العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

مذهب الإمام مالك الفقهي ومقاربته للفطرة

إنضم
25 يونيو 2008
المشاركات
1,762
الإقامة
ألمانيا
الجنس
ذكر
التخصص
أصول الفقه
الدولة
ألمانيا
المدينة
مونستر
المذهب الفقهي
لا مذهب بعينه
هدية لأبناء مذهبي القديم :)


مذهب الإمام مالك الفقهي ومقاربته للفطرة
محمد ابن يعقوب
عضو الرابطة المحمدية للعلماء

المقصود بالفطرة
الفطرة بالكسر1: الخِلقة، وفطَره يفطُره بالضم2، أي: خلقه، وقال ابن الهيثم: "الفطرة: الخِلقة التي يُخلق عليها المولود في بطن أمه، ومنه قوله تعالى: (ومالي لا أعبد الذي فطرني)" 3.

والفطرة: ما فطر الله عليه الخلق من المعرفة به، فهي فطرة فُطر عليها المؤمن. وقيل: فُطر كل إنسان على معرفته بأن الله ربّ كل شيء وخالقه، ومنه قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فِطرةَ الله التي فطر الناس عليها) 4، فيقال: كل مولود يولد على الفطرة التي فطر الله عليها بني آدم حيث أخرجهم من صلب آدم كما قال تعالى: (وإذ اَخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذرياتِهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربكم قالوا بلى) 5، وفي السياق يردف ابن كثير6 الآية بقوله: وفي الحديث: (إني خلقتُ عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم). وهذا ينقل مفهوم الفطرة من معناها اللغوي الذي هو الخلق والإنشاء إلى مفهومها الديني الذي يعني في نفس الآن: ما طُُبع عليه الإنسان من توجه ديني أقر به في عالم الغيب، فهو مسئول بالعهد عنه في عالم الشهادة لا تبديل لخلق الله، و(بهذا -يقول سيد قطب رحمه الله- يربط بين فطرة النفس البشرية وطبيعة هذا الدين، وكلاهما من صنع الله، وكلاهما موافق لناموس الوجود، وكلاهما متناسق مع الآخر في طبيعته واتجاهاته ) 7.

مما سبق، ففطرة الإنسان هي الطبيعة التي يولد عليها، مع نوع من الميلان التلقائي لما يماشيها مما قدره سبحانه وتعالى غيباً لها. فالطبيعة البشرية السليمة تتداعى إلى ما يحقق مصلحتها في دنياها وآخرتها بما لا يشق عليها من وسائل تتوسلها لتحقيق مرادها ذاك. والإسلام من هذا المنظور دين الفطرة؛ لِما نجده من نصوص في الكتاب والسنة دالة على هذا كما في قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وُسعها) 8، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) 9.

أهم العوامل المؤثرة في توجيه حياة الإمام مالك العلمية
ومقاربة الإمام مالك رضي الله عنه في مذهبه للفطرة نهْجُه فيما سار عليه من تلقينٍ لمذهبه الفقهي على خُطى السلف الصالح فيما رامه من تبليغ ما استُخلف فيه من دين الله الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس جميعا هدى ورحمة. قال تعالى: (يأيها النبيء إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً) 10. ولم يكن الإمام مالك بِِِدْعاً من هذا السلف في توجهه الفقهي المذهبي مقاصدَ وأحكاماً، على بُعده النسبي من زمن النبوة؛ إذ إن ولادته كانت سنة 93 هـ بالمدينة المنورة.

الميلاد..
وميلاده رضي الله عنه بالمدينة وتلقِّيه بها كانَا أهم العوامل المِؤثرة في توجيه حياته العلمية؛ هذه المدينة التي قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهى سنوات دعوته وقضى بها، انتقلت من مجرد قرية صغيرة لا يكاد يُلقى لها بال، إلى مدينة عامرة مزدهرة بالوافدين عليها هجرةً وطلباً لدين الله وتفقهاً فيه في حياته عليه السلام، وتلقِّياً عن علمائها -بعد وفاته- من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، حتى أصبحت مدرسة11 متميزة في العلم والفقه اشتهر بها أعلام من الصحابة كعمر وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وعلى يد هذه الطبقة تخرج كثير من علماء التابعين من أشهرهم سعيد بن المُسيَّب وعروة بن الزبير بن العوام، وعن هؤلاء أخذ ابن شهاب الزهري، وأخيراً أنجبت هذه المدرسة مالك بن أنس إمام دار الهجرة.

لقد عاش مالك في المدينة لم يبرحها إلا ليعود إليها؛ كان يجد فيها ريح النبوة، وجلال الأيام الباهرة الخالية أيام النور والوحي والبطولات، وما زال أهل المدينة يتولون السنة الشريفة في القول والعمل؛ الآباء عن الأجداد، حتى لقد صح12 عنده أن عمل أهل المدينة في عصره سنة مؤكدة، وأنه أولى بالاعتبار عند الفتيا والقضاء من حديث الآحاد.

و"تقديسه" للمدينة بلغ به حدّاً ألا يطأ تربتها بحافر دابة؛ حكى الشافعي أنه رآى على باب مالك هدايا من خيل خراسانية وبغال مصرية فقال الشافعي: ما أحسن هذه الأفراس والبغال!، فقال مالك: هي لك فخذها جميعا، فقال الشافعي: ألا تُبقي لك دابة تركبها؟، قال مالك: إني لأستحيي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة13.

الأسرة
العامل الثاني المؤثر في وجهة مالك الفقهية يرتبط بأسرته: فقد نشأ الإمام مالك في أسرة محافظة يشتغل ربها بالتجارة، وتربى تربية إسلامية عالية؛ حيث حفظ القرآن، لينتقل للنهل من علوم عصره بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على يد علماء أجلاء؛ في طليعتهم ربيعة بن أبي عبد الرحمان المشهور بربيعة الرأي، وابن هرمز، ونافع، وابن شهاب الزهري، ومحمد بن المنكدر، وجعفر الصادق بن محمد الباقر.

لقد كانت أسرة مالك أسرة متحضرة متأثرة ببيئة المدينة، وخاصة أمه التي وجهته بوعي وأمانة وبعناية فائقة الوجهةَ اللائقة بوضع الأسرة الديني والاجتماعي، وكان مالك -وهو طفل- يرغب في الغناء؛ لِما كان عليه في المدينة حينه شيوعاً وأثراً؛ يقول الإمام مالك: نشأت وأنا غلام، فأعجبني الأخذ من المغنيين، فقالت أمي: يا بني، إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يُلتَفَتْ إلى غنائه، فدع الغناء، واطلب الفقه، فتركت المغنيين، وتبعت الفقهاء، فبلغ الله بي ما ترى14.

ويبدو أن مالكاً تأثر بحياة المدينة الوادعة التي كانت في عهده بعيدة عن المعتركات الفكرية: الفقهية منها والسياسية؛ فهي تعيش على السنن المتوارثة، وتنآى بنفسها عن صراع العقائد والجدل الفلسفي وكلام الباحثين فيما وراء الغيب، وكل ما أنتجت الفلسفات اليونانية والهندية والفارسية. ومن هنا فإن مالكاً كان لا يحب أن يخوض غمار الصراع السياسي مشفقاً على نفسه وعلى أهل المدينة من تبعاته التي لا تُبقي ولا تذر، خاصة وقد رأى في شبابه ما كان من أثرها عند ثورة الخوارج ونهضة الإمام زين العابدين.

ورغم نأيه بنفسه عن كل ما يثير أولي الأمر ضده بصفة مباشرة، فقد وقع في شَرَكهم من حيث لم يقصد، وذلك على خلفية شرحه للحديث النبوي الشريف: (ليس على مستكره يمين) بحلقة علمية له بالمسجد النبوي، مبيناً أن من طلق مكرَهاً لا يقع منه طلاق، فثار محمد النفس الزكية على الخليفة المنصور؛ كونه أخذ البيعة قسراً، فبايعه الناس مستكرهين، وثار لثورته بعض أهل المدينة منضمّاً إليه.

وأرسل والي المدينة إلى الإمام مالك أن يكف عن الكلام في هذا الحديث وأن يكتمه على الناس لأنه يحرضهم على الثورة ونقض البيعة، إلا أن مالكاً لم يبال بهذا الإنذار، وأطلق الحكم الذي جاء به الحديث على كل صور الإكراه في المعاملات والحياة؛ فأوذيَ في ذلك، وحُكم عليه بالإقامة الجبرية في بيته لا يخرج منه حتى للصلاة، ولا يتصل به فيه أحد، قبل أن يعتذر له المنصور ويصله بمال وهدايا15.

وكما كان ينأى بنفسه عن السياسة كان ينأى بها عن الجدال. ولقد بلغ نفوره من الجدل حدّاً جعله يصد عنه هارون الرشيد عندما لقيه في المدينة وطلب منه أن يناظر أبا يوسف صاحب أبي حنيفة، فقال مالك مُغْضَباً: إن العلم ليس كالتحرش بين البهائم والديكة16. وسئل الإمام مالك عن رجل له علم بالسنة ألا يجادل عنها؟ فقال: يخبر بالسنة، فإن قُبِل منه، وإلا سكت17.

الإمام مالك وتوجهه الفقهي المذهبي
جلس الإمام مالك للناس بعد ثلاثين سنة من التلقّي كانت كلها جدّاً واجتهاداً وانقطاعاً للتحصيل؛ فحفظ الكثير من الحديث، وتدارس منه ما ينبغي لاستنباط الأحكام التي تخص قضايا مُستجَدة في عصره، وتدارس معاملات الناس، حتى تكَوَّن له رأي خاص، واستقل بنظره في أمور دينه ودنياه؛ معتمداً على النصوص القطعية الدلالة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة واجتهاداتهم فيما لم يَرِد به نص، فعَمَلُ أهل المدينة وأعرافُها وتقاليدُها؛ لأنها مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعملُ أهلها في نظره لم يكن ليبتعد عن سنته عليه السلام، إذن، فلماذا لا يكون لهذا العمل درجة في سُلَّم مُعتمَده من أركان التشريع، فإن لم يكن للمستجد من القضايا حكمٌ عند أهل المدينة فليُقَس على حكم سابقة تجمعه به علة، فإن تعارض القياس مع المصلحة فلتُقدَّم المصلحة استحسانا؛ هذه المصلحة التي باتت في الفقه المالكي مناط الحكم.

ولم يجلس الإمام مالك للناس إلا في نحو الأربعين من عمره، بعد سنوات من الدرس والتمحيص والاحتكاك بكبار علماء وفقهاء المدينة المنورة وغيرهم ممن كان تواصلُه بهم في أيام الحج بمكة أو بالمدينة؛ كالإمام الليث بن سعيد والإمام الشافعي، واجتمع عليه طلبة العلم بالمسجد النبوي يتلقون عنه حتى أصبحت حلقته أكبر من حلقات أساتذته، وأصبحت تُضرب إليه أكباد الإبل من الخاصة والعامة للاستفتاء واستمداد العون بالنصيحة والموعظة الحسنة مما أصبح معه ركنا في بابه؛ إذ غدا عالم المدينة، وكلمته لا يُعلى عليها حتى قيل: أيُفتى ومالك في المدينة؟

المذهب المالكي ومقاربته للفطرة
ومقاربة الإمام مالك الفطرة في مذهبه الفقهي ليس معناه أن غيره من مجتهدي الملة لم يكونوا على صواب في توجههم المذهبي الذي اشتهروا به كالشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل وابن حزم وسواهم؛ فجميعهم نهلوا من معين واحد وهو الكتاب والسنة، لم ينفك أحد منهم عنهما. فأئمة المذاهب لم يأتوا بشيء جديد من عندهم، وإنما هم مفسرون لما ورد في هذين الأصلين تسهيلاً للناس على ما لم يستطيعوا فهمَه منهما؛ فالذي يقلد مالكا إنما يقلد في الحقيقة فهمَ مالك من النصوص الواردة في الكتاب والسنة، فهو إن أعطى رأيه في المسألة يأتي بالدليل، وإن أعطى حكماً أعطى الحجة عليه وعلله، وهو نفس الشيء بالنسبة لغيره من الأئمة، إلا أنه لكل مذهب آراؤه وطرقه في الاجتهاد، ولكلٍّ أتباع متفرقون في الأمصار، صاروا يجمعون أقوالهم وفتاواهم، ويبثونها في الناس بواسطة مؤلفات التزموا فيها أقوال من قلدوهم شرحاً وتعليلاً وتعليقاً وشرحاً لشرح أو شروح، كما نجد مثلاً لدى متبنّي مدرسة مالك الفقهية مما هو معروف ومشهور بين علماء الشريعة في المغرب والأندلس قبل سقوطها.

والفطرة تقتضي اليسر والمرونة، وتنزع إلى الاعتدال، واقتناص المنفعة من أقرب طريق، ودرء المفسدة بما لا يسبب حرجاً أو توتراً إلا أن يُفرض الوضع، فهنا لا تنازل ولا تسامح في توَخِّي شرع الله، وإذا اجتمع ضرران فأخفهما، ونبراس الهداية في كل هذا ظاهر النصوص الشرعية.

وكان الإمام مالك رضي الله عنه يقارب الفطرة بهذا المفهوم في فتاواه وسلوكه مع مستفتيه وطلبته؛ إذ كان يمثل المؤمن البسيط المتواضع السليم النية والمُعتقَد والسلوك؛ يربأ بنفسه عن الوقوع فيما فيه التواء أو التباس أو أخذ ورد من القضايا المتشابكة والموغلة في الإشكال، بل إنه كان يكره الخوض في مناقشة الأفكار الجديدة التي فرضت نفسها على الأمة بسبب اتساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول أقوام في دين الله أفواجاً بهمومهم وقضاياهم وحضاراتهم وعاداتهم وتقاليدهم؛ مما لم يكن لمسلمي فترة النبوة عهد به أو تصور لمقتضياته؛ إذ كان للصراع الفكري أثره في تعقيد حياة المسلمين وتفرقهم شِيَعاً وأحزاباً في معالجة المستجد من القضايا؛ من مثل مناقشة صفات الله وخلق القرآن والقدَر والجبر والاختيار. وكان مالك على عكس الخائضين في مقاربة هذه القضايا من فقهاء المدينة والحجاز، وكان يقول: الكلام في الدين أكرهه وأنهى عنه.. نحو الكلام في القدر والجبر، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، وما تحته عمل من الدين هو ما يفيد الناس في دنياهم وآخرتهم18. وكان إذا سأله أحد في أمر لم يقع ولكنه متوقَّع قال له: سل عما يكون، ودع ما لا يكون19. وكان لا يجد غضاضة في قول: "لا أدري" فيما لم يجد له إجابة يرضى عنها، ولكنه في نفس الآن، لم يكن يحب أن يستبدَّ برأيه في نازلة بعلة تفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمصار؛ هؤلاء الذين كان يكنُّ لهم أبلغ التقدير، بل ويرى فيما صدر عنهم من أحكام شرعاً يأتي في ترتيب أهميته بعد الكتاب والسنة، حتى إنه عندما طالبه الخليفة المنصور العباسي بوضع كتاب للناس يتضمن أحاديث الرسول وأقضية الصحابة وآثارهم ليكون قانوناً 20 تطبقه الدولة في كل أقطارها، بدلاً من ترك الأمور لخلافات المجتهدين والقضاة والفقهاء، حاول مالك أن يعتذر عن المهمة بذريعة أن الناس تفرقوا في البلاد فأفتى كلُّ مصر بما رآى؛ فلأهل المدينة قول، ولأهل العراق قول؛ غير أن الفكرة كانت تراود الإمام مالك بوضع مثل هذا الكتاب، فكان كتاب "الموطأ"، وكان ظهوره بعد وفاة المنصور.

كما كان مالك رضي الله عنه يوصي طلابه ومستفتيه بأن ينظروا في كلامه، فما وافق الكتاب والسنة أخذوا به، كما كان يقول: ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يتحرج في الفتوى إذا لم يكن هناك نص شرعي صريح يعضدها، فيصدرها بقوله: أظن21..، ثم يعقب بالآية الكريمة: (إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين) 22، وقال يوماً لأحد تلاميذه: "ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قوله تعالى: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا) 23"24.

وبعد: فلقد ظل الإمام مالك رضي الله عنه مخلصاً لمنهجه الفقهي الذي كونه لنفسه وارتآى العمل به إلى وفاته رحمه الله سنة 179 هـ؛ المذهب الذي استحسنه أولو الأمر في حياته من خلال طلب الخليفة المنصور منه وضْعَ كتاب تجتمع عليه الأمة دينياً اجتماعَها على دولة الخلافة سياسياً، ومن خلال تلقُّف هذا المذهب من علماء رأوا فيه ما يشفي غليلهم الفقهي فتبنوه وطوروه، مستندين إلى آرائه وقواعد استنباط أحكامه، حتى غدا للمالكية من المتأخرين ترتيب واصطلاح في العمل بالأقوال المأثورة عن أئمة المذهب فقالوا: يُفتَى بقول مالك في الموطأ، فإن لم يوجد فبقوله في المدونة، فإن لم يوجد فبقول ابن القاسم فيها، وإلا فبقوله في غيرها، وإلا فبقول غيره في المدونة، ثم بأقوال أصحاب المذهب على ما بينهم في الرواية والترتيب. وعللوا ذلك بأن مالكا هو إمام المذهب، وأن ابن القاسم هو أعلم بالمذهب، وأن ما في "المقدمة" يُقدم على ما في غيره لما هي عليه من الصحة والاعتماد.

كان الإمام مالك رضي الله عنه أفقه أهل زمانه بالحديث وآثار الصحابة، كما اعتمد الرأيَ فيما لم يَرِدْ فيه نص وسمَّاه الاستحسان أو المصلحة المرسلة؛ فقضى بما يحقق مقاصد الشرع من توفير المصلحة وجلب المنفعة ودفع الضرر، واعتبر المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة، ووازن بين المصالح، وأولاها بالرعاية لتكون هي مناط الحكم، وهذا غاية ما تطمح إليه الفطرة السليمة من أمور دينها ودنياها.



الهوامش

1. "مختار الصحاح"، للشيخ محمد بن أبي بكر الرازي. ط: 1950. ص: 532.

2. "لسان العرب" لابن منظور. ط: 5/1990 .دار صاحي للطباعة والنشر، بيروت. مج: 5. ص: 56-57.

3. سورة: يس. الآية:21.

4. سورة: الروم. الآية: 29.

5. سورة: الاعراف. الآية: 172.

6. تفسير القرآن العظيم للإمام الجليل: إسماعيل بن كثير. ج: 3. ص: 432.

7. "في ظلال القرٍآن" لسيد قطب. مج:5. ط: 8. دار الشروق. ص: 2768.

8. سورة : البقرة. الآية: 285.

9. الحديث ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه.

10. سورة: الاحزاب. الآيتان: 45-46.

11. "فجر الإسلام" لأحمد أمين. ط: 10/1969. ص: 174-176.

12. كتاب: "أئمة الفقه التسعة" لعبد الرحمن الشرقاوي (الإمام مالك بن أنس). ص:77.

13. المصدر السابق. ص:77.

14. مقدمة تحقيق كتاب: "التلقين" في الفقه المالكي للإمام: القاضي أبي محمد بن عبد الوهاب البغدادي. تحقيق الأستاذين: محمد بوخبزة وبدر الدين العمراني. ص:5.

15. "أئمة الفقه التسعة".ص:85.

16. المصدر السابق. ص:77.

17. المصدر السابق. ص:78.

18. المصدر السابق. ص:78.

19. المصدر السابق. ص:82.

20. مقدمة ابن خلدون. إصدار: دار البيان. ص:18.

21. "أئمة الفقه التسعة. ص:83.

22. سورة: الجاثية. الآية: 31.

23. سورة:المزمل. الآية:4.

24. "أئمة الفقه التسعة". ص:83.​
 
إنضم
12 يوليو 2008
المشاركات
39
التخصص
الدراسات الاسلامية
المدينة
القنيطرة
المذهب الفقهي
المالكي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جزاك الله خيرا أخي عبد الرحمان على هذا الموضوع الطيب.

نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن يرزقنا العمل به.
 
إنضم
12 يوليو 2008
المشاركات
39
التخصص
الدراسات الاسلامية
المدينة
القنيطرة
المذهب الفقهي
المالكي
يا عثمان عهدتك سلفيا:)

السلفية أخي عبد الرحمان كلمة سهلة عند التلفظ بها لكنها صعبة عند العمل بها
فشتان بيننا وبين السلف الصالح رحمهم الله .
لهذا أخي أصبحت أتحفظ من هذه الكلمة لأنني لست أهلا للانتساب لها.
فنسأل الله أن يرزقنا التوفيق والسداد.
 

شهاب الدين الإدريسي

:: عضو مؤسس ::
إنضم
20 سبتمبر 2008
المشاركات
376
التخصص
التفسير وعلوم القرآن
المدينة
مكناس
المذهب الفقهي
مالكي
وربما لأن السلفية من كثرة وتعدد استعمالاتها، أصبحت تدل على المذهب الحنبلي، أو بالأحرى متأخروا الحنابلة.

فأصبحت اختيارات السلفي الفقهية معلومة، يقلد بعضهم بعضا.

جزاكم الله خيرا على الموضوع.
 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,042
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
الحقيقة أن هذا اللقب في هذه الأعصار يشبه مصطلح الإرهاب!.
ولا تعجلوا علي!.
فالذي أرمي من ورائه؛ أنَّه تتجاذبه أطراف كثيرة؛ وكلُّ طرفٍ له تأويله واعتباره.
وكلٌّ يدَّعي وصلاً بليلى ...
وهو عند أناس يتَّسع؛ وعند قوم يُضيَّق على شيخٍ؛ وطريقه!.
والذي لا يروق لي -وهو رأيي الشخصي- ادِّعاؤه؛ والتَّحلِّي به؛ وكأنَّما فُصِّل لصاحبه ارتداؤه أينما وكيفما شاء!!.
ولعمري لو تركت الناس يصفونك به خيرٌ من أن تدَّعيه!.
والله المستعان.
 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,042
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
وربما لأن السلفية من كثرة وتعدد استعمالاتها، أصبحت تدل على المذهب الحنبلي، أو بالأحرى متأخروا الحنابلة.
فأصبحت اختيارات السلفي الفقهية معلومة، يقلد بعضهم بعضا.
أنا لا أشعر بما ذكرته؛ لأنني تقلبت في جنبات الجزيرة؛ وها انا اليوم في بلا اليمن الشافعية والزيدية؛ ولو تتبعت هذا الوصف؛ لرأيته متعدد الوجهات؛ فمن غلاة إن صحَّ التعبير حتى في الفقه؛ وأشد منه في المناهج!؛ إلى متوسطين؛ وأولائك لا يُقرُّون لهولاء؛ بل يخرجونهم من هذا الوصف!.
وظني أن توصيفك أخي غير دقيق.
والحاصل: أن الشرف إنما هو في الانتساب لهذا الدين؛ إن الدين عند الله الإسلام؛ هو سماكم المسلمين ...
وهذا الذي ورد به النصّ؛ على تمجيدهم له!.
سلك الله بنا سبيل الرشاد.
وألزمنا طريق نبيِّنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه.
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,042
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
على تحفظٍ عندي في آخر العنوان لهذا البحث:
مذهب الإمام مالك الفقهي ومقاربته للفطرة
 
التعديل الأخير:
إنضم
25 يونيو 2008
المشاركات
1,762
الإقامة
ألمانيا
الجنس
ذكر
التخصص
أصول الفقه
الدولة
ألمانيا
المدينة
مونستر
المذهب الفقهي
لا مذهب بعينه
أحسن الله إليكم أيها المشايخ الكرام ...

وأنا مثلكم ...أبغض القوالب الجاهزة والمعدة ل"قولبة" خلق الله...

ولا أحتاج أن اقول : أنا سلفي لكي يرضى عني فلان وعلان ويرضى عني المنتدى الفلاني ...

يكفيني أن أقول أنا على منهج أهل السنة والجماعة ...وهذا الإنتساب يشعر بالأصالة والقوة

والإجتماع...

على أني يا سيدي عثمان كنت أريد استفزازك للرد فقط:) وإلا فإن السلفية لاتقتصر

على "أنصاف الظاهرية" ولا على الحنابلة ...

فالسلفية منهج....وليست اجتهادات فقهية ومنهجية محددة ...من اعتقدها فقد أمن من عذاب

الله ومن خالفها فقد تنكب الصراط...​
 
إنضم
25 يونيو 2008
المشاركات
1,762
الإقامة
ألمانيا
الجنس
ذكر
التخصص
أصول الفقه
الدولة
ألمانيا
المدينة
مونستر
المذهب الفقهي
لا مذهب بعينه
أما العنوان يا شيخنا الفاضل عبد الحميد ...فمثلك أهل للصفح ...إذ كل صاحب مذهب يضع

مذهبه في مشكاة نورانية ...ويحاول أن يستثمر أكثر الألفاظ"روحانية" ليسجل نقاطا على

صاحبه في الملة:)
 

شهاب الدين الإدريسي

:: عضو مؤسس ::
إنضم
20 سبتمبر 2008
المشاركات
376
التخصص
التفسير وعلوم القرآن
المدينة
مكناس
المذهب الفقهي
مالكي
جزاكم الله خيرا أخي الشيخ عبد الحميد، إنما أصف حال من هم في بلاد المغرب من السلفية المعاصرة، واسمح لي أن أوافقك أولا في تشعبات المفهوم، وأنه جمع غلاة ومتوسطين، بل بدأ يُستعمل الآن في وصف طائفة مقلدة لشيخ واحد.

ولو أن في نفسي شيء من التسمية، فالاقتصار على ما جاء في الشرع من أسماء هو عين الصواب، مسلمون وأهل السنة والجماعة، فقد روى أبو داود وابن ماجة وأحمد : "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة والباقون هلكى. قيل: ومن الناجية ؟ قال : أهل السنة والجماعة، قيل : وما السنة والجماعة؟ قال ما عليه اليوم وأصحابي".
وقال ابن القيم في مدارج السالكين [3/179]:
" وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ قال: ما لا اسم له سوى السنة. يعني أن أهل السنة ليس لهم اسم يُنسبون إليه سواها ".
وفي كتاب الانتفاء لشيخ الإسلام بن عبد البر (ص:35): أن رجلاً سأل مالكاً فقال: من أهل السنة؟ قال: " أهل السنة الذين ليس لهم لقبٌ يُعرفون به؛ لا جهمي ولا قدري ولا رافضي ".
قال الإمام الشاطبي في الاعتصام [1/79]:
" وقال عبد الرحمن بن مهدي: قد سئل مالك بن أنس عن السنة؟ قال: هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) ".
 
إنضم
29 أغسطس 2008
المشاركات
26
التخصص
لغة ودراسات قرآنية
المدينة
جبل عمور
المذهب الفقهي
مذهب الإمام مالك
بارك الله فيكم مشايخي الكرام، لكن ما رأيكم في ذكر الإمام السمعاني لمصطلح السلفي في كتاب الأنساب، أليس ينبئ أن هذا المصطلح كا متداولا بين الأئمة قديما، أفيدونا بارك الله فيكم.
 
إنضم
25 يونيو 2008
المشاركات
161
الإقامة
المغرب
الجنس
ذكر
الكنية
أبو ياسر
التخصص
العلوم الإسلامية و الحديث (علم الرجال خاصة)
الدولة
المغرب
المدينة
مراكش
المذهب الفقهي
المذهب المالكي
استفسارات

استفسارات

بسم الله الرحمن الرحيم
جاءت في حديث الأخ الفاضل الكريم الأستاذ عبد الرحمان المغربي عن الإمام مالك أشياء استرعت انتباهي فأحببت أن أستفسر عنها إثارة لنقاش علمي بناء ، وتصحيحا لأمور لاتصح عن إمام دار الهجرة وفيما يلي بعض ذلك :
1 - قال الأخ إن مالكا نشأ في أسرة محافظة يشتغل ربها بالتجارة . فمن هو رب هذه الأسرة ؟ إننا لا نعرف عنه إلا اليسير الذي لا تتضح معه صورته ، بل لا أعدو الحقيقة إذا قلت : إننا لا نعرف عن والد مالك عشر ما نعرف عن أمه ، فهل من إضاءة تجلي هذا الجانب ؟
2 - القول بأن مالكا كان يتطلع ليكون مغنيا ، و أن أمه قالت له : يا بني إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه ، فدع الغناء .
ما مدى صحة هذا الكلام ؟ و كيف نوفق بينه وبين هذا الوصف :" كان مالك وسيما ، أبيض أحمر ، و كان له في صدره نهدان كنهدي البكر " ؟
3 - جاء في كلام الأخ أن مالكا رحمه الله رفض مناظرة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة و قال مغضبا :"إن العلم ليس كالتحرش بين البهائم والديكة "
لكن كيف نوفق بين هذا وبين مناظرة مالك لأبي حنيفة نفسه ؟
أخرج القاضي عياض في ترتيب المدارك ، قال الليث ين سعد : لقيت مالكا في المدينة ، فقلت له : إني أراك تمسح العرق عن جبينك . قال : عرقت مع أبي حنيفة ، إنه لفقيه يا مصري ، قال الليث : ثم لقيت أبا حنيفة ، وقلت له : ما أحسن قول هذا الرجل فيك ، فقال أبو حنيفة : ما رأيت أسرع منه بجواب صادق ، و نقد تام ..."
وهناك أشياء أخرى آمل أن تناقش من الإخوة الكرام بما يخطو بالموضوع إلى الأمام خطوة تعكس تعامل العصر الذي نعيش فيه مع التراث وفق فهم سليم قائم على الحجة والدليل ، والله الهادي إلى سواء السبيل .
 
إنضم
29 أغسطس 2008
المشاركات
26
التخصص
لغة ودراسات قرآنية
المدينة
جبل عمور
المذهب الفقهي
مذهب الإمام مالك
3 - جاء في كلام الأخ أن مالكا ـ رحمه الله ـ رفض مناظرة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة و قال مغضبا :"إن العلم ليس كالتحرش بين البهائم والديكة "
لكن كيف نوفق بين هذا وبين مناظرة مالك لأبي حنيفة نفسه ؟
الجواب: والله أعلم أن سبب امتناع الإمام مالك من مناظرة أبي يوسف هو أنها جاءت بطلب من هارون الرشيد، فكان فيها معنى التحريش كما فهمه الإمام مالك.
أما مناظرة الأئمة بعضهم بعضا فمشهورة لا تخفى على أحد، وفي رأيي أن الذي منع الإمام مالك من الاستجابة لطلب هارون، هو شدة ورعه وتعظيمة لهذا العلم، وتصرفات الإمام مالك في ذلك مشهورة.
ففرق بين الصورة التي ذكرها الشيخ عبد الرحمان المغربي، والصورة التي ذكرتها يا شيخ عز الدين.
والله أعلم
 
أعلى