العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

حصري ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

د. أيمن علي صالح

:: متخصص ::
إنضم
13 فبراير 2010
المشاركات
1,023
الكنية
أبو علي
التخصص
الفقه وأصوله
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي - بشكل عام
ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

د. أيمن صالح​

هذه مقدمة البحث أدناه ، والبحث كاملا تجدونه على هذا الرابط:
ضعف_خرّيجي_كلّيات_الدّراسات_الشرعية.pdf

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين، وعلى آله، وصحبه أجمعين، وبعد:
فإنَّ تقدُّمَ الأمم ورقيَّها إنَّما هو بصلاح صناعة التعليم فيها، وتخلُّفَها وانحطاطَها إنَّما هو بفساد هذه الصِّناعة. وقد بلغ من أهميّة التعليم والتعلُّم أنْ جعل الله، تعالى، ذلك ممَّا اختصَّ به آدم، عليه السلام، وأظهر به مَزيته على الملأ الأعلى من الملائكة المقرّبين، فقال، سبحانه: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. [البقرة: 31]. ومن الدلائل، أيضا، على عِظَم أهميّة التعلُّم والتّعليم، أنْ أشار إليهما، سبحانه وتعالى، في أوَّل آياتٍ أنزلها من كتابه فقال، عَزّ من قائل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. [العلق: 1-5]. فذكر «القراءة» التي هي من أهمّ وسائل تلقّي العلم وكسبه، وذكر «القلم» كنايةً عن «الكتابة» التي هي من أهمّ وسائل نقل العلم وتقييده وتعليمه. وبهاتين الوسيلتين: «القراءة» و«الكتابة»، استطاع الإنسان أن يعلم ما لم يكن يعلمه من قبل، فلله الحمد على نِعَمه.
وأشرفُ العلوم، وأعظمُها، عند أتباع الرسل كافّة، علومُ الدّين؛ لأنّها تؤهِّل صاحبَها ليقوم في نفسه، وفي قومه، مقامَ الأنبياء، صلوات ربّي عليهم، الذين «لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، وإنَّما ورَّثُوا العلم، فمن أَخذ به أخذ بحظٍّ وافر»([1]).
ولا يضير هذه العلوم أنْ أصبحت سوقُها كاسدةً في هذه الأعصار؛ لقلّة الراغب فيها وكثرة المدبر عنها، من العامّة والخاصّة، فهي لم تُوضع للاحتراف أصلاً، ولا ليُتوصّل بها إلى أعراض الدنيا وزينتها، بل وُضعت سبباً لمن أراد أن يفهم عن الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، ويعمل بما فَهِم، طَمَعاً فيما عند الله، تعالى، والفوز برضاه.
ولقد مُنيت صناعة التعليم الدّيني في هذه الأمّة بنَكَساتٍ وتراجعات، فأصابها ما أصاب الدّين عموماً بمرور الزمن من خُفوت جذوته في قلوب الناس. وضَعْف تأثيره في مناحي حياتهم، وهذا ما دعا أبا حامد الغزالي (ت: 505هـ)، رحمه الله، في زمنه، إلى تأليف كتابه الذي سمّاه «إحياء علوم الدين» ناعياً فيه على علماء عصره انحرافَهم بعلوم الدّين عن مقاصدها وغاياتها، وعدمَ تحقُّقِهم بكثير من شروطها وآدابها، وغفلتَهم عن روحها وأسرارها، راسماً لهم طريق العلم والعمل فيها.
وإذا انتقد الغزالي، رحمه الله، ضَعف العَمل بالعلم في عصره واصفاً علماء عصره لذلك بـ «المترسِّمين بالعِلم»، لا العلماء؛ لأنّ مقاصد أكثرهم في طلب العلم لم تكن شريفة، ولا أعمالهم كانت منيفة، فإنّه، مع ذلك، لم يشكّك في قدراتهم العلمية، ولا في أهليتهم للفتوى والإرشاد والوعظ والتعليم.
وأمّا في عصرنا هذا فقد اتّسع الخرق على الراقع، وفُقِد العلم والعمل معاً، وغاب الشكل والمضمون على حدٍّ سواء، ولم يبق من الشَّكل إلا الرُّتب والمناصب والألقاب؛ فمظاهر الضّعف في التأهيل العِلمي والعَملي في معظم خريجي معاهد الدراسات الشّرعية لا سيّما الرسمي منها، لا تخفى حتى على أعشى النظر. فلا هم - إلا ما نَدر - أتقياءُ بررة، ولا هم علماء مهرة، حتى من أنهى منهم دراسته العليا من ماجستير ودكتوراه. ومن شذَّ منهم فكان بعد تخرُّجه متأهّلاً عِلمياً وعَمَلياً فإنّه لا يعزو كبير الفضل في ذلك، بعد الله تعالى، إلى جامعته وكُلّيته، بل إلى جهودٍ خاصّة قام بها خارج إطار الدّراسة النّظامية.
وهذا الضّعف في الخرّيجين من الوضوح بمكان حتى إنّه لا ينكره أكثرُ القائمين على كلّيات التعليم الشرعي أنفسهم. والعاقل منهم من سلَّم بالواقع فصار يتواضع في أهداف مؤسّسته، ورسالتها، فيصرِّح بالقول: إنّا لا نخرّج علماء، بل موظّفين لسدّ حاجات المجتمع من أئمةٍ وخطباء ومدرّسين، ويتواضع آخرون بطريقة أخرى، فيقولون: نحن إنّما نعطي مفاتيح العلم، والباقي هو ما لا بدّ للطالب أن ينهض به على عاتقه. ولم يَصْدُقوا في قولهم: «مفاتيح العلم» لأنَّ مناهجهم، في أكثرها، لا تنشئ مَلَكاتٍ ولا تربِّي مهارات، بل تُحمِّل الطلاب نُتَفاً من المحفوظات. وأمّلوا باطلاً، ورَجوا سراباً، إذ توقَّعوا من الطالب أن ينهض بالعلم على عاتقه، لضعف آلته أولاً، ولأنّهم لم يغرسوا فيه، بالقول والعمل، الحرصَ على طلبه، والرغبة فيه، وإيثاره على ما سواه، ثانياً، ولأنّهم - ثالثاً - لم ينزعوا منه، قصدَ التوسُّل به إلى الشهادة والوظيفة، ومن طلب العلم لهذا الغرض قلَّ أن يفلح إلا أن يتداركه الله برحمة منه فيعقل غاية العلم الدّيني وثماره المقصودة وطرق تحصيله.
قال الدكتور محمد مندور (1363هـ/1944م)، رحمه الله، في مقال له بعنوان أُمّيّة المتعلّمين: «لأميّة المتعلِّمين ثلاثة مظاهر: الانتهاء من التعليم الدراسي بفائدة ضئيلة، وعدم تنمية كلِّ صاحب فنٍّ لمعلوماته الفنّية بعد التخرُّج، وأخيراً ضعف الثقافة العامّة عند مُعظم المتعلِّمين، بل وإهمالها أحياناً إهمالاً تامّاً»([2]). قلتُ: وهذا كلُّه موجود في خرِّيجينا، ولله الحمد، إلا ما رحم ربي. وقد طوّفتُ في التدريس في عدّة أقطار من أقطار المسلمين من أقصى المشرق إلى المغرب، فكان هذا حال أكثر من رأيت حاشا أفذاذاً وأفراداً هنا وهناك لا يجاوزون أصابع اليد، اختارتهم يد العناية، وأسعفتهم القريحة، وصاحبهم التوفيق. وهم رغم ذلك، ورغم حرصهم، وإخلاص كثيرٍ منهم، حيارى في مناهج الطّلب، وكثرة الكتب، مشتتو العزم، كثيرو التنقُّل، قليلو النَّصير.
فإذا كان هذا حال الأفذاذ منهم، على ندورهم، فما بالك بمن هو دونهم، وهم السّواد الأعظم، مِمَّن جُرُّوا إلى علوم الدّين بالسَّلاسل، أو لم تسعفهم القريحة ولا جَودة الفهم والنَّشاط، لتحصيل ما يؤهِّلهم للالتحاق ببرامج العلوم الدنيوية، لكثرة المنافس عليها، والمقبل إليها، فقِنعوا بما لا قاصد له ولا راغب فيه من التخصُّصات الدينيّة، التي هي في ذيل البرامج في أكثر الجامعات النِّظامية، حتى إنَّه لا يلتحق بها في الأعمّ الأعظم إلا «النَّطيحة» و«المتردية» و«ما أكل السَّبُع»، ممَّن لم يجدوا باباً مفتوحاً لقبولهم إلا بابها.
ولو عُدْنا بالزمن إلى الوراء قليلاً لوجدنا أنّ الفقه، والعلوم الدينية كَمَلاً، مرّت في العصور المتأخّرة بتراجع وانحطاط شديدين، أطبق على ذلك الكاتبون في تاريخ الفقه والعلوم الشرعية، فقد انحسر الإبداع، وانعدم الاجتهاد، وضاق الفهم، وساد التعصُّب، وعمّ الجمود، واستوى التقليد الأعمى على عرش العقول، فضَعُف التَّحصيل، وقلَّ في المترسِّمين بالعلم التأصيل، وكثُر عندهم النَّقلُ والقال والقيل. وهذا ما صوّر جانباً منه الشيخُ العطّار (ت: 1250هـ)، رحمه الله، حين قال مُتأسِّفاً:
«من تأمّل...تراجم الأئمّة الأعلام...وفيما انتهى إليه الحال في زمنٍ وقعنا فيه، عَلِم أن نسبتنا إليهم كنسبة عامّة زمانهم [إليهم]؛ فإنّ قُصارى أمرنا النّقلُ عنهم بدون أن نخترع شيئاً من عند أنفسنا، وليتنا وصلنا إلى هذه المرتبة، بل اقتصرنا على النّظر في كتب محصورة ألّفها المتأخِّرون المستمِدّون من كلامهم، نكرّرها طول العُمُر، ولا تطمح نفوسنا إلى النّظر في غيرها، حتى كأنّ العلم انحصر في هذه الكتب، فلزم من ذلك أنّه إذا ورد علينا سؤالٌ من غوامض علم الكلام تخلّصنا عنه بأنّ هذا كلام الفلاسفة، ولا ننظر فيه، أو مسألةٌ أصولية قلنا: لم نرها في جمع الجوامع فلا أصل لها، أو نكتةٌ أدبيَّة قلنا: هذا من علوم أهل البطالة، وهكذا...، فصار العُذر أقبحَ من الذنب.
وإذا اجتمع جماعةٌ منّا في مجلسٍ فالمخاطباتُ مخاطباتُ العامّة، والحديثُ حديثهم، فإذا جرى في المجلس نكتةٌ أدبيّة ربّما لا نتفطّن لها، وإن تفطّنّا لها بَالغنا في إنكارها والإغماض عن قائلها إن كان مساوياً، وإيذائِه بشناعة القول إن كان أدنى، ونسبناه إلى عدم الحِشمة وقلّة الأدب. وأمّا إذا وقعت مسألةٌ غامضة من أيّ علمٍ كان، عند ذلك تقومُ القيامة، وتكثر المقالة، ويتكدّر المجلس، وتمتلئ القلوب بالشّحناء، وتُغمِض العيون على القذى، فالمرموق بنظر العامّة، الموسوم بما يُسمّى العلم: إمّا أن يتستّر بالسُّكوت حتى يُقال: إنّ الشيخ مستغرقٌ، أو يهذو بما تمجُّه الأسماع، وتنفر عنه الطِّباع...فحالنا الآن كما قال ابن الجوزي في مجلس وعظه ببغداد:
ما في الديار أخو وَجْدٍ نطارِحُه ... حديثَ نجدٍ ولا خِلٌّ نجاريه»([3]).
وبعد العطّار بقرنٍ من الزمان تقريباً بلغ فساد التعليم وضعف الخرّيجين ذِروتَه، حتى قال الشيخ بدر الدين الحلبي (1324هـ/1906م)، رحمه الله: «وظيفة التعليم أصبحت عقيمة، بما اعترى جسمها من الأدواء، فما تكاد تنتج شيئاً، ولو أردنا أن نحصي عدد النّاجحين من أولئك المستعدّين لتعلّم العلوم الدينية نجاحاً نسبياً، لم يكونوا أكثر من واحد في كلّ مائة، ولو طلبنا الناجحين حقيقةً الذين يمكنهم القيام بوظيفة التعليم لم يكونوا أكثر من واحد في الألف إن كَثُر عددهم»([4]).
فهل هذا الزمن الذي نحن فيه الآن خيرٌ من زمن العطّار (ت: 1250هـ)، وزمن بدر الدين الحلبي (1324هـ/1906م) ؟! .........

تابع في المشاركة التالية


([1]) أبو داود، السنن، (3/ 317). وابن ماجه، السنن، (1/ 81). وصحّحه الألباني، وحسّنه الأرناؤوط.

([2]) مندور: محمد، أمّيّة المتعلمين، مجلة الرسالة، العدد 588، بتاريخ: 9/10/1944م.

([3]) العطّار: حسن بن محمد بن محمود الشافعي، حاشية العطّار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، (2/ 247).

([4]) الحلبي: بدر الدين محمد بن مصطفى النعساني، التعليم والإرشاد، ص11.
 

د. أيمن علي صالح

:: متخصص ::
إنضم
13 فبراير 2010
المشاركات
1,023
الكنية
أبو علي
التخصص
الفقه وأصوله
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي - بشكل عام
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

ربّما كان الجواب «نعم»، نسبياً، على صعيد الجمود والتقليد والتعصُّب، لكنّه، لا شكّ، «لا»، على صعيد تخريج الفقهاء والعلماء المتأهّلين.
وذلك لأنّ مناهج الإصلاح في التعليم الديني في الأعصار الأخيرة حتى عصرنا هذا التي دعا إليها أمثال الشيخ محمد عبده وابن باديس وابن عاشور والخضري وبدر الدين الحلبي والحجوي وابن بدران وغيرهم من الفضلاء، لم تؤتِ، في واقع التطبيق، أُكُلَها المنشودة. وغاية الأمر أنْ خفَّ بفضلها الاعتماد على كتب المتأخِّرين المبهمة والمختصرة، واستُبدلت بكتب عصرية سهلة العبارة، ليّنة المأخذ، حسنة الطباعة والتنسيق، لكنّها مع ذلك، في أكثرها، كثيرة المرق قليلة اللحم، تخلو من الابتكار في المضمون إلا ما ندر. ولأنَّ هؤلاء المصلحين بَالغ أكثرُهم في نبذ التقليد وتمجيد الاجتهاد بعد أن أُغلق بابُه ردحاً من الزمن، كثر «المتمجهدون» في زمننا هذا، وتوسَّد العلمَ غيرُ أهله، وصار حتى العَلمانيون، ومن يُسمّون بالمثقّفين والمفكّرين، يقترحون في الدّين ويُفتون وينظِّرون، وهم خِلْوٌ من أدنى مؤهِّلات التخصُّص وعلوم آلات الاجتهاد، فضلاً عن الجهل بمعظم نصوص الكتاب والسنّة، فكان أن تخلَّصنا من سطوة التقليد لنقع بعد ذلك في مستنقع «التَّمجهُد»، وصار حالنا كما قال الشاعر:
رُبَّ يومٍ بكيتُ منه، فلمَّا ... صِرتُ في غيره، بكيتُ عليهِ
أو كما قال الآخر:
عَتِبتُ على عمروٍ فلمّا تركتُه ... وجرّبتُ أقواماً بكيتُ على عمروِ
ومِمّا زاد الطِّين بِلَّة في فساد التّعليم في هذه الأعصار أنّ علوم «التربية والتعليم» هي من أوهن العلوم في بلاد المسلمين خصوصاً، وفي دول ما يُسمَّى بالعالم الثالث عموماً، وذلك بسبب اتِّضاع مكانة المعلِّم وصناعة التعليم مادّيّاً ومعنوياً في هذه المجتمعات، فصار لا يَتخصَّص في هذه العلوم النافعة إلا أقلُّ النَّاس كفاءة واستعداداً وذكاءً، فبدل أن يُبدعوا ويبتكروا، أو على الأقل، يُغربلوا النّظريات الغربيّة في علوم التربية والتعليم، وينظروا في مدى تواؤمِها عند التطبيق مع ثقافة المسلمين ودينهم وأعرافهم وأولويّاتهم الاجتماعية والاقتصادية، فيأخذوا النَّافع والمناسب منها بعد تجريبه واختباره، وتكييفه وتحسينه بالقدْر الممكن: بدل أن يقوموا بذلك صاروا مجرَّد أبواق لمفكّري التربية الغربيين، وتُرجماناً حرفياً لنواتج أفكارهم بعُجَرها وبُجَرها، دون فهمٍ عميق لهذه الأفكار، ولا مراعاةٍ لخلفياتها الاجتماعية والعَقَدية والفلسفية، وصارت ساحة التعليم في بلاد المسلمين ميداناً لتجريب كلِّ جديد مبتدَع يقتنع به وزيرٌ من وزراء التعليم الذي يكون، في أحسن أحواله، ذكياً لكنّه غير مختصّ، أو مختصَّاً لكنّه من هؤلاء «أنصاف التربويين».
ومن المثال على ذلك «التعليم المختلط بين الجنسين» الذي روَّج له حيناً من الدّهر كثيرٌ من التربويين والمثقفين، مُعَدِّدين مزاياه وفضله على التعليم غير المختلط، تقليداً للغربيين، ثم بعد أن بدأت في الظهور الدراسات الغربية التي تشير إلى تفضيل التعليم غير المختلط على المختلط، رأيت هؤلاء القوم واجمين ساكتين.
وإذا كان تطبيق الأفكار الغربيّة والأنظمة المستوردة على التعليم الدّنيوي لدينا، دون وعيٍ دقيق، ودراسة متأنّية، وحذرٍ شديد، ينطوي على مقامرة كبيرة، وخطرٍ داهم، وفشلٍ ذريع، فإنّ هذا التطبيق لهذه الأفكار وتلك الأنظمة، على التعليم الدّيني خصوصاً أدعى للمقامرة، والخطر، والبوء بما لا تُحمد عقباه. وذلك لفرقين جوهريين بين العلم الدّيني من جهة، والعلوم الدّنيوية من جهة أخرى، من حيث الغايةُ والطبيعة.
أمّا من حيث الغاية، فالعلم الدّنيوي في الفلسفة الغربية المادّيّة يحرِّكه أحد حافزين أو كلاهما:
الأول: الحافز النّفسي، أي العِلم لأجل العلم ذاته، بغضّ النّظر عن ثمرته.
والثاني: العلم لأجل النّفع المادّي، والمصلحة الدُّنيوية.
أمّا العلوم الدِّينية فلا يصحُّ أن يُراد بها لا هذا ولا ذاك، وقد دلَّت النُّصوص الكثيرة من الكتاب والسنة، وأقوال السّلف الصالحين وسِيَرُهم، على أنَّ العلم الديني لا ينبغي أن تُراد به الدنيا وأعراضها، وإنّما هو وسيلة لغاية واحدة لا غير، هي تمثُّلُه والعمل به ابتغاء وجه الله تعالى والدّار الآخرة، ثمَّ نشره ونفع النّاس به دون تطلُّع، وإشراف نفس، إلى المكاسب الدنيوية والمغانم المادّية من مال أو جاه أو رِفعة أو شُهرة أو منصب. قال الشاطبي (ت: 790هـ)، رحمه الله، مستقرئاً هذا المبدأ من نصوص الشرع وملخِّصا له في مقدّمات كتابه الموافقات: «كلُّ علمٍ شرعيٍّ فطلب الشارع له إنَّما يكون من حيث هو وسيلةٌ إلى التعبُّد به لله تعالى، لا من جهةٍ أخرى»([1]).
وللأسف الشديد فقد تسرّبت كثيرٌ من الأفكار الغربية المادّية إلى صناعة التعليم الدّيني، في مجتمعاتنا الإسلامية، ونتيجةً لذلك صار الشُّغلُ الشَّاغل لكثيرٍ من القائمين على هذا التعليم إعدادَ برامجه، وتوجيهَ مقرّراته، بما يراعي حاجةَ السُّوق، ومتطلَّبات أرباب العمل، ورغبات المتعلِّمين المعاشية، تحت ذريعة ما يُسمَّى بالـ Marketability في البرامج، وذلك جَرياً مع مبادئ الرأسمالية في المنفعة، والسّوق الحرّة، وقانون العرض والطَّلب.
وهذا التوخِّي للأغراض الدّنيوية الوظيفيّة، في بناء برامج العلوم الشرعية، وإن لم يكن مرفوضاً البتّةَ إلا أنّه ينبغي أن يظلَّ هدفاً ثانوياً لا أوليّاً، وتابعاً لا أصلياً، وبالعَرَض لا بالذّات. وينبغي أن يُرَكَّزَ الجُهد في إعداد البرامج ومقرّراتها على البناء العلمي السّليم والمتكامل للطالب، بهدف تخريجِه عالماً بمعنى الكلمة، مَعرفةً وعَمَلاً، شكلاً ومضموناً، أو على الأقل، تخريجه متعلّماً غير مكتمل المعارف، لكنّه، مع ذلك، سائرٌ على سِكّة العلماء، متسلّحٌ بالأدوات والمهارات والدّوافع الذاتية الكافية لتجعله يتابع الطّريق إلى العالِـميّة على عاتقه، ولا بأس بعد كلّ هذا، أو مَعه، من مراعاة نوع الوظيفة التي سيتأهّل لها وتدريبِه عليها سَلفاً، على أن يكون ذلك، كما قلنا، تَبَعاً لا أصالة، على نَمط ما أُشير إليه في قوله، تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}. [القصص: 77]. وقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ... وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى... لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}. [البقرة: 197، 198]. ففي الموضعين كان القصد الدُّنيوي تابعاً ومتأخّراً عن القصد الأخروي......

تابع في المشاركة التالية...



([1]) الشاطبي، الموافقات، (1/ 73).
 

د. أيمن علي صالح

:: متخصص ::
إنضم
13 فبراير 2010
المشاركات
1,023
الكنية
أبو علي
التخصص
الفقه وأصوله
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي - بشكل عام
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

أمّا أن يكون التركيز منصبّاً على متطلّبات سوق العمل ابتداءً، فهذا قلبٌ للمسألة، ووضعٌ للأشياء في غير مواضعها، فالعلوم الدّينية لم تُوضع للاتِّجار بها. قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}. [ص: 86]، وقد تكرّر معنى هذه الآية في عشرة مواضع من الكتاب، وقال، صلى الله عليه وسلّم: «من تعلّم علماً مِمّا يُبتغى به وجه الله لا يتعلَّمه إلا ليصيب به عَرَضاً من الدّنيا لم يجد عَرْف الجنَّة يوم القيامة»([1]). ولذلك كَرِه كثيرٌ من السَّلف أخذ الأجرة على التعليم الدّيني، ورخَّص فيه بعضهم، لكن اتَّفق الجميع على أنَّ من قَصد به الدّنيا لم يحصُل له منه إلا ما نوى.
رُؤي سفيان الثوري (ت: 161هـ)، رحمه الله، حزيناً، «فقيل له: ما لَك؟ فقال: صرنا مَتجراً لأبناء الدنيا: يلزمُنا أحدهم حتى إذا تعلّم جُعِل قاضياً أو عاملاً أو قَهرماناً»([2]).
وقال ابن الجوزي (ت: 597هـ)، رحمه الله، «تأمَّلت العلماء والمتعلِّمين، فرأيت القليل من المتعلِّمين عليه أمارة النَّجابة؛ لأنّ أمارة النَّجابة طلب العلم للعمل به، وجمهورهم يطلب منه ما يُصَيرِّه شَبَكةً للكَسْب: إمّا ليأخذ قضاءَ مكانٍ، أو ليصير قاضي بلد، أو قدْر ما يتميزَّ به عن أبناء جنسه، ثم يكتفي»([3]).
وجاء في المدخل لابن الحاج (ت: 737هـ)، رحمه الله:
«قال بعض السَّلف: "مَن طلب العلم لوجه الله لم يزل مُعاناً، ومَن طلبه لغير الله لم يزل مُهاناً". هذا إذا كان هو الدَّاخل بنفسه لطلب العلم، فإن كان وليُّه هو الذي يرشده لذلك فيتعيَّن على الوليِّ أن يعلِّمه النّيّة فيه، وليحذر أن يرشده لطلب العلم بسبب أن يرأس به، أو يأخذ معلوماً عليه إلى غير ذلك ممَّا تقدَّم ذكرُه، فإنَّ هذا سُمٌّ قاتل يُخرج العلم عن أن يكون لله تعالى، بل يقرأ، ويجتهد لله تعالى خالصاً كما تقدَّم ذكره، فإنْ جاء شيءٌ من غيب الله تعالى قَبِلَه على سبيل أنَّه فُتُوحٌ من الله تعالى ساقه الله إليه؛ لا لأجل إجارة، أو مقابلة على ما هو بصدده؛ إذ إنّ أعمال الآخرة لا يُؤخذ عليها عوض»([4]).
وعن ابن الأكفاني (ت: 749هـ)، رحمه الله، قال: «من تعلّم علماً للاحتراف لم يأتِ عالماً إنّما جاء شبيهاً بالعلماء. ولقد كُوشف علماء ما وراء النّهر بهذا الأمر، وفَظِعوا به، لـمّا بلغهم بناء المدارس ببغداد فأقاموا للعِلم مأتماً، وقالوا: كان يشتغل به أرباب الهِمَم العليّة، والأنفس الزّكيّة، الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به، فيأتون علماءَ يُنتفع بهم، وبعلمهم. وإذا صار عليه أجرةٌ تدانى إليه الأخِسّاء، وأربابُ الكسل، فيكون ذلك سبباً لارتفاعه»([5]).
وقال المنفلوطي (ت: 1343هـ)، رحمه الله: «لن يبلغ المتعلِّم درجة النّبوغ إلا إذا وضع في العلم الذي مارسه مسألة، أو كشف حقيقة، أو أصلح هفوة، أو اخترع طريقة، ولن يسلس له ذلك إلا إذا كان علمُه مفهوما لا محفوظاً، ولا يكون مفهوماً إلا إذا أخلص المتعلِّم إليه، وتعبّد له، وأنس به أُنس العاشق بمعشوقه، ولم ينظر إليه نظر التاجر لسلعته، والمحترف إلى حرفته، فالتاجر يجمع من السِّلع ما ينفُق سوقه، لا ما يغلو جوهره، والمحترف لا يهمُّه من حرفته إلا لقمة الخبز وجرعة الماء، أحسن أم أساء. لا يزور العلمُ قلبا مشغولاً بترقُّب المناصب، وحساب الرَّواتب، وسوق الآمال وراء الأموال»([6]).
وممّا نتج عن التركيز على توجيه البرامج وإعداد المقرّرات بحسب متطلَّبات السوق أنْ قلَّ الاهتمام، في هذه البرامج والمقرّرات، بالجوانب الخُلُقيّة والرّوحية للمتعلِّم على عكس ما جاء الأنبياء لأجله، وجُعِل العلم له، فصار من المهجور - عملاً - في صناعة التعليم الديني الرسمي هذه الأيام: قولُه تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. [فاطر: 28]، وقولُه، صلى الله عليه وسلم: «إنّما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق»([7])، وذلك لأنَّ هذه «البِضاعة» لا سوق لها، أو لذريعة أنّها إن وُضعت أهدافاً أو مخرجاتٍ فهي غير قابلة للقياس والتقييم.
ومن النتائج لذلك أيضاً أنْ صار الأساتذة إلا قليلاً يعتبرون أنفسهم باعةً للعلم ومجرّد موظّفين، فاشتدّ التَّحاسد والتباغض والتنافس بينهم، كالذي يكون بين الباعة وأهل السوق، وربّما أكثر، وصاروا، إلا من رحم ربي، يقتتلون على المعاشات الإضافية، والدُّروس الخارجيّة، وبيع كتب العلم لطلابهم، وغير ذلك مِمَّا السكوت عنه أولى من ذكره، ففقدوا بذلك هيبتهم، وخسروا احترامَهم، وقلَّ الانتفاع بهم، فإنّ المتعلِّم يستفيد من معلّمه بقدر تعظيمه له، وارتفاع قدره عنده. عن سفيان بن عيينة قال: بلغنا عن ابن عبّاس، رضي الله عنه، أنه قال: «لو أنّ حملة العلم أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبَّهم الله وملائكته والصالحون ولهابهم الناس، ولكن طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على النّاس»([8]).
ومن جهةٍ أخرى صار يُعامل الطَّالب على أنّه «زَبون»، لا أكثر، كزبون المطعم أو المقهى أو الدّكان، ولذلك فَسحت له الأنظمة الجامعية الليبرالية المجال لاختيار ما يدرس، وكيف يدرسه، ومتى يدرسه، ومتى لو شاء ينسحب منه، وصارت المقرّرات الدينية، وغيرها، كسوق كبيرة يختار الطالب منها ما يراه هو بنفسه ملائماً لحاله، ومحقِّقاً لآماله - التي لا تعدو الظَّفَر بالشهادة أو التفوّق فيها - بحسب سهولة المقرّر وصعوبته، وخِفَّة ظلِّ مدرسه وثقالته، وكرمه في الدَّرَجات وشُحّه، وغير ذلك من الاعتبارات الصّارفة عن التعلُّم الحقِّ الذي ينبغي أن يراعي ما ينفع الطالب وإن كان فيه بعضُ مرارة، لا أن يراعي رغباته وشهواته. قال الغزالي (ت: 505هـ)، رحمه الله: «وبالجملة فكلُّ متعلِّم لم يتَّبع مراسم معلِّمه في طريق التعلُّم، فاحكم عليه بالإخفاق وقِلّة النُّجح»([9]). وقال برهان الدين الزرنوجي (ت: بعد 593هـ)، رحمه الله: «وينبغي لطالب العلم أن لا يختار نوع العلم بنفسه، بل يفوِّض أمره إلى الأستاذ، فإنَّ الأستاذ قد حصل له التجارب في ذلك، فكان أعرف بما ينبغي لكلِّ واحد وما يليق بطبيعته»([10])، ثم ينقُل، رحمه الله، عن أحد شيوخه قولَه: «كان طلبة العلم في الزمان الأول يفوِّضون أمرهم في التعلُّم إلى أساتذتهم، وكانوا يَصِلون إلى مقصودهم ومرادهم، والآن يختارون بأنفسهم، فلا يحصل مقصودُهم من العلم والفقه»([11]).
وأمّا الفرق الجوهري الثاني الذي يفصل بين العلم الديني والعلوم الدنيوية، فهو أنّ العلم الديني مدارُه في الغالب على النَّقل دون العقل، وأنَّ العقل، إذا كان له نظر في علوم الدين، فهو: «إنّما ينظر من وراء الشرع»([12])، كما قال الشاطبي (ت: 790هـ) رحمه الله. وقال، أيضاً: «إذا تعاضد النّقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدّم النّقل فيكون متبوعاً، ويتأخَّر العقل فيكون تابعاً، فلا يسرح العقل في مجال النَّظر إلا بقدْر ما يسرِّحه النَّقل»([13]).
أمّا العلوم الدنيوية فعلى العكس، مدارها في الغالب على العقل دون النّقل، والتّجريب دون التّسليم، والرأي دون الاتّباع. ومن هنا فما صلح تطبيقه وتبنِّيه من الأفكار التربوية وأنظمتها المستوردة من الغرب في مجال العلوم الدنيوية، قد لا يصلح تطبيقه بتاتاً في مجال التعليم الديني، أو يصلح ولكن مع تحويرٍ شديد أو قليل، وذلك بسبب تباين طبيعة العلم المدروس في كلا المجالين.

تابع المشاركة التالية....


([1]) أبو داود، السنن، (3/ 323). وابن ماجه، السنن، (1/ 92). وصحّحه الألباني وحسّنه الأرناؤوط.

([2]) الغزالي، إحياء علوم الدين، (1/ 57).

([3]) ابن الجوزي، صيد الخاطر، ص70.

([4]) ابن الحاج، المدخل إلى تنمية الأعمال، (2/ 123).

([5]) ابن الأكفاني، إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، ص 95.

([6]) المنفلوطي: مصطفى لطفي، النّظرات، (1/ 289).

([7]) مالك، الموطأ، (5/ 1330)، وأحمد، المسند، (14/ 513). وصحّحه الألباني والأرناؤوط.

([8]) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (1/ 655).

([9]) الغزالي، ميزان العمل، ص346.

([10]) الزرنوجي، تعليم المتعلم طريق التعلم، ص31.

([11]) الزرنوجي، تعليم المتعلم طريق التعلم، ص31. مع التنبيه على أنّ المقصود بالأستاذ هنا المحنّك في التعليم لا مجرد من حصل على شهادة عليا في علم من العلوم، فهذا لا مزية لاختياره وإرشاده.

([12]) الشاطبي، الموافقات، (1/ 30).

([13]) الشاطبي، الموافقات، (1/ 125).
 

د. أيمن علي صالح

:: متخصص ::
إنضم
13 فبراير 2010
المشاركات
1,023
الكنية
أبو علي
التخصص
الفقه وأصوله
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي - بشكل عام
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

فإذا تقرَّر ما سبق من وجود هذا التباين بين العلوم الدينية والعلوم الدنيوية، غايةً وطبيعة، كان حرياً بالمتصدّي لإصلاح طرق التعليم الديني، أن يراعي هذه الفروق وأن يولِّي وجهه، بادئ ذي بَدء، في سبيل بحثه عن المعالجات والأدوية، شطرَ مستشفى تراثنا التربوي الإسلامي وصيدليته، فإنّهما تعاملا مع هذه العلوم بصورة مباشرة، على مدى قرون، بدلاً من أن يولِّي وجهه، أولَّ الأمر، شطرَ الغرب وأهله ونظرياتهم.
ولا يُفهم من هذا أنّي أرفض الاقتباس من الغرب، بل «الحكمة ضالّة المؤمن»، وهي رحمٌ بين بني الإنسان، وبئس الـمَسلكُ تهجينُ القول ونبذُه بسبب جنس قائله أو مذهبه، دون نظرٍ إلى ما نهض عليه من أدلّة، فالحقّ لا يُعرف بالرجال، وإنّما يُعرف الرجال بالحقّ، ولكنّي خشيت أن نترك ما لدينا من تراثٍ تربوي ثَرٍّ، وتجربة عميقةٍ امتدت قروناً طويلة، وشَهِدت، سيّما في فتراتها الأولى، نجاحاتٍ عظيمة، وخرَّجت علماءَ آياتٍ في الفهّم والدِّقة والسَّعة والتفنُّن: أن نترك ذلك كلّه لأجل مقالاتٍ يقولها غربيُّون اليوم وربّما تراجعوا عنها غداً، فنتَّبعها لا لشي إلا لأنّ قائليها غربيُّون، والمغلوب مُولعٌ أبداً بتقليد الغالب، فالحذرَ الحذر، إنَّه لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صَلُح به أوَّلُها، وأهلُ مكّةَ أدرى بشعابها، ويرحم الله علماءنا إذ قالوا: «لا يكون فقيهاً في الحادث من لم يكن عالماً بالماضي»([1]).
ويرحم الله الشيخ ابن باديس (ت: 1359هـ) إذ قال:
«لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم، فإنّما العلماء من الأمّة بمثابة القلب إذا صلح صلح الجسد كلّه، وإذا فسد فسد الجسد كلّه. وصلاح المسلمين إنّما هو بفقههم الإسلام وعملهم به، وإنّما يصل إليهم هذا على يد علمائهم، فإذا كان علماؤهم أهلَ جُمود في العلم، وابتداعٍ في العَمَل، فكذلك المسلمون يكونون. فإذا أردنا إصلاح المسلمين فلنُصلح علماءهم.
ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم. فالتّعليم هو الذي يطبع المتعلِّم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته، وما يستقبل من علمه لنفسه وغيره. فإذا أردنا أن نصلح العلماء فلنصلح التعليم. ونعني بالتعليم التعليم الذي يكون به المسلم عالماً من علماء الإسلام يأخذ عنه النّاس دينهم ويقتدون به فيه.
ولن يصلح هذا التعليم إلاّ إذا رجعنا به للتعليم النّبوي في شكله وموضوعه، في مادّته فيما كان يعلِّم، صلى الله عليه وآله وسلم، وفي صورة تعليمه، فقد صحّ عنه، صلى الله عليه وآله وسلم، فيما رواه مسلم أنّه قال: «إنّما بُعثت معلّماً»، فماذا كان يعلِّم وكيف كان يعلِّم»([2]).
وعليه، كانت هذه الورقة بعنوان «ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشرعية: أهمّ الأسباب، والحلول الممكنة، في ضوء أدبيات التعليم في تراثنا التربوي» محاولةً من الباحث لتلمُّس الصَّواب في طُرق التعليم، وتشخيصاً لأمراضه، وبحثاً عن العلاج استناداً إلى ما خلَّفه الأسلاف من ممارساتٍ ونصائح وإشارات، أرى أن القائمين على صناعة التعليم في كثير من كلّيات الدراسات الشرعية من أساتذة وإداريين، قد نبذوها، أو بعضَها على الأقل، وراء ظهورهم، وجعلوها دُبُر آذانهم، إمّا غفلة منهم عنها، وإمّا تأثراً بمناهج العلوم الدنيوية وأنظمتها المستوردة.
وقد أتيتُ فيها بجهد المقلّ، وأكثرتُ من النُّقول عن كتب التراث تمشياً مع عنوان الورقة الذي يشير إلى بحث الموضوع من وجهة تراثية، وتدعيماً للأفكار وترسيخاً لها. فما حالفني فيه الصّواب فبفضلٍ من الله، عزّ شأنه، وتوفيق، وما أخطأتُ فيه فلغفلة من نفسي، أو نسيانٍ جُبلت عليه، أو ضعفٍ في عقلي ورأيي، فأسأله، سبحانه، الذي لا يضلّ ولا ينسى، أن يغفر لي ولوالدي ولكل من قرأ كلامي هذا بعين الإنصاف.
وقد جعلتُ هذه الورقة، بعد هذه المقدّمة، في مطلبين:
أحدهما: السبب الأول في ضعف خريجي كلّيات الدراسات الشرعية: وهو قِلّة إقبال أذكياء الطّلبة على تعلُّم العلوم الشرعية.
والمطلب الثاني: السبب الثاني: ضَعف مناهج التعليم وطرق التدريس. وذكرت في خلاله ستة عيوب. وهي:
1. ضعف الاهتمام بالقرآن الكريم حِفظاً وتدبّراً.
2. تزاحم العلوم في خطط التدريس وبرامجه.
3. إهمال مبدأ التدرُّج من الجملة إلى التفاصيل في الخطط الدراسية.
4. الاعتماد على أسلوب التلقين في أكثر وقت الدرس.
5. التركيز على الحفظ على حساب المهارات العقلية الأعلى.
6. عدم اشتمال أكثر المقرّرات على محتوى روحي.
وخاتمة، ضمّنتها توصيات البحث.


([1]) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (2/ 818)، نقلاً عن ابن الماجشون، رحمه الله.

([2]) الطالبي: عمّار، ابن باديس: حياته وآثاره، (3/ 217).
 

أم طارق

:: رئيسة فريق طالبات العلم ::
إنضم
11 أكتوبر 2008
المشاركات
7,422
الجنس
أنثى
الكنية
أم طارق
التخصص
دراسات إسلامية
الدولة
السعودية
المدينة
الرياض
المذهب الفقهي
سني
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

بارك الله فيكم دكتور أيمن
هلا وضعتم لنا مشكورين النتائج والتوصيات
 

د. أيمن علي صالح

:: متخصص ::
إنضم
13 فبراير 2010
المشاركات
1,023
الكنية
أبو علي
التخصص
الفقه وأصوله
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي - بشكل عام
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

الخاتمة والتوصيات

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، ومن والاه، وبعد:
فقد تعرضت هذه الورقة لدراسة قضايا تربوية شتى تتعلق بأسباب ضعف خريجي الدراسات الإسلامية في الجامعات المختلفة، وخلصت إلى نتائج عديدة، أوجز أهمّها فيما يلي:
1. ظاهرة ضعف خريجي الدراسات الإسلامية باتت ظاهرةً واضحة ومقلقة إلى حدٍّ كبير، وهي استمرار للانحطاط العلمي الذي اعترى العلوم الدينية في الأعصار المتأخِّرة.
2. رغم عدم الاعتراض من حيث المبدأ على الاستفادة من نواتج العلوم التربوية لدى الغرب واستعمالها في إصلاح التعليم الديني لدينا إلا أنّ هذا ينبغي أن يكون بحذر شديد، والأولى الرجوع قبل ذلك إلى التراث الإسلامي التربوي في هذا الخصوص، وذلك لوجود فروق جوهرية بين العلوم التي سيقت النظريات الغربية التربوية لدراسة كيفيّة تعليمها، وعلومنا الدينية من حيث الغاية والطبيعة.
3. أهمُّ سببين لضعف خريجي كلّيات الدراسات الإسلامية هما: قلّة إقبال أذكياء الطّلبة على تعلُّم العلوم الشرعية، وسوء مناهج التعليم وطرق التدريس.
4. قلة إقبال أذكياء الطلبة على دراسة العلوم الشرعية، ناجم عن ضعف اهتمام الدول الحديثة للمسلمين، ومجتمعاتهم، بدارسي هذه العلوم مادّياً ومعنوياً، مقارنة بدارسي التخصصات الدنيوية، مِمّا أدّى إلى نتيجتين مُرّتين: إحداهما: تردّي نوعية أكثر الطلبة الملتحقين بالدراسات الدينية من حيث الذكاء والاستعداد الفطري. والثانية: ضعف الرغبة الحقيقيّة أو انعدامها لدى أكثر هؤلاء الطلبة في دراسة العلم الشرعي.
5. سوء مناهج التعليم وطرق التدريس في كثير من الكلّيات الشرعية، تجلّى في عدد من العيوب أهمها:​
‌أ) ضعف الاهتمام بالقرآن الكريم حِفظاً وتدبّراً.
ب) تزاحم العلوم في خطط التدريس وبرامجه.
‌ج) إهمال مبدأ التدرُّج من الجملة إلى التفاصيل في الخطط الدراسية.
‌ د) الاعتماد على أسلوب التلقين في أكثر وقت الدرس.
‌ه) التركيز على الحفظ على حساب المهارات العقلية الأعلى.
و) خلوّ أكثر المقرّرات من محتوى روحي.​
6. وبالبناء على ما سبق فإنّ الباحث أوصى بجملة من الأمور:​
‌أ) الرجوع إلى التراث التربوي الإسلامي على مرّ العصور في البحث عن طرق للنهوض بواقع التعليم الديني في زمننا الراهن.
ب) عمل المؤسسات التعليمية الدينية والأوقاف على تصيُّد أذكياء الطلبة في مراحل مبكّرة من أعمارهم، وتبنيهم وتشجيعهم وذويهم مادّياً ومعنوياً للالتحاق بسلك الدراسات الدينية.
ج) توفير الدول وظائف مجزية لخريجي الدراسات الدينية تنافس تلك التي تُخصّص لخريجي العلوم الدنيوية أو أفضل منها، وذلك لزيادة إقبال أذكياء الطلبة على هذه التخصُّصات.
‌د) زيادة الاهتمام بالقرآن الكريم، حفظاً وتفسيراً، في خطط التدريس وبرامجه في الكلّيّات الشرعية لجميع التخصُّصات الفرعية، ولا أقل من أن تُخصَّص مقرّرات سنة كاملة لحفظ القرآن الكريم وتفسيره.
‌ه) تقليل عدد المقررات التي تُعطى للطالب في الفصل الواحد أو السنة الواحدة منعاً لتزاحم العلوم. والانتباه إلى تقديم علوم الآلة في البرامج والخطط على علوم الغاية. ويمكن عمل ذلك بزيادة عدد الساعات المعتمدة للمقرر الواحد نفسه في الفصل الدراسي.
و) تصميم المقرّرات في العلم الواحد على ثلاثة مستويات: مبتدئ ومتوسط ومتقدّم، بحيث يُتوسّع في تدريس العلم الواحد من الجملة إلى التفاصيل، أي بطريقة عمودية. وتجنُّب الطريقة الشائعة الآن في تصميم البرامج والخطط الدّراسية، وهي الطريقة الأفقية، التي يقسّم فيها مستوى واحد، هو المتوسط عادة، إلى أجزاء متساوية، ويوزع على عدّة فصول متباعدة.
ز) البعد عن أسلوب التلقين أو التقليل منه ما أمكن في التدريس، وإدماج الطالب في العَمليَّة التعلُّميّة في وقت الدّرس باستخدام أدوات التعلّم النّشِط.
ح) قصر المطالبة بالحفظ في المقررات على نصوص الكتاب والسنّة والقواعد والأصول والمباني الكلّية للعلوم الشرعية دون الإغراق في حفظ التفاصيل والفروع توفيراً لجهد المتعلِّم في الفهم والتطبيق والمقارنة والنّقد والاستنتاج وغيرها من المهارات العقلية العليا. ‌
ط)التركيز على الارتقاء الروحي والخُلُقي بالمتعلِّم، بتخصيص جانب تربوي روحي في كل مقرّر في أيِّ علم من العلوم الشرعية، بالإضافة للمقرّرات الخاصّة بالأخلاق والتربية الروحيّة.​
 
إنضم
2 يوليو 2008
المشاركات
2,237
الكنية
أبو حازم الكاتب
التخصص
أصول فقه
المدينة
القصيم
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

بارك الله فيكم فضيلة الدكتور أيمن بحث مفيد ونافع ينبغي الاستفادة منه وتفعيله في الكليات الشرعية
 

د. أيمن علي صالح

:: متخصص ::
إنضم
13 فبراير 2010
المشاركات
1,023
الكنية
أبو علي
التخصص
الفقه وأصوله
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي - بشكل عام
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

وفيكم بارك د. بدر، أسعدتموني بالمرور.
الحقيقة قبل هذا البحث لم أكن أتصور الثراء التربوي لدى علمائنا.
أما كليات الشريعة في ظل الأنظمة الحالية فشبه ميؤوس من إصلاحها كما ينبغي. ما رأيك؟
 
إنضم
2 يوليو 2008
المشاركات
2,237
الكنية
أبو حازم الكاتب
التخصص
أصول فقه
المدينة
القصيم
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

بارك الله فيكم فضيلة الدكتور أيمن
عن نفسي حقيقة لست يائساً أبداً بل متفائل لكن الأمر يحتاج إلى جهود من مثل ما قمتم به فضيلة الدكتور :
الوقوف على أسباب الضعف
الوقوف على جوانب القوة الممكنة
النظر في الفرص الممكنة
النظر في التحديات والصعوبات
عند تفعيل هذه الجوانب والاستفادة منها يمكن تغيير الواقع إن شاء الله وأرى أن ثمة أسباب أخرى لهذا الضعف يمكن إضافتها لما ذكرتم حسب رأيي وممارستي منها :
1 - ضعف المستوى العلمي للأساتذة .
2 - ضعف المستوى المهاري للأساتذة .
3 - قلة النشاطات المساندة للتعليم النظامي كالدورات والدروس العلمية داخل الكلية وخارجها في المساجد ونحوها .
4 - عدم وضوح أهداف المقرر إما في توصيف المقرر أو عند الأستاذ أو عند الطالب .
5 - عدم وجود سنة تحضيرية تأهيلية للدخول في التخصص كما يحدث في التخصصات الأخرى .
6 - اهتمام الكليات بالجودة النظرية والرغبة في الحصول على الاعتماد الأكاديمي دون الوقوف الفعلي على جودة التعليم .
7 - ندرة القدوات العلمية المميزة التي تزيد في همة الطلاب وتعلو بطموحاتهم على خلاف العقود الماضية حيث يوجد كبار العلماء الذين يشار إليهم بالبنان وتطمح النفوس للوصول إلى ما وصلوا إليه .
8 - انصراف ( وصرف وتوجيه ) طلاب الكليات الشرعية إلى اهتمامات سياسية ودعوية ووو على حساب الاهتمام بطلب العلم .
9 - وجود وسائل التقنية والبرامج التي تخدم في الحصول على المعلومة بسهولة وبأسرع وقت مما زهد الطلاب في الحفظ وكثرة القراءة وسعة الاطلاع .
10 - نوعية المدخلات في الكليات الشرعية تغيرت وتبدلت وأعني جهة التدين والالتزام والاستقامة مما أدى إلى انحراف القصد في الدراسة إلى مجرد الحصول على الشهادة .
 
التعديل الأخير:

د. أيمن علي صالح

:: متخصص ::
إنضم
13 فبراير 2010
المشاركات
1,023
الكنية
أبو علي
التخصص
الفقه وأصوله
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي - بشكل عام
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

بورك فيكم
الأساتذة (الدكاتره) هم منتج من هذه الكليات. والضعيف ينتج ضعيفا. لذلك من الصعوبة بمكان معالجة هذا السبب.
طبعا الأسباب كما تفضلتم كثيرة وبعضها يترتب على بعض، لذلك كان من الجيد البحث في أصول هذه الأسباب.
السبب الذي ذكرتموه في الآخر هو في نظري أصل أصيل في تدهور التعليم الديني والدنيوي على حد سواء، لذلك لم يكن عجبا أن بدأ علماؤنا موضوع آداب طالب العلم بتصحيح النية.
منذ مدة أعكف على إعداد برنامج تدريبي للأستاتذة على طرق إثارة الدافعية الذاتية للتعلم عند الطلاب، ووجدت من خلال الاطلاع على عديد من البحوث والدراسات التي ألفت في هذا الموضوع، أنّ من أكبر الآفات التي تضعف الدافعية الذاتية للتعلم الحوافز الخارجية المادية كالدرجات والشهادات والوظائف ونحوها.
التحفيز الخارجي يقتل الدافعية الذاتية تدريجيا، وبالتالي يفقد الطالب المتعة والشهوة والفرح والسرور النفسي في جني العلم وتحصيله، ويصبح كالمريض الذي فقد شهيته للطعام فاحتاج إلى الإبر والحقن المغذية كي يعيش، وهي المحفزات الخارجية من درجات وشهادات وألقاب ومناصب، وهذه المحفزات بإجماع التربوين لا تنتج عالما بمعنى الكلمة فضلا عن مبدع أو مفكر لا في مجال العلوم الدينية فقط بل حتى في مجال العلوم الدنيوية. فالأمر كما قال ابن الأكفاني الطبيب والفلكي: "من تعلم علما للاحتراف لم يأت عالما بل شبيها بالعلماء"، وهذا ما تصدقه الدراسات المعاصرة في الإبداع.
علماء بخارى، كما نقل عنهم ابن الأكفاني، حزنوا وخافوا لما علموا بإنشاء المدارس الدينية زمن العباسيين ببغداد.
وقد يستهجن ذلك بعض الناس، لما يروه من فضل هذه المدراس وفوائدها في نشر العلم وتكثيره، لكنهم أعني علماء بخارى كانوا محقين، فمع بداية نشوء التدريس النظامي في المدارس التي كانت بمثابة جامعات بدأ يقل وجود المجتهدين والمفكرين، وشاع التقليد والتعصب وأكل الدنيا بالدين، وساءت نوعية المتعلمين لتوخيه من قبل من لا يصلح له، وساء حال الأمة بالتبع، لأن الأمة بعلمائها. وها نحن ذا ولا أبرئ نفسي: أنصاف متعلمين لا أكثر، بل أعشار إن لم نبالغ، والعلم الديني في تراجع منذ الصحابة حتى اليوم.
الغربيون بدؤوا يناقشون موضوع التقييم بالدرجات وغيرها، وكثيرون منهم يعارضونه جدا ويعتبرونه المسؤول عن تدهور التعليم، وضعف نتائج الطلاب. ويتوقع كثير منهم أن مستقبل التعليم أن يكون بدون درجات. قيمة الشهادة في الغرب أقل منها بكثير في الشرق، الخبرة والإنجازات والتزكيات من المختصين أهم عندهم من الأوراق والألقاب بكثير. لكن الأمر عندنا في الشرق مختلف للأسف، لذلك قُلت لك: أنا شبه يائس من إصلاح التعليم الجامعي في مجال العلوم الدينية، إلا أن يرافقه، كما تفضلتم دراسات موازية يقوم بها الطالب على عاتقه، ولكن النجاح حينئذ لن يعزى إلى الجامعات في الحقيقة بل إلى ما بذله الطالب من جهود خارج الدراسة الجامعية. والله أعلم.
مرة أخرى أشكركم على المرور وعلى الإضافات النافعة التي تفضلتم بها.
 
إنضم
2 يوليو 2008
المشاركات
2,237
الكنية
أبو حازم الكاتب
التخصص
أصول فقه
المدينة
القصيم
المذهب الفقهي
حنبلي
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

للأسف يا دكتور : التقييم بالمعدل والدرجات لم يعد واقعياً ولا يمثل مستوى الطالب الحقيقي غالباً فربما يحصل الطالب على 4.90 ومستواه الحقيقي لا يصل 3 وذلك لأسباب منها أن التيار الأكثر من الطلاب هو الضعيف فيصبح المتوسط ممتازاً هذا من جهة ومن جهة أخرى لم يعد بعض الأساتذة يرفع الطالب إلى مستوى أعلى من التعلم بل إن الأستاذ أصبح ينزل إلى المستوى الأضعف ليتناسب مع قدرات الطلاب وهذا يجعل الطالب يستمر في الضعف ولا يترقى .
في نظري أن النجاح الحقيقي هو أن يتمكن الأستاذ من نقل الطالب من ضعيف إلى جيد وإلا فما دوره ؟ وذلك أن الجيد المميز لا يحتاج إلى الأستاذ كثيراً لا سيما مع بعض الأنظمة التي ألزمت بها الجامعات من توحيد الكتاب والأسئلة ونحو ذلك تحقيقاً لمتطلبات الجودة وحرصاً على الحصول على الاعتماد الأكاديمي فلم يعد الاعتماد على الأستاذ مهماً .
وضعف المدخلات مبني على ضعف التعليم الأولي من الابتدائي حتى الثانوي وهو أمر أصبح سائداً في كل البلاد العربية لا سيما مخرجات المدارس الأهلية .
ومما يدل على تغير المدخلات من جهة التدين والحرص على طلب العلم أن الدفعات السابقة قبل عقدين كان جلهم من حفاظ القرآن ومن خريجي حلقات التحفيظ بينما الآن لا تكاد تجد من الطلاب من يحسن قراءة القرآن فضلاً عن أن يحفظه ، والأمر كما ذكرتم حفظ القرآن والعناية به أصل العلم ومفتاح كل العلوم .
في السابق كانت المقررات الشرعية مكثفة تعادل ضعف ما يعطى الطلاب الآن وذلك أن علوماً أخرى - الآن - زاحمت مقررات الشريعة - كما ذكرتم بارك الله فيكم - فهناك مقرر حاسب ومهارات اتصال ومهارات تفكير وإنجليزي وووو ، حتى تقلصت مفردات المقررات الشرعية إلى النصف .
 
التعديل الأخير:
إنضم
15 فبراير 2013
المشاركات
20
الجنس
ذكر
الكنية
أبو عبد الله
التخصص
فقه النوازل والاجتهاد المعاصر
الدولة
الجزائر
المدينة
العاصمة
المذهب الفقهي
مالكي
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

من التوصيات :"البعد عن أسلوب التلقين أو التقليل منه ما أمكن في التدريس، وإدماج الطالب في العَمليَّة التعلُّميّة في وقت الدّرس باستخدام أدوات التعلّم النّشِط"
و هذا الكلام حق لامرية فيه لكن كيف يطبقه بعض الأساتذة: "التدريس عن طريق تكليف الطلبة ببحوث" فيمر عام دراسي كامل والطالب يستمع لبحوث ضعيفة لطلبة مبتدئين مثله -و لا تثريب عليهم فهذا ما يقدرون عليه- لكن الخلل -والله أعلم- في الأستاذ الذي خلال عام كاملا لم يكد يقدم شيئا يفيد الطالب بله يؤصله حتى إذا انتهت السنة يجد الطالب أنه لم يستفد شيئا .
.


 

د. أيمن علي صالح

:: متخصص ::
إنضم
13 فبراير 2010
المشاركات
1,023
الكنية
أبو علي
التخصص
الفقه وأصوله
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي - بشكل عام
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

من التوصيات :"البعد عن أسلوب التلقين أو التقليل منه ما أمكن في التدريس، وإدماج الطالب في العَمليَّة التعلُّميّة في وقت الدّرس باستخدام أدوات التعلّم النّشِط"
و هذا الكلام حق لامرية فيه لكن كيف يطبقه بعض الأساتذة: "التدريس عن طريق تكليف الطلبة ببحوث" فيمر عام دراسي كامل والطالب يستمع لبحوث ضعيفة لطلبة مبتدئين مثله -و لا تثريب عليهم فهذا ما يقدرون عليه- لكن الخلل -والله أعلم- في الأستاذ الذي خلال عام كاملا لم يكد يقدم شيئا يفيد الطالب بله يؤصله حتى إذا انتهت السنة يجد الطالب أنه لم يستفد شيئا .
.

التعلم النشط لا يعني جعل الكورس/المقرر من أوله لآخره بحوثا للطلاب. هذه فقط إحدى طرائق التعليم النشط، والتي قد تصلح مع بعض المتعلمين دون آخرين ومع بعض المقررات دون أخرى، وقد يسيء بعض المدرسين استخدامها فيفعلها بقصد التخلص من عبء التحضير والتدريس ويلقيه على الطلاب، وغالبا ما تفشل هذه الطريقة في تحقيق أهداف المادة المقررة إذا لم يصحبها تحضير مسبق من جميع طلبة المقرر في جميع جلسات عرض البحوث ومناقشتها، لأنها إن لم تكن كذلك كانت تعليما سلبيا (لا نشطا) لغالب الطلبة إلا الطالب الذي يقدم بحثه عند تقديمه إياه.
 

أم طارق

:: رئيسة فريق طالبات العلم ::
إنضم
11 أكتوبر 2008
المشاركات
7,422
الجنس
أنثى
الكنية
أم طارق
التخصص
دراسات إسلامية
الدولة
السعودية
المدينة
الرياض
المذهب الفقهي
سني
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

والتي قد تصلح مع بعض المتعلمين دون آخرين
التعلم النشط بطريقة البحوث جيد لو طبق بشكل صحيح
ولكن للأسف لا الأساتذة يبذلون الجهد في تعليمها ولا الطلبة يبذلون الجهد في تحضيرها
بل إن البحوث
أصبحت - عند الطالب - تجهز بعملية قص ولصق من مقالات وأبحاث قديمة على الشبكة الالكترونية مع تقديم وتأخير وزيادة ونقصان
مع وضع غلاف جميل وخطوط ذات أشكال وأحجام مختلفة
ولو سألته ما محتوى بحثك وما نتائجه لما استطاع أن يجيبك
وبالنسبة له فإن تحضير البحث أيسر من حفظ كتاب وتقديم امتحانات
وكما تفضل الدكتور أيمن هو أيسر للأستاذ من الشرح الطويل وتجهيز الاختبارات وتصحيحها

وما كثرة الكتيبات الدينية المكررة ذات الحجم الصغير في الأسواق إلا نتاج هذا النوع من التعليم
 
التعديل الأخير:
إنضم
18 ديسمبر 2012
المشاركات
37
الكنية
أبي عبد الباري
التخصص
القواعد الفقهية ومقاصد الشريعة
المدينة
الأغواط
المذهب الفقهي
مالكي
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

المشكلة تكمن في مدة الدراسة، فمثلا الجزائر مدة الدراسة بها( مرحلة الليسانس) ثلاث سنوات، وهي غير كافية لتحصيل أصول العلوم، فتختزل المقرارت اختزالا شديدًا، والأمر الآخر مشكلة المدرسين، ربما يدرس شيئًا خارج تخصصه فيأتي بالغرائب والمشكلات.
 

مراد محمود حيدر

:: متابع ::
إنضم
17 يوليو 2012
المشاركات
21
الكنية
أبو محمد
التخصص
فقه مقارن
المدينة
القاهرة
المذهب الفقهي
مقارن
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

بارك الله فيك أخي الكريم وزادك علما
 
إنضم
15 فبراير 2013
المشاركات
20
الجنس
ذكر
الكنية
أبو عبد الله
التخصص
فقه النوازل والاجتهاد المعاصر
الدولة
الجزائر
المدينة
العاصمة
المذهب الفقهي
مالكي
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

صدقت أخي يوسف فتقليص مدة الليسانس من أربع سنوات إلى ثلاث زادت من مشكلة ضعف مستوى الطلبة.
لكن من الحلول الجزئية لا الجذرية التي بانت لي : هو تفعيل دور الجمعيات الطلابية في برمجة المحاضرات والدروس في الجامعة على هامش الدروس المقررة كبرمجة محاضرات في بيان المنهجية الصحيحة في طلب العلم ،وكذا إقراء بعض الكتب أو شرح بعض المتون التي تؤصل الطالب وتكمل المعارف الناقصة لديه.
وليس الدور محتكرا على الجمعيات بل يمكن أن تكون المبادرة من جهة الأساتذة، المهم أن تكون بصفة نظامية حتى يكتب لها الدوام.
فما رأيكم بارك الله فيكم؟
 

د. أيمن علي صالح

:: متخصص ::
إنضم
13 فبراير 2010
المشاركات
1,023
الكنية
أبو علي
التخصص
الفقه وأصوله
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي - بشكل عام
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

صدقت أخي يوسف فتقليص مدة الليسانس من أربع سنوات إلى ثلاث زادت من مشكلة ضعف مستوى الطلبة.
لكن من الحلول الجزئية لا الجذرية التي بانت لي : هو تفعيل دور الجمعيات الطلابية في برمجة المحاضرات والدروس في الجامعة على هامش الدروس المقررة كبرمجة محاضرات في بيان المنهجية الصحيحة في طلب العلم ،وكذا إقراء بعض الكتب أو شرح بعض المتون التي تؤصل الطالب وتكمل المعارف الناقصة لديه.
وليس الدور محتكرا على الجمعيات بل يمكن أن تكون المبادرة من جهة الأساتذة، المهم أن تكون بصفة نظامية حتى يكتب لها الدوام.
فما رأيكم بارك الله فيكم؟
بارك الله فيك.
الطالب الذي يكتفي بما يدرسه في الجامعة من مقررات طالبُ شهادة ووظيفة لا طالب علم.
 

د. أيمن علي صالح

:: متخصص ::
إنضم
13 فبراير 2010
المشاركات
1,023
الكنية
أبو علي
التخصص
الفقه وأصوله
المدينة
عمان
المذهب الفقهي
الشافعي - بشكل عام
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

وطالب العلم الشرعي لأجل الشهادة والوظيفة هو ممن اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا
 
إنضم
29 نوفمبر 2010
المشاركات
33
التخصص
تربية اسلامية
المدينة
الدامر
المذهب الفقهي
مالكي
رد: ضعف خرّيجي كلّيات الدّراسات الشّرعية: أهمّ الأسباب، والحلولُ الممكنة، في ضوء أدبيّات التعليم في تراثنا التربوي

الامر يدور على الاخلاص لله تعالى وكما قيل ان هذا العلم نور ونور الله لا يعطى لعاص
وكذلك كما قال الامام رحمه الله طلبنا العلم لغير الله فأبى ان يكون الا لله
 
أعلى