العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

عقوبة السجن ومنافاتها لمقاصد العقوبة في الإسلام

د. نعمان مبارك جغيم

:: أستاذ أصول الفقه المشارك ::
إنضم
4 سبتمبر 2010
المشاركات
191
الجنس
ذكر
التخصص
أصول الفقه
الدولة
الجزائر
المدينة
-
المذهب الفقهي
من بلد يتبع عادة المذهب المالكي
عقوبة السجن ومنافاتها لمقاصد العقوبة في الإسلام


يمكن تلخيص مقاصد العقوبات في الشريعة الإسلامية في الآتي:

1- تعليم الإنسان المسؤولية عن أفعاله

2- إرضاء المجني عليه، ومنع وقوع الثأر الذي يؤدي إلى العدوان والفوضى عند عدم معاقبة الجاني. ولذلك لم يجعل الشرع تطبيق العقوبات لآحاد الأفراد، بل جعلها للدولة عن طريق نظام القضاء.

3- زجر الناس عن ارتكاب الجرائم.

4- توفير الأمن والبيئة الصالحة.

5- قصر العقوبة وآثارها على الجاني قدر الإمكان. هذا المقصد هو الذي أريد التفصيل فيه.

لقد جاءت الشريعة بعقوبات يقتصر أثرها على الجاني ولا يتعدى إلى أفراد أسرته أو إلى المجتمع بصفة عامة. ولذلك نجد أن العقوبات الواردة في القرآن الكريم والسنّة النبوية تتركَّز على العقوبات الجسدية التي يقتصر أثرُها على الجاني. وقد حصلت بعض وقائع الحبس المؤقت -لفترة قصيرة- في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من أجل استيفاء حق، أو التحقيق في تهمة، أو انتظار توقيع العقوبة المستحقة.

لقد وقع توسُّعٌ غير محمود في عقوبة السجن والغرامات المالية، وأيده بعض أهل العلم من المتأخرين والمعاصرين، مجاراة للقوانين الوضعية واعتمادا على شُبَهِ أدلة وأقوال ضعيفة. ووقع الخلط بين الحبس بوصفه إجراء مؤقتا للتحقيق في جريمة وتقرير العقوبة المناسبة، أو تحصيل حقٍّ من الحقوق، أو حل مشكلة من المشكلات، وبين الحبس بوصفه عقوبة أصلية تُمَثِّلُ الركن الأساس في النظام العقابي الذي يعم جميع الجنايات، ويكون بفترات زمنية محددة لعقوبات معينة. فالنوع الأول، وهو الحبس الذي يُعَدُّ إجراء مؤقتا، مشروع دون شك. أما النوع الثاني فليس له سند شرعي ظاهر، ولا يمثل جزءا من النظام العقابي في الإسلام.

الأصل أن السجن لا يكون لمدة طويلة إلا في حال كون ذلك ضرورة لكفّ أذى الشخص عن المجتمع، ويكون ذلك في حال الشخص الذي يكون مجرما محترفا، ولا مناص من كفّ شرِّه عن المجتمع إلا بسجنه. وحتى في هذه الحالة ينبغي أن تكون مدة الحبس منوطة بصلاح شأن الجاني، فإذا ثبت صلاح شأنه ولم يَعُدْ خطرا على المجتمع، وجب إطلاق سراحه. أما أن تُصبح عقوبة الحبس عقوبة نمطية لجميع الجنايات، وجميع الأصناف من الـجُناة، وبِمُدَدٍ طويلة، فإنها تكون أقرب إلى العبث منها إلى تحقيق مقاصد العقوبات. وهو أمر ليس له دليل ظاهر من الشرع، وينافي مقاصد العقوبات في الشريعة الإسلامية منافاة تامة.

قد يقول قائل: إن عقوبة السجن تحقق مقصدا من مقاصد العقوبات، هو الزجر. والجواب: نعم، قد تحقق هذه العقوبة ذلك المقصد، ولكنها تهدم مقاصد أخرى. والأصل هو تقديم الوسيلة المحققة لجميع المقاصد أو أغلبها، ولا يكون اللجوء إلى وسيلة تهدم بعض المقاصد إلا في حال الضرورة.

إن عقوبة السجن محفوفة بالسوء من كل الجوانب، وهي اعتداء على الحقوق: فيها اعتداء على حقوق الزوجة والأولاد بحرمانهم من راعيهم وعائلهم. وفيها تضييع لوقت السجين في غير فائدة، وفيها تضييع لطاقات المساجين وخبراتهم دون عائد. وفيها إفساد للأخلاق وتعليم الإجرام حين يلتقي السجناء الذين ليس لهم رصيد سيء في الإجرام بالمجرمين المحترفين فيتعلمون منهم فنون الإجرام. وفيها إهدار أموال الدولة بالإنفاق على مئات الألوف، أو الملايين، من السجناء!

الحجة التي يقدمها أنصار عقوبة السجن -من الغربيين ومن يسير على نهجهم- هي أن العقوبات الجسدية فيها إهانة لكرامة الإنسان ومخالفة للتطور الحضاري الذي وصلت إليه البشرية! وهي في الواقع حُجَّةٌ داحضة! لا ننكر أن في العقوبة الجسدية إهانة للجاني، ولكن العقوبات جميعها لا تخلو من الإهانة، والمقصود بها الإيلام والزجر. ومن ذا الذي يزعم أن السجن ليس فيه إهانة لكرامة الإنسان؟ وأي إهانة أكبر من أن يُرمَى الشخص في زنزانة وتُضيّع سنواتٌ وسنواتٌ من حياته في غياهبها؟ يُهانُ هو، وتُعْدَمُ حياتُه، وتُهَانُ أُسْرَتُهُ، وتُدَمَّرُ حياتُها!

أيهما أقلُّ إهانة: إن تجلد الشخص عددا من الجلدات ليذوق وبال جريمته ويتأدب، ثم تتركه يذهب وشأنه ليعيش حياته ويَعُول أسرته وينفع مجتمعه، أم أن تسجنه شهورا أو سنوات طوال فتُضيِّع حياته ووقته الثمين وتحرمه من أسرته، وتحرم أسرته منه، وتضيِّع أولاده وزوجته، وتُقيِّد حريته، وتمنع المجتمع من الاستفادة من طاقاته وخبراته؟ لا شك أن الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية للسجن أكبر بكثير من آثار العقوبة الجسدية.

لقد حصلت واقعة في زمن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- مع الشاعر الحطيئة (جرول بن أوس العبسي) الذي كان سليط اللسان كثير الهجاء، حيث شكاه أحد الذين هجاهم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمر بحبسه.

فلما أرسل إليه الحطيئة قصيدة مطلعها الأبيات الآتية:

ماذا تـقول لأفراخ بذي مَرَخٍ زُغْب الحواصل لا ماءٌ ولا شجرُ

ألقَيْتَ كاسِبَهُم في قَعْر مُظْلِمَة فاغفر عليك سلام الله يا عمر​

أدرك عمر أن آثار عقوبة الحبس تعدّت الجاني إلى أُسْرته فأمر بإطلاق سراحه. ويروى أنه دفع له مبلغا من المال مقابل الكفّ عن أعراض المسلمين، وأخذ عليه عهدا ألا يعود إلى هجاء أحد.

وقد قرأت قبل أسابيع رغبة المشرع في إحدى الدول العربية في تمديد عقوبة السجن إلى ثلاثين سنة، بدلا من عشرين سنة! (وإذا كانت العشرون غير كافية في الزجر، فلا أظن الثلاثين ستفعل!) وإنشاء عقوبات على بعض المخالفات مثل غلق المرافق العامة وتعطيل مصالح الناس قد تصل إلى عشرين سنة! وهو أمر غير محمود العاقبة نتمنى أن لا يحصل.

لو أن الشخص الذي أغلق مرفقا من المرافق العامة وعطل مصالح الناس عوقب بتنظيف محيط ذلك المكان أو غيره من الأماكن العامة -وما أوسخ الأماكن العامة عندنا- لبضعة شهور، لكان ذلك كافيا له في الزجر، وأنفع للمجتمع، ودون أن يعاقب أطفالُه وزوجته وتُحوَّل حياتهم إلى جحيم بحرمانهم من عائلهم ومصدر رزقهم. وتكون العقوبة بأن يشتغل بتنظيف تلك الأماكن ساعتين في الصباح الباكر قبل أن يبدأ عمله، وساعتين في المساء بعد الفراغ من عمله وفي عطلة نهاية الأسبوع، وبذلك لا يتوقف عن عمله ولا ينقطع عن كسب رزق أولاده وزوجته. فإن كان بطالا، فلا بأس من شغله طوال اليوم بذلك التنظيف.

هذه العقوبة تختلف عن عقوبة الأشغال الشاقة التي لا يجيزها شرعٌ ولا عقل، وليس فيها تعذيب للجاني ولا لأسرته، ولكن فيها تأديب وزجر له، وفيها تعويض للمجتمع عن الضرر اللاحق به، ولا تحتاج الدولة إلى الإنفاق عليه في السجون. وقد قطعت بعض الدول الغربية شوطا في التخلص من عقوبة السجن في الجرائم غير الخطيرة وتعويضها بعقوبة "خِدْمَة المجتمع" التي تكون غالبا في تنظيف الحدائق العامة ومحطات القطارات وغيرها من الأماكن العامة. ولو أن الذين قلدوا الغرب وجعلوا النظام العقابي في العالم الإسلامي قائما على عقوبتي السجن والغرامة المالية يقلدونه في هذا التوجُّه للتخلص من العقوبتين لكان أمرا حسنا.


تعقيب على ما يستدل به القائلون بعقوبة السجن

جمع الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في كتابه (أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام) كل ما يمكن أن يتمسك به مُتَمَسِّكٌ في القول بعقوبة السجن، وفيما يأتي تعقيب موجز عليها:

1- قوله تعالى: (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا) (النساء: 15) = هذه العقوبة كانت مؤقتة (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا)، ثم نُسِخَت. وحتى إذا قلنا إن أصل تشريعها يدل على مشروعية أصل الحبس، فإن هذه العقوبة تختلف عن عقوبة السجن المطبَّقة في العصر الحديث، فهي مجرد إقامة جبرية في البيت بحيث لا تُفصل المرأة في حبسها عن أسرتها، ولا تتضرر أسرتها بفصلها عن بيتها.

2- (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) (المائدة: 33) = جمهور العلماء على أن المراد بالنفي غير الحبس، وهو الظاهر. وحتى على قول من يرى أن النفي يمكن أن يكون بالحبس، فإن العقوبة مقصورة على هذه الجريمة، ولا يمكن القول بجعلها أصلا لتعميم عقوبة السجن على جميع الجرائم.

3- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ ...) (المائدة: 106) = لا علاقة لهذه الآية بعقوبة السجن أصلا.

4- (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة: 5) = لا يمكن إدخال السجن في مفهوم الحصر؛ لأن أقصى ما يمكن فعله مع أسرى أهل الحرب هو حبسهم في انتظار تقرير مصيرهم، ومعلوم أنه ليس من عقوبة الأسرى في الإسلام السجن.

5- (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (*) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) (ص: 37-38) = هذا عن مَرَدَة الشياطين المفسدين. وحتى إذا قلنا بجواز تعديته إلى الإنس، فإنه إجراءٌ مؤقَّت لسبب محدد، ولم يُرْوَ أن سليمان عليه السلام كان يحكم على الجن أو الإنس بالسجن لفترات محددة على جرائم معيَّنة.

6- (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) (يوسف: 35) عقَّب عليها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في كتابه (أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام) بقوله: "فالله تعالى حين قص علينا هذه القصة أنكر إدخال يوسف عليه السلام السجن لا في ذلك من ظلم، ولكنه لم ينكر الحبس ذاته، بل أورده وأقره" (أبو غدة، ص61) = الحقيقة أنه ليس في هذا أي إقرار، وإنما هو مجرد حكاية لما وقع، مثل قوله تعالى: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)، وقوله: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ)، فإذا كانت الحكاية إقرارا، فلتكن أقرارا لذلك أيضا.

7- (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) (محمد: 4) = ليس في هذا غير الأسر، وهو حبس مؤقت. وقد بينت الآية أن هذا الحبس المؤقت يعقبه بعد انتهاء الحرب المن أو الفداء.

8- قوله صلى الله عليه وسلم: "لَـيُّ الواجد يُحِلُّ عِرْضَهُ وعقوبته" (البخاري معلقا، أبو داود..) = ليس في الحديث ذكر لمعاقبة المدين الموسر بالحبس. وحتى على رأي من فسَّر العقوبة بأنها تشمل الحبس، فإنه ليس فيه حكم على المدين الموسر بالسجن مدة معينة، وإنما حبسه مؤقتا للضغط عليه حتى يؤدي ما عليه من دين.

9- حَبْسُ أسرى بدر، وأسرى بني قريظة = لا علاقة لهذا بعقوبة السجن. حبس أسرى بدر كان للنظر في مصيرهم بين الفداء والقتل والمنّ. وحبس أسرى بني قريظة كان في انتظار تنفيذ العقوبة المقررة في حقهم.

10- أَسْرُ رجلٍ من ثقيف بسبب أن حلفاءهم من بني عامر قد أسروا رجلين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم = ليس لهذه الواقعة أي علاقة بعقوبة السجن؛ لأن الأسر إنما كان لمفاداته بالمسلمين المأسورين.

11- الخبر المرسل أنه صلى الله عليه وسلم قتل ثلاثة يوم بدر صَبْرًا: طعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط. (مراسيل أبي داوود) = هذا الخبر -حتى إذا صح- فإنه خارج محل الاستدلال؛ لأن حبسهم كان مؤقتا في انتظار تنفيذ العقوبة التي يستحقونها.

12- ما روي أنه صلى الله أنه حبس رجلا في تهمة بِدَمٍ يوما وليلة، ثم أمر بتخلية سبيله. (أبو داوود، الترمذي، النسائي)= حتى إذا صحت الرواية فإنها خارج محل الاستدلال؛ لأن الحبس كان إجراء مؤقتا للنظر في التهمة.

13- خبر ثُمامة بن أُثال سيّد أهل اليمامة، لما أمسكوا به جاءوا به فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ماذا عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تُنْعِم تُنْعِم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسَلْ تُعْطَ منه ما شئت، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وتكرر الأمر ثلاثة أيام يسأله السؤال نفسه، ويجيب بالجواب نفسه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أطلقوا ثمامة»، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله... (مسلم، ج3، ص1386.) = فيه الحبس المؤقت للنظر في أمر الرجل، ولا دليل فيه على جعل السجن عقوبة مقررة على جرائم معينة.

14- حديث الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغريم له فقال له: "الزمه"، ثم قال: "يا أخا بني تميم ما تريد أن تصنع بأسيرك." (سنن أبي داود، سنن ابن ماجه) = ضعَّفَهُ الألباني. وحتى إذا صحّ، فهذا مجرد ملازمة للغريم الموسر المماطل حتى يدفع ما عليه من دين.

15- قصَّة ربط أبي لبابة نفسه في سارية من سواري المسجد، ويروى أن الأمر نفسه حصل مع بعض الصحابة حين تخلفوا عن الغزو مع الرسول صلى الله عليه وسلم = لا علاقة له أصلا بالحبس لا بوصفه إجراء مؤقتا ولا بوصفه عقوبة أصلية.

16- نقل ابن فَرَج في كتاب أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كتاب أحكام القاضي لابن زياد اللخمي (دون إشارة إلى المصدر أو السند) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجن رجلا أعتق شِرْكًا له في عَبْدٍ فأوجب عليه استتمام عتقه. (ص9) = الموجود في مصنف عبد الرزاق: "أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبْدٌ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، فَضَمَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَاعَ غَنِيمَةً لَهُ." وليس فيه ذكر حبس الرجل. ولا أظن ما أورده ابن زياد يصح؛ لأن الرجل فعل خيرا حَثَّ عليه الشارع الحكيم، فلا يكون جزاؤه الحبس! والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال -كما في صحيح البخاري- "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ، أُعْتِقَ كُلُّهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا يُسْتَسْعَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ". وحتى لو صحّ ما أورده ابن زياد فهو في الحبس المؤقت في انتظار استيفاء حق.

17- في مصنف عبد الرزاق عن إسماعيل بن أمية خَبَرٌ نَسَبَه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُحْبَسُ الصابر للموت كما حَبَسَ، ويُقتل القاتل." = هذا خبر مُرسَل، أرسله إسماعيل بن أمية وهو ممن عاصر صغار التابعين، ولم يثبت رفعه إلى رسول الله صلى عليه، ولذلك اختلف علماء الصدر الأول في القصاص من الـمُمْسِك على أقوال: ذهب بعضهم إلى أن على الـمُمْسِك التأديب فقط، وذهب آخرون إلى قتل القاتل والـمُمْسِك ، وذهب آخرون إلى حَبْس الـمُمْسِك حتى يموت. (ابن حزم، المحلى، ج10، ص511-512.) حتى إذا أخذنا برأي القائلين بحبسه، فليس في هذا تشريع لعموم عقوبة السجن لجميع الجرائم، وإنما فيه القصاص من الشخص بعقوبة من جِنْس جريمته.

ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قضى به بحبس الـمُمْسِك حتى يموت. (ابن حزم، المحلى، ج10، ص511-512)، لم يُرْوَ القول بهذه العقوبة عن أحد من الصحابة غير علي بن أبي طالب، ولذلك اختلف فيها أهل العلم في الصدر الأول.

18- ما روي عن عمر في حبس صبيغ (الذي كان يكثر السؤال عن المتشابهات) = هذا كان حبسا مؤقتا لبعضة أيام لتأديبه، ثم نفاه إلى العراق وأمر بمنعه من مخالطة الناس، ولم يأمر بحبسه. فلما كتب إليه أبو موسى أنْ قَدْ حَسُنَتْ توبَتُهُ، أمر عمر بأن يُسمح له بمخالطة الناس. (ابن فَرَج، أقضية رسول الله، ص9).

19- روي أن عثمان رضي الله عنه سجن ضابئ بن الحارث وكان من لصوص بني تميم وفُتَّاكِهِم حتى مات في السجن (ابن فَرَج، أقضية أقضية رسول الله، ص9) = إن صحت الرواية، فهي تدل على حَبْسِ من لا يمكن كَفُّ شَرِّهِ إلا بحبسه، وهذه حالة استثنائية لا يمكن الاستدلال بها على جعل السجن عقوبة أصلية في عامة الجرائم.

20- روي عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير وقائع بالسجن (ابن فَرَج، أقضية أقضية رسول الله، ص9) = تلك الوقائع كانت في الحبس المؤقت.

21- ما ذهب إليه بعض الفقهاء من تعويض عقوبة التغريب في جريمة الزنا بالسجن هو مجرد رأي ليس عليه نص من الشارع، ولا دليل ظاهر. هذا فضلا عن أن السجن في هذه الحال لمدة محددة وجريمة معينة، وليس للقاضي ولا لغيره أن يزيد فيها.

يتبين مما سبق أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاقب أحدا من الجناة بالحبس مقابل جنايته. وكل ما وقع في زمانه كان احتجازا مؤقتا في انتظار البتّ في مصير الشخص.

ولم يثبت عن أحد من الخلفاء الراشدين اتخاذ السجن عقوبة مُقَرَّرَة لجرائم معيَّنَة، باستثناء ما روي من فعل علي مع من أمْسَكَ شخصا لقتله، وما روي عن عثمان من سجن ذلك الشخص الذي كان من فُتَّاك اللصوص، هذا أمر مقبول إذا كان ضروريا لِكَفِّ أذى الشخص عن المجتمع.

والثابت هو حبس المتَّهَم في تهمة خطيرة في انتظار التحقيق والبتّ في أمره، أو الحبس المؤقَّت للمدين المماطل الذي يرفض دفع ما عليه من دين للضغط عليه للوفاء بدينه. وهذا يختلف عن اتخاذ السجن عقوبة مُقَرَّرَةً لعامة الجنايات.

ختاما: هذه ملحوظات عامة حول الموضوع قصدت منها التنبيه على أن الموضوع في حاجة إلى مزيد من البحث بعقلية نقدية، لا تكتفي بنقل وتكرار ما هو موجود، بل تُمحِّصُ جميع ما ورد في الموضوع وتُحَرِّرُه، والحاجة إلى دراسات توثِّقُ الآثار الاجتماعية والنفسية والمادية لعقوبة السجن في واقعنا الحاضر.
 

د. نعمان مبارك جغيم

:: أستاذ أصول الفقه المشارك ::
إنضم
4 سبتمبر 2010
المشاركات
191
الجنس
ذكر
التخصص
أصول الفقه
الدولة
الجزائر
المدينة
-
المذهب الفقهي
من بلد يتبع عادة المذهب المالكي
عقوبة السجن ومنافاتها لمقاصد العقوبة في الإسلام

جمع الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في كتابه (أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام) كل ما يمكن أن يتمسك به مُتَمَسِّكٌ في القول بعقوبة السجن، وفيما يأتي تعقيب موجز عليها:

تنبيه: مؤلف كتاب أحكام السجن هو حسن أبو غدة وليس عبد الفتاح أبو غدة.
 
أعلى