العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

تحرير المباحث الأصولية (3) تابع

د. نعمان مبارك جغيم

:: أستاذ أصول الفقه المشارك ::
إنضم
4 سبتمبر 2010
المشاركات
189
الجنس
ذكر
التخصص
أصول الفقه
الدولة
الجزائر
المدينة
-
المذهب الفقهي
من بلد يتبع عادة المذهب المالكي
دلالة صيغة "افعل" ـــ تابع

نلاحظ على الأدلة السابقة الخلط بين الأَمْرِ عموما وبين الطلب بصيغة "افعل"! ومعلوم أن الأَمْرَ أعمُّ من ورود الخطاب بصيغة "افعل"؛ فالأمر يثبت بصيغ متعددة منها صيغة "افعل". وإذا ثبت الأمرُ فإنه يفيد الإلزام، ولكن النزاع في كون صيغة "افعل" وُضِعَت للإيجاب، حيث إن الخطاب بصيغة "افعل" يَرِدُ في القرآن الكريم ولسان العرب لأغراض متعددة منها الأمْر المفيد للإيجاب. وإذا ورد في النص الشرعي النهيُ عن مخالفة أَمْرِ الشارع، فهذا لا يستلزم أن ذلك الأَمْر قد صَدَر بصغة "افعل" حَصْرًا ودون قرائن.

إن النظر في تعريف "الأمر" يوضح لنا الفرق بين الأمر وبين الخطاب بصيغة "افعل". إذا أخذنا مثلا واحدا من أقدم التعريفات للأمر، وهو تعريف الجصاص الحنفي (ت370هـ) -وهو من القائلين بأن الأمر يُحْمَلُ على الإيجاب حتى تقوم الدلالة على غيره- نجده يعرف الأمر بأنه: "قول القائل لمن دونه افعل إذا أراد به الإيجاب."[1] من خلال هذا التعريف نرى أن الأمْرَ لا يقتصر على صيغة "افعل"، بل لا بد أن يكون صادرا ممن له سلطة -مادية أو معنوية- على غيره، وهذه السلطة في ذاتها قرينة، وهي ليست جزءا من صيغة "افعل"! كما أشار الجصاص إلى قرينة أخرى هي إرادة الإيجاب، فإذا أراد المخاطِبُ مَقْصَدًا آخر غير الإيجاب لم يكن خطابُه أمْرًا مع كونه صادرا بصيغة "افعل". كما نصَّ الجصاص على أن صيغة "افعل" إذا صدرت من الأسفل لمن هو فوقه كانت على وجه المسألة والطلب، وأن ذلك لا يُسَمَّى أمرا.[2]

يتضح مما سبق أن الأمر (الذي يعني الإيجاب) لا يثبت بمجرد الخطاب بصيغة "افعل"، وإنما يتعلق بقرينة الجهة التي صدر منها الخطاب وقصد الإيجاب، فهذا الذي يُعدُّ أمرا، أما في غياب هذه القرائن فإن صيغة "افعل" لا تدلُّ بمجرَّدِها على الأَمْر الذي هو الإيجاب، وإن كانت تشمله من حيث الوضع اللغوي.

إن دعوى كون صيغة "افعل" موضوعة للإيجاب فقط، أو للإيجاب والندب، ثم تُستعمل في المعاني الأخرى من باب المجاز[3] ليس لها دليل ظاهر يسندها. فمن جهة الوضع اللغوي لا يوجد نقلٌ يُثبت ذلك كما لا يوجد نقلٌ ينفيه. والحقيقة أن ما يذكره الأصوليون في مسألة نقل الوضع اللغوي بالآحاد أو بالتواتر كلام لا فائدة فيه؛ لأنه لا مَطْمَع في نَقْلِ وَضْع ألفاظ اللغة أصلا؛ ولا يوجد في اللغات القديمة كلها نقلٌ لكيفية وضع ألفاظها، وإنما يكون النقل في الألفاظ التي وُضِعَت في زمنٍ متأخِّر، وهي ألفاظٌ وُضِعَت لأشياء مُسْتَحْدَثَة أو ألفاظ مُسْتَعَارَة من لغة أخرى، وهي أضافات ليست من أَصْلِ اللغة ولا حُجَّة فيها. إن السبيل الوحيد الذي يمكن من خلال تحديد وضع ألفاظ اللغة -ولو بصورة تقريبية- هو استقراءُ استعمال العرب ونصوص الشرع الحنيف التي جاءت بلسان عربي مبين. واستقراء استعمال العرب والشارع الحكيم لصيغة "افعل" ليس فيه ما يدلُّ على حَصْر أصلِ وَضْعِها في الإيجاب، بل إننا نجدها تُستعمل للتعبير عن مقاصد متعددة -غير الوجوب- في مواضع لا تُحْصَى، ولا يمكن أن يكون كلُّ ذلك الشيوع في الاستعمال في غير الوجوب من باب المجاز. إن صيغة "افعل" هي الصيغة المستعملة في الإيجاب؛ وهي الصيغة المستعملة في الندب والإرشاد؛ وهي الصيغة المستعملة في الإذن، فإذا استأذنك شخص في فعل شيء تأذن له بقولك: افعل؛ وهي الصيغة الوحيدة المستعملة في الدعاء للنفس، حيث تقول: رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْنِي، ولا تقول: رَبِّ غَفَرَ لي ورَحِمَنِي؛ وهي الصيغة المستعملة في الاسترشاد وطلب النصيحة، فتقول: أَشِرْ عليَّ، وانصحني. هذا كلُّه يدلُّ على أن صيغة "افعل" تُستعمل في الأمر والإرشاد والإذن والاسترشاد والدعاء، كل ذلك على وجه الحقيقة. والدليل على كونها على وجه الحقيقة أنه لا توجد صِيَغٌ بديلة -تُعَدُّ هي الأصل- للتعبير عن الإذن والدعاء للنفس والاسترشاد حتى يُقال إن صيغة "افعل" استُعْمِلَتْ في هذه الأغراض من باب المجاز. إن المعيار الذي ينبغي اعتمادُه في التفريق بين الاستعمال الحقيقي والاستعمال المجازي هو كونُ الاستعمال أصيلا أو بديلا؛ فكلُّ غرضٍ يُستعمل فيه اللفظ أصيلا فهو استعمال حقيقي، وكلُّ غرضٍ لَهُ من اللفظِ ما يدلُّ عليه أصالة، ثم يُسْتَعَارُ للتعبير عنه لفظٌ آخر يُسْتَعْمَلُ أصالةً في غرضٍ آخر، فهو من باب المجاز. فالشخص الشجاع له لفظ يعبر عنه أصالة وهو كلمة "شجاع" وما في معناه من ألفاظ الشجاعة. فإذا وصفناه بكونه أَسَدا، كان ذلك مجازا؛ لأن الأسَدَ يُعَبِّرُ أصالةً عن الحيوان، واسْتُعِيرَ للتعبير عن الشُّجاع.

إن دعوى المجاز في غير الأمر والندب مجرَّد افتراض لا سَنَدَ له؛ لأن نَقْل اللفظ من الحقيقة إلى المجاز إنما يكون لعلاقة بينهما، ولا علاقة بين الوجوب والمقاصد الأخرى التي اسْتُعْمِلَت فيها صيغة "افعل" عند العرب وفي نصوص القرآن الكريم والسنَّة النبوية. ما العلاقة بين الإيجاب وبين الإباحة والتهديد والوعيد وغيرها من المقاصد التي استُعْمِلَت فيها صيغة "افعل" في نصوص الشرع وكلام العرب حتى يُقال إنه تَمَّتْ تَعْدِيَّةُ صيغة "افعل" من الأمر إلى تلك المقاصد على أساس تلك العلاقة! وإذا لم توجد علاقة بين ما يُزْعَمُ حقيقة وما يُزْعَمُ مجازا، فعلى أيّ أساس تكون التعدية وتكون دعوى المجاز؟!

لم يقل النحويون إن صيغة "افعل" مقصورة على الأمر، بل قالوا إنها صيغة "فعل الأمر"، وهذا صحيح لا شك فيه، ولكنه لا يدلُّ على أنها مقصورة على الأمر لا في أصل وضع اللغة ولا في استعمالها. لا شك أن صيغة "افعل" تشمل بوضعها الإيجاب، وأنها صيغة فعل الأمر، وأن "من أراد أن يطلب عملا من غيره لا يجد لفظا موضوعا لإظهار مقصوده سوى قوله افعل"،[4] ولكنها بالتأكيد لم توضع لغرض الإيجاب والأمر فقط، بل وُضِعَت لأغراض عموم الطلب والإرشاد والاسترشاد والدعاء والإذن. وفضلا عن ذلك فإنه ينبغي عدم الخلط بين صيغة "افعل" مُفْرَدَة وبين ورودها مُركَّبَة في الكلام؛ فهي مُفْرَدَة تُسمى في علم النحو "فعل الأمر"، أما إذا وردت مُركَّبَة في جملة فإن سياق الجملة هو الذي يحدد المقصود منها، كما أن صيغة "فَعَلَ" مُفْرَدَة هي صيغة الفعل الذي يدلُّ على حَدَثٍ في الماضي، ولكنها إذا وردت مُركَّبَة تُستعمل للدلالة على حَدَثٍ مضى، وقد تُستعمل في معنى آخر، مثل قولك: غفر الله لك، وأنت تريد رجاء أن يغفر الله له. ومن المعلوم أن صيغة "افعل" وصيغة "فعل" لا تردان بشكل مفرد، بل تردان عادة في كلام مُرَكَّب، والذي يُحدِّد المراد منهما هو سياق الكلام وما يحفُّ به من قرائن.

إن الذي دفع الأصوليين إلى الخوض في الوضع اللغوي لصيغة "افعل" هو تحديد الموقف من دلالة الخطاب الشرعي الوارد بصيغة "افعل" إذا تجرَّد عن القرائن. والواقع أن هذه المسألة قد لا يكون لها وجود في الواقع؛ لأن الأمر المجرَّد عن القرائن لا يوجد سوى على المستوى التجريدي في الذهن، أما في الواقع فإنه لا يوجد أَمْرٌ بدون قرائن، سواء كانت قرائن مقالية أم مقامية. وقد تفطَّن الجويني -بعد مناقشة طويلة لمقتضى الصيغة المجردة- إلى هذه الحقيقة فقال: "الصيغة التي تُسَمَّى مُطْلَقَة لا تكون إلا مقترنة بأحوال تدل على أن مُطْلِقَهَا ليس يبغي بإطلاقها حكاية، وليس هاذيا بها، فإذا لا تُلْقَى صيغة على حَقِّ الإطلاق."[5] ومن القرائن المقامية الجهة التي يصدر منها الطلب بصيغة "افعل" والجهة التي يتوجَّه إليها ذلك الطلب. فصدور الطلب من الله عز وجل أو الرسول صلى الله عليه وسلم -في حدِّ ذاته- قرينةٌ على أنه على العَبْد الاستجابةُ لذلك الطلب، وإذا لم توجد قرينةٌ مُعارِضَةٌ تدل على أن المقصود من ذلك الطلب هو مجرد الإرشاد والندب أو الإباحة، فإن قرينة صدور الطلب من الشارع الحكيم تدل على لزوم الاستجابة له. وصدور الطلب بصيغة "افعل" من العبد إلى الله عز وجل يُعَدُّ -في حدّ ذاته- قرينة على أن هذا الطلب المراد منه الرجاء والدعاء. وبناء على ذلك، فإن الخوض في تفاصيل الأقاويل في الحقيقة التي وُضِعَت لها صيغة "افعل" ليس له فائدة كبيرة في مجال الاستنباط الفقهي؛ لأن المجتهد يُحَدِّد الحكم المستَنْبَط من النص بناء على النظر في الوضع اللغوي والاستعمال الشرعي الذي يقرره السياق والمقام، ولا يقتصر على مجرد الوضع اللغوي. وإذا كانت القرائن التي تحدد الاستعمال الشرعي لصيغة "افعل" في غاية الوضوح، فإن العلماء يتفقون على المقصود من ذلك الخطاب، أما إذا لم تكن القرائن في غاية الوضوح، أو كان بينها شيء من التداخل أو التضارب، فإنهم قد يختلفون في تحديد المراد من ذلك الخطاب، بناء على اختلافهم في القرائن المصاحبة.

الذي نخلص إليه من كل ما سبق، أن صيغة "افعل" موضوعة في اللغة لأغراض متعددة أهمها عموم الطلب الذي يشمل الأمر والإرشاد والاسترشاد والدعاء، كما أنها موضوعة للإذن والإباحة. وإذا جاءت هذه الصيغة في سياق الخطاب التكليفي بالأحكام الشرعية فإن ذلك قَرينَةٌ تدلُّ على دورانها بين الإيجاب والندب والإباحة؛ لأن الشَّارع الحكيم مُنْتَصِبٌ للأمر والنهي والإرشاد وبيان ما ينبغي على العباد فِعْلُهُ. ثم بعد ذلك يُنْظَر: إذا كان الخطاب التكليفي بصيغة "افعل" مُتَعَلِّقا بالعقائد فإن الصيغة تُحْمَلُ على الوجوب؛ لأن العقائد أخبارٌ غيبية يجب التصديق بها. أما إذا كان الخطاب التكليفي متعلقا بالعبادات، فإن الطلب بصيغة "افعل" يكون دائرا بين الوجوب والندب فقط؛ لأن العبادة المطلوبة شرعا لا تُوصَفُ بالإباحة. أما إذا كان خطابُ التكليف متعلِّقا بالمعاملات والعادات فإن الطلب بصيغة "افعل" يدور بين الإيجاب والندب والإباحة، ويكون تحديد المراد منها حسب السياق. أما إذا وردت صيغة "افعل" في غير الخطاب التكليفي بالأحكام الشرعية فإن الذي يُحَدِّد الغرض منها هو السياق والمقام الذي وردت فيه.


[1] الجصاص، أصول الجصاص، ج1، ص280.
[2] الجصاص، أصول الجصاص، ج1، ص280-281.
[3] السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص37.
[4] السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص37.
[5] الجويني، البرهان، ج1، ص86.
 
أعلى