العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

تحرير المسائل الأصولية (3)

د. نعمان مبارك جغيم

:: أستاذ أصول الفقه المشارك ::
إنضم
4 سبتمبر 2010
المشاركات
189
الجنس
ذكر
التخصص
أصول الفقه
الدولة
الجزائر
المدينة
-
المذهب الفقهي
من بلد يتبع عادة المذهب المالكي
دلالة صيغة "افعل"



يسمي اللغويون "افعل" صيغة "فعل الأمر" في مقابل صيغة "الفعل الماضي" وصيغة "الفعل المضارع"، ولكن هذه الصيغة لا يقتصر استعمالها في اللغة العربية على الأمر والإلزام، بل هي صيغة قد تُستعمل في مقاصد متعددة من إباحة وترغيب وإلزام وتهديد وغيرها. وكذلك نجد القرآن الكريم استعملها في الدلالة على مقاصد متعددة، منها:

- الإلزام والإيجاب: ومثال ذلك قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ) (المزمل: 20).

- الإباحة: ومثال ذلك قوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) (المائدة: 2)؛ (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (البقرة: 57).

- الندب والترغيب: ومثال ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) (البقرة: 267).

- التهديد والإنذار: مثل قوله تعالى: (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) (هود: 65).

- الدعاء والرجاء: مثل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) (الحشر: 10).

يتبيَّن من هذا أن صيغة فعل الأمر "افعل" تُستخدم في القرآن الكريم واللغة العربية لأغراض متعددة، ولكن استعمالها في ما يتعلق بالتكاليف الشرعية ينحصر في الإيجاب والندب والإباحة؛ لأن هذه هي الأغراض التي يمكن أن تتعلق بالتكاليف الشرعية.

لقد حاول الأصوليون تحديد الأصل الذي وُضِعت له صيغة "افعل"، وعلى ماذا تُحمل إذا وردت مُطْلَقةً غير مُحْتَفَّة بقرائن؟ واختلفوا في ذلك اختلافا كبيرا لخصه الغزالي في قوله: "وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب، وقال قوم: هو للندب، وقال قوم: يُتَوَقَّفُ فيه. ثم منهم من قال هو مشترك كلفظ العين، ومنهم من قال لا ندري أيضا أنه مشترك أو وُضِع لأحدهما واستعمل في الثاني مجازا، والمختار أنه مُتَوَقَّفٌ فيه."[1] واختلف القائلون بأنها حقيقة في الوجوب: هل هي حقيقة بوضع اللغة والشرع، أم بوضع الشرع فقط؟ واختيار الغزالي هو التوقُّف بين وضعها للوجوب أو للندب، وعلَّلَ التوقُّف بأن معرفة وضع هذا اللفظ إما أن تثبت بالعقل أو بالنقل، والعقل لا مجال له في وضع اللغات؛ لأنها مسألة متعلقة بالوضع لا بالنظر العقلي. ولا يوجد نقلٌ من أهل اللغة في بيان أصل الوضع، فلم يَبْقَ سوى التوقُّف في ذلك. وحَصْرُ الغزالي التوقُّفَ بين الوجوب والندب قائم على إثباته أن صيغة فعل الأمر تُستعمل في اقتضاء الفعل، والاقتضاء يدور بين الوجوب والندب.[2] وما ذكره الغزالي من التوقُّف ليس المراد منه -هنا- أن يكون مذهبا يُضاف إلى المذاهب الأخرى في دلالة صيغة "افعل"، ولكن المراد به أننا لا ننطلق في تحديد مدلول صيغة "افعل" من حُكْمٍ مُسْبَق، بل ننظر أولا في النص الذي وردت فيه تلك الصيغة وما يحفُّ به من قرائن لفظية ومقامية لنُحَدِّد بناء على ذلك مقصود المتكلِّم منها في ذلك السياق.

نقل الجويني عن القاضي عبد الجبار أن صيغة "افعل" موضوعة على إرادة الامتثال، ولا يكون المرادُ إلا طاعة، والطاعة تنقسم إلى مُسْتَحَبٍّ وواجب. فإذا اقترن باللفظ وعيدٌ دلَّ ذلك على الوجوب، وإذا لم يوجد وعيدٌ دلَّ على الاستحباب.[3] وذهب الجويني إلى أن صيغة "افعل" المجردة عن القرائن تدلُّ على الطلب المحض الذي لا مساغ فيه لتقدير الترك، ولا يدخل في هذا الطلب الندب؛ لأن من ضرورة الندب -عنده- التخيير في الترك، وليس في قول القائل: "افعل" تخيير في الترك أصلا. ولكنه لا يقول بأن صيغة "افعل" تفيد الوجوب؛ لأن الوجوب -عنده- لا يثبت إلا بِتَقَيُّد الصيغة بالوعيد على التَّرْك.[4]

هذه خلاصة آراء الأصوليين في المسألة، وسأقتصر على عرض ومناقشة أدلة الجمهور القائلين بأن صيغة "افعل" للوجوب، ثم انتقل إلى بيان الصواب في المسألة. ومن خلال مناقشة أدلة الجمهور وعرض ما أراه الصواب في المسألة سيتبَّن ضَعْفُ الأقوال الأخرى دون حاجة إلى التطويل في عرض أدلتها ومناقشتها.

استدل القائلون بأن صيغة "افعل" للوجوب بأدلة، أهمها:

1- أن أهل العلم باللسان قسموا الكلام إلى أَمْر ونهي وخَبَر واستخبار، وصيغة الأمر هي "افعل" ولم يشترطوا فيه قرينة، فدلّ على أن الصيغة بمجرَّدِها أَمْرٌ.[5]

يُرَدُّ على هذا الاحتجاج بأن هذا التقسيم لم يَرِدْ مع أَصْلِ اللغة، ولا هو إخبارٌ عن كيفية وَضْعِهَا، وإنما هو تقسيمٌ متأخِّرٌ وضَعَهُ النحويون في عصر تدوين النحو لوصف أقسام الكلام. وهو -في رأيي- تقسيم غير دقيق، والأفضل وَضْعُ كلمة "الطَّلَب" بدلا من "الأمْر"؛ لأن الطَّلَب أعمُّ من الأمْر، فالطلب يشمل الأمر والندب والإرشاد والاسترشاد والدعاء والرجاء والإذن والإستئذان، ففيها جميعا نوعٌ من الطَّلب، وهي كلُّها أغراض تُعَبِّرُ عنها العرب بصيغة "افعل"، وهي ليست من الأقسام الأربعة المذكورة. إن الذين قسَّموا الكلام إلى أَمْرٍ ونَهْيٍ وخَبَرٍ واستخبار يلزمهم أن يجعلوا تلك الأغراض التي تُعَبِّرُ عنها العرب بصيغة "افعل" من باب الأمر، وهذا يلزمهم بأن يقولوا إن الأمر ليس مقصورا على الإيجاب، بل هو حقيقة في تلك الأغراض كلها، وهو ما يحاول القائلون بأن صيغة "افعل" للإيجاب نَفْيَهُ.

هذا فضلا عن أن النحويين -لـمَّا قسَّمُوا الكلام إلى تلك الأقسام الأربعة- لم يقولوا إن الأمر يكون بصيغة "افعل" فقط، ولم يقولوا إن صيغة "افعل" مقصورة على الأمر، ولم يقولوا إن الخبر والاستخبار لا يكونان بصيغة "افعل".

2- أن السيد إذا قال لعبده "اسقني ماءً" فلم يُسْقِه، كان مُسْتَحْسَنًا معاقبَتُهُ وتوبيخُه على ذلك، ولو لم تكن هذه الصيغة للإيجاب لما حَسُنَ معاقبَتُهُ وتوبيخه.[6]

يُرَدُّ على هذا الاحتجاج بأن فَهْمَ الإيجاب هنا ناتجٌ عن قرينةٍ، هي كونُ الخطاب صادرا من السيِّدَ إلى العَبْد، ولو أن الخطابَ نَفْسَهُ صَدَرَ بالصيغة نفسها من العَبْدِ إلى السيِّدِ لكان المفهومُ من ذلك الرجاء لا الإيجاب بقرينة كونه صادرا من العبد إلى سيِّدِه، والعبدُ لا يأمر سيِّدَهُ. تبين من هذا أن الصيغة لا تدل بنفسها على الإيجاب، بل القرينة هي التي دَلَّت على ذلك.

3- قوله تعالى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) (الأعراف: 11)، حيث وبَّخَ الله تعالى إبليس على مخالفة الأمر بترك السجود، فدلّ على أن الأمر يقتضي الوجوب.[7]

4- قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: 63)، حيث توعَّدَ الله عزّ وجلّ على مخالفة أَمْرِ النبي صلى الله عليه وسلم، فدلَّ على أن أوامره كلّها تقتضي الوجوب.[8]

نلاحظ على الأدلة السابقة الخلط بين الأَمْرِ عموما وبين الطلب بصيغة "افعل"! ومعلوم أن الأَمْرَ أعمُّ من ورود الخطاب بصيغة "افعل"؛ فالأمر يثبت بصيغ متعددة منها صيغة "افعل". وإذا ثبت الأمرُ فإنه يفيد الإلزام، ولكن النزاع في كون صيغة "افعل" وُضِعَت للإيجاب، حيث إن الخطاب بصيغة "افعل" يَرِدُ في القرآن الكريم ولسان العرب لأغراض متعددة منها الأمْر المفيد للإيجاب. وإذا ورد في النص الشرعي النهيُ عن مخالفة أَمْرِ الشارع، فهذا لا يستلزم أن ذلك الأَمْر قد صَدَر بصغة "افعل" حَصْرًا ودون قرائن.





[1] الغزالي، المستصفى، ج1، ص257.
[2] الغزالي، المستصفى، ج1، ص257-258..
[3] الجويني، البرهان، ج1، ص68.
[4] الجويني، البرهان، ج1، ص70-71.
[5] الشيرازي، التبصرة، ص23.
[6] الشيرازي، التبصرة، ص22.
[7] الشيرازي، التبصرة، ص27.
[8] الشيرازي، التبصرة، ص28.
 
أعلى