رد: البصمة الوراثية ومدي مشروعية استخدامها في النسب والجناية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
قول فضيلتكم :
[هذا ليس بلازم، فكثير من الحقوق لا يتحرك لها القضاء إلا بطلب من صاحب الحق ـ خذ نفقة الزوجة مثلا ـ وهذا لا يسقط كونها مقصدا شرعيا]
هذا لا يلغي أن تحصيله مطلوب من الجميع ، وتمثيلكم بالنفقة يدل عليه ، فإنه لو قضى عليه القضاء بالأداء فلم يفعل مستعيناً بالمماطلة أو بشهود زور على أنه أدى أو غير ذلك ، فمن عرف ذلك وقدر على إلزامه بالأداء فعلاً ثم سكت ولم يفعل شيئاً ، فقد أثم ، لأنه ترك مقصداً طلبه الشرع هو قادر على تحصيله.
والنسب ـ بحسب ما يذكره المقاصديون قديماً وحديثاً ـ مقصدٌ كلي ، فكان الواجب أن نقول : متى تركه الزوج مع قدرته عليه وجب إلزامه به .
[لم أفهم ما تعني تماما فليتك توضح]
معناه أن الزوج لا يلجاً إلى فعل البصمة إلا وقد جوز عدم العفة ، فلا ينفع حينئذٍ جعلها أصلاً.
[المتهمة بالزنا من زوجها لا تعدو حالين: أحدهما أن تكون زانية، وهنا تظهر المصلحة في حفظ النسب كما قلنا وتقديم ذلك على مصلحة الزانية بالستر. والحال الأخرى أن لا تكون زانية وهنا تثبت البصمة براءتها من التهمة]
المطلوب معرفة حكم فعل اختبار البصمة الوراثية ، وفعلها كائن قبل ثبوت التهمة أو انتفائها جزماً ، وعليه فالمطلوب معرفة حكم فعل هذا الاختبار وهي متهمة فقط ، فالاستباق بإثبات التهمة قبل وضع الحكم يؤثر عليه ، والواجب على الفقيه أن يقدر إمكان الجميع قبل وضع الحكم ، حتى يقدر فيه كل احتمال فتجتمع عنده مصالح ومفاسد المحكوم عليه كلها على كل تقدير ، ثم يعطِ الحكم.
[وفي هذا مصلحة كبيرة للمرأة والزوج والولد]
المصلحة الكبيرة هي ثبوت النسب الذي هو موضع الخلاف بيننا فلا ينفع دليلاً ، وقد قابلناه بمفاسد أجبتم عنه إجابة إجمالية خارجة عن موضوعها ، وسيأتي.
[ ألا ترى أن النبي فرح بقول القائف في أسامة بن زيد وأبيه لما تضمنه ذلك من نفي عدم الشرعية عنه ]
ألا تراه لم يطلب منه فعل ذلك ؟ ألا تراه لم يطلبه من غيره ممن ذكرناهم في حوارنا معكم في (نكاح البنت من الزنا) .
ثم نقول : فرح صلى الله عليه وسلم بذلك ، فكان ماذا ؟
[وألا ترى أن أكثر المعاصرين أجاز البصمة إذا كان بطلب من الزوجة، لأن في ذلك تبرئة لها مما يتهمها به الزوج.]
ألا ترى أن إجماع المتقدمين لم يؤثر عندكم شيئاً ، فإن لم يكن إجماع منهم فهو قول جمهورهم ، فلماذا يؤثر اتفاق أكثر المعاصرين دون أكثر المتقدمين ؟
[وأنا أستغرب دعواكم بأن إجراء فحص البصمة من الزوج فيه تلطيخ لسمعة الزوجة وفضح لها، كأن الرجل إذ يذهب لإجراء الفحص سوف يعقد مؤتمرا صحفيا يخبر فيه عما سيفعل]
لا تحتاج الفضيحة إلى مؤتمر صحفي ، ومجرد إمكان الستر لا يمنع إمكان الافتضاح ، وأنت إن قلت بجواز فعل الصبغة الوراثية فقد أجزتها للناس جميعاً صالحهم وفاسقهم ، ولا يمكنك أن تقول : يجوز فعل هذا الاختبار للصالحين فقط ، بل لو فعلت ذلك ، لادعى عامة الفسقة الصلاح. وهؤلاء لا يوثق بكتمانهم إن ادعوه أصلاً.
وقد امتلأ التلفاز بهذه الإتهامات السخيفة بحيث أني أستغرب استغرابكم ، آخرها اليوم قبل النظر في موضوعكم في برنامج (صبايا الخير) وفي الحقيقة القضية المتعلقة بموضوعنا حصلت في الأسبوع السابق وما جاء اليوم تكلمة لتلك الحلقة.
وعموماً سنذكر قريباً الصورة الواقعية المؤدية إلى فعل البصمة الوراثية.
[ الأمر عادة يتم بسرية ولا يعلم به إلا الزوج والطبيب]
في الحقيقة أنا لا أعرف هذه العادة ، بل العادة عدم القيام بهذا الإختبار ، وفعله خارج عن العادة.
[فإن ظهر الولد له، حققنا مصالح كثيرة وأزلنا كثيرا من الألم النفسي عند الزوج الناجم عن الشك، وووفرنا أسباب السكن النفسي والمودة بين أفراد الأسرة، وهو مقصد أساس في الزواج]
كأنكم لم تقرؤوا مشاركتنا السابقة ، وعلى الأقل لو بينتم لنا أن ما ذكرناه من المفاسد ليست بمفاسد لعلنا رجعنا إلى قولكم.
لا شك أنكم لا تتصورون أن يأتيَ الرجل لامرأته ويقول لها : تعالي نفعل اختبار الصبغة الوراثية لأتأكد إن كان هذا الولد مني ، وتقول هي : حاضر. ثم تظهر النتيجة إيجابية ويعيشون في تبات ونبات.
أنا أسأل نفسي ماذا سيكون رد الفعل الأول عند إخبار الزوج زوجته أنه يشك في كون فلان ابنه ؟
هل ستأخذ الموضوع ببساطة ؟
ثم بعد تأكيدها له ، بالأيمان وغيرها ـ كما هو متصور في قضية واقعية لا قصة خيالية ـ إن أصر الزوج على القيام بفحص البصمة الوراثية ، تصور كيف تكون حالتها النفسية.
ثم النساء هنا يختلفن ، فمنهن من قد لا تقبل هذه التهمة أصلاً وتطالبه بأنه إن لم يثق بها فليتركها في بيت أهلها.
وضاع المقصد الأساس!
ومنهن من قد لا يبلغ بها الأمر ذلك ، لكنها مع ذلك لا تقبل التهمة أصلاً وستطالبه بالاعتذار وستدخل أهلها في الموضوع. وطبعاً هذا لن يذهب الألم النفسي المذكور ولا سيترتب عليه السكن النفسي والمودة بين أفراد الأسرة.
ومنهن ـ وبخاصة المنكسرات منهن ـ قد تصدم ولا تدري ما تفعل وستنكفء على نفسها تبكي ، حتى إذا هدأت نفسها قليلاً ـ وقد كتمت في صدرها من القهر ما كتمت ـ سيأتي زوجها ليصدمها الصدمة الثانية : تعالي نعمل اختبار الصبغة ، لتعود هي إلى البكاء مرة أخرى ، لكن هذا الطلب قد يجرئهن على الشكوى إلى الأهل ، ومن كانت أكثر انكساراً وبخاصة زوجات من لا يخاف الله في زوجاتهن القساة الغلاظ ، فستأخذ دوراً ثانياً في البكاء حتى إذا تعبت ولم تقدر على البكاء أكثر إما أن تعمل بنفسها شيء أو تذهب مع زوجها وهو ترتجف ـ وبخاصة إن كانت أمية لا تعرف عن الصبغة الوراثية شيئاً ـ فستبقى تقدر في بالها ما سيعمل زوجها إن أخطأت النتيجة ، ومن عرفتها لن تكون سعيدة وهي ذاهبة مع زوجها لعمل الاختبار ، منتظرة أن تحقق مقصداً أساساً في الزواج.
ثم إن ظهرت النتيجة إيجابية وأن الإبن لزوجها فلا تتصور أن السكينة والمودة ستأتي في ظرف مع نتيجة الفحص ، بل ستبقى هذه التهمة من زوجها ملازمة لها حياتها .
(أنا وأنا أكتب هذه الكلمات أتفكر في بعض المشاكل العادية التي حصلت بيني وبين امرأتي في أول زواجنا ، والتي تذكرها حتى يومنا هذا كلما جد بيننا خصام ، أتعرف يا دكتور أن امرأتي تذكرني بأني علقت بسوء على طبختها الـ(صانونة) وهي إدام تصنعه النساء على الأرز عندنا ربما صاحبه اللحم أو السمك وربما اقتصر على الخضار ، أتعلم أنها تذكرني بذلك والقهر بادي بعينيها لأنها كانت عروس تريد من يثني عليها في كل ما تفعل ، مما يدفعي ، حتى يومنا هذا ، أن أعتذر بشكل مستمر وأن أراضيها ما استطعت بما استطعت ؟!)
[ولا توجد هنا أي فضائح]
تصور هذه المرأة ونحن نخبرها أنها حققت النتيجة المرجوة ، ونقول لها : أرأيتي ولا فضائح ولا حاجة.
ما قيمة هذا التطمين لها.
[ أما إذا ظهر أن الولد ليس له، فمن حقه نفيه كما بينا سواء لاعن أو لم يلاعن. أما الزوجة فهي في هذه الحالة زانية يقدم حق الزوج في حفظ نسبه على الستر عليها الذي هو مندوب في الجملة لا أكثر]
ليست هذه هي الحالة التي نجيز فيها الصبغة ، بل هذه الحالة الكائنة بعد القيام باختبار الصبغة ، حيث لم يعد من المفيد أن نعطي هذا الاختبار حكماً.
[وبالنسبة للشكوك فهذه تختلف من شخص لآخر، وقرائن الزنا لا تنضبط وما يبدو لأحدهم سلوكا مريبا قد يكون غير مريب عند آخر، فالضابط هنا شخصي لا موضوعي]
بل هذا التفاوت هو الموجب لوضع ضابط لا نتجاوزه ، وإلا فقد أبحت حتى لأصحاب الوسواس اتهام الزوجات بوساوس أذهانهم ، وقبل الكلام عن هذه الحالة باعتبارها مستثناة ، لا بد من التنبيه على أننا نعيش في واقع لا في قصة خيالية ، هذا الواقع يكثر فيه أصحاب الوسواس ذوي السلوك الطبيعي الذين لا يعترفون بهذا المرض ، والذين لا يعلمون به ظناً منهم أنهم طبيعون ، بل نحن لا نحتاج إلى تقدير هؤلاء ، فإن الفسق داعٍ كافٍ لوضع حد لا يتجاوزه الرجال في رمي التهم جزافاً على الناس ولو نساءهم.
[ ولا نرى دليلا مقبولا قدمه المانعون يفيد التحريم]
يكفيهم قوله سبحانه : {والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا} ثم نقول : لو ظهرت بريئة فهل يجوز لها المطالبة بإقامة حد القذف عليه أم لا ؟
إن قلتم : لا.
فلا شك حينئذٍ أنكم أبحتم له أن يؤذي زوجته من غير خوف عقاب أصلاً.
[أنى لكم أن عذاب الدنيا (الحد) غير مقصود الإيقاع؟!]
أما الحد من حيث هو حد ، فلا نقول بأنه غير مقصود ، كيف وقد شرعه الله ، ولكن تنزيله في كل قضية مع إمكان نفيه فنقول ليس بمقصود لما قدمناه ولما روي عن السلف من طلب رده بالشبهات وأن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة ، ولما قدمناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ماعز وغيره ، ومورد كلامي غير مورد كلامكم.
[وفي خصوص زنا الزوجات فقد ورد في حديث أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال لرسول الله عليه السلام: ((أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء قال: نعم)). (رواه مسلم وغيره). وفيه دلالة على قصد النبي صلى الله عليه وسلم إقامة الحد لأنه أذن في الإمهال لجلب الشهداء ولم يأمر بالستر في هذه الحالة. قال الطحاوي: "فتأملنا هذا الحديث لنستخرج ما فيه من الفقه ووجدنا الواجب على المسلمين تغيير المنكرات وزجر أهلها عنها وكان في ترك سعد الرجل الذي وجده مع امرأته على ما وجدهما عليه ترك لهما على التمادي فيما هما فيه من المعصية وقد أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك فكان ذلك عندنا والله أعلم لتقوم الحجة عليهما بما هما فيه حتى تقام عليهما عقوبته، وفي ذلك ما قد دل على أن مثل هذا حتى تقام عقوبته مطلق وفيه الحجة لمن يقول في أربعة شهدوا على رجل وامرأة بالزنا فقالوا تعمدنا النظر أنهم في ذلك محمودون وأن شهادتهم عليه مقبولة إذ كانوا إنما فعلوا ذلك ليقام حد الله فيه على من يستحقه. وهكذا كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يقولونه في هذا".]
أقول : بل الحديث أدل على عكس ما ذكرتم ، فإنه كالتخويف له من اتهامها ابتداءً واشترط عليه شرطاً لو سعى لتحصيله لانتهت الجريمة ، وهذا من تشديده صلى الله عليه وسلم على من أراد الاتهام.
على أن المسألة مبنية على رؤية الزوج ، وفي هذه الحالة فالتهمة ثابتة بعلم الزوج والزوجة ، فإن اختار العيش معها ، وأراد التحقق من كون الولد ولده ، فينبغي أنها لا تعارض ذلك أصلاً ، لكن قضاءً فالأمر بخلاف ذلك ، لأن القاضي لا يعلم بصدق الزوج في الرؤيا ، فلها أن ترفض طلبه وأن يلجأ هو إلى الملاعنة ، وقد زعمتم أنها مشروعة لإثبات النسب وإقامة الحد ، فليفعله ، ثم لو تكلمنا عن الصبغة الوراثية حينئذٍ خاصة ، كان للكلام مجال.
[ومن الدلائل أيضا على قصد الشارع إيقاع الحد على المرأة الزانية في اللعان قوله صلى الله عليه وسلم في شأن من لاعنت ثم أتت بالولد على الشَّبه المكروه: "لولا ما مضى من كتاب الله عز وجل لكان لنا ولها شأن". وفي رواية: "لولا الأيْمان لكان لي ولها أمر]
وهذا أيضاً خارج عن كلامنا ، فإنه في صورة قد انتشرت وأعلنت ، فما الذي يخافه صلى الله الله عليه وسلم من إقامة الحد فيما يتعلق بالفضيحة خاصة ، ثم إن حكم الكتاب الذي جاء على خلاف ما هم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد له من حكمة ، وأزعم أنه تسكين ثائرة الناس عن الخوض في شأن الزانية ، حداً لإشاعة الفاحشة ، فإن لم يكن المقصد الأساس ، فلم لا يجوز أن يكون مطلوباً مع غيره.
[ والمعنى أنه رأى أنها تستحق العقوبة لولا ما جعل الله لها من مخرج بسبب عدم وجود البينة]
استحقاق العقوبة غير قصد إيقاعها.
[أما ما أوردتموه من الحديث فالمقصود بالحد في ذلك الصغائر]
ظاهر الحديث خلافه ، فقد صرح الصحابي بأنه حد في كتابه الله وطلب إقامته ، وهذا كتاب الله بين أيدينا فأرشدونا إلى الصغيرة التي ورد فيها حد !
[ وقد ورد في بعض طرقه أن ذلك الرجل كان قد قبَّل امرأة، ولفظ الحد في الشرع أعم مما ورد بحقه عقوبة مقدرة. ومن الخطأ ما وقع به البعض من تنزيل ما ورد في الأحاديث من لفظ الحد على اصطلاح الفقهاء في تعريف الحد]
لم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك الحد ، فدل على عموم قصده صلى الله عليه وسلم.
[اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وضاح أحمد الحمادي :
لا نسلم أن لازم جعل الستر مقصداً لزوم إباحة لعنها ، لأن المراد أنه متى أمكن دفع الملاعنة رأساً بسبب صحيح فإنه خير من إلجائهم لها ، يدل عليه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال : أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي فَزَارَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟) قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : (فَمَا أَلْوَانُهَا قَالَ حُمْرٌ) قَالَ : (فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ) قَالَ : إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا. قَالَ : (فَأَنَّى تَرَى أَتَى ذَلِكَ) قَالَ : عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ). ولو كان النسب مقصودا شرعيا شرعت الملاعنة من أجله كما قلتم ، لأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إليه .]
ما قلناه هو أن
اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. أيمن علي صالح: اللعان يقصد به إقامة الحد على المرأة في الأساس ونفي النسب تابع]
الذي علقت عليه هو قولكم :
[والذي يلزم من قول من قال بأن الستر على الملاعنة مقصود هو أنه يجوز لها أن تلعن نفسها كذبا، لأنه لا يحصل لها الستر إلا بذلك]
فلا علاقة لما ذكرتموه هنا بجوابنا. [أما حديث رجل بني فزارة وإن كان يمكن أن يحتج به على عدم مشروعية اللعان لمجرد اختلاف الشبه بين الولد والوالد، فلا يصلح الاحتجاج به على عدم مشروعية إجراء البصمة واعتماد نتائجها، لأن الحديث معلل بـ "لعله نزعه عرق" وهذا التعليل ينتفي في حالة البصمة باعتبارها قطعية أو شبه قطعية فلا احتمال لنزع العرق معها. والأصل أن تزول الأحكام بزوال عللها]
المطلوب معرفة حكم إجراء الصبغة ، والقطعية هنا حاصلة بعد الاختبار لا قبله ، أما قبله فلا قطع ، فلا تفيد القطعية في الحكم شيئاً.
[الستر مقصد نعم لكنه حيث يتعارض مع حفظ النسب يقدم حفظ النسب عليه لأنه ضروري. وقد أفضنا في تكرار هذا الجواب مع بيان وجهه. ومع ذلك ما زلتم تعودون لنفس هذه الحجة وإن بأساليب مختلفة]
لو كنتم أجبتم عنه لما احتجنا إلى تكرار الجواب.
[اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وضاح أحمد الحمادي :
ومن الوسائل التي تدرأ بها التهمة عن المرأة المتهمة [ وليست الزانية يا دكتور ، فإن الكلام بعضه كلي في المتهمة قبل ثبوت التهمة وبعضه مخصوص بثبوت التهمة وبعضه مخصوص بعدم الثبوت ، وأنتم جزمتم بكونها زانية وشرعتم اختبار البصمة الوراثية الذي يشملها ويشمل من لم يثبت زناها ومن ثبت عدم زناها].
أجبنا عن هذا وقلنا بأنها سواء كانت زانية أو لا فعلا كلا الحالين يحقق اختبار البصمة مصلحة شرعية: إن كانت زانية فبحفظ نسب الزوج وإن لم تكن زانية فبنفي التهمة عنها واستقرار الأسرة وسكنها]
قد تكلما عن هذه المصالح ، وعلى أقل تقدير هي مصالح غير متفق عليها (من جهة عدم الدليل أنها ستحصل بالاختبار ، ومن جهة أنها معارضة بمفاسد قدمنا ذكرها)
[أولا الأثر ضعيف ولا أظن ذلك خافيا عليكم]
إنما ضعفه الشيخ الألباني من أجل رباح وهو تابعي ، والألباني يسوي بين الكلام في الجهالة في التابعين والجهالة فيمن بعدهم ، وعامة المحدثين على خلافه كما نبه عليه المعلمي في مقدمته على (التنكيل) [تنبيه لا أقصد بمقدمة التنكيل (الطليعة) بل مقدمة لتنكيل نفسه] ، وقد صححه غيره كالضياء المقدسي في (المختارة) ، وعلى كل حال ، فقد ثبت عمل الصحابة بظاهر حديث (الولد للفراش) كعمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان بل عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك في قضايا الشبه فيها كان للزاني.
[ ثانيا. زوجته رومية شقراء وهو أسود فمن الطبيعي أن يأتي بعض الأولاد سود وبعضهم بيض ]
على هذا لا يجوز العمل بكل اختلاف في الشبه ، ونستثني منه ما كان طبيعياً ، وإلا فما فائدة الإجابة بمثل هذا ؟
[ ثالثا: ولذلك كان حكم عثمان رضي الله عنه دائرا مع الظاهر حيث إن الفراش ـ في زمنهم ـ أوثق شيء في الدلالة على النسب (البعضية)]
لا نسلم بأنه أوثق شيء ، بل الشبه في قضية عبد بن زمعة كان أقوى ، لذا امر النبي صلى الله عليه وسلم ام المؤمنين سودة بالاحتجاب عنه ، وكذا هو ظاهر جداً في قضية عثمان ، بل تصريح امرأة رباح بأنه من يوحنس يدل على أن الشبه عندهم أظهر من الفراش ، لذا سارعت في نسبته إلى يوحنس.
[أما قولكم إن الفقهاء مجمعون على إثباته لصاحب الفراش فغير دقيق إذ الإجماع قائم على النسبة إلى الفراش إذا لم يثبت بالقطع أن هذا الولد ليس من هذا الزوج، ولذلك لم ينسبوه للفراش إذا جاءت به دون ستة أشهر وإذا استحال الجماع بين الزوجين كمشرقي أو مغربية أو كان في الزوج عيب يمنعه من الوطء كأن يكون مجبوبا أو ممسوح الذكر]
هذا مع قيام المانع ، أما مع عدم قيامه فالإجماع مستقر عليه ، واختبار البصمة ليس بمانع ، لأن قطعيته حاصلة بعد القيام به والمطلوب معرفة حكمه قبل ذلك حال كون الإجماع باقياً.
[ وحتى في حالات الظن الغالب بأن الولد ليس من صاحب الفراش فليس ثمة إجماع على أن الولد للفراش فقد ثبت عن جمع من الصحابة نفيهم أولاد إمائهم، وثبت عن معاوية استلحاقه ولد الزنا (والقصد هنا نفي الإجماع المزعوم لا تصحيح فعل معاوية ولا فعل من نفى من الصحابة من جاءت به إماؤهم من أولاد]
لا كلام في جواز نفي النسب عند قيام الداعي على نفيه ، لكن الكلام في إثبات النسب بالفراش ، فهذا الثاني قام الإجماع على القول به .
[لم أفهم الغرض من هذه المجادلة]
بيان حصول المقصود الشرعي من غير حاجة إلى فعل البصمة.
[لكنها تصب في النهاية بـ "الولد للفراش" وقد ذكرنا توجيه الحديث والاعتراض على الاستدلال به، وأن البصمة أقوى منه في إثبات النسب. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) فأضاف النسب إلى الماء لا إلى الفراش والعقد.]
وأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الولد لصاحب الفراش لا صاحب الماء ، فلا تضرب النصوص بعضها ببعض ، بل يعمل بجميعها ، إذ الأصل أن الماء لصاحب الفراش ، وحيث لم يقم دليل قاطع على ذلك ، فلا دليل على وجوب تحصيله ، بل ينسب لصاحب الفراش للحديث ، ولصاحب الماء ـ إن كان هو العاهر ـ الأثلب.
[و"قال جريج لولد الزنا: من أبوك؟ فقال أبي فلان الراعي" فدل هذا على أن المقرر للنسب هو الماء وأن اعتبار الفراش إنما كان لأنه مظنة الماء ليس إلا، وهذا لا أعلم فيه خلافا بين الفقهاء]
ونحن باقون على هذه المظنة لا نخرج عنها لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، إلا حيث استحال ذلك أو قام مانع منه كما قدمتم.
[ والقاعدة الأصولية تقول: إذا حصل يقين المئنة فلا اعتبار بالمظنة]
والمئنة ليست بحاصلة قبل القيام باختبار الصبغة ، وحصولها بعده متوقف على جواز القيام به ، والمظنة حاصلة قبله ، وانتفائها بالصبغة غير يقيني لجواز إثبات الاختبار للمظنة .
[دعواي كانت هو أن كثيرا من حالات اعتداء الآباء على أبنائهم تعود في أسبابها إلى علاقة الشك في البعضية. وهذه فرضية تحتاج إلى البرهنة عليها لذلك فأنا لم أبن عليها شيئا وإنما قلتها استطرادا، فلا يسعني إلا سحبها وكذا أنتم تسحبون ما يقابلها ما لم تشفعوه ببرهان استقرائي إحصائي دقيق]
لا حاجة لي بحسبه لوجهين :
الأول أن اعتبار الشرع لبعضها مغنٍ عن تطلب الإحصاء بالاستقراء.
الثاني : أنه مبني على ما ذكرتموه فسحبكم له ينسحب على كلامي مباشرة.
[يا شيخ وضاح لا توجد مفاسد ولا ما يحزنون]
هذه مصادرة ، ودفع بالصدر ، ولا حيلة لي معه.
[ومن الغريب أنك تريدني أن أساير العلمانيين في قضايا حقوق المرأة؟ وأنت تعرف ما يريدون]
قد أردتم منا ذلك حين أشرتم إلى أن الأسباب التي ذكرتها لزنا المحارم لا توجد إلا في المجتمعات الإسلامية ، وهو إشارة إلى أنها ليست كذلك في المجتمعات غير المسلمة ، فلولا أنكم ذكرتموه استدراكاً ما ذكرتموه أصلاً.
[ثم إني لا أرى الإجبار في هذا]
وعليه إن علمت المرأة ورفضت ، فكيف يفعله الزوج بلا إجبار ؟
هذا والله سبحانه أعلم.
اعذرني يا دكتورنا الفاضل على الإجابات المقتضبة ، ولكن لم يعد يسعفني الوقت على الكتابة ، وكل ما أقدر عليه هو فتح الموقع وإبقائه وتصفحه فقط ، بل ربما فتحت الموقع ثم لم أجد الوقت للتصفح.
حتى أني لما عانيت مشكلة مع الإقتباس قمت بسرعة بنسخ الموضوع والتعامل معه رأساً.
ولولا أني أعلم أن هذا الموضوع مدارسة واستفادة لما استجزت التكلم فيه هكذا.