العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

بين الشافعي والجصاص

إنضم
31 مارس 2009
المشاركات
1,244
الإقامة
عدن
الجنس
ذكر
الكنية
أبو عبد الرحمن
التخصص
لغة فرنسية دبلوم فني مختبر
الدولة
اليمن
المدينة
عدن
المذهب الفقهي
شافعي
السلام عليكم ورحمة الله:
أثناء مطالعتي في منتدى الأصلين منتدى الفقه الشافعي، رأيت مشاركة قديمة لأحد المشاركين تحت عنوان (الجصّاص الحنفي عنيف معكم ) يذكر فيها تعقيب للجصاص على مناظرة جرت بين الشافعي وبعضهم، والظاهر أنه محمد بن الحسن الشيبان صاحب أبي حنيفة، حول الزنا هل يحرم به ما يحرم بالنكاح من أم وبنت وأخت وغيرهن أم لا. تعقب فيها على الشافعي بشدة. وختم المشارك مشاركته بقوله : "وكلامه يحتاج إلى رد منكم---فما رأيكم يا شافعيّة؟"
ومع محاولة الأخ المشارك دفع الشافعية للرد على، فلم يفعل الأخوة الشافعية شيئاً سوى التباكي والاعتذار بأن هناك مخطوطات شافعية اعتنت بالردود على الخصوم، فلعلهم ردوا فيها على الجصاص! وأنها لا زالت مخطوطة. وهذا ليس بشيء.
ووجدت في نفس الرغبة في الجواب على ما أورده الجصاص، لما رأيته من صنيع الأخوة الشافعية الموهم بأن الرد عليه متعذر أو متعسر، إلا بخروج تلك المخطوطات التي لعلها تحمل رداً شافياً. مع أن الرد عليه يسير، وما طبع من كتب الشافعية كافٍ وافٍ في بيان ذلك.
فأقول: لا بُدَّ أولاً من إيراد المناظر التي جرت بين الشافعي وبعض الناس بلفظها من كتبه وكتب أصحابه، وتسطير ما حذفه الجصاص مما له تعلق بها، وإرجاع النصوص إلى أصلها، لا كما حكاها الجصاص في بعض المواضع بحيث اختلف معناها، وغمض وجه الاستدلال بها.
قال الشافعي رحمه الله كما في (الأم) 6/398 : "الْخِلَافُ فِيمَا يُؤْتَى بالزنى * وَقُلْنَا إذَا نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً حُرِّمَتْ على ابْنِهِ وَأَبِيهِ وَحُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا بِمَا حَكَيْت من قَوْلِ اللَّهِ عز وجل.
( قال ) فَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ أو أُمِّ امْرَأَتِهِ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَا تَحْرُمُ عليه امْرَأَتُهُ وَلَا على أبيه ، وَلَا على ابْنِهِ امْرَأَتُهُ لو زَنَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل إنَّمَا حَرَّمَ بِحُرْمَةِ الْحَلَالِ تعزيزا لِحَلَالِهِ وَزِيَادَةً في نِعْمَتِهِ بِمَا أَبَاحَ منه بِأَنْ أَثْبَت بِهِ الْحُرُمَ التي لم تَكُنْ قَبْلَهُ ، وَأَوْجَبَ بها الْحُقُوقَ وَالْحَرَامُ خِلَافُ الْحَلَالِ.
وقال بَعْضُ الناس: إذَا زَنَى الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ حُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا وَابْنَتُهَا. وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا امْرَأَتَاهُمَا، وَكَذَلِكَ إنْ قَبَّلَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، أو لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ فَهُوَ مِثْلُ الزنا، وَالزِّنَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ.
فقال لي: لِمَ قُلْت: إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ؟

فَقُلْت له: اسْتِدْلَالًا بِكِتَابِ اللَّهِ عز وجل، وَالْقِيَاسُ على ما أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عليه بِمَا هو في مَعْنَاهُ، وَالْمَعْقُولُ، وَالْأَكْثَرُ من قَوْلِ أَهْلِ دَارِ السُّنَّةِ وَالْهِجْرَةِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ.
قال : فَأَوْجَدَنِي ما وَصَفْت.
قُلْت قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَلَا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُمْ من النِّسَاءِ } وقال تَعَالَى { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } وقال { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي في حُجُورِكُمْ من نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } أَفَلَسْت تَجِدُ التَّنْزِيلَ إنَّمَا حَرَّمَ من سَمَّى بِالنِّكَاحِ أو النِّكَاحِ وَالدُّخُولِ؟
قال: بَلَى.
قُلْت أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسمه حَرَّمَ بِالْحَلَالِ شيئا، فَأُحَرِّمُهُ بِالْحَرَامِ؟ وَالْحَرَامُ ضِدُّ الْحَلَالِ!
فقال لي: فما فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؟
قُلْت: فَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا.
قال: فَأَيْنَ؟
قُلْت: وَجَدْت اللَّهَ عز وجل نَدَبَ إلَى النِّكَاحِ وَأَمَرَ بِهِ، وَجَعَلَهُ سَبَبَ النَّسَبِ، وَالصِّهْرِ، وَالْأُلْفَةِ، وَالسَّكَنِ، وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُرُمَ، وَالْحَقَّ لِبَعْضٍ على بَعْضٍ بِالْمَوَارِيثِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالْمَهْرِ، وَحَقِّ الزَّوْجِ بِالطَّاعَةِ، وَإِبَاحَةِ ما كان مُحَرَّمًا قبل النِّكَاحِ.
قال: نعم.
قُلْت: وَوَجَدْت اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الزنى فقال { وَلَا تَقْرَبُوا الزنى إنَّهُ كان فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا }.
فقال أَجِدُ جِمَاعًا وَجِمَاعًا فَأَقِيسُ أَحَدَ الْجِمَاعَيْنِ بِالْآخَرِ.
قُلْت: فَقَدْ وَجَدْت جِمَاعًا حَلَالًا حَمِدْت بِهِ وَوَجَدْت جِمَاعًا حَرَامًا رَجَمْت بِهِ صَاحِبَهُ، أَفَرَأَيْتُك قِسْته بِهِ
." انتهى المراد نقله. (الأم) 6/398-399.
قول الشافعي : " وَقُلْنَا إذَا نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً حُرِّمَتْ على ابْنِهِ وَأَبِيهِ وَحُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا بِمَا حَكَيْت من قَوْلِ اللَّهِ عز وجل.
( قال ) فَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ أو أُمِّ امْرَأَتِهِ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَا تَحْرُمُ عليه امْرَأَتُهُ وَلَا على أبيه ، وَلَا على ابْنِهِ امْرَأَتُهُ لو زَنَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل إنَّمَا حَرَّمَ بِحُرْمَةِ الْحَلَالِ تعزيزا لِحَلَالِهِ وَزِيَادَةً في نِعْمَتِهِ بِمَا أَبَاحَ منه بِأَنْ أَثْبَت بِهِ الْحُرُمَ التي لم تَكُنْ قَبْلَهُ ، وَأَوْجَبَ بها الْحُقُوقَ وَالْحَرَامُ خِلَافُ الْحَلَالِ
."
لم يورده الجصاص، وفيه التصريح بعلة تحريم الأصهار من النساء بالدخول بالنكاح الصحيح، وهو قوله "..لأن الله عز وجل إنما حرم بحرمة الحلال تعزيزاً لحلاله، وزيادة في نعمته بما أباح منه..." إلى آخر الكلام. وهذا غاية في الأهمية كما سيأتي معك.
كما أن الشافعي أورد حكم تحريم نكاح الأصهار من النساء بالنكاح الحلال مع أنه ليس موضوع الباب، ليبين الفرق بينه وبين الزنا. وهذا تقعيد لما سيأتي لاحقاً، لأن خصم الشافعي يحتج بقياس الزنا على النكاح الحلال، فيجعل ما يحرم بهذا عين ما يحرم بذاك في المسألة. وإن كان خصمك يستدل بالقياس، فأنت محتاج إلى بيان الفرق بين الأصل والفرع المقيس عليه، فإن بان ذلك بان بطلان هذا القياس.
ثم إنه رحمه الله حكى قول من يخالفه فقال : " وقال بَعْضُ الناس: إذَا زَنَى الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ حُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا وَابْنَتُهَا. وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا امْرَأَتَاهُمَا، وَكَذَلِكَ إنْ قَبَّلَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، أو لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ فَهُوَ مِثْلُ الزنا، وَالزِّنَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ.
فقال لي: لِمَ قُلْت: إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ؟
"
فقول المخالف: والزنا الحرام يحلل ما يحرم الحلال؟ ظاهره الاستدلال بقياس الزنا على النكاح، فيحرم بأحدهما ما يحرم بالآخر.
وهكذا السؤال. فإن معناه كما ترى: لم قلت أن الحرام ليس كالحلال في التحريم. أو لِمَ قلت أن الحرام لا يحرم الحلال، كما قلت في الحلال أنه يحرمه. ونحو ذلك مما يدل بظاهره أنه استفسر الشافعي لِمَ لم يقس أحد الأمرين بالآخر. إذ الحلال في السؤال كما حكاه الشافعي في (الأم) المراد به الدخول الأول بالنكاح، الذي يحرم به نكاح الأصهار من النساء، ولا معنى لذكره لو لم يرد القياس عليه، ولكان يكتفي بقوله: "لِمَ قُلْتَ إن الحرام لا يحرم الحلال؟" كما حكاه الجصاص مغيراً للفظ الشافعي، فإن الحلال في هذا السؤال ليس هو الدخول بالنكاح الأول الذي يحرم به نكاح الأصهار من النساء، بل هو نفس نكاح الأصهار من النساء.
والفرق بين الصيغتين، أن السائل في الأولى يسأل عن سبب المنع من قياس الدخول بالزنا على الدخول بالنكاح. وفي الصيغة الثانية، إنما يسألة عد سبب عدم التحريم بنفس الزنا، من دون نظر إلى حكم نكاح لأصهار بالدخول بالنكاح الصحيح.
فضيع الجصاص فائدة جواب الشافعي، وحاول أن يوهم في أول الحوار أن جواب الشافعي إنما أراد به بيان حكم نكاح أو إمساك أم المزني بها وبناتها وأخواتها وغيرهن ممن حرم الله الجمع بينهن بما سرده من الآيات، وبما ذكره من الفرق بينهما. بينما غرض الشافعي إبطال قياس إحدى المسألتين على الأخرى، لأنه مورد السؤال. وإن لم يتم القياس بقي حكم نكاح المذكورات أو إمساكهن على الأصل، وهو الحل.
فإن لم يقنع القارئ، ورأى أن هذا كله محتمل، فيكفيه أن يرجع إلى حكاية الشافعي للمناظرة برواية المزني عنه حيث قال : "قَالَ لِي قَائِلٌ يَقُولُ : لَوْ قَبَّلَتِ امْرَأَتُهُ ابْنَهُ بِشَهْوَةٍ حَرُمَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَبَدًا ، لِمَ قُلْتَ لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ ؟ قُلْتُ: مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا حَرَّمَ أَمَهَاتِ نِسَائِكُمْ وَنَحْوَهَا بِالنِّكَاحِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ الْحَرَامُ بِالْحَلَالِ"
فبين الشافعي أن جوابه في المناظرة كان على سبيل قطع التسوية بين النكاح والزنا ومنع قياس الأخرى بالأولى.
وعليه فقول الجصاص 3/56 : "تلا الشافعي آية التحريم بالنكاح والدخول، وآية تحريم الزنا، وهذان الحكمان غير مختلف فيهما، أعني إباحة النكاح والدخول وتحريم الزنا، وليس في ذلك دلالة على موضع الخلاف في المسألة" لا معنى له. وذلك أن موضع الخلاف كما قدمناه هو قياس أحد الحكمين على الآخر، وسؤال السائل عنه كما بيناه. لا حكم التحريم بالزنا معزولاً عن التحريم بالدخول بالنكاح الصحيح كما يوهمه الجصاص.
فإن محاور الشافعي بنى المسألة على قياس أحد الحكمين المذكورين على الآخر كما بينته؛ ولم ينازع في أن الآيات لا تشمل الزنا؛ وخالف الشافعيُّ فلم يبني أحد الحكمين على الآخر، فسأله خصمه عن سبب ذلك، فكان بيان افتراق حكم المسألتين كافياً في إبطال ذلك القياس. فتبقى الآية دالة على حل ما ورائها مما لم يذكر، وذلك صريح في قوله تعالى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ }.
وهكذا عامة ما ذكره الجصاص، فإنه بناه على أن الشافعي يتكلم عن حكم التحريم بالزنا استقلالاً، وهو خطأ بين.
فقول الجصاص 3/56 : "لأن إباحة النكاح والدخول وإيجاب التحريم بهما ليس فيه أن التحريم لا يقع بغيرهما، كما لم ينفِ التحريم بالوطئ بملك اليمين"
لا علاقة له بكلام الشافعي أصلاً، لأنه إنما تكلم عن قياس محاوره لإحدى المسألتين بالأخرى، ولم يستدل محاوره بالخبر أو غيره حتى يستدرك عليه بجواز وقوع التحريم بغير القياس. وإنما اقتصر الحوار على بطلان مساواة النكاح والدخول بالزنا، فلا يقاس أحدهما بالآخر. وسيأتي معنا الكلام على الأخبار، وتعلم مدى علم الجصاص بمراتب النصوص. ولعل محاور الشافعي لما عَلِمَ أحوال هذه الأخبار، لم يستحل الاحتجاج بها، مع ما للشافعي من حسن معرفة بالأخبار، وملازمته للعارفين بها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن استقر عند الشافعي أنه لا يوجد دليل خارجي يخالف ما جاءت به الآيتان، كانتا دليلاً له بالقصر. أي أن الآيتين قصرتا الحكم على الدخول بالنكاح، فغيره لا يدخل في حكمه. وهو من الاستدلال بمفهو المخالفة. فقوله تعالى { وَلَا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُمْ من النِّسَاءِ } دال بمهومه على جواز نكاح ما لم ينكح آباؤنا، وإلا لم يكن للتقييد بالنكاح معنى، وهذا مبني على أن النكاح في الآية بمعنى العقد، وهو كذلك عندنا، وقال تَعَالَى { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } دليل على جواز نكاح ما لا يحل لأبنائنا. فإن قيل: إن خصم الشافعي لا يقول بمفهوم المخالفة. قلنا: الجواب من وجهين:
الأول: أن الخصم سأل الشافعي لِمَ لم يقس الزنا على النكاح. فهو سؤال عن مذهب الشافعي في هذا القياس، ومذهبه مبني على قواعده، لا على قواعد السائل.
الثاني: أنه على فرض بطلان القول بمفهوم المخالفة، فإيراد الشافعي للآيتين صحيح أيضاً، وذلك أن الآيتين علقتا الحكم بالوطء الحلال، فإيراهما يكون لبيان عدم تعلقهما بالزنا. وهذا كما قال خصمه في زكاة السائمة وغير السائمة، فإن الحنفية مع عدم قولهم بمفهوم المخالفة قالوا ليس في غير السائمة زكاة، لا من جهة أن قوله صلى الله عليه وسلم (في السائمة الزكاة) ينفي الزكاة عن غيرها، بل من جهة عدم شموله لغيرها. فكذلك هنا.
فإن قيل: إن هذا صحيح لو لم يكن ثم دليل آخر دال على دخول حكم الزنا بالنكاح في مسألتنا، ونحن ندعي وجوده.
قلنا: إن كان هو القياس، فقد أبطله الشافعي بما تقدم وسيأتي. وإن كان غيره، فلم يحتج به خصم الشافعي، فلا يُسْتَدْرَكُ به عليه. وسيأتي معك حال هذه الأدلة الخارجية.
هذا وقد أخطأ الجصاص بالتمثيل بملك اليمين، فإن الشافعي علل المنع من القياس الذي استدل به محاوره باختلاف الحكمين حلاً وحرمة، وبأنه يثبت بالنكاح والدخول ما لا يثبت بالزنا من نسب وصهر وألفة وسكن وحُرَم ومواريث ومهر وحق الزوج بالطاعة، وإباحة ما كان محرماً قبل النكاح. وأكثر هذه المعاني ثابت بالوطئ بملك اليمين فهما متفقان في الحل وثبوت النسب والميراث وحق الطاعة وإباحة ما كان محرماً قبل ملك اليمين، وغير ذلك. فثبت أن قياس الموطوءة بملك اليمين بالمدخول بها بعقد النكاح صحيح، بخلاف قياس الزنا بالنكاح والدخول، فتبقى أرحام المزني بها المذكورات آنفاً على أصل الحل بدليل الآية.
هذا على فرض أن ما استدل به الشافعي من كتاب الله لم يشمل ملك اليمين بلفظه، وإلا فإن قوله جل وعلا { تنكحوا } إن كان المراد به الوطء، فهو شامل لما كان بعقد النكاح ولما كان بملك اليمين، وهكذا قوله عز وجل : { وأمهات نسائكم } وقوله : { وحلائل أبنائكم } فإنها تشمل أزواجهم وما ملكت أيمانهم.
فإن قيل : لو فسرتم { تنكحوا } بالوطء، دخل فيه الوطء بالزنا. قلنا: المقابلة بقوله { وحلائل أبنائكم } تمنعه، وإلا كان المعنى أن من زنا بها الأب محرمة عليكم، ومن زنا بها الابن لا تحرم. فإن قيل : نحن نقول تحرم. قلنا : بدليل خارجي غير نظم القرآن. فيبقى النظم ركيكاً دالاً على باطل عندنا وعندكم، وهو حرمة موطوءة الأب بالزنا، وحل موطوءة الإبن بالزنا. فعندنا كل ذلك حلال، وعندكم كل ذلك حرام.
ومن جنس هذا قول الجصاص 3/56 : "وتحريم الله تعالى للزنا، لا يفيد أن التحريم لا يقع إلا به، فإذاً ليس في ظاهر تلاوة الآيتين نفي لتحريم النكاح بوطء الزنا؛ لأن آية الزنا إنما فيها تحريم الزنا، وليس تحريم الزنا عبارة عن نفي إيجابه لتحريم النكاح ولا في إيجاب التحريم بالنكاح والدخول نفي لإيجابه بغيرهما. فإذاً لا دلالة فيما تلاه من الآيتين على موضع الخلاف، ولا جواباً للسائل الذي سأله عن الدلالة على صحة قوله"
فإنه بناه على ما قدمناه من كون الشافعي يتكلم عن حكم التحريم بالدخول بالزنا استقلالاً، مع أنه يجيب عن سبب عدم قياسه ذلك على التحريم بالدخول بالنكاح. هذا وقد قدمنا دلالة الآيتين على مراد الشافعي على كل فرض.
وسقط بهذا قول الجصاص 3/57 : "والسائل لم يشكل عليه إباحة النكاح وتحريم الزنا، وإنما سأله عن وجه الدلالة من الآية على ما ذكر، فلم يُبين ـ أي الشافعي ـ وجهها، واشتغل بأن هذا محرم وهذا حلال ..."
لأنه بناه على أن السائل إنما استفسر عن دليل الشافعي على قوله. وليس كذلك بل إنما كان يسأله عن سبب عدم قياسه أحد الحكمين على الآخر.
على أن الجصاص عاد فقال 3/57 : " ... وإنما سأله أن يفرق بينهما في امتناع جواز اجتماعهما في إيجاب تحريم النكاح، فإن الشافعي لم يجبه عن ذلك، ولم يزده على تلاوة الآيتين في الإباحة والحظر، وإن الحلال ضد الحرام، إذ ليس في كون الحلال ضد الحرام ما يمنع اجتماعهما في إيجاب التحريم، ألا ترى أن الوطء بالنكاح الفاسد هو حرام، ووطئ الحائض حرام بنص التنزيل، واتفاق المسلمين، وهو ضد الوطء الحلال، وهما متساويان في إيجاب التحريم. والطلاق في الحيض ومحضور في الطهر قبل الجماع مباح، وهما متساويان في إيجاب التحريم"
وهذا عجيب غاية، فإن قوله : ".. وإنما سأله أن يفرق بينهما" دليل على أن الجصاص كان فاهماً أن المناظرة كانت جارية حول الفرق بين المسألتين المانع من القياس، وأن السؤال كان عن ذلك، ثم تعامى عن ذلك وأوهم في أول الأمر أن السؤال كان عن حكم التحريم بالزنا من غير نظر إلى قياس حكم أحدى المسألتين على الأخرى. فهدم بهذه العبارة كلما ذكره سابقاً.
أما استشكاله عدم التسوية بين المسألتين في أيجاب الحكم نفسه لمجرد التفرقة بينهما بالحل والحرمة، فهو منه غاية في العجب، وذلك لأنه بناه على أن نفس حكم الحل في النكاح، ونفس حكم الحرمة في الزنا هو سبب التفرقة بين الأصل وفرعه ومنع قياس الثاني على الأول. وليس في كلام الشافعي كما حكيناه ما يدل عليه أصلاً، لا بنص ولا ظاهر.
ولا يخفاك أن الحكم الشرعي مجرداً هو نفسه يفتقر إلى علة، فتلك العلة هي سبب التفرقة لا نفس الحكم.
وعلى فرض أنه استدل بنفس الفرق بين الحكمين، فإنما يعاب ذلك أن لو اقتصر عليه، ولم يفعل.
وقد نص الشافعي قبل المناظرة على علة التحريم بالنكاح دون الزنا كما قدمناه، فقال : ".. لأن الله عز وجل إنما حرم بحرمة الحلال تعزيزاً لحلاله، وزيادة في نعمته بما أباح منه، بأن أثبته به الحرم التي لم تكن قبله، وأوجب بها الحقوق، والحرام خلاف ذلك"
ويشبه عندي أن يكون الجصاص قرأ هذا الكلام فلم يفهمه وتجاوزه، إلا أن يقال : إنه قرأه وتجاهله. ومعنى كلام الشافعي أن النكاح حلال شرعاً، والوطء الحاصل به من نعم الله الحاصلة بذلك الحلال، فلما حرم الله جل وعلا على الإبن مثلاً ما نكح أبيه من النساء بالحلال، فإنه يسعى إلى نكاح غيرهن بالحلال أيضاً، فيكون النكاح الحاصل بمنع الإبن من نساء أبيه أكثر من النكاح الحاصل بإباحة نكاحه لما نكح أبيه، فهذا تكثير للنكاح الحلال، ويتبعه حصول الوطء الذي هو من نعم الله المباحة بالنكاح، وهو بتحريم ما وطء الأب بالحلال أكثر منه إذا أبحناه، لحصوله لعدد أكبر من النسوة، وكل ذلك حاصل بتحريم ما كان مباحاً قبله. ومن جنس ذلك أيضاً الحقوق الثابتة بذلك النكاح كثبوت النسب والطاعة وغير ذلك. فهذا معنى قوله رحمه الله " تعزيزاً لحلاله، وزيادة في نعمته"
كما أتبع ذلك في حواره بأن النكاح مندوب إليه، ولا شك أن المندوب نوع عبادة، والنكاح عبادة عند خصومه كالجصاص، والزنا ليس بعبادة.
فهذه هي علة التحريم بالوطء بالنكاح، وكل ذلك معدوم في الوطء بالزنا، فخالف حكمه.
فتأمل ما أحسن فقه الشافعي.
وذكرني هذا بما يحكى من أن الإمام الطحاوي رحمه الله إنما انتقل عن المذهب الشافعي من أجل مسألة قرأها على خاله المزني لم يفهما، فقربها له المزني وبالغ في تقريبها، فلا زال الطحاوي مع المسألة إلا كالجصاص مع مسألتنا هذه. فإن الشافعي قد قربها لمحاوره والجصاص يقرأ ذلك، ولا يزال يقربها لخصمه كلما سأله عن زيادة بيان للفرق بين المسألتين، والجصاص يقرأ كل ذلك، فلا خصم الشافعي رجع عن قوله، ولا الجصاص فهم ما يقرأ. إلا أن يقال فهم وعاند، وقدره أكبر من هذا.
بل زاد ضغثاً على إبالة، ورمياً في جهالة حيث قال : " ألا ترى أن الوطء بالنكاح الفاسد هو حرام، ووطئ الحائض حرام بنص التنزيل، واتفاق المسلمين، وهو ضد الوطء الحلال، وهما متساويان في إيجاب التحريم. والطلاق في الحيض محضور، في الطهر قبل الجماع مباح، وهما متساويان فيما يتعلق بهما من إيجاب التحريم"
فإنه يلزم خصمه بما لا يقول به، قال الحصني في (كفاية الأخيار) صفحة 417: "واعلم أن هذا التحريم محله في العقد الصحيح، أما النكاح الفاسد فلا تتعلق به حرمة المصاهرة؛ لأنه لا يفيد حل المنكوحة" انتهى.
فإن قال: أردت النكاح الفاسد إذا جهل الناكح فساده. قلنا: فهذا لا يقال فيه حرام، لأن الحل والحرمة في حق الناكح يكون عند علمه بذلك. أليس إذا شرب الرجل عصيراً حلالا يظنه خمراً يكون متعدياً، وإذا شربها يظنها عصيراً حلالاً وهي خمر فلا شيء عليه.
وعلى فرض تسليمه، فالقول به قياس صحيح؛ فإنه يثبت به النسب والميراث ومهر المثل ويسقط به الحد، وغير ذلك، كما هو الشأن في النكاح الصحيح. والزنا بخلاف ذلك كله.
وأطم منه التمثيل بالطلاق في الحيض، فإنه يعلم أن علة حظر الطلاق في الحيض غير علة الإباحة في الطهر الذي لم يجامعها فيه، والعلتان غير علة التحريم الواقع بهما. فأين هذا مما نحن فيه؟!
فإن اعتذر بأنه فهم من كلام الشافعي أنه يعلل بنفس الحل والحرمة، لا بعلتي الحل والحرمة. قلنا: لا زلت تفهم من كلام الإمام الشافعي الخطأ ثم تآخذه به!
وقول الجصاص: "ثم قال: الحرام ضد الحلال، فلما قال له السائل: فرق بينهما، قال: قد فرق الله بينهما لأن الله ندب إلى النكاح وحرم الزنا. فجعل فرق الله بينهما في التحليل والتحريم دليلاً على السائل، والسائل لم يشكل عليه إباحة النكاح وتحريم الزنا، وإنما سأله عن وجه الدلالة من الآية على ما ذكر، فلم يبين وجهها، واشتغل بأن هذا محرم وهذا حلال، فإن كان السائل من عمى القلب بالمحل الذي لم يعرف بين النكاح وبين الزنا فرقاً من وجه من الوجوه فملثله لا يستحق الجواب، لأنه مؤوف العقل ... "
أقول: اقتطع رحمه الله كلام الشافعي من سياقه اقتطاعاً قبيحاً، فإن الشافعي كما قدمنا لا يستدل بنفس الحل ونفس الحرمة، وعبارته كما أوردها هو : " قُلْت قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَلَا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُمْ من النِّسَاءِ } وقال تَعَالَى { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } وقال { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي في حُجُورِكُمْ من نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } أَفَلَسْت تَجِدُ التَّنْزِيلَ إنَّمَا حَرَّمَ من سَمَّى بِالنِّكَاحِ أو النِّكَاحِ وَالدُّخُولِ؟
قال: بَلَى.
قُلْت أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسمه حَرَّمَ بِالْحَلَالِ شيئا، فَأُحَرِّمُهُ بِالْحَرَامِ؟ وَالْحَرَامُ ضِدُّ الْحَلَالِ!"

وليس فيها ما يسعف الجصاص على دعواه، لذا اقتصر من كلام الشافعي على قوله : "والحرام ضد الحلال"!!!
فإن الشافعي رحمه الله بين أن الله جل وعلا قصر في كتابه التحريم بالنكاح الحلال، فكيف يجوز تعدية الحكم إلى الحرام. وهذا نفسه مبني على سبب التحريم والتحليل وقد تقدم معك. وكان السائل أعقل من الجصاص، فلم يعترض ويقول: أنا لست غبياً وأعلم أن الحرام غير الحلال، ولكني أسألك على الفرق المانع من القياس. كما أنه لو تغابى وسألى هذا السؤال، لكان الجواب، أن يقول الشافعي: قد بينت لك فرقاً عاماً، وهذا كافٍ، فلو أبيت إلا القياس فابغني الجامع بينهما.
وقول الجصاص : " فلما قال له السائل: فرق بينهما، قال: قد فرق الله بينهما لأن الله ندب إلى النكاح وحرم الزنا. فجعل فرق الله بينهما في التحليل والتحريم دليلاً على السائل"
ليس بصحيح، والجصاص يعلم ذلك، فعبارة الشافعي : " فقال لي: فما فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؟
قُلْت: فَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا.
قال: فَأَيْنَ؟
قُلْت: وَجَدْت اللَّهَ عز وجل نَدَبَ إلَى النِّكَاحِ وَأَمَرَ بِهِ، وَجَعَلَهُ سَبَبَ النَّسَبِ، وَالصِّهْرِ، وَالْأُلْفَةِ، وَالسَّكَنِ، وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُرُمَ، وَالْحَقَّ لِبَعْضٍ على بَعْضٍ بِالْمَوَارِيثِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالْمَهْرِ، وَحَقِّ الزَّوْجِ بِالطَّاعَةِ، وَإِبَاحَةِ ما كان مُحَرَّمًا قبل النِّكَاحِ.
قال: نعم.
قُلْت: وَوَجَدْت اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الزنى فقال { وَلَا تَقْرَبُوا الزنى إنَّهُ كان فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا }
"
فهل ترى الشافعي اقتصر على التحليل والتحريم؟
ولكن الجصاص علم أنه لو حكى عبارة الشافعي كما هي لعسر عليه ردها، لما فيها من الاستدلال بثبوت النسب والصهر والمواريث والنفقة والمهر وغير ذلك، وكله منتفٍ في الزنا.
والمرؤ يكاد ينفجر وهو يرى تعامي الجصاص عن نص يراه أمام عينيه، ثم يقتص منه لفظتين أو ثلاثة بحيث يستطيع أن يرد عليه بما يتيسر له، ثم يتبع ذلك بالتهويلات! وليته حين اقتص هذا الاقتصاص المخل أحسن الرد عليه، بل ترى الانتقاد يتوجه إلى كلامه من أكثر من وجه. وتقدم بعض ذلك.

قال الجصاص 3/57 : "فإن كان عند الشافعي القياس ممتنع في الضدين، فواجب أن لا يجتمعا أبداً في حكم واحد، ومعلوم أن في الشريعة اجتماع الضدين في حكم واحد، وإن كونهما ضدين لا يمنع اجتماعهما في أحكام كثيرة؛ ألا ترى أن ورود النص جائز، وما جاز ورود النص به ساغ القياس عليه عند قيام الدلالة عليه؟ فإذا لم يكن ممتنعاً في العقل ولا في الشرع اجتماع الضدين في حكم واحد فقوله: (إن الحلال ضد الحرا) ليس بموجب للفرق بينهما من حيث سأله السائل"
أقول : قد بينا فيما مضى أن الشافعي لم يستدل بنفس اختلاف الحكمين حلاً وحرمة، أو على الأقل لم يستدل بهذا الاختلاف مجرداً، وبين علة ذلك في أول كلامه وفي أثنائه يكرر تارة ويزيد أخرى. ومع ذلك لو سلمنا للجصاص دعواه الاقتصار، لكان جوابه هذا خطأً أيضاً.
وذلك أن المتضادان في حكم ما، إن كان الموجب للحكم في أحدهما هو بعينه علة الحكم في مسألة أخرى بطل قياس أحدهما على الآخر فيها، ولو اجتمعا في كل ما عداها.
ولنبسطه بمثال فنقول:
عند الشافعية مثلاً التمر بالتمر متفاضلاً حرام، والحيوان بالحيوان متفاضلاً حلال. فهاتان مسلتان متضادتان في الحكم، والموجب لحكم الحرمة في الأولى هو كونهما طعاماً من جنس واحد، وليس كذلك الحيوان بالحيوان.
إذا اتضح هذا، فلا يجوز أن يقال : إن الحيوان بالحيوان نسيئة حرام قياساً على التمر بالتمر. وذلك لأن الموجب للتحريم بالتفاضل في التمر بالتمر هو بعينه الموجب للتحريم في البيع نسيئة. وورود الشرع بمثل هذا غير جائز.
هذا مع أنهما يتفقان في غير هذه المسألة مثل المزارعة على كيل مسمى من التمر، والرعي على مسمى من الغنم.
فإن قيل: إنكم أرجعتم المسألة إلى الموجب للموجب لحكم الحل والحرمة، والشافعي جعله لنفس الحل والحرمة.
قلنا: قد بينا أن الشافعي قد نص أن ذلك ليس لنفس الحل والحرمة بما ذكره من تعزيز الحلال، وما يجب بالنكاح الحلال دون الزنا. وعلى فرض أنه لم يذكر شيئاً من ذلك، لجاز الحمل عليه، بأن يقال: إنما ذكر الحل والحرمة تنبيهاً على علة الحل والحرمة. وهو جائز حسن.
وقد صرح الجصاص بقبح الاستدلال بنفس الحل والحرمة، فكيف يحمل كلام الشافعي عليه مع إمكان حمله على وجه حسن؟

والكلام على ما أورده الجصاص يطول، لعل في هذا كفاية، إلا أن يرى الأخوة الأفاضل الاستمرار، فسأستمر ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

أعتذر أولاً عن الشدة الواضحة في الموضوع، لكن من يقرأ عبارات الجصاص من كتباه يعلم الدافع إلى هذه الشدة.
وثانياً لكلام الجصاص بقية علي آتي عليها وهذا متوقف على طلب الأخوة في منتدى الأصلين.
وسبحانك الله وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت أستعفرك وأتوب إليك.
والسلام عليكم ورحمة الله​
 
إنضم
24 يوليو 2009
المشاركات
43
التخصص
فقه وأصوله
المدينة
الأحساء
المذهب الفقهي
شافعي
رد: بين الشافعي والجصاص

ماشاء الله.
رد قوي رغم هذوئه.
فقد أشغلني كلام الجصاص منذ مدة وبدأت في كتابة رد عليه لكني توقفت؛ لأني وجدت نفسي عنيفاً معه.
ثم اطلعت على رد قوي للإمام ألكيا الهراسي رحمه الله في كتابه أحكام القرآن.
لكن هنا أمر يجب أن يوضع تحته خط:
الجصاص لمز محاور الإمام الشافعي رضي الله عنه أكثر من مرة بغية أن يصل إلى أنّ الإمام الشافعي مقارب له في قلة العلم.
ثم تبين أن محاور الإمام الشافعي هو محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة كما ذكر الإمام الهراسي.
فانظر كيف انقلب طعن الجصاص إلى أئمته بسبب تعصبه الأعمى.
 

أحمد بن فخري الرفاعي

:: مشرف سابق ::
إنضم
12 يناير 2008
المشاركات
1,432
الكنية
أبو عبد الله
التخصص
باحث اسلامي
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
شافعي
رد: بين الشافعي والجصاص

قاتل الله التعصب ، كم ضيع علما وفهما.
ومثله العلامة ابن العربي غفر الله لنا وله .
ونقول كما قال الشاعر:
كناطح صخرة يوما ليوهنها**** فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
 
إنضم
16 مارس 2011
المشاركات
69
التخصص
دراسات إسلامية
المدينة
المسيلة -سيّدي عامر-
المذهب الفقهي
مالكي
أعلى