العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

دوافع الشهوة إلى التجريح بلا دليل

إنضم
27 مارس 2008
المشاركات
365
التخصص
أصول الفقه
المدينة
قسنطينة
المذهب الفقهي
حنبلي
* السؤال : ماهي الأسباب الداعية إلى شهوة التجريح بلا دليل ؟
والجواب : أن الدافع لا يخلو :
* إما أن يكون الدافع (( عداوة عقدية في حسبانه )) فهذا لأرباب التوجهات الفكرية ، والعقدية المخالفة للإسلام الصحيح في إطار السلف .
وهؤلاء هم الذين ألقوا بذور هذه الظاهرة في ناشئتنا .
* أو يكون الدافع من تلبيس إبليس ، وتلاعبه في بعض العباد بداء الوسواس ، وكثيرا ما يكون في هؤلاء الصالحين من نفث فيهم أهل الأهواء نفثة ، فتمكنت من قلوبهم ، وحسبوها زيادة في التوقي الورع ، فطاروا بها كل مطار حتى أكلت أوقاتهم ، واستلهمت جهودهم ، وصدتهم عما هم بحاجة إليه من التحصيل ، والوقوف على حقائق العلم والإيمان .
ولهذا كثرت أسئلتهم عن فلان ، وفلان ، ثم تنزلت بهم الحال إلى الوقوع فيهم .
وكأن ابن القيم – رحمه الله تعالى – شاهد عيان لما يجري في عصرنا إذ يقول10 :
" ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام ، والظلم ، والزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، ومن النظر المحرم ، وغير ذلك .
ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه ، حتى نرى الرجل يشار إليه بالدين ، والزهد ، والعبادة ، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالا ، وينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ، بين المشرق والمغرب .
وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول )انتهى .
* أو يكون الدافع : (( داء الحسد والبغي والغيرة )) وهي أشد ما تكون بين المنتسبين إلى الخير والعلم ، فإذا رأى المغبون في حظه من هبوط منزلته الاعتبارية في قلوب الناس ، وجفولهم لهم عنه ، بجانب مــا كتب الله لأحد أقرانه من نعمة – هو منهــــا محروم - ، من القبول في الأرض ، وانتشار الذكر ، والتفاف الطلاب حوله ، أخذ بتوهين حاله ، وذمه بما يشبه المدح ، فلان كذا إلا أنه …
وقد يسلك – وشتان بين المسلكين – صنيع المتورعين من المحدثين في المجروحين كحركات التوهين ، وصيغ الدعاء التي تشير إلى المؤاخذات ، والله يعلم أنه لا يريد إلا التمريض ، يفعل هذا كمدا من باب الضرب للمحظوظين بوساوس المحرومين .
وكل هذا من عمل الشيطان .
ومن هنا تبتهج النفس بدقة نظر النقاد ؛ إذ صرفوا النظر عما سبيله كذلك من تقادح الأقران .
ولهذا تتابعت كلمات السلف كما روى بعضا منها ابن عبدالبر – رحمه الله تعالى – بأسانيده في : (( جامعه )) عن ابن عباس –ر ضي الله عنهما – ومالك بن دينار ، وابن حازم – رحمهم الله تعالى – ومنها :
" خذوا العلم حيث وجدتم ، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض ، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة " .
وقال أبي حازم :
" العلماء كانوا فيما مضى من الزمان إذا لقي العالم من هو فوقه في العلم كان ذلك يوم غنيمة ، وإذا لقي من هو مثله ذاكره ، وإذا لقي من هو دونه لم يزه عليه حتى كان هذا الزمان ، فصار الرجل يعيب من هو فوقه ابتغاء أن ينقطع منه حتى يرى الناس أنه ليس به حاجه إليه ، ولا يذاكر من هو مثله ، ويزهى على من هو دونه ، فهلك الناس " .
وصدق النبي - - فيما رواه حواري رسول الله - - وابن عمته : الزبير بن العوام – رضي الله عنه – أن رسول الله - - قال :
" دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد ، والبغضاء ، البغضاء هي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين ، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا , ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم : أفشوا السلام بينكم ".
* أو الدافع : (( عداوة دنيوية )) فكم أثارت من تباغض وشحناء ، ونكد ، ومكابدة ، فهؤلاء دائما في غصة من حياتهم ، وتحرق على حظوظهم ، ولا ينالون شيئا .


" وإنما أهلك الناس الدرهم والدينار " .
واللبيب يعرف شرح ذلك .
وعلى كل حال فإن الهوى هو الذي يحمل الفريقين على هذه الموبقات ، وقد يجتمع في الإنسان أكثر من دافع .
وأشدهم طوعا للهوى ، أكثرهم إغراقا في هذه الدوافع ؛ إذ إن إصدار أي حكم لا يخلو من واحد من مأخذين لا ثالث لهما :
1- الشريعة : وهي المستند الحق وموئل (( العدل )) ، وماذا بعد الحق إلا الضلال .
2- الهوى : وهو المأخذ الواهي الباطل المذموم ، ولا يترتب عليه حق أبدا .
والهوى – نعوذ بالله منه – هو أول فتنة طرقت العالم ، وباتباع الهوى ضل إبليس ، وبه ضل كثير من الأمم عن اتباع رسلهم وأنبيائهم كما في قصص القرآن العظيم ؛ ولهذا حكم الله – وهو أعدل الحاكمين – أنه لا أحد أضل ممن اتبع هواه ، فقال سبحانه :
{ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } [ القصص : 50 ]
وقال تعالى
{ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } [ ص : 66 ]
ولذلك قيل للمائلين عن سبيل القصد :( أهل الأهواء ) ؛ وذلك لاتباعهم الهوى ، أو لأنها تهوي بأهلها في النار .
* وإذا كان أهل الأهواء قد نجحوا في نفثتهم المحمومة هذه ، ففتح الأغرار بها كوة على علمائهم ، فإن اللادينيين قد حولوها إلى باب مفتوح على مصراعيه ، فألحقوا كل نقيصة ، وسخرية في كل متدين وعبد صالح ، وأما العلماء فقد جعلوهم (( وقود البلبلة وحطب الاضطراب )) .

بقلم
بكر بن عبد الله أبو زيد
رحمة الله عليه
 
أعلى