العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

" التسطيح العلمي " (المظاهر ، والأسباب ، والعلاج )

دخيل عبدالله الدخيل

:: متـابـــع ::
إنضم
2 نوفمبر 2013
المشاركات
10
الكنية
أبو عمر
التخصص
فقه مقارن
المدينة
بريدة
المذهب الفقهي
الحنبلي
لكل عصر سماته العلمية التي تلون كافة صوره وتشكلاته ، حتى تظهر في تصانيفه ومناظراته وتصل إلى عمق البنية المعرفية لرموزه ورواده ، وهذا الجو المعرفي العام يسري أثره إلى جميع من يستنشقه ويعيش في ظله ، حتى يعود على أفراده بالمزايا والمعايب ، والرزايا والمكاسب.
فهل ينكر الأثر العلمي لأجواء الرواية والإسناد على البخاري ، والتدوين والتصنيف على الخطيب ، والتحقيق والتحرير على ابن حجر والشاطبي .
وهل ينكر الأثر العلمي للتعصب المذهبي على الجصاص ، والبدعة والكلام على الرازي ، والتقليد على متأخري المذاهب كابن عابدين والبهوتي .
والجو العلمي بمثابة السوق ، تروج فيه سلع ، وتكسد فيه بضائع ، والعالم والطالب بمثابة المشتري والتاجر.
فإذا كان الشأن كذلك ، فإن الجو العلمي اليوم قد سادت فيه علل كثيرة ، غير أن لبّ ذلك وصميمه : ( الضعف العلمي ) ، وهذا الضعف يبرز عبر مظاهر كثيرة ، وهذا المقال لا يُعنى باستقصائها ، لكنه يسلط الضوء على أكبرها ، وهي ظاهرة (التسطيح العلمي)، ويقصد بذلك التعامل مع مسائل العلم وفنونه بطريقة مختزلة ظاهرية ، يغيب عنها الشمول والعمق ، وهي - في زعمي- أحد أبرز خصائص النمط العلمي السائد في واقعنا.
ويظهر هذا التسطيح في عدة مظاهر :
"المظاهر "
· فقد اختزل الفقه بمقاصده وأصوله ، وتخريجاته وتفريعاته ، وعلله ودقائقه ، إلى نتيجة حتمية للبحث في صحة الحديث وضعفه ، في انتقاء لجزء واحد تبنى عليه الأحكام من مباحث السنة في أصول الفقه ، بلا مراعاة لباقي الأدلة الإجمالية ، ولا لتراتيب الأدلة ، ، ولا أصول المذاهب ، ولا حتى منزلة الحديث الضعيف عند إئمة الحديث. ولو كان هذا مدار الفقه لما اختلف فقه مالك وأحمد والبخاري إلا قليلا ! ولو علم هذا الباحث أن الأخذ بفقه الصحابة – كأصل واحد من أدلة الفقه- كان سبباً في تغير مسار فقه الإمام أحمد عن غيره من أهل العلم ، لأدرك أن المسألة أوسع من ثبوت الحديث وضعفه.
· وتحول أصول الفقه ومباحثه ، ومصطلح الحديث وصناعته ، إلى قواعد جامدة ، وقوالب جاهزة ، ومعادلات رياضية ، غير قابلة للمرونة ، ولا للاستعمال الفقهي والحديثي . حتى رأينا من يتعقب الشافعي بقاعدة ( الأمر للوجوب) ، والإمام أحمد بقاعدة ( قبول زيادة الثقة ).
· واختزل علم التفسير في مهارات من قبيل تنمية ملكة الاستنباط ، ومهارة التدبر ، ولطائف علمية هنا وهناك ، بلا مراعاة لاكتمال عدة الطالب من قواعد النحو ، و مباحث الصرف ، ومسائل اللغة والبلاغة ، بل ولا علوم القرآن.
· وتحول التحقيق العلمي للكتب إلى مطولات في العزو والتخريج ، وتعقبات في الاعتقاد والبدع ، وتلطيخات رديئة من أراء المحقق هنا وهناك ، إضافة إلى مرافعات السرقة في مقدمة الكتاب.
· وتحول المنهج العلمي المرسوم لطلبة العلم إلى اختيارات في الكتب والطبعات ، وانتقاءات في المتون والمنظومات ، بلا إدراك حقيقي لما تحويه هذا الكتب والمتون ، فضلا عن غياب أصول المنهج من أخلاقيات العلم ، والحفظ ، والتدرج ، والتلقي عن الشيوخ ، والتي هي لب المناهج العلمية ، وهي التي يكثر طرقها في كتب طلب العلم عند المتقدمين ، وإذا تحققت هذه الأصول لم يكن الاختلاف بين الطبعات ولا المتن المقرر مؤثراً تأثيراً يذكر.
· وتحول البحث الأكاديمي إلى مناقشات سطحية في ضوابط العزو والتخريج ، والمطالب والمباحث ، وموضع الفاصلة المنقوطة ، والتعريف بالأعلام ، وأشياء من (نَفَس الباحث) يظهر فيها سوء فهمه وتعسفه .
· وتحولت شخصية طالب العلم إلى شكليات ورسوم من التعاقل ، والسمت المتكلف ، بلا نسك ولا خشية ولا رسوخ علمي ، وتشيع في هذا الوسط معلبات من التقويمات والأحكام الجاهزة صالحة للتسمين العلمي ، وتضخيمات في المدح والذم يقلد بها أي موافق ومخالف ، ويزيد الطين بلة أن هذه أردية بالية تكسو جسد علمي يعاني من الهزال والخواء المعرفي.
· وتحول النقاش العلمي إلى إعادة لألف باء المقدمات العلمية ، والقضايا المنطقية ، بل وأحياناً الأخلاقية ، وأصبحت هذه النقاشات أمارة ظاهرة على ثقوب في التفكير العلمي ، والتلوث المعرفي.
· وتحولت المؤلفات العلمية المعاصرة إلى تفريغ لدروس مسموعة خالية من مقاصد التأليف ، واستجابة لإلحاح الطلبة والمحبين ! ، حتى بلغت شروح الآجرومية والأصول الثلاثة ما يزيد على العشرين .
"الأسباب"
إن هذا التسطيح الذي يطالعنا في كثير من التشكلات العلمية ، يعود في معظمه إلى أسباب كثيرة ، أختصرها فيما يلي :
الأول : أنه نتيجة لهروب عن متطلبات العلم ووعورة مسائله وعمق مباحثه ، فأصبح الطالب غير مستعد لدفع فاتورة هذا التكاليف ، ولا يملك طول النفس في معالجة مباحث الفن والغوص فيها.
الثاني : أن العمق في العلم لا يتأتى إلا بالشمول والنظرة الكلية للفنون الأخرى ، وكثير من التسطيح ناتج عن التخصص الدقيق ، والنظرة الجزئية للفن .
الثالث : أن التسطيح يحركه في كثير من الأحيان خصائص نفسية ، تعود إلى العجلة وحب البروز ، وتمشيخ الأحداث . وأحيانا أنماط في التفكير تعتمد على النظرة الجزئية والظاهرية للأشياء ، ولا تتعاطى مع النظرة الكلية والشمولية.
العلاج :
ظاهرة التسطيح العلمي لا تحتاج إلى كبير عناء في علاجها ، ويمثل هذا التشخيص أول العلاج ، بحيث يدرك طالب العلم أنه يعاني من هذه المشكلة . ثم العناية بالتأصيل العلمي الهاديء والعميق ، الذي يصل إلى عمق الفن ، ويتكامل مع الفنون الأخرى ذات الصلة.
 
أعلى