العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

فتوى ابن حزم في حكم سفر المرأة بدون محرم

إنضم
2 يونيو 2009
المشاركات
77
التخصص
أصول الفقه - أعلام الغرب الإسلامي
المدينة
مراكش
فتوى ابن حزم في حكم سفر المرأة بدون محرم:
ذهب ابن حزم رحمه الله إلى أنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم، إلا أن يكون سفرا أمرت به كالحج أو ندبت إليه كالنظر في مالها أو التزمته كالغريب.
وسبب الخلاف في المسالة هو ما يعترض لأهل العلم من تأليف النصوص التي ظاهرها التعارض. حيث يكون أحد النصين فيه أمر بعمل ما، والنص الآخر فيه نهي عن عمل ما، ويكون بعض ما ذكر في أحد النصين عاما لبعض ما ذكر في النص الآخر، ويكون الحكم الثاني الذي في النص الثاني عاما أيضا لبعض ما ذكر في هذا النص الآخر، يقول ابن حزم بعد هذا التعريف: «وهذا من أدق ما يمكن أن يعترض أهل العلم من تأليف النصوص وأغمضه وأصعبه»[1].
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[2]. وقوله صلى الله عليه وسلم: ﴿لا يحل لامرأة تومن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم منها[3]، ففي الآية أمر عام بالحج لعموم الناس، وإيجاب بعمل خاص إلى مكان خاص وهو السفر إلى المسجد الحرام، وفي الحديث نهي عام عن السفر جملة مع تخصيص بعض الناس وهم النساء. فاختلف الناس في كيفية استعمال هذين النصين، فقال أكثر الفقهاء: معنى الآية واجب على كل الناس حج البيت حاشا النساء اللواتي لا أزواج لهن ولا محرم، فليس عليهن حج، فاستثنوا النساء من الناس، فيكون الحديث هو المخصص للآية.
لكن هذا التخصيص يرده ابن حزم لأنه من غير دليل ولا برهان، يقول: «فليس أحدهما أولى من الثاني، فلابد من طلب الدليل على صحة أحد الاستثناءين»[4]، ومال بعد ذلك إلى قول من قال: معنى ذلك «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم، إلا أن يكون سفرا أمرت به كالحج أو ندبت إليه كالنظر في مالها أو التزمته كالغريب».
وإنما مال رحمه الله إلى استثناء الأسفار الواجبة والمندوب إليها من سائر الأسفار لما جاءت به نصوص أخرى ومعاني تعضد هذا الاستثناء، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ﴿لا تمنعوا إماء الله مساجد الله[5]، يقول رحمه الله: «فجاء النص كما ترى في النساء بأنه لا يحل منعهن عن المساجد، ومكة من المساجد فكان هذا النص أقل معان من حديث النهي عن سفر النساء جملة فوجب أن يكون مستثنى منه ضرورة»[6].


[1] - "الإحكام"، ابن حزم: 2/206.

[2] - "آل عمران"، الأية: 97.

[3] - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: "الجمعة"، باب: "في كم يقصر الصلاة"، حديث رقم: 1088. ومسلم في صحيحه، كتاب: "الحج"، باب: "سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره"، حديث رقم: 1339.

[4] - "الإحكام"، ابن حزم: 2/207.

[5] - أخرجه البخاري في صحيحه كتاب "الجمعة"، باب: "هل على من لم يشهد الجمعة من غسل من النساء"، حديث رقم: 900. / ومسلم في صحيحه كتاب: "الصلاة"، باب: "خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة" (أنها لا تخرج مطيبة)، حديث رقم: 442.

[6] - "الإحكام"، ابن حزم: 2/208.
 

بشرى عمر الغوراني

:: فريق طالبات العلم ::
إنضم
29 مارس 2010
المشاركات
2,120
التخصص
الفقه المقارن
المدينة
طرابلس
رد: فتوى ابن حزم في حكم سفر المرأة بدون محرم

يقول رحمه الله: «فجاء النص كما ترى في النساء بأنه لا يحل منعهن عن المساجد، ومكة من المساجد فكان هذا النص أقل معان من حديث النهي عن سفر النساء جملة فوجب أن يكون مستثنى منه ضرورة»[6].

لم أفهم ما ظللتُه بالأحمر
حبذا لو تكرمتم ببيانه من فضلكم
جزاكم الله خيراً وبارك بكم
 
إنضم
2 يونيو 2009
المشاركات
77
التخصص
أصول الفقه - أعلام الغرب الإسلامي
المدينة
مراكش
رد: فتوى ابن حزم في حكم سفر المرأة بدون محرم

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم .. هذا ما ادى اليه فهمي للنص الحزمي ولذوي التخصص والقدم الراسخة والسعي المجتهد ان يقوموا ما زاغت فيه قدم الطالب المقتصد اقول واعوذ بالله من الخذلان:
لقد حرص ابن حزم على إعمال النصوص وعدم إهمالها من خلال تخصيص أحدهما للآخر، ولابد لتقرير هذا التخصيص من وجود دليل من نص آخر يرجحه، حتى إذا لم يوجد نص مرجح، رجح النص الأقل معاني وخصص به النص الأكثر معاني.
النص الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: ï´؟لا يحل لامرأة تومن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم منهاï´¾. وهذا نص أكثر معان.
النص الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: ï´؟لا تمنعوا إماء الله مساجد اللهï´¾. وهذا نص أقل معان وجب أن يستثنى من الأول.
ففي الحديث الأول نهي المرأة مطلقا عن السفر إلا مع زوج أو ذي محرم.
وفي الحديث الثاني النهي مطلقا عن منع النساء عن المساجد مطلقا (ومكة من المساجد).
فيكون الجمع بين الدليلين: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم، إلا أن يكون سفرا قد ورد نهي الأزواج وذوي المحارم عن منع النساء إليه؛ كالرحال إلى المساجد (ومكة من المساجد).
 

بشرى عمر الغوراني

:: فريق طالبات العلم ::
إنضم
29 مارس 2010
المشاركات
2,120
التخصص
الفقه المقارن
المدينة
طرابلس
رد: فتوى ابن حزم في حكم سفر المرأة بدون محرم

لقد حرص ابن حزم على إعمال النصوص وعدم إهمالها من خلال تخصيص أحدهما للآخر، ولابد لتقرير هذا التخصيص من وجود دليل من نص آخر يرجحه، حتى إذا لم يوجد نص مرجح، رجح النص الأقل معاني وخصص به النص الأكثر معاني.
.


أثابكم الله خيرا فضيلة الدكتور على التوضيح

وهل هذه القاعدة، أقصد ترجيح النص الأقل معان وتخصيص النص الأكثر معان به، معمول بها عند الأصوليين؟ أم هي قاعدة عند ابن حزم خاصة؟ وما أدلة هذه القاعدة؟
جزاكم الله خيرا
 
التعديل الأخير:
إنضم
2 يونيو 2009
المشاركات
77
التخصص
أصول الفقه - أعلام الغرب الإسلامي
المدينة
مراكش
رد: فتوى ابن حزم في حكم سفر المرأة بدون محرم

لقد أولى الأصوليون عناية كبيرة لفقه النص الشرعي تنظيرا وتطبيقا، وبذلوا جهودا عظيمة أسفرت عن جملة من المناهج الخادمة للنص الشرعي المفضية إلى فهمه والاستنباط منه. ومن هذه: المدرسة الأثرية، والمدرسة العقلية، والمدرسة اللغوية، والمدرسة الفقهية، والمدرسة الباطنية، والمدرسة الظاهرية...
فللمدرسة الظاهرية منهج خاص في فقه النص الشرعي يتأسس على تقرير المكانة العظيمة للنص الشرعي مقدما إعمال النصوص على إهمالها مما أفضى إلى القول بعدم تعارض النصوص؛ فقد أفرد ابن حزم فصلا في موسوعته "الإحكام"[1] لبيان هذا المعنى وسماه: "فصل فيما ادعاه قوم من تعارض النصوص"، كما حرر فصلا آخر سماه: "في تمام الكلام في تعارض النصوص"، وكل ذلك لبيان ألا تعارض ولا اختلاف في شيء من الوحيين، وبالتالي بطلان «مذهب من أراد ضرب الحديث بعضه ببعض، أو ضرب الحديث بالقرآن»[2].
ولا يكتفي ابن حزم بنفي التعارض بين النصوص؛ بل عمد إلى بيان اتفاقها في ظواهرها كما في حقيقتها بما يدفع مظهر التعارض بينها، فلا معنى لإيجاب إعمال النصوص مع بقاء التعارض ظاهرا بينها. يقول رحمه الله: «إذا تعارض الحديثان أو الآيتان، أو الآية والحديث، في ما يظن من لا يعلم، ففرض على كل مسلم استعمال كل ذلك؛ لأنه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض.. وكل من عند الله عز وجل، وكل سواء في باب وجوب الطاعة والاستعمال ولا فرق»[3].
وقد قام بتجميع كل أوجه التوفيق بين النصوص التي يظهر التعارض بينها، وحصرها في أربعة أوجه لا خامس لها، وكل نصين يظهر بينهما تعارض يمكن التوفيق بينهما بأحد هذه الوجوه: ومن هذه ما ذكرت آنفا.
وأدلة هذه القاعدة أدلة عامة وهي على التحقيق أدلة قوله بالظاهر ..

[1] - "الإحكام"، ابن حزم: 2/201.

[2] - نفسه، 2/218.

[3]- نفسه، 2/201.
 
التعديل الأخير:
أعلى