العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

تقنين الشريعة

إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
ليتك أضفت موضوع النقاش في عنوان الموضوع.
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
هذا كتاب للشيخ عبد الرحمن بن سعد الشثري - وفقه الله - بعنوان ( تقنين الشريعة بين التحليل والتحريم )
وسأعرضه في هذا المنتدى المبارك على مراحل لإثراء النقاش حوله من قبل مشايخنا الأفاضل
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
قدَّم له الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - وغيره :


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله , والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد وآله وصحبه وبعد :
فقد تصفَّحتُ ما كتبه الأخ الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري - وفقه الله - في موضوع تقنين الشريعة , تلك الفكرة التي ما زالَ النِّداءُ إليها يتكرَّرُ بينَ حينٍ وآخر , وقد ذكرَ - وفقه الله - ما يراه الدُّعاة إلى هذه الفكرة مِن مُبرِّراتٍ وردَّ عليها , وخلُصَ إلى أنَّ هذا العمل لا يجوز , وقد سبَقَهُ إلى القول بعدم جوازه كثيرٌ من العلماء في هذه البلاد وفي غيرها , فجزاه الله خيراً على ما بيَّن ووضَّح .
وهدى الله من استساغ هذه الفكرة إلى الصواب .
وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وآله وصحبه .

كتبه
صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء
في 19 / 9 / 1426هـ
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
هذا هو الكتاب الذي أنقل منه لكي نناقش الآراء الموجودة فيه
 

المرفقات

  • لشريعة بين التحليل والتحريم.doc
    309 KB · المشاهدات: 0
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
بسم الله الرحمن الرحيم

فضيلة الأخ الشيخ عبد الرحمن بن سعد بن علي الشثري
كاتب العدل بالمدينة المنورة حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , وبعد :

فقد اطلعتُ على كتابكم الْمُسمَّى ( تقنين الشريعة بين التحليل والتحريم ) فوجدته مُفيداً لطالب الحقِّ في موضوعه , حريٌّ بالنشر بين الناس , ليستفيدَ منه الباحثُ عن الحقِّ , ولإقامة الْحُجَّةِ على غيره لعلَّه ينكفُّ عمَّا يدعو إليه من باطلٍ لَمْ يَرْضه علماءُ الشريعة قديماً وحديثاً .
وفقكم الله , وسدَّدَ خطاكم , ونفعَ بكتابكم هذا , وبجميعِ كتاباتكم في الدَّعوةِ إلى الحقِّ وردِّ البدعة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

مُحبُّكم أخوكم
عبد الرحمن بن عبد الله العجلان
الْمُدرِّس بالمسجد الحرام
8 / 8 / 1426هـ
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربِّ العالمين , وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبيِّنا محمد , وبعد : فقد نظرتُ في هذه الورقاتِ التي كتبها فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري وفقه الله في نظريةِ تقنينِ الشريعة , وعرَّف الموضوعَ , واختلاف مقاصد الداعينَ إليه .
ومما يجبُ اعتقادُهُ واعتمادُهُ أنَّ شرعَ الله تعالى الحكيمِ العليمِ لا يجوزُ لأحدٍ أن يَستدركَ عليه , أو يَزعُمَ تعديلاً فيه , ومعلومٌ أنَّ معنى التقنين أن يجعل له موادَّ لا تُتجاوز , وهذا فيه قصورٌ عظيمٌ , مع ما يُفهم منه من التعديلِ أو الاستدراك , وغير ذلك .
وقد عُلمَ أنَّ نصوصَ الشرع جوامع تجمعُ الأحكامَ الكثيرة التي تتَّسعُ لِما يقعُ من الناس من الحوادث إلى آخر الدنيا , وقد فَاوَتَ اللهُ جلَّ وعلا بينَ فُهومَ الناس , والتقنينُ يحصرُ القضاة وغيرهم في شيء معيَّن , وقد عُلِمَ حكمُ هذا العمل .
نسألُ الله تعالى أن يَمنَّ على المسلمينَ بتحكيمِ شرعهِ , واتباعِ سنةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلَّم .
كتبه
عبدالله بن محمد الغنيمان
تحريراً في 4 / 10 / 1426هـ
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين , والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين , نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد :
فقد اطلعتُ على هذه الرسالة التي جاءت بعنوان : ( تقنين الشريعة بينَ التحليل والتحريم ) والتي جمعها وكتبها الأخ الفاضل / عبدالرحمن بن سعد الشثري , وقد ألفيتها رسالة مختصرة جامعة لِما ينبغي التنبيه إليه حيال هذه المسألة التي أثارت لَغَطَاً ونقاشاً , وهي مسألة تحويل الأحكام الشرعية إلى مواد مُشابهة للقوانين الغربية في صياغتها وطرائقها , ومن ثمَّ سُمِّيت : تقنين الشريعة , والتي كتبَ عن خطورتها الكثير من العلماء .
وقد أشارَ كاتبُ الرسالة إلى شيء من تاريخ المحاولات لتقنين الشريعة , ثمَّ أعقبَ ذلك ببيان شبهات الْمُجيزين لذلك ومناقشتها , ثمَّ ذكرَ بعض أقوال العلماء والأدلة على المنع من ذلك وعدم جوازه , مُبيِّناً آثار التقنين السيئة على الشريعة ذاتها وعلى القضاة وقضائهم .
ونصيحتنا للأمة أن يتقوا الله في ذلك وأن لا يَبتلوا الأمة بهذا التقليد الغربي خضوعاً لضغوطه وهجومه على شريعتنا وديننا , كما ننصحُ من أُشرب الاعجاب بها ممن ينتسبُ إلى العلم أن لا يتعجَّلوا وأن يتأملوا الأمر وينظروا إلى سلبياته ومفاسده , ودرء المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة إن وُجدت أو توهَّمها مَن يدَّعيها , ونحنُ نخشى على مَن يقولُ بذلك ويُحبِّذه أن يكون ممن فتحَ على الأمة في دخول القوانين الوضعية بسبب ذلك كما وقع في بعض البلدان , والله المستعان .
أسأل الله تعالى أن يُبارك في هذه الرسالة وأن ينفعَ بها , وأن يُجزلَ المثوبة لكاتبها , وصلى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
د . عبدالرحمن الصالح المحمود
18 / 9 / 1426هـ
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله وحده , والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بعده .

أمَّا بعد : فقد اطَّلعتُ على ما كتبه الشيخ عبد الرحمن بن سعد الشثري فيما يتعلَّق بقضيَّة تقنين الشريعة , فوجدته قد أجادَ وأفادَ , وقد بيَّنَ فسادَ الدعوة إلى ذلك بالأدلَّة من الكتاب والسنة , فجزاه الله تعالى خيراً , وبارك فيه .
وكتب
عبد الله بن عبد الرحمن آل سعد
5 / 9 / 1426
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
الْمُقدِّمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي جعلَ في كلِّ زمانِ فترةٍ من الرُّسلِ , بقايا مِنْ أهلِ العلمِ يَدعُونَ مَنْ ضلَّ إلى الْهُدَى , ويَصبرونَ منهم على الأذى , يُحيونَ بكتابِ اللهِ الْموتى , ويُبصِّرونَ بنورِ الله أهلَ العَمَى , فكَمْ مِنْ قتيلٍ لإبليسَ قد أحيَوه , وكَمْ مِنْ ضالٍّ تائهٍ قد هَدَوْه , فما أحسنَ أثرَهم على الناسِ , وأقبحَ أثرَ الناسِ عليهم , يَنفُونَ عن كتابِ الله تحريفَ الغالين , وانتحالَ الْمُبطِلين , وتأويلَ الجاهلينَ , الذينَ عقدوا ألويةَ البدعِ , وأطلقوا عقالَ الفتنةِ , فهم مُختلفونَ في الكتاب , مُخالفونَ للكتابِ , مُجمِعونَ على مفارقةِ الكتاب , يقولونَ على اللهِ , وفي اللهِ , وفي كتابِ اللهِ بغيرِ علمٍ , يَتكلَّمونَ بالْمتشابِهِ من الكلامِ , ويَخدعونَ جُهَّالَ الناسِ بما يُشبِّهونَ عليهم , فنعوذُ بالله من فِتَنِ الضالين (1) .
والصلاةُ والسلامُ على عبدِالله ورسولِه القائلِ : ( إنَّ الله لا يَقبضُ العِلمَ انتزاعاً يَنتزِعُه مِنَ العبادِ , ولكنْ يَقبِضُ العِلمَ بقبضِ العلماءِ , حتَّى إذا لَمْ يُبْقِ عَالِمَاً اتَّخَذَ الناسُ رُؤساءَ جُهَّالاً , فَسُئِلُوا فأفتَوْا بغيرِ عِلْمٍ , فَضَلُّوا وأَضَلُّوا ) (2) , والمَروِيِّ عنه صلى اللهُ عليه وسلمَ قولُه : ( يَرثُ هذا العِلمَ مِنْ كلِّ خَلَفٍ عُدولُه , يَنفُونَ عنه تأويلَ الْجاهلينَ , وانتحالَ الْمُبطلينَ , وتحريفَ الغالين ) (3) , ورضيَ اللهُ عَنْ صحابَتِه والتابعينَ , ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ .
أمَّا بعدُ : فقد كَثُرَتِ الدعوةُ في الصحفِ إلى تَقنينِ الشريعةِ الإسلاميةِ . ومن بابِ بيانِ الحقِّ (4) , وبراءةِ الذِّمةِ ، والتعاونِ على البرِّ والتقوى أكتبُ عن حكمِ تَقنينِ الشريعةِ عبرَ الفُصولِ التاليةِ :
الفصلُ الأولُ : الْمُرادُ بالتَّقنينِ ؟ .
الفصلُ الثاني : تاريخُ الدَّعوةِ إلى تَقنينِ الشريعةِ ؟ .
الفصلُ الثالثُ : حُججُ الْمُخالفينَ وجوابُها ؟ .
الفصلُ الرابعُ : الأدِلَّةُ على حُرمَةِ تَقنينِ الشريعةِ ؟ .
وأشكرُ بعدَ شُكرِ اللهِ تعالى مَشايخي الفضلاءَ الذينَ قرأوا هذه الرسالةَ وأبدَوْا ملاحظاتِهم وتَصويباتِهم , فجزاهُمُ الله عني وعنِ الإسلامِ خيراً , وأخصُّ بالشكرِ :
سماحةَ الشيخ صالحَ بنَ محمد اللحيدان (5) , وسماحةَ الشيخ صالحَ بنَ فوزان الفوزان , ووالدي الكريمَ الشيخَ عبدَالرحمن بنَ عبدِالله العجلانِ , والشيخَ عبدَالله بنَ محمدٍ الغنيمان , والشيخَ عبدَالرحمن بنَ صالحٍ المحمود , والشيخَ عبدَالله بنَ عبدِالرحمن آل سعد - أعتَقَهم اللهُ ووالدِيهم من النارِ - آمين .
وإلى الرسالةِ نفعني الله والمسلمينَ بها .

(1) خطبة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في كتابه : الرد على الجهمية والزنادقة ص55-57 .
(2) رواه الإمام البخاري واللفظ له ح100 ( بابٌ : كيفَ يُقبضُ العلمُ ) ؟ .
وقال رحمه الله تعالى : ( وكتبَ عمرُ بنُ عبد العزيز إلى أبي بكر بنِ حزمٍ : انظر ما كانَ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبهُ , فإني خِفتُ دُرُوسَ العلمِ وذهابَ العلماءِ , ولا تقبلْ إلاَّ حديثَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم , وليُفشُوا العلمَ , وليَجلسوا حتَّى يُعلَّمَ مَن لا يَعلَمُ , فإنَّ العلمَ لا يَهلِكُ حتَّى يكونَ سِرَّاً ) .
ورواه الإمام مسلم ح2673 بابُ : رفع العلم وقبضه , وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان
(3) رواه البيهقي في الكبرى ح20700 ( بابُ الرجل من أهل الفقه يُسأل عن الرجل من أهل الحديث فيقول : كُفُّوا عن حديثه لأنه يغلط أو يُحدِّث بما لَمْ يَسمع , أو أنه لا يُبصر الفتيا ) وابن عساكر في تاريخ دمشق ج7/38 , وصحَّحه الإمام أحمد ( فتح المغيث للسخاوي ج1/297 ) .
(4) ولقد عدَّ الحافظ ابن رجب الحنبلي ت795هـ - رحمه الله – الرَّد على المقالات الضعيفة وتبيين الحقِّ في خلافها بالأدلة الشرعية : من النصيحة لله , ولكتابه , ولرسوله صلى الله عليه وسلَّم , ولأئمة المسلمين , وعامتهم , انظر : الفرق بين النصيحة والتعيير لابن رجب ص11 .
(5) وقد قال وفقه الله عن هذه الرسالة : ( ليس هناك ما يمنع نشرها
 
إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
بارك الله فيك
متابعين معك
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
الفصلُ الأولُ : الْمُراد بالتَّقنينِ :
الْمُرادُ بالتَّقنينِ كما قال سماحةُ الشيخ صالِحُ بنُ فوزان الفوزان وفَّقَه الله : ( وَضْعُ مَوادٍّ تشريعيةٍ يَحكُمُ بها القاضي ولا يتجاوَزُها ) (1) ؟ .
أوْ بمعنى :
صِياغةُ الأحْكامِ الشرعيةِ في عِباراتٍ إلزاميةٍ , لأجْلِ إلزامِ القضاةِ بالحكمِ بها ؟ .
والظاهرُ أنَّ الدافعَ للداعينَ إلى تَقنينِ الشريعَةِ : هو جَهْلُهُم بما حَوَتْه كتُبُ الفِقْهِ الإسلاميِّ مِن كنوزٍ وذخائرَ لا يستطيعُ فردٌ ولا جماعةٌ أن يحصُروها في موادَّ محدودةٍ , ثُمَّ جهلُهُم بما صدَرَ عمَّن قبلَنا , ومَنْ دعا إلى ذلِكَ من أديبٍ , أو صحفيٍّ , أو مُتطاولٍ بما ليسَ له أهلٌ .
ومَنْ وَقَفَ في وجوهِهم وردَّ قولَهم من علماءِ الشريعةِ الْمُتضلِّعينَ في علومِ القرآنِ والحديثِ , والمعروفينَ بالغيرةِ على شريعةِ اللهِ الخالدةِ .
ولعلَّ الدافِعَ لِمَنْ تأثَّرَ من المحسوبينَ على أهلِ الخيرِ والعلمِ - إن شاءَ اللهُ تعالى - : ما رآهُ بعضُهم مِمَّا صَدَرَ من بعضِ القُضاةِ مِنْ أحكامٍ ظنَّ هؤلاءِ أنها متناقضةٌ ، وهي في الحقيقةِ ليستْ كذلكَ .
ولعلَّه أيضاً : دفاعاً منهم مِمَّا قد يَدْعو إلى اتِّهامِ بعضِ القضاةِ ، أو رميِهِم بالقُصُورِ في تطبيقِ الشريعةِ ، وأنَّ مِنْ أسبابِ ذلك في نظَرِهِم : عدمَ وجودِ كتابٍ على قولٍ واحدٍ يُلْزَمُ القضاةُ بالحكمِ به ، ويُوضَعُ على هيئةِ قوانينَ ... إلخ


(1) مقال للشيخ نُشرَ في جريدة الجزيرة عدد 11913 في 3/4/1426هـ , وإنَّ مِمَّا شجَّعني على إخراج هذه الرسالة قول الشيخ وفقه الله : ( أخرجها لكي يستفيد منها المسلمون ) .
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
الفصلُ الثاني : تاريخُ الدعوةِ إلى تَقنينِ الشريعةِ :
إنَّ أوَّلَ مَنْ دَعَا إلى التقنينِ هو : الأديبُ : عبدُ الله بنُ الْمُقَفَّعِ , والذي حَكَمَ عليه بعضُ الأئمةِ : بالزَّنْدقةِ ، والكَذِبِ ، والتّهاونِ بأمرِ الدينِ .. (1) .
حيثُ حاولَ ابنُ المقَفَّعِ إقناعَ أبي جعفرٍ المنصور ( ت 158هـ ) بالتَّقنينِ في بدءِ العهدِ العباسي في رسالة سمَّاها : رسالة الصحابة , واقترحَ على الخليفة بجمع الأحكام الفقهية وإلزام القضاة بالحكم بها .
وكان مما قاله في رسالته : ( فلَوْ رأى أميرُ المؤمنينَ أن يأمرَ بهذه الأقضيةِ والسِّيَرِ المختلِفةِ فتُرفع إليه في كتابٍ ويُرفع معها ما يحتجُّ به كلُّ قومٍ من سُنَّةٍ أو قياسٍ , ثُمَّ نظرَ في ذلك أميرُ المؤمنين وأمضى في كلِّ قضيةٍ رأيه الذي يُلهمه الله , ويعزم عليه عزماً وينهى عن القضاء بخلافه .. ) (2) .

* ثُمَّ دعا الخليفةُ أبو جعفرٍ المنصور عامَ 148هـ إلى نوعٍ مُقاربٍ للتَّقنينِ , وهو إلزامُ الناسِ بموطأِ الإمامِ مالكِ بنِ أنسٍ رحمه الله تعالى ( ت 179هـ ) فامْتَنَعَ الإمامُ مالك (3) .
ثُمَّ أعادَ أبو جعفر المنصور المحاولةَ مرَّةً أخرى عام 163هـ فامتنعَ الإمامُ مالكٌ رحمه الله تعالى (4) .

* ثُمَّ دعا إليه الخليفةُ المهدي ( ت 169هـ ) فامتنعَ أيضاً الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ رحمه الله تعالى (5) .

* ثُمَّ دعا إليه الخليفةُ هارونُ الرشيد ( ت 193هـ ) فامتنعَ أيضاً الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ رحمه الله تعالى(6) ولَمْ يُعرَفْ للإمامِ مالكٍ رحمه الله تعالى مُنازِعٌ منَ العلماءِ .
* ثُمَّ خَمَدَتْ هذه الفتنةُ حتَّى أحْيَتْها الدولةُ العثمانيةُ في أواخرِ ملكِها ، فأصدَرَتْ عام 1286هـ : ( مَجلَّة الأحكامِ العدليةِ ) (7) متضمنةً جملةً من أحكامِ : البيوعِ ، والدعاوى ، والقضاءِ على هيئةِ قوانينَ تَتَلاءمُ كما يدَّعونَ معَ رُوحِ العصرِ ؟! على ما يختارونَه من المذهبِ الحنفيِّ فقط ، وبغَضِّ النظرِ إنْ كان راجحاً أو مرجوحاً ... ثُمَّ ألزَمَتْ المحاكمَ بها عام 1293هـ ، وصارَ هذا التقنينُ في الْمجلَّة المذكورةِ دَرَكَةً أُولَى لِحُلُولِ القانونِ الفرنسيِّ .
* ثُمَّ اتَّجَهَت حكومةُ مصرَ عام 1334هـ إلى وضعِ قانونٍ للزَّواجِ والطلاقِ ، وفي عام 1342هـ أصدروا قانوناً بوضعِ حدٍّ أدنى لسنِّ الزَّواج ...
وهكذا إلى أنْ أصدروا قوانينَ لِمَا يُسَمُّونهُ : الأحوالَ الشخصية ، مُستمَدَّةً مِنَ المذاهِبِ الأربعةِ وغيرِها .
ثمَّ أصدروا في عام 1365هـ قانوناً لتعديلِ بعضِ أحكامِ الوقْفِ .
ثمَّ أصدروا في عام 1371هـ قانوناً بإلغاءِ الوقفِ الأهليِّ كلِّه !؟ .. ثُمَّ تبعَتْها جميعُ الدُّوَلِ العربيةِ ماعدا المملكة .
وما بَيْنَ فترةٍ وأخرى يُصدِرونَ مُذكِّرَاتٍ تفسيريةً وإلغائيةً ، واستبدالَها بآراءٍ أُخرى وهكذا ، حتَّى عَمَّ إدخالُ القوانينِ الغربيةِ في غالبِ أنظمةِ محاكمِ هذه الدولِ .
ولا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بالله العليِّ العظيمِ .
* ثُمَّ دعا إلى إقامَةِ التَّقنينِ في الدِّيارِ السعوديةِ بعضُ الناسِ في عهدِ الملكِ عبدِالعزيزِ بنِ عبدِالرحمنِ رحمه الله تعالى ، فأجمعَ العلماءُ رحمهم اللهُ تعالى على رَدِّهَا (8) .
* ثُمَّ دعا إلى إقامةِ التَّقنينِ هذا العام 1426هـ : قِلَّةٌ مِنْ الْمُنتسبينَ إلى العلمِ ، وبعضُ كَتَبَةِ الجرائدِ ، هدانا الله وإياهم لِمَا اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنِه ، إنه سبحانه يهدي مَن يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ .


(1) انظر : البداية والنهاية للحافظ ابن كثيرٍ ج10/96 ، لسان الميزان للحافظ ابن حجر ج3/173 و366 .
(2) انظر : القضاء في الإسلام لمحمد سلام مدكور ص115 , والإسلام وتقنين الأحكام لعبدالرحمن القاسم ص239-241 .
(3) ذكره ابن عساكر في كشف الغطا ص47 ، وابن عبد البر في الانتقاء ص41 ، وانظر : عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق ص38-39 لمحمد بن سعيد الباني .
(4) انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد ج2/376
(5) انظر : كشف الغطا ص48 ، الانتقاء ص40 .
(6) انظر : حلية الأولياء لأبي نعيم ج6/332 ، إعلام الموقعين للإمام ابن القيم ج2/363-364 ، كشف الخفاء للعجلوني ج1/68 ، القول المفيد في أدلة الاجتهادِ والتقليدِ للشوكاني ص17 .
(7) انظر : القضاء في الإسلام لمحمد سلام مدكور ص111 ، وتاريخ القانون لزهدي يكن ص286 .
(8) انظر : افتتاحية جريدة أم القرى في عددها الصادر بتاريخ 28/2/1346هـ , ورسالة تقنين الشريعة أضراره ومفاسده , للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام - عضو هيئة كبار العلماء – رحمه الله تعالى .
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
الفصلُ الثالثُ : حُججُ الْمُخالفينَ وجوابُها :
لقد ذكرَ الْمُخالفونَ بعضَ الْمُبَرِّراتِ التي يُدَندِنُ بها مَنْ سبَقَهُم بإحداثِ هذه الفتنةِ ؟ ومِنها :
أنه بالتَّقنينِ تَتَحقَّقُ مصالِحٌ ، وتندفعُ مفاسد ؟ .
والجوابُ :
أنه مِنَ المعلومِ أنَّ دينَ الإسلامِ صالِحٌ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ ، ولقد مَرَّتْ عليه عصورُ اتِّساعٍ كاتِّساعِ الدولةِ العباسيةِ في القاراتِ الثلاثِ ، ومعَ ذلكَ تحقَّقتِ العدالةُ بتحكيمِ الشريعةِ ، وانتشرَ اليُسْرُ ، وارتفعَ الْحَرَجُ , ولْمَ يُعرَفْ - عَبْرَ مرِّ التاريخِ عن واحدٍ من الأئمةِ الْمُعْتَبَرِينَ - وجوبُ إلزامِ القُضاةِ في أحكامِهم بمذهَبٍ واحدٍ ، فضلاً عمَّا يدعو إليه هؤلاءِ من تَقنينِ الشّريعةِ بما يُناسِبُ العصرَ الحاضرَ ؟! وعلى هذا ففي كلِّ عَصْرٍ تَقنينٌ جَديدٌ ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)
ومِنْ هذه الْمُبَرِّرَاتِ :
أنه بالتَّقنينِ يَعرِفُ الناسُ والزُوَّارُ مِنْ خارجِ البلدِ المُسلمِ بما سيحكمُ به القضاةُ ؟ .
والجوابُ : بأنَّ القوانينَ الوضعيةَ مدَّونةٌ ، ولَهَا لوائحُ تفسيريةٌ ، وَمَعَ ذلك يَجهَلُها السوادُ الأعظمُ من الناسِ ، وإنما يعرِفُها القليلُ من المتعلِّمينَ ، ولَهذا كَثُرَتْ مكاتبُ الْمُحَاماةِ في الدولِ التي تَحكُمُ بالقوانينِ ، والواقعُ خيرُ شاهدٍ .
وأيضاً : فهؤلاء القِلَّةُ الذينَ يعرِفونَ هذه القوانينَ , هُمْ في الغالبِ مُختلفونَ مع قُضَاتِهِم ، فكلٌّ يُفَسِّرُ هذه القوانينَ على ما يرى ، فكَثُرَتْ عندَهم الاعتراضاتُ على تنفيذِ أحكامِ قُضَاتِهِم ، وأُنشِئَتْ مايُسَمَّى بالمحاكمِ الاستئنافيةِ ، وحتَّى القضاةُ مختلفونَ , فلم يَرْفَعِ اختلافَهم , ولَم ينفَعْهمْ التقنينُ حينئذٍ .
ومِنْ هذه الْمُبَرِّرَاتِ :
أنَّ في التقنينِ دفعاً لحكمِ القاضي بالتَّشَهِّي ؟ .
والجوابُ : إنَّ اتِّهامَ القاضي في حُكمِه لَمْ يَسْلَمْ منه أَحَدٌ حتَّى خيْرُ الخلقِ  , فعن عبدِ الله بن مسعودٍ  قال : ( قَسَمَ النبيُّ  قِسْمَةً كبعضِ ما كانَ يَقسِمُ ، فقال رجلٌ من الأنصارِ : والله إنَّها لَقِسْمَةٌ مَا أُريدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ ، قلتُ : أمَا لأَقُولَنَّ للنبيِّ  ، فأتيتُه وَهُوَ في أصحابِه فَسَارَرْتُهُ ، فَشَقَّ ذلك على النبيِّ  ، وتغيَّرَ وجهُهُ وغَضِبَ ، حتَّى وَدِدَتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أخبَرْتُه ، ثُمَّ قالَ : قَدْ أُوذِيَ موسى بأكثرَ مِنْ ذلكَ فَصَبَرَ ) (1) .
ثُمَّ إنَّ من شَرْطِ توليةِ القاضي للقضاءِ : العدالةَ باتفاقِ الأئمةِ (2) , ومِن المعلومِ : أنَّ حكمَ القاضي في الحضانةِ للأمِّ - كما مثَّلَ على ذلكَ أحدُهم - لا يعمُّ جميعَ الأمهاتِ ، وحكمُ القاضي ينفذُ ظاهراً لا باطناً ، وهو عرضةٌ للخطأِ ، دائرٌ بينَ الأجرِ والأجرَيْنِ (3) .
وفي مثلِ ذلكَ قال عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه قولَتَه الْمشهورةَ : ( تِلْكَ على ما قَضَيْنَا ، وهذه على ما نَقْضِي ) (4) .
فلا تثريبَ على القاضي في الحكمِ في هذه القضيةِ بكذا ، وعلى مثلِها بكذا مُبيِّناً وَجْهَ عُدولِهِ عن حكمهِ الأولِ .
وأيضاً : فقدْ يتَوَفَّرُ في هذه القضيةِ مِنَ الوجوهِ والدَّلائلِ ما يكونُ حكمُها على خلافِ تلكَ القضيةِ التي يُظَنُّ مُشابَهتُها بها من كلِّ وجهٍ ، ولا يَعرِفُ ذلك إلاَّ مَنْ تذوَّقَ القضاءَ ، وترَوَّى بمعرفةِ ملابساتِ الخصوماتِ .

ومِن هذهِ الْمُبَرِّرَاتِ :
نُدرةُ وجودِ قاض بلَغَ رتبةَ الاجتهادِ ؟ .
والجوابُ : أنَّ الجمهورَ على شرطيةِ توفُّرِ الاجتهادِ فيمَنْ يُولَّى القضاءَ ، وذلك : بأنْ يكونَ عارفاً بالأصولِ التي تُرجَعُ الأحكامُ إليها ، لا أنْ يكونَ عالِماً بحكمِ كلِّ قضيةٍ بعَيْنِها (5) ، وهكذا يُولَّى الأمثلُ فالأمثلُ ، ولَمْ يذكرِ العلماءُ الإلزامَ بمذهبٍ مُعيَّنٍ لا يجوزُ تعدِّيه ، فكيفَ بما يدعو إليه هؤلاء من قوانين
( وبالضوابطِ الشرعيةِ ؟ ) .
وأيضاً : ففي الإلزامِ بالتقنينِ قضاءٌ على هؤلاءِ الندرةِ من المجتهدينَ لقطعِ طريقِ العلمِ ، والحرمانِ من استقلالِ النَّظَرِ .

ومِن هذهِ الْمُبَرِّراتِ :
أنَّ في الإلزامِ بالعملِ بالتّقنينِ دَفْعاً لتَأثيرِ الْمُغرِضِين ؟ .
والجوابُ : لعلَّه خَفِيَ عليهم أنَّ هذا مِنْ أقوالِ دُعاةِ مَنْ يُسَمَّونَ ( دعاةُ فقهِ التَّيْسيرِ الْمُعاصِرِ ) (6) .

(1) رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى ح5749 بابُ الصبر في الأذى , والإمام مسلم رحمه الله تعالى ح1062 بابُ إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبُّر مَنْ قَوِيَ إيمانُه .
(2) انظر : مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ج28/388 .
(3) روى البخاري ح6920 باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ , ومسلم ح1716 باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ , عن عمرو بن العاص  أنه سمعَ رسولَ الله  يقول : ( إذا حكمَ الحاكمُ فاجتهد ثُمَّ أصابَ فله أجران , وإذا حكم فاجتهد ثُمَّ أخطأ فله أجر ) .
(4) انظر : سنن البيهيقي ج10/120 باب من اجتهد من الحكام ثُمَّ تغيَّر اجتهاده أو اجتهاد غيره فيما يسوغ فيه الاجتهاد لَمْ يرد ما قضى به , والمصنف لعبد الرزاق ح19005 كتاب الفرائض ، والمغني لابن قدامة ج9/57 .
(5) انظر : المغني ج11/382 ، والمحلَّى لابن حزم ج9/442 .
(6) بدأ هذا المنهج : بانصراف كثير من الناس إلى استفتاء فقهاء الرخص , وانصرافهم عن أهل العلم والعمل , مِمَّن منعتهم هيبة الدين من التلاعب بالرخص .
ومن أبرز أصولهم : النظر إلى المقاصد دون النصوص , التوسُّع في فهم خاصية اليُسر في الإسلام , تتبُّع الرخص , ترك الْمُحكم واتِّباع الْمُتشابه , تعميم إعمال قاعدة عموم البلوى في التخفيف , الأخذ بمبدأ التلفيق , جعل الخلاف دليلاً , البحث عن الأقوال الساقطة ليرفعوا - بزعمهم - الْحَرَجَ عن الكثير من الناس الذين وقعوا في كثير من المعاصي ... وينتمي لمنهج التيسير المعاصر مدرستان هما : مدرسة مَنْ يُسمُّون أنفسهم بالمفكِّرين الإسلاميين , وغالبهم من المتأثِّرين بحركة الإخوان المسلمين , والثانية : مدرسة العلمانيين , ومن أبرز سماتهم : أنهم يعتبرون أنَّ الدين صحيح ما لَمْ يتعارض مع التطوُّر , انظر : منهج التيسير المعاصر - دراسة تحليلية - رسالة ماجستير , للشيخ عبدالله الطويل
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
الفصلُ الرابعُ : الأدِلَّةُ على حُرمةِ تَقنينِ الشَّريعةِ :
1 - قولُه تعالى : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ), والقِسْطُ والعَدْلُ : أنْ يَحكمَ القاضي بما يدينُ اللهَ بهِ مِنَ الحقِّ ، لا بما أُلزِمَ به مِن تَقنينٍ قد يكونُ يرى الحقَّ بخلافِه .
2 - قولُه تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) .
( يأمرُ اللهُ سبحانَه في هذهِ الآيةِ بطاعَتهِ وطاعَةِ رسولِهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ ، لأنَّ في ذلكَ خيرَ الدنيا والآخرةِ ، وعِزَّ الدنيا والآخرةِ ، والنجاةَ مِن عذابِ اللهِ يومَ القيامَةِ , ويأمرُ سبحانَه بطاعةِ أُولي الأمرِ عَطفاً على طاعةِ اللهِ والرسولِ صلى اللهُ عليه وسلمَ مِن غيرِ أن يُعيدَ العامِلَ ، لأنَّ أُولي الأمرِ إنما تجبُ طاعتُهُم فيما هو طاعةٌ للهِ تعالى ولرسولِه صلى اللهُ عليه وسلمَ ، وأمَّا ما كان مَعصيةً للهِ تعالى ورسولِه صلى الله عليه وسلمَ فلا تجوزُ طاعةُ أحدٍ من الناسِ فيه كائناً مَن كانَ ، لقولِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلمَ : ( السمعُ والطاعةُ على الْمَرءِ الْمُسلمِ فيما أَحبَّ وكَرِهَ ما لَمْ يُؤمَرْ بمعصيةٍ ، فإذا أُمِرَ بمعصيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ )(1) .
ثُمَّ أمَرَنا اللهُ سبحانه أنْ نَرُدَّ ما تنازعْنا فيه إلى اللهِ والرسولِ ، فقالَ تعالى :.(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )
والرَّدُّ إلى اللهِ : هو الردُّ إلى كتابهِ الكريمِ ، والرَّدُّ إلى الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلمَ : هو الرَّدُّ إليهِ في حياتهِ عليه الصلاةُ والسلامُ ، وإلى سُنَّتِهِ بعدَ وفاتِه صلى الله عليه وسلَّم , ثُمَّ قالَ سبحانَه : (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) يُرشِدُنا سبحانَه إلى أنَّ رَدَّ مشاكِلِنا كلِّها إلى اللهِ والرسولِ خَيرٌ لنا ، وأحسنُ عاقبةً في العاجِلِ والآجِلِ ... ) (2) .
وقال الإمامُ ابنُ القيمِ رحمه الله تعالى : ( فمَنَعَنا سبحانه من الرَّدِّ إلى غيرهِ وغيرِ رسولِه صلى الله عليه وسلَّم ، وهذا يُبطِلُ التَّقليدَ .. ) (3) .
3 - قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ :. (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
( أقسمَ اللهُ سبحانه في هذه الآيةِ الكريمةِ : أنَّ العبادَ لا يُؤمنونَ حتى يُحكِّموا الرسولَ صلى الله عليه وسلَّم فيما شجرَ بينهم ، وينقادوا لحكمِه ، راغبينَ مُسلِّمينَ من غيرِ كراهةٍ ولا حَرَجٍ ، وهذا يَعُمُّ مشاكِلَ الدينِ والدنيا ، فهو صلَّى الله عليه وسلَّم الذي يَحكمُ فيها بنفسِهِ في حياته ، وبسُنَّتِه بعدَ وفاتهِ ، ولا إيمانَ لِمَنْ أعرَضَ عن ذلكَ أو لَمْ يرضَ به ) (4) .

4 - قولُ الله تعالى : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)
, قال الإمامُ ابنُ القيم رحمه الله تعالى : ( فقطعَ سبحانَه وتعالى التخييرَ بعد أمرهِ وأمرِ رسولهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فليسَ لمؤمنٍ أنْ يختارَ شيئاً بعدَ أمرهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، بلْ إذا أمرَ فأمْرُه حَتْمٌ ، وإنما الْخِيَرةُ في قولِ غيره إذا خَفِيَ أمرُه ، وكان ذلكَ الغيرُ من أهلِ العلمِ به وبسُنَّته ، فبهذه الشروطِ يكونُ قولُ غيرهِ سائغَ الاتِّباعِ ، لا واجبَ الاتِّباعِ ، فلا يجبُ على أحدٍ اتِّباعُ قولِ أحدٍ سواه .. ) (5) .

5 - قولُه صلَّى الله عليهِ وسلَّم : ( القضاةُ ثلاثةٌ ، واحدٌ في الجنةِ ، واثنانِ في النارِ ، فأمَّا الذي في الجنةِ : فَرَجُلٌ عَرَفَ الحقَّ فقضى به ، ورجُلٌ عَرَفَ الحقَّ فجارَ في الحكمِ فَهُوَ في النارِ ، ورجُلٌ قَضى للناسِ على جَهْلٍ فَهُوَ في النَّارِ ) (6) , وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمهُ الله : ( ويجبُ العملُ بمُوجبِ اعتقادِه فيما لَهُ وعليه إجماعاً ) (7) , وعلى هذا فإنْ عَمِلَ القاضي بالتَّقنينِ وهو يَرَى أنه خِلافُ الحقِّ دَخَلَ في هذا الوعيدِ ، واللهُ تعالى أعلمُ .

6 - إنَّ ما دعا إليه هؤلاءِ هو خلافُ ما عليه هديُ القرونِ الْمُفضَّلةِ ، فلا يُعلَمُ مِن هَدْيِ الصحابةِ رضي اللهُ عنهم مَعَ مشاركتِهِم في العِلمِ والمشاورةِ مع بعضِهم لبعضٍ : إلزامُ واحدٍ منهم للآخَرِ بقولِه ، بل المعروفُ الْمعهودُ بالنقلِ خلافُه (8) .
وقد صرَّح بحكايةِ الإجماعِ على ذلك غيرُ واحدٍ : كشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ في الفتاوى ج27/296-297 ج30/79 ج35/357 ، والإمامِ ابنِ القيمِ في إعلامِ الموقعين ج2/217 .
قالَ الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله تعالى : ( أجمعَ الناسُ على أنه مَن استبانَتْ له سنةُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم لَمْ يكنْ له أنْ يدَعَها لقولِ أحدٍ ) (9) .
7 - لعلَّه خَفِيَ عليهم : أنَّ التَّقْنينَ مَدْخَلٌ لتَغييرِ الشَّريعةِ بزيادةٍ أو نقصٍ ، وتبديلٍ ، وتعديلٍ (10) ، فَهُوَ طريقٌ إلى الحكمِ بغيرِ ما أنزلَ الله ؟ .
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمهُ اللهُ : ( ووليُّ الأمرِ : إنْ عرَفَ ما جاءَ به الكتابُ والسنةُ حَكَمَ بين الناسِ به ، وإنْ لَمْ يعرِفْه وأمْكَنَه أنْ يعلمَ ما يقولُ هذا ، وما يقولُ هذا ، حتًّى يعرفَ الحقَّ حكَمَ به ، وإنْ لَمْ يمكنْه لا هذا ولا هذا ترَكَ المسلمينَ على ما هُمْ عليه ، كلٌ يعبُدُ الله على حَسَبِ اجتهادِه ، وليسَ له أنْ يُلْزِمَ أحداً بقبولِ قولِ غيرهِ وإنْ كانَ حاكِماً ، وإذا خرَجَ ولاةُ الأمرِ عن هذا : فقد حكَموا بغيرِ ما أنزلَ اللهُ ، ووقعَ بأسهُم بينَهم .. وهذا مِنْ أعظمِ أسبابِ تغيُّرِ الدُّوَلِ ، كما قَدْ جرَى مثلَ هذا مرَّة بعدَ مرَّة في زمانِنا وغيرِ زمانِنا ، ومَنْ أرادَ اللهُ سعادَته جعلَه يَعتبرُ بما أصابَ غيرَه ، فيسلُكَ مسلَكَ مَنْ أَيَّدَه اللهُ ونصَرَهُ ، ويجتَنِبَ مَسلَكَ مَنْ خَذَلَهُ الله وأهانَه .. ) (11) .
وقال رحمه اللهُ تعالى : ( ومَنْ أوجبَ تقليدَ إمامٍ بعينهِ استُتِيبَ ، فإنْ تابَ وإلاَّ قُتلَ ، وإنْ قال ينبغي كانَ جاهلاً ضالاً ) (12) .
8 - قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه اللهُ تعالى في بيانِ حكمِ من اتَّبعَ عالِماً مجتهداً قاصِداً اتِّباعَ الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلمَ في تحريمِ حلالٍ أوْ تحليلِ حرامٍ : ( ولَكنْ مَنْ عَلِمَ أنَّ هذا أخطأَ فيما جاءَ به الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلَّم ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ على خَطَئِه ، وعدَلَ عَنْ قولِ الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلَّم , فهذا له نصيبٌ من هذا الشِّركِ الذي ذمَّه الله (13) , لاسيَّما إن اتَّبَعَ في ذلكَ هَوَاهُ ونصَرَه باللسانِ واليدِ ، مَعَ عِلْمِهِ بأنه مُخالِفٌ للرسولِ صلى الله عليه وسلَّم ، فهذا شِرْكٌ يَستحِقُّ صاحبُه العقوبةَ عليه ، ولهذا اتفقَ العلماءُ على أنه إذا عرَفَ الحقَّ لا يجوزُ له تقليدُ أحدٍٍ في خلافِه .. ) (14) .
9 - إذا حكمَ القاضي بالتقنينِِ فهلْ سَيقولُ : إنَّ هذا هو دينُ اللهِ الذي أرسلَ به رسولَه صلى اللهُ عليه وسلَّم , وأنزلَ به كتابَهُ , وشرَعَهُ لعبادِه , ولا دينَ له سواهُ ؟ أو يقول : إنَّ دينَ اللهِ الذي شَرَعَهُ لعبادِه خلافُهُ ؟ أو يقول : لا أدري ؟ ولا بُدَّ للقاضي مِن قولٍ مِن هذه الأقوالِ , ولا سَبيلَ له إلى الأولِ قَطعاً , فإنَّ دينَ اللهِ الذي لا دينَ له سواهُ لا تَسوغُ مُخالفَتُه , وأقَلُّ درجاتِ مُخالِفِه أنْ يكونَ من الآثمينَ , والثاني لا يَدَّعيهِ , فليسَ له مَلجأٌ إلاَّ الثالثَ ؟ فيا لله العَجَب ! كيف تُستباحُ الفروجُ والدماءُ والأموالُ والحقوقُ وتُحلَّل وتُحرَّم بأمرٍ أحسنُ أحوالِه وأفضلِها : لا أدري ؟ .
فإنْ كنتَ لا تَدري فتِلكَ مُصيبةٌ وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ (15) .

10 - إذا عُمِلَ بمَا دَعَا إليه هؤلاء - لا قدَّرَ اللهُ - فسَيُلزَمُ القضاةُ الْجُدُدُ عندَ التَّعيينِ بالحكمِ بالتَّقنينِ الجديدِ , قالَ الإمامُ ابنُ قدامةَ رحمه الله تعالى : ( ولا يجوزُ أن يُقلَّدَ القضاءُ لواحِدٍ على أنْ يَحكُمَ بمذهبٍ بعينِه ، وهذا مذهبُ الشافعيِّ ، ولا أعلمُ فيه خلافاً .. ) (16) .

11 - بالنَّظرِ إلى حالِ التَّقنينِ الْمُلْزَمِ به في الدوَلِ : نَجِدُ أنه لَمْ يثبتْ على وَتيرةٍ واحدةٍ ، بلْ مِن تَغييرٍ إلى تَغييرٍ , وتَبديلٍ إلى تبديلٍ ؟ .
ونَتيجةً لهذا ( فالفَرنسيونَ ومَنْ حَذا حذوَهم تركوا للمحاكِمِ حقَّ الاجتهادِ في تفسيرِ النصوصِ وفي تطبيقِها على القواعِدِ العمليةِ وعلى القضايا التي تُعرَضُ عليهِم ) (17) .
وقالَ العلاَّمةُ محمدُ الأمينِ الشّنقيطي رحمه الله : ( إنَّ التدوينَ المذكورَ سَنَّ به فاعلوه التغييرَ لِمَن يأتي بعدَهم , لأنهم بتدوينِهم ألغَوْا أقوالَ أهلِ العلمِ الْمُخالِفَة لِما دوَّنوا , وذلكَ يدعو لصَرْفِ النّظرِ عن أصولِها ومدارِكِها الشرعيةِ , فالذينَ يأتُونَ بعدَهم يُوشِكُ أنْ يقولوا : هؤلاءِ الذينَ دوَّنوا ترَكوا أقوالاً قالَها مَن هو أعلمُ منهم وأقدمُ زماناً , وسنَفعلُ معهم مثلَ ما فَعَلوا معَ غيرِهم , فسيكونُ ذلكَ طريقاً إلى التغييرِ والتعديلِ , ويُوشِكُ أنْ ينتهيَ ذلكَ إلى التَّبديلِ الكلِّيِّ - نَرجو الله أنْ لا يُقدِّرَ ذلك - والأُمَّتان اللَّتانِ دوَّنَتا بعضَ الأحكامِ الشرعيةِ - أعني الأتراكَ والْمصريينَ - انتهى أمرُهُما إلى التبديلِ الكُلِّي )(18) .
( فما دام أنَّ هذه الحقيقةَ الْمُرَّةَ ماثِلةٌ أمامَنا , فكيفَ نلجأُ إليها , وبالتالي نستَثمرُ مساوئَها , فاللهُمَّ إنا نضرَعُ إليك مِنْ أصابعِ التصنُّع )(19) .

12 - أدانَ أحدُ الدَّاعينَ للتقنينِ نفسَهُ عندما قال : ( إنَّ الفتوى تتغيَّرُ بتغيُّرِ الزمانِ والمكانِ ) !!؟ .
فنقولُ : إنَّ التقنينَ يُعتبرُ حَجْرَاً على الأحكامِ الاجتهاديةِ , فيَمنَعُ تغيُّرَ الفتوى بتغيُّرِ الزمانِ , والقاعِدةُ الشرعيةُ : تغيُّرُ الفتوى بتغيُّرِ الأزمنةِ والأحوالِ (20) .
قالَ سماحةُ الشيخِ محمدُ بنُ إبراهيمَ رحمه الله : ( وحكمُ اللهِ ورسولهِ  لا يختلفُ في ذاتِه باختلافِ الأزمانِ وتطوُّرِ الأحوالِ وتجدُّدِ الحوادثِ ، فإنه مَا مِن قضيةٍ كائنةً ما كانت إلاَّ وحكمُها في كتابِ الله تعالى وسنةِ رسولِه  نصَّاً أو ظاهراً , أو استنباطاً أو غير ذلك ، عَلِمَ ذلك مَنْ عَلِمَهُ ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ , وليسَ معنى ما ذكَرَه العلماءُ مِنْ تغيُّر الفتوى بتغيُّرِ الأحوالِ : ما ظنَّه مَنْ قَلَّ نصيبُهم أو عُدِمَ مِن معرفةِ مداركِ الأحكامِ وعِلَلِها ، حيث ظنُّوا أنَّ معنى ذلك بِحَسَبِ ما يُلائِمُ إرادتَهم .. فيحرِّفونَ لذلك الكَلِمَ عَنْ مَوَاضعِه , وحينئذٍ : معنى تغيُّر الفتوى بتغيُّرِ الأحوالِ والأزمانِ : مُرادُ العلماء منه ما كانَ مُسْتَصْحَبَةٌ فيه الأصولُ الشرعيةُ ، والعِلَلُ الْمَرْعِيَّة ، والمصالِحُ التي جِنسُها مرادٌ للهِ تعالى ورسولِه )(21)

13 - التَّقنينُ سَبيلٌ لِهَجْرِ الفِقهِ الشَّرعيِّ كلِّه , وعدمِ الرجوعِ إليه إلاَّ للموادِ الْمُقنَّنَةِ إنْ كانتْ من الفقهِ الإسلاميِّ .

14 - التَّقنينُ سببٌ رئيسٌ للقضاءِ على التراثِ الإسلاميِّ قضاءً نهائياً في مجالِ البيانِ لأحكامِ المعاملاتِ اكتفاءً بالتقنينِ .

15 - التقنينُ فيه تَضييقٌ على المسلمينَ بحَملِهم على قولٍ واحدٍ بصفةٍ مستديمةٍ (22)

(1) رواه الإمام البخاري ح6725 بابُ السمع والطاعة للإمام ما لَمْ تكن معصية
(2) مِنْ بيان أصحاب الفضيلة العلماء : ( محمد بن إبراهيم ، وعبدالعزيز الشثري ، وعبداللطيف بن إبراهيم ، وعمر بن حسن ، وعبد العزيز بن باز ، وعبدالله بن حميد ، وعبدالله بن عقيل ، وعبدالعزيز بن رشيد ، وعبداللطيف بن محمد ، ومحمد بن عوده ، ومحمد بن مهيزع ) بتصرُّف يسير ، انظر : مجموع فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى وإياهم ج12/261 .
(3) إعلام الموقعين ج2/170 .
(4) مِنْ بيان أصحابِ الفضيلة العلماء السالفِ ذكرُهم , والمصدر نفسه ج12/261 .
(5) زاد المعاد ج1/38 .
(6) رواه أبو داود ح 3573 بابٌ في القاضي يخطئ ، وابن ماجة ح2315 بابُ الحاكم يجتهد فيصيب الحق ، والترمذي ح1322 بابُ ما جاء عن رسول الله  في القاضي ، والنسائي في الكبرى ح 5922 ذكرُ ما أعدَّ الله للحاكم الجاهل ، ووثَّقَ رجاله شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ح1884 قسم الحديث .
(7) الفتاوى الكبرى ج4/624 .
(8) انظر : جامع بيان العلم لابن عبدالبر ج2/59 ، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج35/384 ، إعلام الموقعين ج2/189 , 209 ، 211 ، 260
(9) الروح ص264 , إعلام الموقعين ج2/282 , الاتباع لابن أبي العز الحنفي ص24 .
(10) انظر : ج3/207 من أبحاث هيئة كبار العلماء .
(11) مجموع الفتاوى ج35/387-388 .
(12) الفتاوى الكبرى ج4/625
(13) كأنه يُشير إلى قول الله تعالى : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ), وروى الترمذي ح3095 في باب : ومن سورة التوبة , عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : ( أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليبٌ من ذهب , فقال : يا عديُّ اطرَح عنك هذا الوثن , وسمعته يقرأُ في سورة براءة : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) قال : أَمَا إنهم لم يكونوا يَعبدونهم , ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئاً استحلُّوه , وإذا حرَّموا عليهم شيئاً حرَّموه ) .
ورواه أيضاً : البيهقي في الكبرى ح20137 باب : ما يقضي به القاضي ويُفتي به المفتي فإنه غير جائزٍ له أن يُقلِّد أحداً من أهل دهرِه , ولا أن يحكم أو يُفتي بالاستحسان
وحسَّنه شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ في كتابِ الإيمانِ ص64 , واحتجَّ به ابنُ عبدِ البرِ في جامعِ بيان العلم ج2/109 على فسادِ التقليدِ .
(13) مجموع الفتاوى ج7/71
(14) إعلام الموقعين للإمام ابن القيم رحمه الله ج2/191 بتصرف .
(15) المغني ج9/106 .
(16) انظر : مقدمة في إحياء علوم الدين للمحامي المحمصاني ص100
(17) فقه النوازل ج1/96 .
(18) فقه النوازل ج1/88 .
(19) انظر : إعلام الموقعين ج3/14-107 .
(20) مجموع فتاوى سماحته ج12/289 .
(21) قال العلامةُ الشيخُ بكر أبو زيد - وفقه الله تعالى - : ( لقد أفاض الإمامُ ابن القيم رحمه الله تعالى في الرَّدِّ على الْمُقلِّدة من واحدٍ وثمانين وجهاً في نحو تسعين صحيفة من كتاب : إعلام الموقعين ج2/189-260 وهي بجملتها تنسحب على مطلب إقامة الأدلة على المنع من إلزام القاضي بمذهب مُعيَّن أو قولٍ مُقنَّنٍ ) فقه النوازل ج1/
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
فتبيَّنَ لنا مِمَّا مضى :
أنَّ تقنينَ الشريعةِ والذي يُريدُ به مَنْ دَعَا إليه - مَعَ إحسانِ الظنِّ به - درءَ مَفْسَدَةِ اختلافِ القضاةِ ؟ يَستلزمُ مفاسدَ أعظمَ من ذلك : فهو خُطوةٌ إلى الانتقالِ عن الشريعةِ الإسلاميةِ إلى الأنظِمةِ الوضعيةِ (1) , ولعلَّ مَنْ دَعَا إليه يجهلُ ذلك , أوْ يَتجاهَلُه .
فدعوةُ الداعينَ للتَّقنينِ - هدانا الله وإيَّاهم - : ممتنعةٌ شرعاً وواقِعاً ، فموقعُ دعوتِهم مِنْ أحكامِ التكليفِ حَسَبَ الدلائلِ والوجوهِ الشرعيةِ أنه : مُحَرَّمٌ شرعاً ، لا يجوزُ الإلزامُ به ، ولا الالتزامُ به .
ودعوتُهُم مولودةٌ غريبةٌ ، ليستْ في أحشاءِ أُمَّتنا الإسلاميةِ ، غَريبةٌ في لغتِها ، غَريبةٌ في سيرِها وأصالةِ منهجِها ، غريبةٌ في دينِها ومعتَقدِها ، فهي أجنبيةٌ عنها ، ومجلوبةٌ إليها ، فغريبٌ جِدَّاً على هؤلاءِ أنْ يحتَضنوها بمجرَّدِ فكرة : اللهُ أعلمُ بدوافعِهم إليها ، هدانا الله وإياهم لِمَا اختُلفَ فيه من الحقِّ بإذنِه ، إنه سبحانه يهدي مَنْ يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ (2) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)
أسألُ اللهَ تعالى لي وللداعينَ للتَّقنينِ ولعمومِ المسلمينَ الهدايةَ والرَّشادَ ، والرجوعَ للعلماءِ الْمُعتبَرِينَ , وعلينا جميعاً أنْ نُولِّي حارَّها مَنْ تولَّى قارَّها , وهذا من سنةِ أميرِ المؤمنينَ عمرَ  , فعن محمدِ بنِ سيرينَ قالَ : ( قالَ عُمَرُ  لابنِ مسعودٍ : أَلَمْ أُنَبَّـأْ , أو أُنبئتُ أنَّكَ تُفتِي وَلَستَ بأميرٍ , وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا )
(3) .
ومن الحلولِ لدفعِ هذه النازلةِ :
بذلُ المزيدِ من العنايةِ باخْتيارِ القضاةِ ، وإعدادُهم وتأهيلُهم تَأهيلاً عِلمياً ، وتَدريباً عَمَلياً رفيعاً ، وزيادةُ أعدادِهم مِمَّن تتوفرُ فيهم الشروطُ حسب الاستطاعةِ بغضِّ النظرِ عن تاريخِ تخرُّجِهم من الكلياتِ الشرعية .
ومنها : مُكاتبةُ علماءِ المناطقِ والْمُدنِ والقرى : لترشيحِ مَنْ يرونَه أهلاً لذلكَ مِن كبارِ طُلاَّبهم من مُعلِّمينَ أو موظفين , أو مُتفرِّغينَ .
ومنها : تركيزُ المحاكمِ في الْمُدن ، والاكتفاءُ بطلبةِ عِلمٍ مُرشَّحينَ من علمائِنا يُوكَلُ إليهم مع الوعظِ والإرشادِ والإمامةِ : القضاءُ في حدودٍ معيَّنةٍ في القرى بعدَ تدريبهِم ، ومرجعُهم أقربُ قاضٍ لقريَتِهم .
ومنها : الرفعُ لهيئةِ كبارِ العلماءِ ومجلسِ القضاءِ الأعلى عن القضايا المستجِدَّة الهامَّةِ والتي رُبَّما يَشتَبهُ الحكمُ فيها على بعضِ القضاةِ , فيستعينونَ بما تتوصلُ إليه هيئةُ كبارِ العلماءِ ومجلسِ القضاءِ لا لإلزامِهم به ، ولكنْ ليكونَ عوناً لهم على البحثِ عن الحقِّ .
ومنها : عدمُ السماحِ للصحافَةِ بالتعرُّضِ لِمثلِ هذه القضايا مع طَلبةِ العلمِ ، فضلاً عن الروابضِ والْمُتعالِمينَ .
فعن أبي هريرةَ  قال : قالَ رسولُ اللهِ  : ( سيأتي على الناسِ سَنَواتٌ خدَّاعاتٌ ، يُصدَّقُ فيها الكاذبُ ، ويُكَذَّبُ فيها الصادقُ ، ويُؤتَمَنُ فيها الْخائنُ ، ويُخوَّنُ فيها الأمينُ ، ويَنطقُ فيها الرُّويبضةُ ، قيل : وما الرُّويبضةُ ؟ قال : الرَّجلُ التافهُ في أمرِ العامَّةِ ) رواه الإمامُ أحمدُ (4) .
إلى غيرِ ذلكَ مِن الحلولِ والتي لا يخفى مثلُها وغيرُها على أصحابِ الفضيلةِ رئيسِ وأعضاءِ مجلسِ القضاءِ الأعلى وكبارِ القضاةِ إن شاء اللهُ .
وقد ذهبَ أكابرُ العلماءِ في عصرِنا هذا إلى حرمةِ ( تَقنينِ الشريعةِ ) ومنهم مِمَّن وقفتُ عليه :
محمدُ الأمين الشنقيطي ، وعبدُ الله بنُ حُمَيد ، وعبدُ العزيزِ بنُ بازٍ ، وعبدُ الرازقِ عفيفي ، وإبراهيمُ بن محمد آل الشيخ ، وعبدُ العزيز بنُ صالح ، ومحمدُ الحركان ، وسليمانُ العبيد - رحمهم الله تعالى - .
وعبدُ الله بنُ عبدِ الرحمنِ الغديَّان ، وصالحُ بنُ محمد اللحيدان (5) , وعبدُ الله بنُ عبدِ الرحمنِ الجبرين (6) ، وصالحُ بن فوزان الفَوزان (7) ، وبكرُ بنُ عبدِ الله أبو زيد (8) , وعبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ العجلان
(9) , وعبدُ الله بنُ محمد الغنيمان (10) , وعبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الراجحي (11) - وفَّقَهم الله تعالى - .
وأختِمُ رسالتي هذه بما رواه يزيدُ بنُ عميرةَ قالَ : ( كانَ معاذُ لا يَجلِسُ مجلساً للذكرِ إلاَّ قال : الله حَكَمٌ قِسْطٌ ، هلَكَ الْمُرتابون ، إنَّ مِنْ ورائكم فِتَناً يَكثرُ فيها المالُ ، ويُفتحُ فيها القرآنُ ، حتَّى يَأخُذَهُ المؤمنُ والمنافقُ ، والرَّجلُ والمرأةُ ، والصغيرُ والكبيرُ ، والعبدُ والْحُرُّ ، فيوشِكُ قائلٌ أنْ يقولَ : ما للناسِ لا يَتَّبعونِي وقدْ قرأتُ القرآنَ ، ما هُمْ بمُتَّبِعيَّ حتَّى أبتدِعَ لَهم غيرَهُ ، فإيَّاكم وما ابتُدِعَ فإنَّ ما ابتُدِعَ ضلالةٌ ، وأُحذِّركم زَيْغَةَ الحكيمِ ، فإنَّ الشيطانَ قد يقولُ كلمةَ الضلالةِ على لسانِ الحكيمِ ، وقد يقولُ الْمُنافقُ كلمةَ الحقِّ , قالَ : قلتُ لمعاذ : ما يُدرينِي رحمكَ الله أنَّ الحكيمَ قد يقولُ كلمةَ الضلالةِ ، وأنَّ الْمنافقَ قدْ يقولُ كلمةَ الحقِّ , قال : بلى ، اجتنبْ مِِِنْ كلامِ الحكيمِ المشتهِرَاتِ التي يُقالُ لها : ما هذه ، ولا يَثْنِينَّكَ ذلكَ عنه ، فإنه لعلَّه أنْ يُراجعَ ، وتلَّقَ الحقَّ إذا سَمعتَه ، فإنَّ على الحقِّ نوراً ) (12) .
وقال حذيفةُ بنُ اليمانِ  : ( كانَ الناسُ يسألونَ رسولَ الله  عن الخيرِ ، وكنتُ أسْأَلُه عن الشرِّ مَخافةَ أنْ يُدركَنِي , فقلتُ : يا رسولَ الله : إنا كنَّا في جاهليةٍ وشرٍّ ، فجاءنا اللهُ بهذا الخيرِ ، فهل بعدَ هذا الخيرِ شرٌّ ؟ قال  : نعَم ! فقلتُ : هل بعدَ ذلك الشرِّ مِن خيرٍ ؟ قال  : نعم , وفيه دَخَنٌ قلتُ : وما دَخَنُه ؟ قال  : قومٌ يسْتَنُّونَ بغيرِ سُنَّتِي ، ويَهْدونَ بغيرِ هديِي ، تَعرِفُ منهم وتُنكِرُ , فقلتُ : هل بعدَ ذلكَ الخيرِ مِنْ شرٍّ ؟ قال  : نعَمْ , قومٌ من جِلْدَتِنا ! ويتكَلَّمونَ بألسِنَتِنا ! قلتُ : يا رسولَ الله : فما ترى إنْ أدرَكني ذلك ؟ قال  : تلزمُ جماعةَ المسلمينَ وإمامَهُم ! فقلتُ : فإنْ لَمْ تكنْ لَهم جماعةٌ ولا إمامٌ ؟ قال  : فاعتزِلْ تلكَ الفِرَقَ كُلَّها ، ولَوْ أنْ تعضَّ على أصلِ شجرةٍ ، حتَّى يُدركَكَ الموتُ وأنتَ على ذلك ) (13) .

قال شيخُ الإسلامِ محمدُ بنُ عبدِ الوهاب رحمه الله تعالى : ( قال أبو العاليةَ : تعلَّموا الإسلامَ , فإذا تعلَّمتمُوه فلا ترغَبوا عنه , وعليكم بالصراطِ المستقيم , فإنه الإسلامُ , ولا تنحَرِفوا عن الصراطِ يميناً ولا شمالاً , وعليكم بسنةِ نبيِّكم  , وإيَّاكم وهذه الأهواءَ . انتهى , تأمَّل كلامَ أبي العالية هذا ما أجلَّهُ , واعرف زمانَهُ الذي يُحذِّرُ فيه من الأهواءِ التَّي منِ اتَّبَعَها فقد رَغِبَ عن الإسلامِ , وتفسيرَ الإسلامِ بالسنةِ , وخوفَه على أعلامِ التَّابعينَ وعلمائِهم من الخروجِ عن السنةِ والكتابِ !! يتبينُ لكَ معنى قولِه تعالى : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)
.
وقوله تعالى :. (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
وأشباهُ هذه الأصولِ الكبارِ التي هي أصلُ الأصولِ , والناسُ عنها في غفلةٍ , وبمعرفَتِه يتبيَّنُ معنى الأحاديثِ في هذا البابِ وأمثالها , وأمَّا الإنسانُ الذي يقرأُها وأشباهَها , وهو آمِنٌ مُطمَئِنٌ أنها لا تنالُه !! ويظنُّها في قومٍ كانوا فبادوا (!! أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (14) .
وفَّق الله القائمينَ على القضاءِ للصوابِ والإخلاصِ في الأقوالِ والأعمالِ ، ونفعَ بهم البلادَ والعبادَ ، وأعانَهم على ذكرِه , وشكرِه , وخشيتِه , وحُسنِ عبادته ، ونُصرةِ كتابهِ , وسنةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلَّم , وعبادِه الصالحين ، وهداهم لِمَا اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنِه , إنه سبحانه يهدي مَنْ يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم .
كما أسألُه سبحانه أنْ يهديَ ضالَّ المسلمين , وأنْ يُذهب عنَّا وعنهم البأسَ , وأنْ يصرِفَ عنَّا وعنهم كيدَ الكائدينَ , وأنْ يحفَظَنا بالإسلامِ قائمينَ , وقاعدينَ , وراقدينَ , وأن لا يُشْمِتَ بنا الأعداءَ ولا الحاسدينَ , إنَّ الله لسميعُ الدعاءِ (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
( الدينُ النصيحةُ , قُلنا : لِمَنْ ، قال صلى الله عليه وسلَّم : للهِ , ولكتابهِ , ولرسولِه , ولأئمةِ المسلمينَ , وعامَّتِهم ) (15) .
وصلى الله وسلَّم على عبدِه ورسولِه محمدٍ وآلِه وصحبِه وسلم .
كتبه
عبد الرحمن بن سعد الشثري (16)


(1) قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله : ( وإيضاح ذلك : أنَّ النظام الوضعي تتركب حقيقته من شيئين : أحدهما : صورته التي هي شكله وهيئته في ترتيب موادِّه والحرص على تقريب معانيها وضبطها بالأرقام .
والثانية : حقيقة روحه التي هي مشابكة لذلك الهيكل والصورة كمشابكة الروح للبدن , وتلك الروح هي حكم الطاغوت , فصار التدوين مشتملاً على أحدهما والواحد نصف الاثنين , ومما يُظن ظناً قوياً ويُخشى خشية شديدة أنَّ وضع شكل وصورة النظام الوضعي بالتدوين وضع حجر أساس لنفتح روح هذا الهيكل الأصلية فيه , ولا شكَّ أنَّ الظروف الراهنة ومخايل الظروف الْمُستَقبلَة تُؤكد أنَّ تيارات الإلحاد الجارفة في أقطار المعمورة الناظرة إلى الإسلام بعين الحطِّ والإزدراء يغلب على الظنِّ ويُخاف خوفاً شديداً أنها بقوة مغناطيسها الجذَّابة التي جذبت غير هذه البلاد من الأقطار من نظامها الإسلامي التي توارثته عشرات القرون إلى النظام الوضعي الذي شَرَعه الشيطان على ألسنة أوليائه , ستجذب هذه البلاد يوماً ما إلى ما جذبت إليه غيرها من الأقطار التي فيها مئات العلماء كمصر , لضعف الوازع الديني في الأغلبية الساحقة من شباب المسلمين , وكون الثقافة المعاصرة من أعظم الأسباب للانتقال إلى القوانين الوضعية , فجميع الملابسات العالمية مُعينة على الشرِّ المحذور إلا ما شاء الله , ولا سيما إنْ كانت هيئة كبار العلماء قد يُقال أنها ابتدأت وضع الحجر الأساسي لذلك بالرضا بالانتقال عمَّا توارثته الأمة جيلاً بعد جيل إلى وضع نظام شرعي ديني في مسلاخ نظام وضعي بشري شيطاني , وليس هذا من الأمور الدنيوية البحتة التي تُؤخذ عن الكفار , لأنه أمرٌ قد يُقال : إنه ذريعةٌ إلى أعظم فساد ديني ) فقه النوازل ج1/95-96 .
(2) انظر : أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة ج3/115-272 , وفقه النوازل ج1/9-100 للشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد , وغالبُ ما كتبتُ ههنا ملَخَّصٌ منهما .
(3) أخرجه الدارمي واللفظ له ح175 بابُ : الفتيا وما فيه من الشِّدَّةِ ص77 , وعبد الرزاق في مصنفه ح15293 , وابن عبد البر في الجامع ج2/143 , والذهبي في السير ج2/495 .
قال أبو داود في سننه ح4481 : ( وقال الأصمعي : وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا : ولِّ شديدَها مَنْ تَوَلَّى هَيِّنَهَا ) , وقال الذهبي رحمه الله تعالى : ( يَدلُّ على أنَّ مذهبَ عمر رضي الله عنه : أن يَمنع الإمامُ من أفتى بلا إذن ) السير ج2/495 .
وروى المروزي فيما رواه الأكابر ح47 ص61 : عن ابن وهب قال : ( سمعتُ منادياً يُنادي بالمدينة : ألا لا يُفتي الناسَ إلا مالكُ بن أنس , وابن أبي ذئب ) .
(4) ح7899 ، وابن ماجة ح 4036 بابُ شدَّة الزمان ، وجوَّد إسناده الحافظ في الفتح 13/84 .
(5) انظر : ج3/239 من أبحاث هيئة كبار العلماء .
(6) ذكرَ ذلك وفقه الله في إجابةٍ على سؤال وُجِّه إلى فضيلته في أحد دروسه هذا العام 1426 .
(7) انظر : مقال الشيخ وفقه الله الذي نُشر في جريدة الجزيرة عدد 11913 في 3/4/1426 .
(8) انظر : فقه النوازل ج1/9-100 للشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد .
(9) كما في تقديمه وفقه الله تعالى في أول هذه الرسالة .
(10) كما في تقديمه وفقه الله تعالى في أول هذه الرسالة .
(11) ذكرَ ذلك في إجابةٍ على سؤالٍ وُجِّه إليه في 23/8/1426 .
(12) رواه أبو داود ح4611 بابُ لزوم السنة , وعبد الرزاق في مصنفه ح20750 , والحاكم في المستدرك وصحَّحه ح8422 كتاب الفتن والملاحم .
(13) رواه البخاري ح3411 بابُ علامات النبوة في الإسلام , ومسلم واللفظ له ح1847 بابُ وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كلِّ حال , وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة .
(14) كتاب فضل الإسلام ص28-29 لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى .
(15) رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى ح196 بابُ بيان أنَّ الدين النصيحة .
(16) آملُ منك أخي الكريم : موافاتي باقتراحاتك وملاحظاتك على 0555775888 والمؤمن مرآة أخيه , والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .
 
إنضم
20 أبريل 2008
المشاركات
122
التخصص
الشريعة..
المدينة
أم القرى
المذهب الفقهي
............
بلاش تكتب نقاش..

الشغلة كلها نسخ ولصق..

فين أراء الباحثين..

كنت قد زورت كلاما لكن ما دام الدعوة كده إلى لقاء آخر

................................................
 
إنضم
26 مارس 2009
المشاركات
752
الكنية
أبو عمر
التخصص
(LL.M) Master of Laws
المدينة
القريات
المذهب الفقهي
حنبلي
بلاش تكتب نقاش..

الشغلة كلها نسخ ولصق..

فين أراء الباحثين..

كنت قد زورت كلاما لكن ما دام الدعوة كده إلى لقاء آخر

................................................

أخي المبارك لقد نبهت في بداية هذا الموضوع لهذا الكتاب الذي أنقل منه وأردت مناقشة ماورد فيه من النتائج التي توصل إليها الباحث من قبل مشايخنا الأفاضل لا من قبلي
وأرجو من فضيلتكم إبداء مازورته في صدرك حول هذه المسألة لكي أستضيء بمعرفة رأيك أيها الباحث
ولله درك على هذ الاكتشاف الذي خفي على غيرك بأن (الشغلة كلها نسخ ولصق)
 
أعلى