العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

هام الوصف بالبغي والردة وآثاره في الواقع السوري وأهمية مراعاة التأويل

إنضم
31 مارس 2009
المشاركات
78
الكنية
أبو محمد
التخصص
الفقه
المدينة
مكة
المذهب الفقهي
---
بسم الله الرحمن الرحيم

الوصف بالبغي والردة وآثاره في الواقع السوري وأهمية مراعاة التأويل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, أما بعد:

[
تمهيد مهم]

فقد قام سوق الجهاد في الشام اليوم مع قيام أهله وثورتهم في ظل ظهور ردة النظام النصيري, وفي ظل حربه التي تدور من عقود على الدين والنفس وغيرها من الضروريات, ومعلوم أن أهل الحل والعقد في الشام لم يبايعوا لأمير يرجع الناس له في شؤونهم وتجتمع عليه كلمتهم, بل أن أهل الحل والعقد حتى الآن لم تجتمع كلمتهم في صورة يبرزون بها للناس ويتصدون بها للأحداث ليقوموا بفروض الكفايات العظام التي غابت مع غيبة إمام, وتعدّدت الكتائب ذات الشوكة في ربوع الشام, وكان من طبيعة عدم انتظامهم تحت إمرة شرعية واحدة تفاوت اجتهاداتهم وآرائهم, واختلاف مواقفهم من بعض القضايا, كما اندس في الثورة بعض المتآمرين والمجرمين باسمها, واتضح هؤلاء تارة وخفي أمرهم تارة.

في ظلّ هذا الواقع المعقّد, والغامض في كثير من الأحيان, وقعت حوادث اقتتال واغتيالات ومنازعات, بعضها نتج عن سوء فهم أو فعل فاعل يريد إيقاع الفتن, وتفاوتت ردود الفعل عليها, وإن كان لطف الله ثم حكمة أهل الشام أسعفت في كثير من الأحوال وحالت دون تفاقمها, ولكن جانباً آخر يزيد التعقيد والغموض.
إنّ مما زاد الوضع تغقيداً خلو الساحة من إمرة شرعية وإمامة مبايعة أو على الأقل اجتماع أهل الحل والعقد في جماعة تتولّى إقامة فروض الكفايات حتى تقوم الإمرة الشرعية, ومعلومٌ أنّ غالب كلام الفقهاء يتناول الحالة العادية التي توجد فيها تلك الأمرة, وهذا واضح في سائر أبواب الفروع الفقهية, ومنها مثلاً ما يتعلق بأحكام البغاة, فإن تعريف البغي وشروط قتال البغاة وأحكامهم تدور حول صورة تقليدية تنازع فيها فئة متأوّلة الإمام الشرعي, وقس على ذلك كثير من الأبواب, وهذا يبين أهمية نصب الإمام وانتصاب من ينوب عنه من أهل الحل والعقد حتى نصبه, لتعلّق كثير من الأحكام الشرعية بوجود منصبه, وصعوبة استقامة الأمور وتحصيل المصالح الكبرى ودرء المخاطر والقلاقل بدون هذا المنصب.

ومن رحم هذا التعقيد ولدت إشكالات شرعية ومواقف متسرعة لا تتبّع التحقيق والتدقيق لا في تثبيت الوقائع ووزنها ولا في معرفة الأحكام الشرعية وتنزيلها, وكثر ذلك بصورة مزعجة ممن يتابعون الساحة من خلال وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعية, ورأينا التسرع والتساهل والجرأة في إطلاق أوصاف البغي والتلميح بوقوع الردة من المتحزبين والمنفعلين والمنحازين لمختلف أطراف الساحة, وقد نال وصف الردة وبيان خطورته وضوابط تنزيله الكثير – نسبياً - من كلام أهل العلم قديما وحديثا, وبقي نقص – نسبي - في الاهتمام بأهمية التدقيق والتأني في إطلاق وصف البغي في ظل الملابسات والظروف الاستثنائية وحساسية المرحلة ومراعاة المآلات, ومراعاة ضوابط وتأصيلات أفادتها النصوص وتكلم فيها العلماء قديما لكنّها يغفل عنها كثيرا, وذلك خلطاً بين الأحكام التقليدية والاستثنائية التي تترتّب على وصف البغي تارة, وغفلة حتى عن الضوابط التقليدية الموجودة بكثرة في كلام الفقهاء تارة أخرى. وهذا المقال محاولة لتوضيح بعض اللبس وسدّ بعض النقص والله وحده الموفق أسأله الإعانة والسداد.

وقبل أن ألج في موضوع البغي, ولأنّه سيستغرق أغلب المقال, فأريد أن أؤكّد على نقطة في إطلاق وصف الردّة ربما يغفل عنها, وهي أنّه لا يلزم دائماً من مقاتلة جماعة لجماعة تدعو لتحكيم الشريعة وإقامة دولة الإسلام ردّة هذه الجماعة, وإن كان ذلك قد يكون أظهر في واقع بعض الساحات لما فيها من التمايز ووضوح المواقف فلا يلزم أن يكون كذلك في واقع ساحات أخرى, والأصل في جماعات المسلمين أنّها ترضى بشرع الله ولا تعارض تحكيمه, وقتالها لبعض قد يكون لاحتمالات كثيرة والتباسات وتأويلات, أو قد يكون قتالا دنيويا للنفوذ والسيطرة, وكل هذا لا يوجب الردة, بل الأصل كما سنرى من خلال هذا المقال أنّه يوجب الإصلاح والتحاكم للشرع, ثم إذا حصل البغي بعدها وجب على المؤمنين من غير الطائفة المبغي عليها التدّخل لإيقاف الباغي وتحقيق الرجوع لأمر الله, وستأتي قواعد نفيسة لابن تيمية حول ضبط هذا الأمر.
والمقصود هنا أنّ الأصل عدم إطلاق وصف الردة لمجرد حصول المقاتلة للطائفة المؤمنة, ويدل عليه قوله تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} الآية فسمّاهم مؤمنين مع الاقتتال ثم سماهم مؤمنين مع البغي آخر الآية وأمر بالإصلاح, ولذلك يجب استصحاب أصل السلامة من الردة حتى فيمن يعتدي بالقتال, فإنّه قد تقرّر أنّ الأصل في الأوصاف العارضة العدم, فإذا حصلت المقاتلة فلا نصير إلى توصيف المعتدي بالردة أو حتى البغي لمطلق المقاتلة لأنّ الأصل السلامة, ويحتمل في قتال المعتدي وجود التأويل, فإذا وقع الصلح والحكم وجلّي اللبس فالمقاتلة بعده بغي. وإن ثبت شرعاً بما لا يحتمل الشك أنّ القتال عن ردّة محقّقة قد امتنعت عليها الجماعة فذلك شأن آخر ولكنّه خلاف الأصل, واليقين لا يزول بالشك, وسيأتي في كلام ابن تيمية رحمه الله أن القتال العام يمتنع إذا لم يحصل الامتناع على البغي بالمقاتلة, أو إذا اندفع الشر بإقامة الإمام لحد أو قتل لفرد, ول يلزم دوما إباحة المقاتلة العامة بل يجب تقليل القتال لأنّه خلاف الأصل, والأحاديث الكثيرة التي وردت في تحريم دم المسلم ووجوب الكفّ عن القتال بين المسلمين واعتزال الفتن تدل على ذلك.

أمّا مقصد المقال
وهو موضوع البغي, فقد كنت كتبت تغريدات مختصرة عن التسرع في إطلاق أوصاف الردة والبغي وترتيب آثارها دون اعتبار للتأويل, واستشكل بعض الفضلاء استشكالاً حاصله استغراب اعتبار التأويل في البغي, وأنّه لم يسمع بذلك, وقبل أنّ أبيّن أنواع البغي وعلاقة التأويل به, لا بد من تحرير معنى البغي, فالبغي في اللغة الطلب, ويمكن بهذا الاعتبار أن يطلق في غير سياق الذم كأن يقال: فلان باغ للخير, وإذا أطلق في سياق الذم فهو بمعنى مطلق الاعتداء, وهذا معنىً عام نقله الفقهاء في اصطلاحهم إلى معنى أخص ضمنوه تعريفاتهم للبغي, وربطوه بتحقّق ضوابط معيّنة تترتّب حين توفّرها أحكام خاصة.
من هنا يجب التنبه إلى أن التوسّع في إطلاق البغي دون مراعاة للضوابط الدقيقة لوصف فئة ما قد يبدو لمن يطلقه ويعتقد وجود بعض معناه في من يطلقه عليه سائغا باعتبار المعنى اللغوي, لكن ينبغي التحفّظ في إطلاقه في سياق الحديث عما يقع بين الكتائب سداً لذريعة سوء الفهم وما يترتب عليه من غلط عظيم, وذلك أنّ السامع قد يتوهّم أنّ الاطلاق اصطلاحي ويلزم منه الأحكام التي رتّبها الفقهاء كتسويغ مقاتلة من يوصف بالبغي, والواقع أنه لم ينطبق عليه المعنى الاصطلاحي وإنما كان اطلاق المتكلّم وصف البغي بالمعنى اللغوي للتنفير من بعض أفعاله أو للخصومة والغضب, والمعنى الاصطلاحي دقيق مرتبط بشروط وضوابط قد لا تتوفّر في كل من يطلق عليه البغي بالمعنى اللغوي, فيصير التوسّع في إطلاق مسمّى البغي مدعاة لوقوع الفتن واستحلال المقاتلة فيجب منعه في الظرف الذي نحن فيه مراعاة للمآلات.

ولا يعني مراعاة الإطلاق اللغوي أن يصير الوصف بالبغي بالمعنى اللغوي مستسهلاً حتى لو غضضنا الطرف عن قضية المآلات, لأنّ البغي وصف عارضٌ, والأصل فيه العدم, والأصل في المسلمين السلامة منه, والأصل في أعراضهم الحرمة, وسيأتي في ثنايا المقال جوانب توجب الاحتياط في إطلاق هذا اللفظ خصوصاً في مثل ما نحن فيه من ظروف.

[
أنواع البغي وعلاقته بالتأويل]

والبغي يأتي على نوعين فيما يلي بيانهما وبيان علاقة التأويل بهما:

النوع الأول: البغي بمعنى الخروج على الإمام المسلم. وهذا مايدور حوله أكثر كلام الفقهاء. وعلاقة التأويل بهذا النوع واضحة من وجوه, منها:

·أن وجود التأويل شرط من شروط إطلاق مسمّى البغي, وهذا يعني أنّه إذا كان للخارجين تأويل سمّوا بغاة, وخفّت الأحكام في حقّهم, لأن أحكام البغاة أخفّ من أحكام المرتدين وقطاع الطرق, وإذا لم يكن لهم تأويل فيبيّن كثير من الفقهاء أنّهم قطاع طرق ولهم أحكام أغلظ.

·
يقوم الإمام قبل قتالهم ببذل الحق إذا كانوا يطالبون بحق ورد المظالم وكشف الشبهة إن كانت لهم شبهة, فخروجهم على تأويل - يتضمن بعض هذه الأمور - يؤثر في حكم قتالهم فيمتنع القتال قبل معالجة التأويل. قال ابن قدامة في الكافي: " و لا يقاتلهم الإمام حتى يسألهم ما ينقمون منه فإن اعتلوا بمظلمته أزالها أو شبهة كشفها لقول الله تعالى : { فأصلحوا بينهما } و في هذا إصلاح ".
النوع الثاني: البغي بمعنى قتال الطائفة المسلمة (غير طائفة الإمام) لنظيرتها, ونقيّد بـ ( غير طائفة الإمام ) حتى يخرج النوع الأول فقد مرّ الكلام عليه وعلى علاقته بالتأويل. وتحت هذا النوع عدة صور نستطيع أن نستخلصها من كلام للقرطبي رحمه الله[1] وقد نسبها للعلماء عموماً, وهي كالتالي:

-
الصورة الأولى: أن تقتتل الفئتان على سبيل البغي منهما جميعا, والواجب في ذلك أن يمشى بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر كفّهما عن بعضهما والموادعة بينهما, فإن لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقامتا على البغي صير إلى مقاتلتهما.

-
الصورة الثانية: أن تكون إحداهما باغية على الأخرى ، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب ، فإن فعلت أصلح بينها وبين المبغي عليها بالقسط والعدل. لكن ابن تيمية يوجب الإصلاح قبل الاقتتال حتى في هذه الصورة لعموم الآية. قال رحمه الله: " أمر إذا اقتلت طائفتان من المؤمنين أن يصلح بينهما, وهذا يتناول ما إذا كانتا باغيتين أو أحداهما باغية ".

-
الصورة الثالثة: إن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت عليهما وكلتاهما عند أنفسهما محقة ، فالواجب إزالة الشبهة بالحجة النيرة والبراهين القاطعة على مراشد الحق. فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه لهما فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين.ويفهم من تقسيم القرطبي وماذكره في القسم الأخير أنّ القسم الثاني يكون اتضاح الباغي فيه من المبغي عليه واضحاً خالياً من التأويل مع انحصار البغي في أحدى الطائفتين وتمحّضه فيها دون الأخرى, وإلاّ كانتا من القسم الأخير الذي يشترط فيه إزالة الشبهة.وهذا الذي قرّره القرطبي ونسبه للعلماء من اعتبار التأويل دلّت عليه الأدلّة, كما دار عليه الكثير من كلام الفقهاء, وسأورد شيئا من ذلك فيما يلي:

1- قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين}, ووجه الدلالة: عدم تسمية الطائفتان المقتتلتان أو أحدهما بالبغي قبل الإصلاح, وكذلك ترتيب قتال الفئة الباغية على وقوع البغي بعد الصلح. وهذا يدل على أنّ البغي الذي يوجب القتال يكون بعد الصلح والحكم ليتجلّى البغي ويقع رغم زوال الالتباس وانتفاء التأويل الناتج عنه. قال الشوكاني رحمه الله في معنى البغي في الآية: " والبغي : التعدي بغير حق والامتناع من الصلح الموافق للصواب " وكلام الشوكاني هنا يفهم منه أنّ وصف البغي لا ينطلق في هذه الحالة إلا عند التعدي بغير حق والامتناع عن الصلح, وحتى لو قلنا أنّه ينطلق ابتداء ولو من باب التوسع اللغوي, فلا يستلزم ذلك ترتيب القتال عليه حتى يعالج التأويل بالصلح والحكم المتضمن بيان الحق وإزالة اللبس. قال الشافعي في الأم: " فحق على كل أحد دعاء المؤمنين إذا افترقوا وأرادوا القتال أن لا يقاتلوا حتى يدعوا إلى الصلح ".

2- النصوص الواردة في اعتزال القتال بين المسلمين, وكلام أهل العلم في اجتنابه خصوصا إذا لم يتضح المحق من المبطل بسبب تأوّل كل طائفة أو كون القتال على الملك, ولو ساغ إطلاق البغي هنا وترتيب أثر المقاتلة عليه لكان الواجب مقاتلة أهل البغي لا الاعتزال, فوجب عدم الاطلاق, خصوصا إذا كانت كلّ طائفة تتأول أنّ خصيمتها باغية, والاسم الأليق هنا هو الفتنة. قال ابن حجر رحمه الله: والمراد بالفتنة ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل، قال الطبري : اختلف السلف فحمل ذلك بعضهم على العموم وهم من قعد عن الدخول في القتال بين المسلمين مطلقا.. وتمسكوا بالظواهر المذكورة وغيرها، ثم اختلف هؤلاء.. فمنهم من قال: إذا هجم عليه شيء من ذلك يكف يده ولو قتل، ومنهم من قال : بل يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله وهو معذور إن قتل أو قتل . وقال آخرون : إذا بغت طائفة على الإمام فامتنعت من الواجب عليها ونصبت الحرب وجب قتالها ، وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الأخذ على يد المخطئ ونصر المصيب ، وهذا قول الجمهور ، وفصل آخرون فقالوا : كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة فالقتال حينئذ ممنوع، وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك وهو قول الأوزاعي ، قال الطبري : والصواب أن يقال إن الفتنة أصلها الابتلاء ، وإنكار المنكر واجب على كل من قدر عليه ، فمن أعان المحق أصاب ومن أعان المخطئ أخطأ ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها .وسيأتي رأي ابن تيمية في الموضوع, ولكنّ ملخّصه أنّه ليس كل بغيٍ يوجب المقاتلة حتى لو كان بغياً بقتال إذا كان لا يؤدي للفيء لأمر الله بل يؤدي للفتن والفرقة والواجب حينها الصبر. والخلاصة مما سبق أنّ الكف يتعيّن في حالة اللالتباس الذي لا يتضح معه المحق من المبطل لتأثير اللالتباس والتأويلات, وحالة مراعاة المآل حتى لو كان البغي محقّقاً موجباً للقتال من حيث الأصل. وسيأتي كلام ابن تيمية بنصّه في ذلك, وبعض العلماء يرى الكف مطلقا إذا انعدم الإمام كما نقل الطبري عن الأوزاعي, ولهذا صلة بما يأتي في (3).

3- اشترط بعض أهل العلم أن يقوم الإمام لا غيره بمقاتلة الطائفة التي تبغي بعد الصلح. فروى الطبري في تفسيره عن ابن زيد أنّه قال في آية الحجرات: " هذا أمر من الله أمر به الولاة كهيئة ما تكون العصبة بين الناس ، وأمرهم أن يصلحوا بينهما ، فإن أبوا قاتل الفئة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله ، فإذا رجعت أصلحوا بينهما ، وأخبروهم أن المؤمنين إخوة ، فأصلحوا بين أخويكم قال : ولا يقاتل الفئة الباغية إلا الإمام ".وقد يكون في هذا الاشتراط مراعاة للتأويل, فإن انتفاءه عند قيام الإمام ومعه أهل الحل والعقد بالمقاتلة أظهر منه عند قيام طوائف أخرى بذلك, فالطوائف الأخرى غير الإمام تبدو للفئة الباغية نداً وقريناً, ولا ترى لها حقاً في طاعة يستوجبها وصف الإمامة. أقول: والناس في الشام اليوم لا إمام لهم, ولا أهل حل وعقد قد اجتمعوا لينوبوا عنه في إقامة الأحكام والوظائف الكبرى, بل هم طوائف لم تجتمع ولم تقم ولو مجلس شورى, والله المستعان نسأله توفيقهم. وحتى لو ساغ القتال بغير إمام فيكون من جماعة تنوب عنه عند انعدامه, وظاهر سياق الآية في سورة الحجرات أنّها تخاطب المؤمنين من غير الطائفتين, وفي هذا يقول ابن تيمية في الاستقامة: " وفي مثل هذا يقاتلون حتى لا يكون فتنة ويكون الدين كله لله؛ لأنه إذا أمروا بالصلاح والكف عن الفتنة فبغت إحداهما قوتلت حتى لا تكون فتنة, والمأمور بالقتال هو غير المبغى عليه, أمر بأن يقاتل الباغية حتى ترجع إلى الدين فقاتلها من باب الجهاد وإعانة المظلوم المبغى عليه ".

4- يدل على اعتبار التأويل في هذه الصورة أنّ طائفة الإمام في الصورة التقليدية تقاتل أهل البغي المتأوّلين لأنّ نفس خروجهم على الإمام – ولو بتأويل - بغي, وأما في صورة الطوائف المقتتلة وليس فيها طائفة الإمام فلا يوجد في أحد الطوائف خروج على إمام يكون في نفسه بغياً, فلا يمكن إطلاق البغي على أحدهما دون الأخرى إلا إذا قاتلت عدواناً وانعدم في حقّها التأويل الذي يمنع ظهور كونها مبطلة والأخرى محقّة, على الوجه الذي ذكر القرطبي في صورته الثانية. ولعل هذا ما دعى بعضهم لاشتراط كون المقاتلة هنا من الإمام – كما في النقطة السابقة (3) ليكون القتال بناء على بيان وقضاء ينتفي معه التأويل المعتبر, أو على الأقل يكون من جماعة تقوم مقام الإمام في بيان الحقّ وإزالة اللبس والسعي في الإصلاح حيث يتجلّى البغي بعد ذلك وتسوغ المعالجة بالقتال.

تنبيه مهم يناسب هذا الموضع:
إنّ مجرد سيطرة فئة على نواحٍ ونصب إمام فيها لا يوجب وصفها بالبغي الذي يبيح القتال إذا لم يكن ذلك خروجا على إمام شرعي, كما هو الحال في سوريا حيث لا إمام شرعي, ولا يوجد دليل على خلاف ذلك, وإذا كان وجود الاقتتال مع التأويل يوجب رفع اللبس قبل المقاتلة, فكيف إذا لم توجد مقاتلة. قال الشافعي رحمه الله: " فإن كانت لأهل البغى جماعة تكثر ويمتنع مثلها بموضعها الذى هي به بعض الامتناع حتى يعرف أن مثلها لا ينال حتى تكثر نكايته واعتقدت ونصبوا إماما وأظهروا حكما وامتنعوا من حكم الامام العادل فهذه الفئة الباغية التى تفارق حكم من ذكرنا قبلها فينبغي إذا فعلوا هذا أن نسألهم ما نقموا فإن ذكروا مظلمة بينة ردت فإن لم يذكروها بينة قيل لهم عودوا لما فارقتم من طاعة الامام العادل وأن تكون كلمتكم وكلمة أهل دين الله على المشركين واحدة وأن لا تمتنعوا من الحكم فإن فعلوا قبل منهم وإن امتنعوا قيل إنا مؤذنوكم بحرب فإن لم يجيبوا قوتلوا ولا يقاتلون حتى يدعوا ويناظروا إلا أن يمتنعوا من المناظرة..". فتأمّل كيف ترتبط المسألة بوجود الإمام والامتناع من حكمه, ومع ذلك يشترط سؤالهم ما نقموا ودعوتهم ومناظرتهم, فكيف إذا كان نصبهم للإمام وإظهارهم حكماً خاصاً بهم ليس فيه منازعة لإمام, فهل بقي شبهة في أنّ إطلاق وصف البغي الذي يوجب القتال على مثل هؤلاء لمجرد ماذكر بغي في الخصومة وجهل بالشرع؟

[
قواعد نفيسة لابن تيمية رحمه الله في موضوع البغي]:

القاعدة الأولى: الاشتراك في إيقاع الظلم والتعرّض له من الطائفتين أو وقوع الشبهة والتأويل ووقوع الغلط فيما بين الطائفتين أمور توجب السعي بالإصلاح أو الحكم.

القاعدة الثانية: وجوب التثبّت في دعاوى الظلم من خلال السماع من الخصم وغيره.

القاعدة الثالثة: لم يؤمر بقتال ابغاة ابتداء بل الواجب الرد عن الظلم بالرفق إن أمكن بصلح أو حكم بالقسط, والقتال لا يحل إذا أمكن دفع البغي بغير قتال, وإذا اندفع ببعض القتال لم يحل جميعه.

قال رحمه الله في منهاج السنة: " لو قدر أن طائفة بغت على طائفة وأمكن دفع البغي بلا قتال لم يجز القتال, فلو اندفع البغي بوعظ أو فتيا أو أمر بمعروف لم يجزالقتال ولو اندفع البغي بقتل واحد مقدور عليه أو إقامة حد أو تعزيز مثل قطع سارق وقتل محارب وحد قاذف لم يحز القتال وكثيرا ما ثتور الفتنة إذا ظلم بعض طائفة لطائفة أخرى فإذا أمكن استيفاء حق المظلوم بلا قتال لم يجز القتال ".

قال رحمه الله في السياسة الشرعية: " وإنما الواجب على من استجار به مستجير - إن كان مظلوما ينصره, ولا يثبت أنه مظلوم بمجرد دعواه فطالما اشتكى الرجل وهو ظالم بل يكشف خبره من خصمه وغيره فإن كان ظالما رده عن الظلم بالرفق إن أمكن إما من صلح أو حكم بالقسط وإلا فبالقوة وإن كان كل منهم ظالما مظلوما كأهل الأهواء من قيس ويمن ونحوهم وأكثر المتداعين من أهل الأمصار والبوادي أو كانا جميعا غير ظالمين لشبهة أو تأويل أو غلظ وقع فيما بينهما سعى بينهما بالإصلاح أو الحكم كما قال الله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } ".

القاعدة الرابعة: مجرد البغي لا يبيح القتال وإنما بالبغي بعد الاقتتال والامتناع عن الصلح, ويكف عنه إذا فاءت.

قال في المنهاج : " وليس مجرد البغي مبيحا للقتال بل قال تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} فأمر بالإصلاح عند الاقتتال, ثم قال {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله} وهذا بغي بعد الاقتتال, فإنه بغي إحدى الطائفتين المقتتلتين لا بغي بدون الاقتتال, فالبغي المجرد لا يبيح القتال ".

وقال رحمه الله: " ليس في مجرد كونهم بغاة ما يوجب الأمر بقتالهم فإن الله لم يأمر بقتال كل باغ بل ولا أمر بقتال البغاة ابتداء.. فليس في القران أمر بقتال الباغي ابتداء لكن أمر إذا اقتلت طائفتان أن يصلح بينهما وأنه إن بغت إحداهما على الأخرى بعد القتال أن تقاتل حتى تفىء, وهذا يكون إذا لم تجب إلى الإصلاح بينهما وإلا فإذا أجابت إلى الإصلاح بينهما لم تقاتل, فلو قوتلت ثم فاءت إلى الإصلاح لم تقاتل ".

وقال رحمه الله: " .. من الناس من يضع الآية على غير موضعها فإنه سبحانه قال {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين}, فهو لم يأذن ابتداء في قتال بين المؤمنين بل إذا اقتتلوا فأصلحوا بينهما, والاقتتال هو فتنة وقد تكون إحداهما أقرب إلى الحق فأمر سبحانه في ذلك بالإصلاح.. ". الاستقامة.

وقال رحمه الله في الاستقامة: " أما إذا وقع بغى ابتداء بغير قتال مثل أخذ مال أو مثل رئاسة بظلم فلم يأذن الله في اقتتال طائفتين من المؤمنين على مجرد ذلك ".

القاعدة الخامسة: قتال الطائفة التي تبغي بعد الإصلاح هو لأجل دفع قتال أعظم يتولّد من تركها تقتتل هي والأخرى دفعا لأعلى المفسدتين.

قال رحمه الله في الاستقامة: "..فهو بعد اقتتالهم إذا أصلح بينهم بالقسط فلم تقبل إحداهما القسط بل بغت فإنها تقاتل؛ لأن قتالها هنا يدفع به القتال الذي هو أعظم منه, فإنها اذا لم تقاتل حتى تفئ إلى أمر الله بل تركت حتى تقتتل هي والأخرى كان الفساد في ذلك أعظم, والشريعة مبناها على دفع الفسادين بالتزام أدناهما, وفي مثل هذا يقاتلون حتى لا يكون فتنة ويكون الدين كله لله..".

وقال رحمه الله في منهاج السنة: " فما كان من باب القتال فهو أولى أن يكون أحد الأمرين أحب إلى الله ورسوله إما فعله وإما تركه ويتبين ذلك بالمصلحة والمفسدة, فما كان وجوده خيرا من عدمه لما حصل فيه من المصلحة الراجحة في الدين, فهذا مما يأمر الله به أمر إيجاب أو استحباب, وما كان عدمه خيرا من وجوده فليس بواجب ولا مستحب وإن كان فاعله مجتهدا مأجورا على اجتهاده.."

القاعدة السادسة: لا يؤمر بقتال الفئة الباغية إن كان عاجزا عن قتالها حتى تفئ إلى أمر الله كما هو الحال في قتال الفتنة.

قال رحمه الله في منهاج السنة: " .. لقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} فأمر بعد القتال إلى أن تفىء أن يصلح بينهما بالعدل وأن يقسط, وقتال الفتنة لا يقع فيه هذا.. وقد تكون الطائفة باغية ابتداء لكن لما بغت أمر بقتالها وحينئذ لم يكن المقاتل لها قادرا لعدم الأعوان أو لغير ذلك, وقد يكون عاجزا ابتداء عن قتال الفئة الباغية أو عاجزا عن قتال تفىء فيه إلى أمر الله, فليس كل من كان قادرا على القتال كان قادرا على قتال يفىء فيه إلى أمر الله وإذا كان عاجزا عن قتالها حتى تفىء إلى أمر الله لم يكن مأمورا بقتلاها لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب"
قال رحمه الله في الاستقامة: " ولم يأذن للمظلوم المبغى عليه بقتال الباغي في مثل هذه الصور التي يكون القتال فيها فتنة كما أذن في دفع الصائل بالقتال حيث قال (من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد), فإن قتال اللصوص ليس قتال فتنة إذ الناس كلهم أعوان على ذلك فليس فيه ضرر عام على غير الظالم.. وإذا وصف النبي ص طائفة بأنها باغية سواء كان ذلك بتأويل أو بغير تأويل, لم يكن مجرد ذلك موجبا لقتالها ولا مبيحا لذلك إذ كان قتال فتنة, فتدبر هذا فإنه موضع عظيم يظهر فيه الجمع بين النصوص ولأنه الموضع الذي اختلف فيه اجتهاد علماء المؤمنين قديما وحديثا, حيث رأى قوم قتال هؤلاء مع من هو أولى بالحق منه, ورأى آخرون ترك القتال إذا كان القتال فيه من الشر أعظم من ترك القتال كما كان الواقع؛ فإن أولئك [ أي أهل هذا الرأي كما يبدو من السياق ] كانوا لا يبدأون البغاة بقتال حتى يجعلوهم صائلين عليهم, وإنما يكون ذنبهم ترك واجب مثل الامتناع من طاعة معين والدخول في الجماعة, فهذه الفرقة إذا كانت باغية وفي قتالهم من الشر كما وقع أعظم من مجرد الاقتصار على ذلك؛ كان القتال فتنة, وكان تركه هو المشروع وإن كان المقاتل أولى بالحق وهو مجتهد..وكل ما أوجب فتنة وفرقة فليس من الدين سواء كان قولا او فعلا, ولكن المصيب العادل عليه أن يصبر عن الفتنة ويصبر على جهل الجهول وظلمة إن كان غير متأول, وأما إن كان ذاك أيضا متأولا فخطؤه مغفور له وهو فيما يصيب به من أذى بقوله أو فعله له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور له وذلك محنة وابتلاء في حق ذلك المظلوم فإذا صبر على ذلك واتقى الله كانت العاقبة له..وأمور القلوب لها أسباب كثيرة ولا يعرف كل احد حال غيره من ايذاء له بقول أو فعل قد يحسب المؤذى إذا كان مظلوما لا ريب فيه أن ذلك المؤذى محض باغ عليه ويحسب أنه يدفع ظلمه بكل ممكن ويكون مخطئا في هذين الأصلين إذ قد يكون المؤذى متأولا مخطئا وإن كان ظالما لا تأويل له فلا يحل دفع ظلمه بما فيه فتنة بين الأمة وبما فيه شر أعظم من ظلمه, بل يؤمر المظلوم ها هنا بالصبر فإن ذلك في حقه محنة وفتنة وإنما يقع المظلوم في هذا لجزعه وضعف صبره أو لقلة علمه وضعف رأيه فإنه قد يحجب أن القتال ونحوه من الفتن يدفع الظلم عنه ولا يعلم أنه يضاعف الشر كما هو الواقع.. وذلك أن المظلوم وإن كان مأذونا له في دفع الظلم عنه فذلك مشروط بشرطين: أحدهما القدرة على ذلك, والثاني ألا يعتدى. فإذا كان عاجزا أو كان الانتصار يفضى إلى عدوان زائد لم يجز.. ومع ذلك فيجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب إظهار السنة والشريعة والنهي عن البدعة والضلالة بحسب الإمكان, كما دل على وجوب ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة, وكثير من الناس قد يرى تعارض الشريعة في ذلك, فيرى أن الأمر والنهي لا يقوم إلا بفتنة, فإما أن يؤمر بهما جميعا أو ينهى عنهما جميعا وليس كذلك بل يؤمر وينهى ويصبر عن الفتنة.."[2].

القاعدة السابعة: البغاة المتأولون مجتهدون مغفور لهم والمبغي عليه في موضع بلاء, وذلك ما لم يبلغ الاجتهاد مبلغ الفتنة والفرقة فإنهما لا يقعان بمجرد الاجتهاد.

قال رحمه الله في الاستقامة: " فصل فيما اختلف فيه المؤمنون من الأقوال والافعال في الأصول والفروع فإن هذا من أعظم أصول الإسلام الذي هو معرفة الجماعة وحكم الفرقة والتقاتل والتكفير والتلاعن والتباغض وغير ذلك. فنقول هذا الباب أصله المحرم فيه من البغي..
ومن هذا الباب ما هو من باب التأويل والاجتهاد الذي يكون الإنسان مستفرغا فيه وسعه علما وعملا , ثم الإنسان قد يبلغ ذلك ولا يعرف الحق في المسائل الخبرية الاعتقادية وفي المسائل العملية الاقتصادية, والله سبحانه قد تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان..ثم إنه من مسائل الخلاف ما يتضمن أن اعتقاد أحدهما يوجب عليه بغض الآخر ولعنه أو تفسيقه أو تكفيره أو قتاله فإذا فعل ذلك مجتهدا مخطئا كان خطؤه مغفورا له وكان ذلك في حق الآخر محنة في حقه وفتنة وبلاء ابتلاه به, وهذه حال البغاة المتأولين مع أهل العدل سواء كان ذلك بين أهل اليد والقتال من الأمراء ونحوهم أو بين أهل اللسان والعمل من العلماء والعباد ونحوهم وبين من يجمع الأمرين. ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغى لا لمجرد الاجتهاد, كما قال تعالى وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم [ سورة آل عمران 19 ] .. ولهذا نهى النبي ص عن القتال في الفتنة, وكان ذلك من أصول السنة وهذا مذهب أهل السنة والحديث وأئمة اهل المدينة من فقهائهم وغيرهم, ومن الفقهاء من ذهب إلى أن ذلك يكون مع وجود العلم التام من أحدهما والبغى من الآخر فيجب القتال مع العادل حينئذ.."

[الخلاصة مما سبق والتوصيات]

1- أهمية وضرورة نصب الإمام وإقامة إمرة شرعية ينتظم تحتها المجاهدون, وأهمية ما كان سبباً لذلك كإقامة مجلس الشورى واجتماع أهل الحل والعقد وتفاهمهم.
2- أهمية اجتماع أهل الحل والعقد من شتى الجماعات والعلماء والوجهاء للنيابة عن الإمام في تحكيم الشرع بين المتنازعين والقيام بكثير من الفروض والوظائف الضرورية المنوطة به.
3- وجوب التأني والتدقيق في إطلاق الأوصاف التي يترتب عليها آثار خطيرة كالمقاتلة مثل البغي والردة, ووجوب اعتبار التأويل وإزالة اللبس عند وجوده, ومراعاة مآلات إطلاق الأوصاف وسوء الفهم الذي قد ينشأ عن ذلك.
4- ضرورة التحرّي والتثبّت قبل الكلام في أي واقعة, ووجوب الكف عند عدم الوضوح.
5- وجوب الكف عن الكلام في مسائل الردة والبغي دون علم بشروط وضوابط ذلك, وضرورة مراعاة الأحكام الاستثنائية في حالات انعدام الإمام ووجود اللبس والتأويلات, وهذا لا يتأتي لكثير من الخائضين في هذه المسائل في وسائل الإعلام ووسائل التواصل.
6- حرمة التحريض على سفك الدماء بحجة البغي أو الردة من عامة الناس والمتحزبين والمتعاطفين والمندفعين في وسائل التواصل ووسائل الإعلام, ووجوب الحثّ على حفظ الدماء ومنع الاقتتال, ومعالجة الحوادث وفق الضوابط الشرعية بانضباط علمي وحياد.
7- يجب على أهل العلم التصدّي لبيان الأحكام الشرعية بتجرّد ودون انحياز ومواقف مسبقة, مع تنحية العاطفة والتحزّب والالتزام بالضوابط العلمية في الإطلاقات والمواقف مع الموافق والمخالف.
8- ليس كل قتال يوجب القتال وليس كل قتال يوجب الوصف بالبغي الموجب للمقاتلة أو الردة, حتى لو كانت الجماعة التي تعرّضت للقتال تدعو لتحكيم الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية, فللقتال أسباب واحتمالات وتأويلات كثيرة والأصل في الأمور العارضة العدم والأصل حمل المسلمين على السلامة واليقين لا يزول بالشك.
9- الواجب أمام الاقتتال الإصلاح وتحكيم الشرع وإزالة اللبس والتأويلات, ويتأكّد وجوب مراعاة التأويل عند حصول اللبس وظن كل طائفة أنّها على الحق.
10- كثير من الاقتتال الواقع بين المسلمين يوجب الاعتزال وكفّ اليد كما جاءت بذلك الأحاديث, ويتأكد ذلك عند انعدام الإمام وعدم اتضاح المحق من المبطل أو ظن كل طائفة أنّها على الحق, وفي هذه الأحوال تراعى المآلات ويجب البعد عن ما من شأنه إيهام جواز الاقتتال, كالوصف بالبغي لأحد الطائفتين دون الأخرى والتعريض بقتالها, والوصف الأليق هنا هو الفتنة. ويجب معها النصح والسعي في الإصلاح وتهدئة الأوضاع.
11- باب البغي والمقاتلة ينبني على ضوابط وأحكام دقيقة, كما تراعى فيه المآلات والمصالح والمفاسد.
12- الأصل قيام الإمام بمعالجة البغي وفق الضوابط والأحكام, وهذا يؤكّد وجوب الكفّ عن الخوض في ذلك من عامة الناس, وتركه عند انعدام الإمام إلى أهل الحل والعقد الذين يتأكّد عليهم التصدّي لفروض الكفاية ومهام منصب الإمام الضرورية عند انعدامه, مع السعي في إقامته.
13- عند انعدام الإمام واقتتال طائفتين فإنّه لا يمكن إطلاق البغي على أحدهما دون الأخرى إلا إذا قاتلت عدواناً محضاً وانعدم في حقّها التأويل الذي يمنع ظهور كونها مبطلة والأخرى محقّة.
14- قيام جماعة بالسيطرة على نواحٍ ونصب إمام فيها بتأويل لا يعدّ بغياً يوجب المقاتلة, وإن كان الواجب الشورى وقيام أهل الحل والعقد بمهمة تنصيب الإمام.
15- الاشتراك في التظالم أو وجود الشبه والتأويلات والغلط يوجب السعي بالإصلاح لا الانحياز لطائفة دون أخرى.
16- الواجب التثبت في دعاوى الظلم من خلال السماع من الخصم وغيره.
17- الواجب رد الظلم بالرفق إن أمكن بصلح أو حكم بالقسط, ولا يحل القتال إذا كان بغي القتال يندفع بدونه, وإذا اندفع ببعضه لم يحل جميعه.
18- مجرد البغي لا يبيح القتال وإنما بالبغي بعد الاقتتال والامتناع عن الصلح, ويكف عنه إذا فاءت الطائفة الباغية.
19- قتال الطائفة التي تبغي بعد الإصلاح هو لأجل دفع قتال أعظم يتولّد من تركها تقتتل هي والأخرى دفعا لأعلى المفسدتين.
20- يرى ابن تيمية أنّه لا يؤمر بقتال الفئة الباغية إن كان عاجزا عن قتالها حتى تفئ إلى أمر الله, كما هو الحال في قتال الفتنة.
21- قرّر ابن تيمية أنّ التأويل يمنع تفسيق البغاة, والبغاة المتأولون مجتهدون مغفور لهم, والمبغي عليه في موضع بلاء, وذلك ما لم يبلغ الاجتهاد مبلغ الفتنة والفرقة فإنهما لا يقعان بمجرد الاجتهاد.
22- يجب على المسلمين عامة والعلماء وطلاّب العلم ووجهاء الناس خاصة السعي في الإصلاح وتهيئة أجوائه والكف عن كل ما يثير الضغائن ويؤدي لسوء الفهم وزيادة التوتّر.
23- يجب على قادة الكتائب وجنودهم تقوى الله سبحانه والكف عن القتال فيما لا يحل ولا طاعة إلا في المعروف, ويجب عليهم اتخاذ أسباب الاجتماع وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, فيلزمهم نصب الإمام والانتظام تحت أمرته, ويلزمهم لذلك تجميع أهل الحل والعقد وتنسيق الجهود التي تؤدي لذلك, ويلزم لذلك كل ما يستلزمه من جهد علمي وفكري وبحثي وتنسيقي, ولو بتخصيص كوادر ومكاتب خاصة بهذا الشأن يتولاّها حكماء متجردون يحملون هم جمع الكلمة.
24- يجب على أهل العلم القيام بمسؤولية البيان وتوضيح اللبس وتقريب العلم للناس ليتحقّق تحكيم الشرع وتقلّ الالتباسات والتأويلات التي لو تركت تؤدي للفتن والتنازع والاقتتال.

هذا والله المسؤول أن يصلح هذا العمل وينفع به, وأن يغفر لي ما فيه من زلل, كتبته على ضيق الوقت وقلّة البضاعة لعلّ الله أن يجعله ذخراً ويدفع به شراً. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.
و

كتبه/ أبو محمد طارق عنقاوي
محاضر وباحث في الفقه
لإبداء الملاحظات بدون معرفة المرسل:

http://sayat.me/ttangawi





[1] طريقة القرطبي تناسب هذا النوع من البغي الذي لا يكون الإمام طرفاً فيه, مع أنّه لم يقيد كلامه بهذا النوع بل جاء عاماً, ويكفيني هنا شموله لهذا النوع.
[2] تتمة كلامه رحمه الله المحذوف اختصاراً أورده بالهامش للفائدة: " ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر, فالفتنة إما من ترك الحق وإما من ترك الصبر, فالمظلوم المحق الذي لا يقصر في علمه يؤمر بالصبر فإذا لم يصبر فقد ترك المأمور, وإن كان مجتهدا في معرفة الحق ولم يصبر فليس هذا بوجه الحق مطلقا لكن هذا وجه نوع حق فيما أصابه فينبغي أن يصبر عليه, وإن كان مقصرا في معرفة الحق فصارت ثلاثة ذنوب أنه لم يجتهد في معرفة الحق وأنه لم يصبه وأنه لم يصبر, وقد يكون مصيبا فيما عرفه من الحق فيما يتعلق بنفسه ولم يكن مصيبا في معرفة حكم الله في غيره وذلك بأن يكون قد علم الحق في أصل يختلف فيه بسماع وخبر أو بقياس ونظر أو بمعرفة وبصر ويظن مع ذلك أن ذلك الغير التارك للإقرار بذلك الحق عاص أو فاسق أو كافر ولا يكون الأمر كذلك لأن ذلك الغير يكون مجتهدا قد استفرغ وسعه ولا يقدر على معرفة الأول لعدم المقتضى ووجود المانع ".
 

أم طارق

:: رئيسة فريق طالبات العلم ::
طاقم الإدارة
إنضم
11 أكتوبر 2008
المشاركات
7,422
الجنس
أنثى
الكنية
أم طارق
التخصص
دراسات إسلامية
الدولة
السعودية
المدينة
الرياض
المذهب الفقهي
سني
رد: الوصف بالبغي والردة وآثاره في الواقع السوري وأهمية مراعاة التأويل

بارك الله فيكم
البحث يحتاج إلى تنسيق وتقسيم إلى مقاطع ليسهل على القارئ الاطلاع عليه
 
إنضم
31 مارس 2009
المشاركات
78
الكنية
أبو محمد
التخصص
الفقه
المدينة
مكة
المذهب الفقهي
---
رد: الوصف بالبغي والردة وآثاره في الواقع السوري وأهمية مراعاة التأويل

بارك الله فيكم
البحث يحتاج إلى تنسيق وتقسيم إلى مقاطع ليسهل على القارئ الاطلاع عليه

وإياكم
وضعته منسقا وعندما نشر ظهر هكذا. أشكرك على التنبيه وسأعدله قريبا.
 

زياد العراقي

:: مشرف ::
إنضم
21 نوفمبر 2011
المشاركات
3,601
الجنس
ذكر
التخصص
...
الدولة
العراق
المدينة
؟
المذهب الفقهي
المذهب الشافعي
رد: الوصف بالبغي والردة وآثاره في الواقع السوري وأهمية مراعاة التأويل

لو قسم الى عدة مشاركات مع إرفاقه كاملا في ملف لكان أفضل
 
إنضم
4 ديسمبر 2011
المشاركات
451
التخصص
الوعظ والارشاد
المدينة
المسيلة
المذهب الفقهي
مالكي
رد: الوصف بالبغي والردة وآثاره في الواقع السوري وأهمية مراعاة التأويل

شكرا لكما ام طارق وزياد طارق وهو كذالك كما اشرتما الى هذا التنبيه ليسهل على المطلع وعلى القاريء قراءة متأنية وبارك الله فيكم جميعا
 
إنضم
31 مارس 2009
المشاركات
78
الكنية
أبو محمد
التخصص
الفقه
المدينة
مكة
المذهب الفقهي
---
رد: الوصف بالبغي والردة وآثاره في الواقع السوري وأهمية مراعاة التأويل

تم التعديل.

وأشير إلى أن الكتابة أعلاه عبارة عن مقال موسع لا بحث, وتهمني الملاحظات والنقد لكي أستفيد في كتابات أوسع مستقبلا, اسأل الله أن ييسرها.
 
أعلى