمة ديموقراطية في الأصل ذات دلالة خبيثة وتعني: الشعب مصدر السلطات على إطلاق، وهذا المعنى غير مقبول شرعا ، ولكن بمرور الزمن توجهت دلالتها –لاسيما عند العامة- نحوَ معنى أخصَّ من هذا؛ وهو: حرية الشعب في اختيار ممثليه ، وآليات إجراء العدالة والإحسان بين أفراد الشعب. ولذلك يطنطن بها شيوخ الأزهر ومثقفو التوجهات غير العلمانية . ولا شك أن هذه الدلالة قريبة جدا من معنى الشورى الإسلامية -إلا قليلا-حتى إن العلمانيين لا يجرؤون في أكثر بلاد العرب أن يجهروا بالمعنى الأصلي غالبا. بل لو لاحظت أن أغلب العامة -الذين يرزحون تحت نير هؤلاء الأباعد اللادينين منذ زمن- يستعلمونها كثيرا في حياتهم العادية ولا يقصدون بها-بل لا يعرفون-المعنى الأصلي الخبيث.
يقول الكيالي: إن تشعب مقومات المعنى العام للديمقراطية وتعدد النظريات بشأنها علاوة على تميز أنواعها وتعدد أنظمتها والاختلاف حول غاياتها ومحاولة تطبيقها في مجتمعات ذات قيم وتكوينات اجتماعية وتاريخية مختلفة يجعل مسألة تحديد نمط ديمقراطي دقيق وثابت مسألة غير واردة عمليا .ا.هـ [SUP]([4])[/SUP]
قلت: وتقييد الديمقراطية أمر ضروري عند كل مستعمليها في أنحاء المعمورة، حتى أهل الكفر، لكن تحديد نوعية التقييد يختلف باختلاف ممارسيها تبعا لاختلاف التكوينات الثقافية والاجتماعية في كل مجتمع، كما بين الكيالي، وهذا يعني أن تقييد الديمقراطية يخضع لتوجهات المجتمع، اشتراكيا كان أو ليبراليا أو غير ذلك، ولما كان مجتمعنا محبا لدينه في الجملة تراه يَقبل بالديمقراطية المقيدة بالدين، لذلك تسمع كثيرا ممن يتغنون بالديمقراطية من عامة الناس إذا قيل لهم تحب أن تحكم بالدين أبدى رغبته في ذلك ولم يجد تعارضا بين أحكام الدين ومعنى الديمقراطية السائد، وهذا يعني أن المفسدة الناتجة من جراء استعمالها خفت كثيرا جدا، ولما كانت المفسدة المترتبة عليها ضئيلة إزاء المصلحة العظيمة التي ستتحقق من خلال امتطاء هذه الديموقراطية إلى أن يُمكّن للدين، فإن ذلك يدخل تحت ما يعرف بارتكاب أخف المفسدتين في سبيل دفع أكبرها.


  • مصطلح الديمقراطية والتعريض
بناء على ما سبق في مسألة التطور الدلالي يمكن أن نقول إنها تجوز على سبيل المعاريض ، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- التعريض بما يفهمه السامع على غير ما أراد المتكلم، علق الطَّيبِيُّ على قول أبينا إبراهيم في كتاب الله { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)} فقال رحمه الله: وَهُوَ بِمَعْنَى التَّعْرِيضِ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْكِنَايَةِ، وَنَوْعٌ مِنَ التَّعْرِيضِ يُسَمَّى الِاسْتِدْرَاجُ، وَهُوَ إِرْخَاءُ الْعِنَانِ مَعَ الْخَصْمِ فِي الْمُجَارَاةِ لِيَعْثُرَ حَيْثُ يُرِيدُ تَبْكِيتَهُ، فَسَلَكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ الْقَوْمِ هَذَا الْمَنْهَجَ[SUP] ([5])[/SUP]
قال الحافظ: مَشْرُوعِيَّةُ الْمَعَارِيضِ الْمُوهِمَةِ إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهَا وَشَرْطُ جَوَازِهَا أَنْ لَا تُبْطِلَ حَقًّا لِمُسْلِمٍ[SUP]([6])[/SUP]
وقال ابن حبان: ذِكْرُ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى إِبَاحَةِ قَوْلِ الْمَرْءِ الْكَذِبَ فِي الْمَعَارِيضِ يُرِيدُ بِهِ صِيَانَةَ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ[SUP]([7])[/SUP]
?

  • هذا ربي
فإذا أعوزتنا الحيلةُ في تجنبها ، أو فُرضت علينا فرضا، ساغ استعمالها بنية إلزام الخصم بما يلتزمه، لإبطال باطله. وهذا مشهور في علم الجدل والمناظرة. وهذا بعينه أو بنوعه ما سلكه سيدُنا إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في الآية المذكورة آنفا وفيها قال: { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)}
قال البغوي: فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجَهٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، أحدها: أن إبراهيم أَرَادَ أَنْ يَسْتَدْرِجَ الْقَوْمَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَيُعَرِّفَهُمْ خَطَأَهُمْ وَجَهْلَهُمْ فِي تَعْظِيمِ مَا عَظَّمُوهُ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ النُّجُومَ وَيَعْبُدُونَهَا، وَيَرَوْنَ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا إِلَيْهَا فَأَرَاهُمْ أَنَّهُ مُعَظِّمٌ مَا عَظَّمُوهُ وَمُلْتَمِسٌ الْهُدَى مِنْ حيث الْتَمَسُوهُ، فَلَمَّا أَفَلَ أَرَاهُمُ النَّقْصَ الدَّاخِلَ عَلَى النُّجُومِ لِيُثْبِتَ خَطَأَ مَا يَدَّعُونَ. ا.ه[SUP]([8])[/SUP]
وقال الطبري: قَالُوا : وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ مُعَارَضَة , كَمَا يَقُول أَحَد الْمُتَنَاظِرَيْنِ لِصَاحِبِهِ مُعَارِضًا لَهُ فِي قَوْل بَاطِل قَالَ بِهِ بِبَاطِلٍ مِنْ الْقَوْل عَلَى وَجْه مُطَالَبَته إِيَّاهُ بِالْفُرْقَانِ بَيْن الْقَوْلَيْنِ الْفَاسِدَيْنِ عِنْده اللَّذَيْنِ يُصَحِّح خَصْمه أَحَدهمَا وَيَدَّعِي فَسَاد الْآخَر .[SUP]([9])[/SUP]
وقال القاسمي: وقول إبراهيم لقومه: هذا رَبِّي إرخاء للعنان معهم بإظهار موافقته لهم أولا، ثم إبطال قولهم بالاستدلال، لأنه أقرب لرجوع الخصم، قال الزمخشري: قول إبراهيم ذلك. هو قول من ينصف خصمه، مع علمه بأنه مبطل. يحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأنجى من الشغب. ثم يكرّ عليه بعد حكايته، فيبطله بالحجة .... وفي الانتصاف : التعريض بضلالهم ثانيا أصرح وأقوى من قوله أولا لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ وإنما ترقى إلى ذلك، لأن الخصوم قد أقامت عليه، بالاستدلال الأول، حجة فأَنِسُوا بالقدح في معتقدهم، ولو قيل هذا في الأول فلعلهم كانوا ينفرون، ولا يصغون إلى الاستدلال. فما عرّض صلوات الله عليه بأنهم في ضلالة، إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود، واستماعهم إلى آخره. والدليل على ذلك أنه ترقى في النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم، والتقريع بأنهم على شرك حين تمّ قيام الحجة، وتبلّج الحقّ، وبلغ من الظهور غاية المقصود[SUP]([10])[/SUP]
وقال أبو حيان: وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْخَصْمِ[SUP]([11])[/SUP]
إذن فاستخدام الإسلاميين لهذه الكلمة إنما هو لإلزام الخصوم إلى أن يشيع العلم الشرعي بين الناس ويتمكن أهل الحق، وساعتها يقولون {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}[SUP]([12])[/SUP] لكن ينبغي استخدامها بحذر مع التأكيد أن الحكم لله وحده. لتفريغ مضمونها الأصلي من محتواه الخبيث.
? وهي أيضا من باب الخديعة فتدخل تحت قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : «الحَرْبُ خَدْعَةٌ» قال النووي: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ خِدَاعِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ وَكَيْفَ أَمْكَنَ الْخِدَاعُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ أَوْ أَمَانٍ فَلَا يَحِلُّ وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْكَذِبِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا فِي الْحَرْبِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: "إِنَّمَا يَجُوزُ مِنَ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ الْمَعَارِيضُ دُونَ حَقِيقَةِ الْكَذِبِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ" هَذَا كَلَامُهُ، وَالظَّاهِرُ إِبَاحَةُ حَقِيقَةِ نَفْسِ الْكَذِبِ لَكِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّعْريضِ أَفْضلُ وَاللهُ أعْلمُ) [SUP]([13])[/SUP]

  • وسائل الديمقراطية
هناك فرق بين نظرية الديمقراطية من جهة، ووسائلها من جهة أخرى، فمعنى الديمقراطية كفر في الأصل، لكن لكل نظرية أو فكرة وسائل وآليات لتحقيقها، هذه الوسائل قد تكون في ذاتها محرمة وقد تكون مباحة وقد تكون واجبة، فهذه الوسائل المشروعة حرمت لما تفضي إليه من كفر أو حرام، لكنها إذا انتُزعت من غايتها تلك وركبت على غاية مقصودة شرعا جازت لأنها –الوسائل- ما حرمت إلا لغايتها، فلما تغيرت تغير حكمها، قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةُ الْمُحَرَّمِ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ إذَا أَفَضْت إلَى مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ كَالتَّوَسُّلِ إلَى فِدَاءِ الْأَسَارَى بِدَفْعِ الْمَالِ لِلْكُفَّارِ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ الِانْتِفَاعُ بِهِ -بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَنَا- وَكَدَفْعِ مَالٍ لِرَجُلٍ يَأْكُلُهُ حَرَامًا حَتَّى لَا يَزْنِيَ بِامْرَأَةٍ إذَا عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ عَنْهَا إلَّا بِذَلِكَ، وَكَدَفْعِ الْمَالِ لِلْمُحَارِبِ حَتَّى لَا يَقَعَ الْقَتْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْمَالِ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - -وَلَكِنَّهُ اشْتَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا- فَهَذِهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا الدَّفْعُ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَعْصِيَةِ بِأَكْلِ الْمَالِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ لِرُجْحَانِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ عَلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ.[SUP]([14])[/SUP]. ا.هـ وأمثلة ذلك على النحو التالي

  1. حق الشعب في مراقبة الحكومة وتقويمها. وهذه الوسيلة شرعية تماما بل هي واجبة ، فهل يقال هذه وسيلة محرمة لأن أهل الديمقراطية استعملوها ؟! فهي في التكييف الفقهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد قال أبو بكر يوم توليته «إِنِّي وُلِّيتُكُمْ وَلَسْتُ مِنْ أَخْيَرِكُمْ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فَإِنْ أَصَبْتُ فَاحْمَدُوا اللَّهَ وَإِنْ أَخْطَأْتُ فَقَوِّمُونِي، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْصَمُ بِالْوَحْيِ»[SUP]([15])[/SUP] وقال ابن تيمية: وَوَاجِبٌ عَلَى الرَّعِيَّةِ أَنْ تُعَامِلَ الْأَئِمَّةَ بِذَلِكَ. فَإِنِ اسْتَقَامَ الْإِمَامُ أَعَانُوهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ زَاغَ وَأَخْطَأَ بَيَّنُوا لَهُ الصَّوَابَ وَدَلُّوهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَعَمَّدَ ظُلْمًا مَنَعُوهُ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
  2. المواطنة: وهي إلغاء التمييز بين العرقيات والمذاهب العقيدية هذه غير جائزة شرعا إلا في حدود معروفة في أحكام عقد الهدنة والذمة.
  3. أحقية الشعب في اختيار ممثليه، وهذه الوسيلة في ذاتها مباحة، وقد سبق أن بينا مشروعية ذلك الأمر في فصل: "هل العملية السياسة الحديثة بدعة" وإنما يحرم منها ما يمكن أن يؤدي إلى مفسدة، فإن أمكن تخفيفه فهو أمر محمود بلا شك.
  4. الاستفتاء أو الاقتراع العام وهذا تكلمنا عليه أيضا في الفصل المذكور آنفا وسقنا كلام ابن القيم فيه وما ذكره من نصوص شرعية، وقد قررنا في الفصل السابق عليه "هل طريقةالتولية توقيفية"تعذر التعرف على أهل الرأي والشورى من بين الناس هذه الأيام إلا أن يطرح الإمام على الناس الاستفتاء بذلك، إذ ما لا يدرك جله لا يترك كله، فإذا استعملت في اختيار الفاسد كانت وسيلة محرمة كما هو الحال في التصور الديمقراطي، أما إذا جردت من هذه الغاية وجعلت لتمكين أهل الحق فهنا التقت وسيلة مباحة-ولو مفضولة- بغاية مشروعة مثلها مثل اختيار الستة لعثمان، وإن كانت هذه الصورة أفضل من صورة اختيار الشعب بنفسه. ومثل اقتراع جماعة المسجد على اختيار رجل صالح يؤمهم في الصلاة . فلا يعقل أن قرية من القرى اجتمع أهلها على اختيار واحد من أهل الحق ليمثلها عند ولي الأمر لا يعقل أن يقال هذا حرام، وإنما يكون حراما إذا وقع اختيارهم على فاسد ، وقد سبق أن قررنا أن هذه طريقة مفضولة لكن ليست محرمة في ذاتها بل بما تفضي إليه، وهذا ما يستثمره الإسلاميون أن يجعلوا اختيار الشعب للأصلح قدر المستطاع ليخففوا من مفاسد اختيار غيره.
  5. الشورى: وهذه مطلوبة في شرعنا في الجملة ومشروعيتها ظاهرة، وقد أشرنا إليه أيضا في الفصول السابقة. غير أن مسائل الشرع المنصوصة أو المجمع عليها ليست محلا للشورى
  6. الحق للأغلبية: وهذا ليس مضطردا ، فما صادف وجها شرعيا فهو مشروع، وما صادف أمرا محرما فهو ممنوع، مع التنبيه أن أصل الاختيار إنما هو لأهل العلم والخبرة إن وجدوا، فإن عدموا كما هو الحال قبلنا ما وفق شرعنا فقط.
  7. الحرية : يقال فيها ما قيل في السابقة.
  8. المساواة: وهذه نوعان مساواة إيجابية وهي استواء الجميع تحت القانون من أخطأ عوقب. والمساواة السلبية وهي التسوية بين ما فرق الشرع بينه، كالرجل والمرأة مثلا في أمر القوامة، ونحو ذلك.
  9. العدل والإحسان: وهذه واجبة للجميع مسلمهم وكافرهم
  10. أحقية الترشح للولايات العامة: هذه لابد أن تقيد في شرعنا بمن هم أهل لها كمسلم ذكر
? فهذه الوسائل لو جردت عن معنى الديمقراطية واستعملت فيما يحل شرعا جازت ، فهنا التقت وسيلة مشروعة في ذاتها بغاية مقصودة شرعا، فهل يقال حينئذ إن هذه الآليات جميعا حرام لأنهم تستعمل في الديمقراطية ؟! هل يقال عني إذا اخترت من يمثلني من أجل صلاح الدين والدنيا أني بذلك قلت: إن الحكم إلا للشعب ؟! ليس كل وسائل الديمقراطية بمعنى الديمقراطية. أخيرا أختم بقول القرافي: اعْلَمْ أَنَّ الذَّرِيعَةَ كَمَا يَجِبُ سَدُّهَا يَجِبُ فَتْحُهَا وَتُكْرَهُ وَتُنْدَبُ وَتُبَاحُ فَإِنَّ الذَّرِيعَةَ هِيَ الْوَسِيلَةُ فَكَمَا أَنَّ وَسِيلَةَ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ فَوَسِيلَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ كَالسَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ وَمَوَارِدُ الْأَحْكَامِ عَلَى قِسْمَيْنِ مَقَاصِدُ وَهِيَ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فِي أَنْفُسِهَا وَوَسَائِلُ وَهِيَ الطُّرُقُ الْمُفْضِيَةُ إلَيْهَا وَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا أَفَضْت إلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ غَيْرَ أَنَّهَا أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْمَقَاصِدِ فِي حُكْمِهَا وَالْوَسِيلَةُ إلَى أَفْضَلِ الْمَقَاصِدِ أَفْضَلُ الْوَسَائِلِ وَإِلَى أَقْبَحِ الْمَقَاصِدِ أَقْبَحُ الْوَسَائِلِ وَإِلَى مَا يُتَوَسَّطُ مُتَوَسِّطَةٌ
***
تنبيه: لا شك أن أصل هذه كلمة ومنشأهه خبيث ، فهي بمعنى أدق: حكم الشعب بالشعب. وهذا كفر بلا أدنى شك، ولا يحل القول بهذا المعنى إلا في حالة الإكراه الملجئ وهذا لا إخاله متحققا في الشأن المصري، لذلك ترى جميع الإسلاميين المشاركين في العملية السياسية يقرون بأن الحكم لله وحده ، بل أقاموا الدنيا ولم يقعدوها من أجل الوثيقة العلمانية التي يقصد بها التمكين للدولة المدنية والديمقراطية بمعناها المذكور آنفا، وإن اختلفت طرائقهم في التعبير عن ذلك، فمصيب ومخطئ، وما قرروا المشاركة السياسية إلا دفعا لهذا الكفر الصريح ، الذي هو ضرورة تبيح حتى الخروج على الحكام وبذل المهج والأرواح. فهل يقال بعد ذلك إن هؤلاء الإسلاميين شاركوا العلمانيين في الديمقراطية بالمعنى الأصلي لها ؟!

  • تنبيه ثان: لا يجوز استعمال أهل العلم لهذه الكلمة في مقام الدعوة البتة، لاحتمالها المعنى الفاسد، مما يصان عنه الخطاب الديني لقول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}





http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref1([1])الزاهر في معاني كلمات الناس (1/ 126)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref2([2]) الوسيط

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref3([3])

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref4([4]) موسوعة السياسية للكيالي (1/751)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref5([5]) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3637)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref6([6])فتح الباري لابن حجر (3/ 171)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref7([7]): صحيح ابن حبان - مخرجا (13/ 45)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref8([8])تفسير البغوي - إحياء التراث (2/ 139)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref9([9])تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (11/ 484)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref10([10])قال القاسمي: تفسير القاسمي = محاسن التأويل (4/ 402)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref11([11])البحر المحيط في التفسير (4/ 562)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref12([12])ومع ذلك لا يحسن استمعالها إلا عند الحاجة الملحة، أما الدعاة إلى  وأهل العلم فلا يجوز لهم استعمالها في خطابهم الدعوي البتة

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref13([13])شرح النووي على مسلم (12/ 45)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref14([14])الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق (2/ 33)

http://www.feqhweb.com/vb/#_ftnref15([15]) قال البزار: عَلَى أَنَّ بُهْلُولًا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ فَلَمْ نَذْكُرْ هَذَا الْحَدِيثَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

أكتفي بهذا القدر
أما ما بقي من فصول كفتاوي العلماء واستعمال الوسائل الفاسدة فتحتاج إلى نفس طويل لأن المذكور أعلاه وضعته في أسبوع واحد تقريبا، مما يحدوني إلى استماع آرائكم لأستفيد بها في تنقيحه وإكمال ما بقي
وأريد من حضراتكم أن تدلوني على مصنفات في مشاركة المرأة في المجتمع مبختلف صورها
وأشكر الإدارة على عنياتها وجائزتها القيمة فهي وسام على صدري قبل طِرسي
 

سهيلة حشمت

:: مطـَّـلـع ::
إنضم
3 ديسمبر 2011
المشاركات
179
التخصص
فقه
المدينة
000000000
المذهب الفقهي
شافعى
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

جزاكم الله خيرا
 
إنضم
4 فبراير 2008
المشاركات
157
التخصص
دراسات عربية وإسلامية
المدينة
الجيزة
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

وإياكم
 

حمزة عدنان الشركسي

:: مطـَّـلـع ::
إنضم
3 يونيو 2011
المشاركات
189
العمر
33
التخصص
اقتصاد إسلامي
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي
هل تجوز الخديعة والكذب للتوصل إلى حكم إسلامي؟

هل تجوز الخديعة والكذب للتوصل إلى حكم إسلامي؟

الأخ أبو صهيب .. عندي سؤال لك : هل بحثك باستدلالاته هو القول المعتمد عند حزب النور أم هو مجرد اجتهاد منك ؟

سيدي الرأي الذي يقول أننا نقبل الديمقراطية الآن أمام الناس ثم إذا استلمنا الحكم أبطلناها ، هو ضرب من الكذب والغش والخداع ! وبالتالي سيفقد الحزب مصداقيته أمام الناس.
من أخبرك أن حزب النور لو استلم الرئاسة سيستطيع فعل هذا الكلام ؟ هل مدة رئاسة مصر أبدية أم هي مؤقتة ؟ وبالتالي إذا قام حزب النور بهذا العمل فإنه لن يستطيع التوصل للحكم مرة أخرى !

من الممكن أن نقول أننا نريد نظام شوري ونظام عدالة ، وإذا ما سئلنا عن الديمقراطية عرضنا فيها ، بمعنى أننا نجيب بأننا نحترم الآراء والاختلافات وتعدد الأحزاب وحق الشعب في اختيار حكامه ومراقبتهم .. الخ من المبادئ السياسية الإسلامية (وهنا يأتي وجه القول بجواز المعاريض) .
القول بقبول الديمقراطية شيء (ولو كان تعريضا!)، والأخذ بوسائل الديمقراطية شيء كالانتخابات والأحزاب شيء آخر ، لأن الأول منهج والثاني وسيلة وموقف سياسي.

إن قول مدرسة المقاصد بقبول الديمقراطية بشرط ألا تعارض حكم الله - مع أني أعارضه - هو أخف وطأة من القول بقبولها حاليا ثم تغييرها عند استلام الحكم

ذكرتم:
مشروعية التقية عند الضرورة
ولكن هل حد الضرورة ينطبق هنا ، وما استدللتم به من كلام الشيخ السعدي خارج عن هذه المسألة ، وأسئلك يا شيخ ما هو تعريف الضرورة عند الأصوليين ؟

مصطلح الديمقراطية والتعريض
نعم قد يكون التعريض بأن تقصد الديمقراطية بما لا يخالف حكما شرعيا - مع اختلافنا في وجهة النظر هذه - ، ولكن ليس من التعريض أن تخدع الناس بأن تقول نقبل الديمقراطية ثم إذا استلمت الحكم رفضتها بل وألغيتها ،فإذا كان الأمر كما تقول لماذا لم يعرض النبي صلى الله عليه وسلم أمام صناديد قريش حتى إذا سلموه أمرهم طبق شريعته ! أم أن التعريض يكون في بعض المواقف وليس منهجا أصيلا ؟؟

وهي أيضا من باب الخديعة فتدخل تحت قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : «الحَرْبُ خَدْعَةٌ» قال النووي: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ خِدَاعِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ وَكَيْفَ أَمْكَنَ الْخِدَاعُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ أَوْ أَمَانٍ فَلَا يَحِلُّ
ولست أفهم هل نحن في حرب مع كفار حتى نحتاج للخدعة ؟؟؟؟!!!!!! فإذا كنا في حرب مع الكفار ! فمن هم الكفار هل هم الشعب الذين سيقومون بالتصويت لكم ؟
يا شيخ هل تحاول أن تؤصل للفكر التكفيري أم ماذا ؟

ومع هذا فإن جهدكم واضح في هذا البحث ، وهو مفيد في التأصيل لمسائل معاصرة .
من المهم جدا التنبيه على أن الشورى هي النظام البديل للديمقراطية ، وليس لنا حاجة بالأخذ بالديمقراطية ولا القول بها ، بل إن ديننا الحنيف ما يغنينا عنها ، ولا حاجة لإرضاء الأحزاب غير الإسلامية ! استغرب من الأحزاب الإسلامية التي تشكل تحالفات مع أحزاب غير إسلامية وهي تشن العداء مع بعضها البعض !!!! بل أقول إن الجماعات والأحزاب الإسلامية بحاجة إلى أن تجتمع في تحالفات واحدة ضد التيارات العلمانية والاشتراكية !!
نحن لو نظرنا إلى سيرته صلى الله عليه وسلم لرأينا كيف شق طريقه للدولة الإسلامية بالدعوة الواضحة المعالم والأصول وكيف ضحوا بحياتهم بدون تعريض ولا خديعة .

واعذرني إن أقللت أدبي مع حضرتكم ولكنها النصيحة ...
 

د. أيمن علي صالح

:: متخصص ::
إنضم
13 فبراير 2010
المشاركات
1,023
الكنية
أبو علي
التخصص
الفقه وأصوله
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي - بشكل عام
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

جَوَازُ عَمَلِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ التَّاجِرِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ وَالْعَدْلُ
لعلَّهاالرجل الفاجر بالفاء لا التاجر بالتاء
 

د. أيمن علي صالح

:: متخصص ::
إنضم
13 فبراير 2010
المشاركات
1,023
الكنية
أبو علي
التخصص
الفقه وأصوله
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي - بشكل عام
رد: التأصيلات الشرعية لممارسات السلفيين السياسية [غير مكتمل التخريج]

ثْلَ إنْ كَانَ فِسْقُ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ بِقَتْلِ النُّفُوسِ وَفِسْقُ الْآخَرِ بِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْأَبْضَاعِ، وَفِسْقُ الْآخَرِ بِالتَّضَرُّعِ لِلْأَمْوَالِ، قَدَّمْنَا الْمُتَضَرِّعَ لِلْأَمْوَالِ عَلَى الْمُتَضَرِّعِ لِلدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَقْدِيمُهُ قَدَّمْنَا الْمُتَضَرِّعَ لِلْأَبْضَاعِ عَلَى مَنْ يَتَعَرَّضُ لِلدِّمَاءِ
لعلها المتعرِّض
 
أعلى