العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

طرق مُبتكرة للتفرُّغ للعبادة في عصر العولمة

إنضم
11 يوليو 2012
المشاركات
350
التخصص
أصول فقه
المدينة
قرن المنازل
المذهب الفقهي
الدليل
طرق مُبتكرة للتفرُّغ للعبادة في عصر العولمة
قابلتُ صديقاً لي قبل أيام في الأربعينيات من عُمره ، فأسرَّ لي برغبته في التقاعد من عمله ، لا للراحة ، ولا للعمل الحُر، بل للتفرغ للعبادة ! .

في بيئة العمل والوظيفة – في الغالب - قد لا يستطيع الإنسان قرآءة جزءٍ من القرآن ، ولا قرآءة صفحاتٍ من كتاب مُشوِّق ، ولا مدارسة مسألة علمية ، ولا كفِّ اللسان عن الخوض فيما لا يعنيه من عثرات اللسان ومزالق المنطق ، إلا على ثُلَّة من الناس وهم قلائل ، كما تدلُّ عليه شواهد الحال .

وشواغل الزمان اليوم في العمل وخارجه لا يمكن حصرها ، فتشويش الذِّهن وتفرق الفِكر والبال وهموم الحياة ، قد لا تُساعد المسلم على السلامة في دينه وصفاء ذهنه والقيام بواجباته .
فكيف يتفرغ الإنسان لعبادة ربه في ظل العولمة التي لعبت بعقول الناس اليوم وشتت قلوبهم واختلست أوقاتهم ، فتبلَّدت أحاسيسهم وطبائعهم ؟! ، فخلت الأفئدة من المناجاة والتضرُّع ، وأضحت العبادات حركات لا روح فيها ، فلم ينتفع أصحابها بالمواعظ ولا بزواجر النصوص الشرعية ، إلا من رحم الله ، وإلى الله المشتكى .
فالتفرُّغ للعبادة مطلبٌ لازم للتزود من الخيرات ، في عصر العولمة وقبلها وبعدها ، للتخلص من أدران الدنيا وأوساخ القلوب التي تُهلك المرء إن غفل عن الإلتفات لها والقيام بحقوق النفس فيها .

وقد ورد في الحديث القدسي : " يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي ، املأُ صدرك غِنىً وأسدُّ فقرك ، وإن لا تفعل ملأتُ يديك شُغلاً ، ولم أسُدَّ فقرك " أخرجه الترمذي بإسناد صحيح .

وقد تقرر عند الأصوليين أن دلالة الأمر في ألفاظ الشرع المقصود بها المبادرة والفور لإبراء الذمة ولحصول السلامة وتحقيق مناط الأحكام .

لو رجعنا إلى معاجم اللغة والاصطلاح للوقوف على مفاهيم التفرُّغ لتبيَّنت لنا المعاني الآتية : الخَلوة ، الإتمام ، القصد والتوجُّه إلى العمل بعزيمة .

*ونستطيع توضيح معاني وأحكام التفرُّغ في النقاط الآتية :

1- يجب على المسلم التجرد لله بالإخلاص والعمل الصالح بعيدًا عن الناس إن أمكن له ذلك ، ولو في الأسبوع مرة واحدة لمزيد ابتهال وخشوع .
قال محمد بن واسع (ت: 123هـ ) رحمه الله تعالى : " إن الرجل ليبكي عشرين سنة و امرأته معه لا تعلم . " ويحصل ذلك بصلاةِ ليلٍ أوبعمرةٍ أو بصيامٍ أو نفقةٍ خالصة بعيدًا عن الرياء والثناء على النفس .
فإن تعذَّر التجرد والخلوة بالله لمزيد تضرع وانكسار فلا لوم عليه ولا إثم ، وليلزم الاستغفار ليله ونهاره ، عسى الله أن يفتح له أبواب الفرج ، لينجو مع مَن دبَّ ودرج . وقد قال الله تعالى :" ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيثُ لا يحتسب " ( الطلاق : 2-3 ) .

2- يجب على المسلم إتمام واجباته الدينية كما أوجب الله تعالى ولو كان في ذلك مخالفة لرغبات النفس ونزعاتها الفطرية ، فإن النفس كما قيل : كالطفل إن تُهمله شبَّ على حُبِّ الرَّضاع وإن تفطمه ينفطمِ
ويلحق بذلك وجوب تفقد المسلم لنواقص الواجبات التي فرَّط فيها فيستدركها بقضاء ، ومزيد نافلة ، وردِّ لحقوق الناس، والتحلُّل منهم أو الدعاء لهم ، والتصدق عنهم إن تعذَّر ذلك . وهذه من العبادات المنسية اليوم في واقع الناس . ومن كُسر شِراعه في هذا الباب ، فليتق الله ولينوي الخير للناس في قوله وعمله وسلوكه ، فهي عبادة دائمة أجرها لا ينقطع حتى بعد وفاة صاحبها .

3- العبادة لا تُسعد فؤاد صاحبها ولا تشرح صدره إن لم يتوجَّه إليها ويقصدها بعزيمة وصدق ، بلا عجلة ولا تسويف .لأن لُبَّها في معانيها ، وقد تقرر عند الأصوليين أن العبرة في الأحكام بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني .
وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أن العَجَلة وقعت لموسى عليه السلام ابتغاء رضوان الله ، لكنها كانت سببًا لعبادة قومه العجل ،وقد عاتبه الله في ذلك ، قال تعالى :" وما أعجلك عن قومك يا موسى ،قال هم أُولاء على أثري وعجلتُ إليك ربي لترضى ، قال فإنا قد فتنَّا قومك من بعدك وأضلَّهم السامريُّ" ( طه : 83- 85 ) . ويتضح ذلك بالمبادرة إلى الأعمال الصالحات في أول أوقاتها حسمًا لنزغات الشيطان ، وقطعًا لوساوس النفس في تأخير الواجبات .وقد ثبت في المرفوع : " أفضل الأعمال أو العمل: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين ". متفق عليه .

4- عند فتور النفس عن العبادة والتفرغ لها، يجب النظر في عبادات الأنبياء والملائكة عليهم السلام وخشيتهم من الله . فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان ،فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير" . أخرجه البخاري .

وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مررتُ ليلة أُسري بي بالملأ الأعلى، وجبريل كالحِلس البالي من خشية الله تعالى " . أخرجه الطبراني بإسنادٍ حسن .
ومما يعين على ذلك الدعاء وتفقد أعمال القلوب ، فقد ثبت بالشرع والتجربة أنها سلاح لكل من غلبه أعداؤه وتشتت أُموره وأحواله .

5- من جاهد نفسه وضعفت به عن كل ما تقدَّم من : خلوة وإتمام وقصدٍ بعزيمة صادقة ، وأيقن فتور همته وبدنه ، إما بمرض نفسي أو بدني ، أو بلاء يتعذَّر به الترقِّي في الدرجات ، فليكثر ذكر الله آناء الليل وأطراف النهار ، فبه تُستجلب الخيرات وتُدفع النَّقمات . وهو الحصن الحصين ، والزاد الذي لا ينفد والسلاح الذي لا يُثلب .
وليجمع العبد مع ذلك صدقة جارية أو وقف له بعد مماته ، مهما كان يسيرا كتوزيع مصاحف ، وتسبيل كُتبِ علمٍ نافع ، ونحوها من القربات .

والعلماء يقولون للذِّكر مئة فائدة ، والصحيح أن فوائده لا يُحيط بها إلا الله تعالى ، فلا يجوز حصرها .
وقد قال الله تعالى : " فاذكروني أذكركم " ( البقرة: 152 )، فهذه الآية الكريمة جَمعت كل خير يرجوه العبد ،وتضمَّنت دفع كل مكروبٍ يخافه ، فأين المشمِّرون ؟! .

والمأمول أن من جاهد نفسه واتَّقى ، سواء فُتح له الباب أو لم يُفتح ، فلا خوف عليه ولا حزن ، سواء مات في البِحار أو في القِفار ، أو أكلته السِّباع ، وقد قال الله تعالى : " فمن اتَّبع هُداي فلا يَضلُّ ولا يَشقى" ( طه :123 ) .
بهذه الطرق والأسباب – بعون الله تعالى – في ظِل العولمة والضرب في الأرض والإنشغال بالأولاد وهموم الحياة ، يصل العبد إلى مولاه ويحصد جناه.

ومن فرائد ابن القيم (ت : 751هـ ) رحمه الله تعالى الُأصولية قوله :" إن الله تعالى لم يُجر أحكام الدُّنيا على عِلمه في عباده ، بل على الأسباب التي نَصَبها أدلة عليها " . فتلمس هذه الأسباب مما يُعين على قطع المسافات ورفع الهمم وبلوغ المرام مهما كانت العوائق .
اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم ، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم .
هذا ما تيسره تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .


 

آدم جون دايفدسون

:: متفاعل ::
إنضم
17 يناير 2010
المشاركات
448
العمر
35
الكنية
أبو مــــالك
التخصص
الترجمة
المدينة
مدينة القرى
المذهب الفقهي
مذهب الإمام محمد بن إدريس الشــــافعي
رد: طرق مُبتكرة للتفرُّغ للعبادة في عصر العولمة

فاعمل ولو بالعُشْر كالزكاة تَخرُج بنور العلمِ من ظُلْمات
 

أم علي

:: مطـَّـلـع ::
إنضم
24 مايو 2013
المشاركات
170
التخصص
أصول الفقه
المدينة
الجزائر
المذهب الفقهي
سنّي
رد: طرق مُبتكرة للتفرُّغ للعبادة في عصر العولمة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله


ومن فرائد ابن القيم (ت : 751هـ ) رحمه الله تعالى الُأصولية قوله :" إن الله تعالى لم يُجر أحكام الدُّنيا على عِلمه في عباده ، بل على الأسباب التي نَصَبها أدلة عليها " . فتلمس هذه الأسباب مما يُعين على قطع المسافات ورفع الهمم وبلوغ المرام مهما كانت العوائق .


بارك الله فيكم شيخنا العتيبي ونفع بعلمكم فيا حبذا لو تفضّلتم بمزيد بيان وتوضيحٍ لكلام ابن القيّم في هذه الجزئيّة أو الإحالة إلى مظانّها..


-إذ ما المقصود:" أنّ الله تعالى لم يجر أحكام الدّنيا على علمه في عباده "فما معنى هذا الحديث إذاً.. " يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي ، املأُ صدرك غِنىً وأسدُّ فقرك ، وإن لا تفعل ملأتُ يديك شُغلاً ، ولم أسُدَّ فقرك " ..؟!
وغيره كحديث:( إن الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه )
وحديث :(إن العبد يحرم الرزق بالذنب يذنبه )
١) ألم يعامل الله هنا عبده بعلمه بما فيه ..؟!!
٢)أليست الولاية والمحبة الخاصّتين من آثار علم الله بما في عبده من صدق الإخلاص وحقيقة التّوكّل ..؟!
٣)أم ما المراد من كلام الشّيخ رحمه الله وإيّانا ؟!......والسلام
 
إنضم
11 يوليو 2012
المشاركات
350
التخصص
أصول فقه
المدينة
قرن المنازل
المذهب الفقهي
الدليل
رد: طرق مُبتكرة للتفرُّغ للعبادة في عصر العولمة

أحسن الله إليكم
الُأخت الأُصولية أُم عليِّ سدَّدها الله
1- هذه المسألة مرقومة في ثنايا خصائص الأحكام الشرعية في المصنفات الأُصولية، وقد أوردها ابن القيم في موسوعته ( إعلام الموقعين ) ليدلِّل بها على أن أحكام الدنيا من حدود وكفارات ونوازل وأقضية تجري مآلاتها على الأسباب الظاهرة من المكلفين ، ما لم يقم دليل على خِلاف ذلك ، لأن الله تعالى جعل للعباد تكلييفًا وتمييزاً وإرادة تؤهلهم للفعل والاختبار التعبدي ، لاقامة الحجة عليهم في الآخرة .

2- الأحكام الشرعية إما ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان ولا حتى باجتهاد العلماء كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات . ومتغيِّرة حسب اقتضاء المصلحة كأحكام النوازل ونحوها .وعليه فإن الحكم الشرعي لازم لعلته وسببه وجارٍ معه ، لكنه يختلف باختلاف الحقيقة والعلة والسبب ، لأن الوقائع مُتعدِّدة والأحكام مثلها . والقاعدة أنه لا يمكن اختلاف الحكم الشرعي في واقعتين متماثلتين في الحقيقة مشتركتين في العِلة والسبب .
وقد بسط الإمام الشافعي هذه المسألة في كتابه (إبطال الاستحسان ) فلتراجع هناك .

3- الأحاديت التي استدللتي بها هي لازم قول الجهمية والأشاعرة الذين قالوا العبد مجبور على فعل نفسه ليس له إختيار البتة ، بل هو كالرِّيشة في مهبِّ الريح ، وكحركة الآلة في يد من يُحرِّكها . وسُمِّي هذا المذهب مذهب الجبرية ، لأنهم يقولون إنا مجبورون على أفعالنا . وسبب ضلال هذه الفرق هنا تسويتهم بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضا . والله يتولانا وإياكم .
 

أم علي

:: مطـَّـلـع ::
إنضم
24 مايو 2013
المشاركات
170
التخصص
أصول الفقه
المدينة
الجزائر
المذهب الفقهي
سنّي
رد: طرق مُبتكرة للتفرُّغ للعبادة في عصر العولمة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

جزاكم الله بالخيرات وسدّد بكم الثّغرات ..
شيخنا الفاضل : لقد رجعت إلى كلام
ابن القيّم في إعلام الموقعين ولقد فهمت مقصود الكلام وهي نفس مسألة الحكم بظواهر الأمور وإيكال سرائرها إلى الله حينما ذكر أنّ الله
" لم يحكم في المنافقين بحكم الكفر مع الدلالة التي لا أقوى منها وهي خبر الله تعالى عنهم وشهادته عليهم
فكان جوابه: أن الله تعالى لم يجر أحكام الدنيا على علمه في عباده، وإنما أجراها على الأسباب التي نصبها أدلة عليها وإن علم سبحانه وتعالى أنهم مبطلون فيها مظهرون لخلاف ما يبطنون، وإذا أطلع الله رسوله على ذلك لم يكن ذلك مناقضا لحكمه الذي شرعه ورتبه على تلك الأسباب كما رتب على المتكلم بالشهادتين حكمه وأطلع رسوله وعباده المؤمنين على أحوال كثير من المنافقين وأنهم لم يطابق قولهم اعتقادهم.(جزء :٣ /ص:١٠٣-١٠٤)


إذ كما ذكر الشيخ ابن القيّم رحمه الله أن أحكام الدنيا على الإسلام وأحكام الآخرة على الإيمان ..

أ) ولكن يبقى شقّا من سؤالي مطروحاً ولعلّه لا علاقة له بالمسألة المرقومة في كتب الأصوليّين لا أدري ..إذ كيف عامل الله عبده في هذه الأمثلة ؟ وأين يمكن إدراجها ؟ ألا يستلزم من قول العلماء أنّ الله يعامل عبده من جنس عمله أنّه قد عامله بما فيه ؟

ب) وكيف أنّ استدلالي بهذه الأحاديث من لازمه القول بالجبر عند الجهميّة النّفاة ؟ ما وجه الدلالة ؟ علماً أن الإرادة لا تستلزم المحبة كما هو مبثوث في كتب العقائد ..

وأعتذر من هذا البَوْن فقد بَعُد عهدي بالمجالس الأصوليّة وهاأنا أعود إليها من هذا الملتقى المبارك رويداً رويداً نفع الله به وجزى القائمين عليه كلّ خيرٍ فقد ذكرنا به ما نسينا وعلمنا به ما جهلنا وجزاكم الله كلّ خير ..
والسلام
 
إنضم
11 يوليو 2012
المشاركات
350
التخصص
أصول فقه
المدينة
قرن المنازل
المذهب الفقهي
الدليل
رد: طرق مُبتكرة للتفرُّغ للعبادة في عصر العولمة

الأُخت الكريمة أم علي ..سدَّدها الله
لكي رسالة على البريد الخاص .
 
أعلى