العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

تعريف الشهيد وحكمه

محمد متولي داود

:: متـابـــع ::
إنضم
1 أغسطس 2018
المشاركات
23
الكنية
د/محمدداود
التخصص
القانون العام
المدينة
القاهرة
المذهب الفقهي
الحنفي
تعريف الشهيد:سمي الشهيد شهيداً؛ لأنه مشهود له بالجنة، أو لأنه حي عند ربه حاضر شاهد، أو تشهد موته الملائكة. والشهيد الذي يستحق الفضائل السابقة ونحوها هو شهيد المعركة مع العدو. وقد أورد الفقهاء تعريفات متقاربة له بحسب رأيهم في بعض المسائل المتعلقة به.فقال الحنفية : الشهيد من قتله أهل الحرب، أو أهل البغي، أو قطاع الطريق، أو اللصوص في منزله ليلاً أو نهاراً بأي آلة: مثقل أو محدد، أو وجد في المعركة وبه أثر كجرح وكسر وحرق وخروج دم من أذن أو عين، أو قتله مسلم ظلماً عمداً بمحدد، وكان مسلماً مكلفاً (بالغاً عاقلاً) طاهراً (خالياً من حيض أو نفاس أو جنابة)، ولم يرتث بعد انقضاء الحرب، أي لا يموت عقب الإصابة.والارتثاث: أن يأكل أو يشرب أو يُداوى، أو يبقى حياً حتى يمضي عليه وقت صلاة وهو يعقل، أو ينقل من المعركة حياً، أي وهو يعقل.أما المقتول حداً أو قصاصاً، فإنه يغسل ويصلى عليه، لأنه لم يقتل ظلماً، وإنما قتل بحق، وأما من قتل من البغاة أو قطاع الطرق فلا يغسل ولا يصلى عليه.وبه يتبين أن شروط تحقيق الشهادة عندهم: هي الإسلام والعقل والبلوغ، والطهارة من الحدث الأكبر، وأن يموت عقب الإصابة.وأن كل مقتول في المعركة مع العدو، أو قتل ظلماً، أو دفاعاً عن النفس أو المال فهو شهيد. أما من خرج حياً من المعركة، أو كان جنباً فلا تطبق عليه أحكام الشهيد.ويلاحظ أن هذا المذهب ومذهب الحنابلة أوسع الآراء في تحديد المقصود من الشهيد ماعدا اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر.وقال المالكية: الشهيد: من مات في معترك المشركين، ومن أخرج من المعركة في حكم الأموات وهو من رفع من المعركة حياً منفوذ المقاتل، أو مغموراً (أي يعاني غمرات الموت: شدائده): وهو من لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم إلى أن مات، فإن قتل في غير المعركة ظلماً، أو أخرج من المعترك حياً، ولم تنفذ مقاتله، ثم مات، غسل وصلي عليه في المشهور، كما أن من قتل في المعترك في قتال المسلمين غسل وصلي عليه، ويغسل الجنب.وقال الشافعية: الشهيد: هو من مات من المسلمين في جهاد الكفار بسبب من أسباب قتالهم قبل انقضاء الحرب، كأن قتله كافر، أو أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سلاحه، أو تردى في بئر أو وهدة، أو رفسته دابته فمات، أو قتله مسلم باغٍ استعان به أهل الحرب.فإن مات لا بسبب القتال، أو بعد انقضاء المعركة، أو في حال قتال البغاة، فغير شهيد في الأظهر.ولا تشترط الطهارة من الحدث الأكبر عند المالكية والشافعية، فمن مات جنباً فإنه لا يغسل.فالشهيد عند المالكية والشافعية: هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.وقاتل نفسه كغيره في الغسل والصلاة عليه، لحديث: «الصلاة واجبة على كل مسلم براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر». هذا رأي الجماهير، لكن مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي: لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه، بدليل ما روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: أتي النبي صلّى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقِص ـ سهام عراض ـ فلم يصل عليه.وقال الحنابلة: الشهيد: هو من مات بسبب القتال مع الكفار وقت قيام القتال، أو هو المقتول بأيدي العدو من الكفار، أو البغاة، أو المقتول ظلماً، ولو كان غير مكلف رجلاً أو امرأة. أو كان غالاًّ (خائناً) كتم من الغنيمة شيئاً. ومن عاد إليه سلاحه فقتله فهو كالمقتول بأيدي العدو، لكن تشترط الطهارة من الحدث الأكبر كالحنفية، فمن قتل جنباً غسل، كذلك يغسل ويصلى عليه من حمل وبه رمق أي حياة مستقرة، وإن كان شهيداً.ودليلهم على غير المكلف: عموم حديث جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلم «أمر بدفن قتلى أحد في دمائهم، ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم» ، وقد كان في شهداء أحد حارثة بن النعمان، وهو صغير، وليس هذا خاصاً بهم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم علل ذلك بعلة توجد في سائر الشهداء، فقال: «والذي نفسي بيده لا يُكلَم أحد في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يكلم في سبيله ـ إلا جاء يوم القيامة، اللون لون الدم، والريح ريح المسك».ودليلهم على أن من قتل مظلوماً ملحق بشهيد المعركة: حديث: «من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» ولأن هؤلاء مقتولون بغير حق، فأشبهوا قتلى الكفار، فلا يغسلون.وأما من قتل من أهل العدل في المعركة مع البغاة: فحكمه في الغسل والصلاة عليه حكم من قتل في معركة المشركين؛ لأن علياً رضي الله عنه لم يغسل من قتل معه، وعمار أوصى ألا يغسل، وقال: ادفنوني في ثيابي، فإني مخاصم. قال أحمد: قد أوصى أصحاب الجمل، إنا مستشهدون غداً، فلا تنزعوا عنا ثوباً، ولا تغسلوا عنا دماً، ولأنه شهيد المعركة، فأشبه قتيل الكفار.أما الباغي: فقال الخرقي: من قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه، ويحتمل إلحاقه بأهل العدل؛ لأنه لم ينقل إلينا غسل أهل الجمل وصفين من الجانبين، ولأنهم يكثرون في المعترك، فيشق غسلهم، فأشبهوا أهل العدل.أحكام الشهداء:للشهداء أحكام استثنائية من الدفن والغسل والتكفين والصلاة عليهم كما يتبين من آراء الفقهاء الآتية ، علماً بأن للحنفية رأياً، وللجمهور رأياً آخر.قال الحنفية: يكفن الشهيد بثيابه، ويصلي عليه، ولا يغسل إذا كان مكلفاً طاهراً، وأما الجنب والحائض والنفساء إذا استشهد، فيغسل عند أبي حنيفة، كما يغسل الصبي والمجنون. وقال الصاحبان: لا يغسَّلان.استدل أبو حنيفة على وجوب غسل الجنب ونحوه بما صح عنه صلّى الله عليه وسلم أنه لما قتل حنظلة بن أبي عامر الثقفي، قال: إن صاحبكم حنظلة تُغسِّله الملائكة، فسألوا زوجته، فقالت: خرج وهو جنب، فقال عليه الصلاة والسلام: لذلك غسلته الملائكة.وأورد الصاحبان: أنه لو كان الغسل واجباً، لوجب على بني آدم، ولما اكتفي بفعل الملائكة. ورد عليهما بالمنع بأنه يحصل بفعلهم؛ لأن الواجب نفس الغسل، أما الغاسل فيجوز أن يكون أياً كان.ولا يغسل عن الشهيد دمه، ولا ينزع عنه ثيابه، وإنما يدفن بدمه وثيابه بعد نزع الفرو والحشو والخف والسلاح مما لا يصلح للكفن، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «زمّلوهم بدمائهم».وقال الجمهور: لا يغسل الشهيد ولا يكفن ولا يصلى عليه إبقاء لأثر الشهادة عليهم وتعظيمهم باستغنائهم عن دعاء الناس لهم. ولكن تزال النجاسة الحاصلة من غير الدم؛ لأنها ليست من أثر الشهادة، بدليل حديث جابر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم» وروى البخاري ومسلم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده، ما من كَلْم يُكْلَم في سبيل الله إلا جاء كهيئته حين كُلِم: اللون لون الدم، والريح ريح مسك».ويدفن الشهيد بثيابه بعد تنحية الجلود والسلاح عنه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «ادفنوهم بثيابهم» ، لكن ليس هذا عند الحنابلة بحتم، ولكنه الأولى.ويستحب دفن الشهيد في مصرعه الذي قتل فيه، للحديث المتقدم المتضمن أمر النبي صلّى الله عليه وسلم بدفن شهداء أحد في مصارعهم.والبالغ وغيره سواء؛ لأنه مسلم قتل في معترك المشركين بقتالهم، فأشبه البالغ، وهذا ما يقتضيه العدل، وتؤيده السنة في فعل النبي صلّى الله عليه وسلم بشهداء أحد، وفيهم صغير، وهو حارثة بن النعمان. ولكن لا يغسل الجنب ونحوه عند المالكية والشافعية؛ لأن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد، وهو جنب، ولم يغسله النبي صلّى الله عليه وسلم، وقال: «رأيت الملائكة تغسله» (2) وهذا هو الحق؛ إذ لو كان الغسل واجباً لم يسقط إلا بفعلنا، ولأنه طهر عن حدث، فسقط بالشهادة كغسل الميت، فيحرم.شهداء غير المعركة:الشهيد الذي تكلمنا عنه: هو المختص بثواب خاص، وهو شهيد الدنيا والآخرة. وهناك شهداء آخرون في حكم الآخرة، وفي حكم الدنيا فقط، فالشهداء ثلاثة:1 - شهيد في حكم الدنيا والآخرة: وهو شهيد المعركة، أما حكم الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه عند الجمهور كما أبنت، وأما حكم الآخرة فله ثواب خاص وهو الشهيد الكامل الشهادة.2 - وشهيد في حكم الدنيا فقط: وهو عند الشافعية: من قتل في قتال الكفار بسببه، وقد غل من الغنيمة، أو قتل مدبراً، أو قاتل رياء أو نحوه، أي لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا ثواب له في الآخرة.3 - شهيد في حكم الآخرة فقط: كالمقتول ظلماً من غير قتال، والمبطون إذا مات بالبطن، والمطعون إذا مات بالطاعون، والغريق إذا مات بالغرق، والغريب إذا مات بالغربة، وطالب العلم إذا مات على طلبه، أو مات عشقاً أو بالطلق أو بدار الحرب أو نحو ذلك.قال الحنابلة: الشهداء غير شهيد المعركة بضعة وعشرون، وعدهم السيوطي نحو الثلاثين: المطعون أي الميت بالطاعون، والمبطون، والغريق، والشريق، والحريق، وصاحب الهدم، أي من مات بانهدام شيء عليه، كمن ألقي عليه حائط ونحوه، لقول صلّى الله عليه وسلم: «والشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهَدْم، والشهيد في سبيل الله» وصاحب ذات الجنب، وصاحب السِّل، وصاحب داء في الوجه، والصابر في الطاعون، والمتردي من رؤوس الجبال بغير فعل الكفار، ومن مات في سبيل الله كمن مات في الحج ومن مات في طلب العلم، ومن طلب الشهادة بنية صادقة، وموت المرابط (حارس الحدود والثغور)، وأمناء الله في الأرض وهم العلماء، والمجنون والنفساء واللديغ، ومن قتل دون دينه أو دمه، أو ماله، أو أهله، أو مظلِمته، وفريس السبع، ومن خر عن دابته، والغريب ، والعاشق إذا عف وكتم، والميت ليلة الجمعة، والمرتث: وهو من نقل من المعركة حياً، أو من أكل أو شرب أو نام أو تداوى بعد طعنه، وبقي حياً وقت صلاة.والخلاصة: إن كل من مات. بسبب مرض أو حادث أو دفاع عن النفس، أو نقل من قلب المعركة حياً، أو مات في أثناء الغربة، أو طلب العلم، أو ليلة الجمعة، فهو شهيد آخرة.وحكم هؤلاء الشهداء في الدنيا، أي شهداء الآخرة: أن الواحد منهم يغسل ويكفن ويصلى عليه اتفاقاً كغيره من الموتى. أما في الآخرة فله ثواب الآخرة فقط، وله أجر الشهداء يوم القيامة.المعصية والشهادة: المعصية لا تمنع الاتصاف بالشهادة، فيكون الميت شهيداً عاصياً؛ لأن الطاعة لا تلغي المعصية إلا في الصغائر، قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود:114/ 11] أي إن الحسنات بامتثال الأوامر، خصوصاً في العبادات التي أهمها الصلاة يذهبن السيئات، قال صلّى الله عليه وسلم: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها».قال بعض الفقهاء: من غرق في قطع الطريق فهو شهيد، وعليه إثم معصيته، وكل من مات بسبب معصيته فليس بشهيد، وإن مات في معصية بسبب من أسباب الشهادة، فله أجر شهادته، وعليه إثم معصيته، ولو قاتل على فرس مغصوب أو كان قوم في معصية فوقع عليهم البيت، فلهم الشهادة، وعليهم إثم المعصية وهذا يعني أنه إذا مات في حالة من حالات الشهادة أثناء معصية فهو شهيد عاص، وإذا مات بسبب المعصية فليس بشهيد. فالمرأة التي تموت بالولادة من الزنا الظاهر أنها شهيدة، أما لو تسببت امرأة في إلقاء حملها فليست بشهيدة للعصيان بالسبب. ومن ركب البحر لمعصية أو سافر آبقاً (هارباً) أو ناشزة، فمات فليس بشهيد.
 
أعلى