العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

تجديد النظر في موضوع النسخ في القرآن الكريم

د. نعمان مبارك جغيم

:: أستاذ أصول الفقه المشارك ::
إنضم
4 سبتمبر 2010
المشاركات
187
الجنس
ذكر
التخصص
أصول الفقه
الدولة
الجزائر
المدينة
-
المذهب الفقهي
من بلد يتبع عادة المذهب المالكي
مقدمة



بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد:

النسخ في التشريعات العملية مظهر من مظاهر تفاعل التشريع مع تغيُّرات الواقع الاجتماعي، ووسيلة من وسائل مجاراة التشريع للحياة العملية لأفراد المجتمع بما يضمن حُسْن التوجيه والتنظيم.

وعلى الرغم من أن مبدأ النسخ ثابت في الأحكام الشرعية، وإعمالُه مهم في تفسير بعض النصوص الشرعية، إلا أنه قد أسيء استخدامه أحيانا بما أدى إلى تعطيل العمل ببعض النصوص الشرعية بدعوى أنها منسوخة، في حين أن النَّظَر المتفحِّص في الموضوع ينفي عنها النسخ.

لقد توسَّعت الدراسة النظرية حول النسخ، وأدى ذلك إلى توسُّع مباحثه. ومع ذلك التوسُّع كثُر التجميع والحشو، وقلّ التدقيق والتحقيق. وأدخل الأصوليون ضمن موضوع النسخ مباحث نظرية جلبوها معهم من علم الكلام، وهي ليست من صميم موضوع النسخ. وتوسعوا في الحديث عن موقف اليهود من النسخ، وهي مسألة موضعها علم مقارنة الأديان وكتب التفسير وليس أصول الفقه. وتحدثوا عن مسائل افتراضية قائمة على تصورات غير دقيقة، مثل مسألة النسخ قبل التمكن من الفعل. وتسرَّبت الروايات الضعيفة المتعلقة بالنسخ إلى كتب علوم القرآن والتفسير، وعجَّت تلك الكتب بدعاوى النسخ التي لا تثبت. وأدى ذلك إلى التشغيب على بعض المبادئ الشرعية والمفاهيم القرآنية الراسخة.

لقد أطلق علماء الصحابة والتابعين مصطلح النسخ بمعناه العام الذي يشمل بيان المعنى والتخصيص والاستثناء، أما علماء أصول الفقه فقد استعملوا النسخ بمعناه الخاص الذي يعني تبديل حُكْم شرعي متقدّم بحكم شرعي متأخر. وقد نُقلت أقوال الصحابة والتابعين عن النسخ دون تفصيل لمرادهم في كل واقعة من الوقائع، وجاء بعض المتأخرين فأسقطوا المفهوم الأصولي للنسخ على روايات النسخ الواردة عن بعض الصحابة والتابعين، وأدى بهم ذلك إلى دعوى نسخ عشرات الآيات من القرآن الكريم.

ومما أسهم في التخبّط في موضوع النسخ خلط الأصوليين بين النسخ وبين قواعد التعارض والترجيح. وأدى ذلك الخلط -من جهة- إلى جعل التعارض بين الأحكام شرطا في القول بالنسخ، وهو الأمر الذي جعل بعضَهم يُنكر وقوع النسخ فيما هو ظاهر النسخ بدعوى عدم وجود التعارض. كما أدى -من جهة أخرى- إلى ادعاء النسخ كلما اعتقد الشخص وقوع التعارض بين نصين شرعيين، وإن كان اعتقاد التعارض لا يثبت عند التمحيص. وهو الأمر الذي أدى إلى كثرة دعاوى النسخ الافتراضي.

وجاء القُصّاص الذين كانوا يُطلقون العنان لخيالهم في نسج القصص والروايات التي تزيّن مجالسهم بالغرائب، فزادوا في متون بعض ما هو ثابت من الروايات حول النسخ، ونسجوا روايات أخرى من خيالهم، وكان بعض ذلك النسيج متعلقا بالنسخ في القرآن الكريم، خاصة نسخ التلاوة. وتسرّبت تلك الروايات إلى مجالس العلم، واختلطت بالصحيح منه. وأدى وَلَعُ بعض القرآء بجمع القراءات وغرائبها –مع ضعفهم في تمحيص الروايات-إلى الوقوع في حبائل تلك الروايات التي نسجها القُصّاص.

كل ما سبق ذكره يدعو إلى ضرورة مراجعة وتحرير مباحث النسخ عند الأصوليين وكذلك الروايات الواردة بشأن النسخ. وقد جاء هذا الكتاب ثمرة رحلة طويلة من البحث والتأمل في موضوع النسخ. وميزة هذه الدراسة أنها تنطلق من منطلق محايد: فأنا لست متحمسا لإنكار النسخ؛ فأتعسف في تأويل النصوص سعيا إلى إثبات ذلك الإنكار. كما أني لست متحمسا لإثبات النسخ؛ فأسير وراء الروايات -الضعيفة والشاذة- دون تمحيص وتحقيق مسايرة للرأي المشهور حول وقوع النسخ في القرآن الكريم.

يقوم منهجي في هذه الدراسة على الإعراض عن المسائل النظرية الافتراضية التي لا ينبني عليها عمل، والاقتصار على المسائل العملية، حيث أقوم بعرض الآراء المختلفة حولها، ثم أعمد إلى تحليلها وتمحيصها سعيا للوصول إلى ما أراه الصواب أو الأقرب إلى الصواب. ولا آخذ بأي رواية من الروايات دون تدقيق النظر في سندها ومتنها بغض النظر عن المصدر الذي وردت فيه تلك الرواية. ومنهجي في نقد المتون يجمع بين منهج الأصوليين ومنهج المحدِّثين، حيث لا أقتصر في شذوذ الرواية على الشذوذ بمعناه عند المحدثين، بل أضم إليه الشذوذ عن السياق التشريعي للمسألة. فقد تكون الرواية سليمة من حيث السند، ولا يكون في متنها شذوذ بمعناه عند المحدثين، ولكن فيه شذوذ عن السياق التشريعي لتلك المسألة، حيث إن الدراسة المستفيضة للسياق التشريعي للمسألة تثبت عدم وجود ما يؤيد تلك الرواية، بل يكون السياق التشريعي ظاهر المعارضة لمضمونها. وفي اعتقادي أن ذلك الشذوذ عن السياق التشريعي كفيل بالحكم على الرواية بأنها نتيجة وَهْم من بعض الرواة.

لقد ترددت في الخوض في تفاصيل قضية نسخ التلاوة؛ لأن الخوض فيها يحتاج إلى دراسة مستفيضة للروايات الواردة فيها، ويحتاج إلى جهد وجرأة من أجل تمحيص تلك الروايات. وبعد بحث وتأمل، قررت الخوض فيها مستعينا بالله تعالى، ساعيا إلى تأكيد إحكام القرآن الكريم في نظمه ومعناه وطريقة إنزاله. وقد سجلت ما توصلت إليه من قناعات في ما يتعلق بنسخ التلاوة، ولا أزعم أنه الحق المطلق، ولكن أعتقد أني قد أوردت من الأدلة ما يكفي لتأييد تلك القناعات وإثباتها.

لا شك أن الحكم على بعض الروايات المتعلقة بنسخ التلاوة سيكون محل اختلاف، ولكن مهما يكن من اختلاف حولها، فإن هذه الدراسة تُعدّ خطوة متقدمة في طريق تمحيص وتحرير مسألة نسخ التلاوة سعيا إلى بلورة نتائج نهائية حولها.

وقد جاء الكتاب في أربعة فصول: أولها: مفهوم النسخ، والثاني: مجال النسخ، والثالث: النسخ في القرآن الكريم، والرابع: نسخ التلاوة.

هذا، وبالله التوفيق والهداية.

حمل الكتاب من هذا الرابط
 
أعلى