العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

من مهمات مسائل الأضاحي

رشيد لزهاري حفوظة

:: مطـًـلع ::
إنضم
8 يناير 2012
المشاركات
102
الإقامة
الوادي/ الجزائر
الجنس
ذكر
الكنية
أبو عبد البر
التخصص
ماستر دراسات قرآنية و آداب إسلامية
الدولة
الجزائر
المدينة
الوادي
المذهب الفقهي
مالكي
من مهمات مسائل الأضاحي:
الاولى:ما حكم الاضحية؟
أ‌- الراجح أنها سنة مؤكدة وهو قول جمهور العلماء وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد في المشهور عنهما و قول أبي محمد بن حزم...
و عند مالك في السفر و الحضر لمن قدر على ثمنها و لم تؤثر على نفقته..
و من أدلة ذلك:
1) أن النبي - صلى الله عليه وسلم- ضحى عمن لم يضحّ من أمته، كما في حديث جابر - رضي الله عنه أحمد، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي
2) حـديــث أم سلمة- رضي الله عنها- ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: (( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسّ من شعره وبشره شيئاً)) مسلم...فقوله: (وأراد) ظاهر الدلالة في عدم الوجوب .
3) أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما- ( كانا لا يضحيان كراهية أن يقتدى بهما) أخرجه البيهقي، وصححه الألباني في الإرواء.
4) قول أبي مسعود الأنصاري (إني لأدع الأضحية وإني لموسر، مخافة أن يرى جيراني أنه حتم عليّ). أخرجه البخاري.
5) وعن ابن عباسأنه جلس مع أصحابه ثم أرسل بدرهمين فقال اشتروا بهما لحماً ثم قال:هذه أضحية ابن عباس (الأم للإمام الشافعي).و الشاهد أنه اكتفى باللحم و لم يضح بل و أراد تعليم الناس أنها ليست بواجبة..
6) و عن بلال قال:(ما أبالي لو ضحيت بديك...) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه. و الشاهد أنه اكتفى بالديك و هو لا يصح أضحية مثل اكتفاء ابن عباس باللحم.
و إن كان ابن حزم يرى الأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه..
ب- وقال بوجوبها الأوزاعي والليث بن سعد،وأبوحنيفة،وإحدى الروايتين عن أحمد و ابن تيمية و دليلهم:
1) قول الله تعالى:(فصلِّ لربك وانحر)الكوثر-2- و الأدلة السابقة مفسرة للآية حاملة لها على السنية و الاستحباب و ربما وجهها بعضهم بأن الأمر بتخصيص الله تعالى و إفراده بالتقرب بالصلاة و نحر الأضاحي و سائر الذبائح كما قال تعالى:" قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"(162-163 سورة الأنعام).
2) قوله صلى الله عليه وسلم: " من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا" رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه .
ولكن رجح العلماء وقفه و منهم الترمذي و الدارقطني و البيهقي وابن عبد البر.فهو من كلام أبي هريرة رضي الله عنه.
و عليه فلا ينبغي أن يرهق الإنسان نفسه فيضيق النفقة على أهله أو يستدين أو يكلف نفسه باقتناء الغالي من الأضاحي...و لو فعل صحت أضحيته ..و لا يكلف الله نفساً إلا وسعها..
و الله اعلم.

من مهمات مسائل الأضاحي:

الثانية: ما هي السن الشرعية للأضحية؟
أ-اتفق العلماء على تحديد سِنٍّ الأضحية كما ورد في السنة ، ومن ذبح أقل منه لم تجزئ أضحيته ...
جاء في "الموسوعة الفقهية" (5/83) في ذكر شروط الأضحية
" الشرط الثاني : أن تبلغ سن التضحية , بأن تكون ثنية أو فوق الثنية من الإبل والبقر والمعز , وجذعة أو فوق الجذعة من الضأن , فلا تجزئ التضحية بما دون الثنية من غير الضأن , ولا بما دون الجذعة من الضأن . . . وهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء , ولكنهم اختلفوا في تفسير الثنية والجذعة " انتهى.
ب-التحديد و دليله:
1- المعز:
أخرج البخاري ومسلم عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : ضَحَّى خَالٌ لِي يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلاةِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ ) . فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنَّ عِنْدِي دَاجِنًا جَذَعَةً مِنْ الْمَعَزِ . وفي رواية : (عَنَاقاً جَذَعَةً).وفي رواية للبخاري( فَإِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ آذْبَحُهَا؟)قَالَ:(اذْبَحْهَا، وَلَنْ تَصْلُحَ لِغَيْرِكَ) وفي رواية:(لا تُجْزِئ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ).
فقد قرَّر الحديث أن الجذعة من المعز لا تجزئ أحداً في الأضحية بعد أبي بردة.
2- الضأن:
أخرج مسلم عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(لا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ).و ظاهر الحديث تعليق جواز الجذع من الضأن على الإعسار لكن قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (4/285):"ظاهر الحديث يقتضي أن الجذع من الضأن لا يجزئ إلا إذا عجز عن المسنة , والإجماع على خلافه , فيجب تأويله بأن يحمل على الأفضل , وتقديره : المستحب ألا يذبحوا إلا مسنة " و يؤيد هذا التأويل حديث عُقْبَة بْن عَامِر رضي الله عنه قال:(ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجِذَعٍ مِنْ الضَّأْن ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (4382).قَالَ الْحَافِظ سَنَده قَوِيّ وصححه الألباني في صحيح النسائي .
3- الإبل و البقر:
أخرج مسلم عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(لا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ).
و هذا دليل في المعز و الإبل و البقر بأن ما يجزئ فيها هو المسنة و لا يجزئ ما دونها.
ج- كم عمر الجذع ؟و كم عمر المسن؟:

1- الجذع من الضأن:
ما أتم ستة أشهر عند الحنفية والحنابلة ، وعند المالكية والشافعية ما أتم سنة و قيل ما بين ذلك. و الأول أرجح لأن الإجذاع يبدأ من ستة أشهر إلى ثمانية حتى السنة و يتميز بوجود الأسنان اللبنية ناصعة البياض و صغيرة الحجم و بتلبد شعره على ظهره و يستطيع أن ينزو على الأنثى و أولى لو كان عظيماً بسبب الخصب أو العلف ...
2- والمسنة من المعز:
(الثني) ما أتم سنة عند الحنفية والمالكية والحنابلة ، وعند الشافعية ما أتم سنتين .
3- والمسنة من البقر:
(الثني) ما أتم سنتين عند الحنفية والشافعية والحنابلة ، وعند المالكية ما أتم ثلاث سنوات .
و قال صلى الله عليه و سلم:(إِنَّ الجَذَعَ يُوفِي مِمَّا يُوفِي مِنْهُ الثَّنِيُّ (أخرجه أبو دود و النسائي و الحاكم و صححه الألباني في «الإرواء»: (1146( و يوفي: أي يعدله أو يقوم مقامه ..و قد حُمِل على الضأن و حمله عطاء والأوزاعي على ظاهره فقالا: يجزئ الجذع من كل شيء..
و رأى بعض العلماء بناءً على قول عطاء و الأوزاعي أن الجذع من البقر مجزئ للحديث إذا حُمِل على العموم و لأن العجل في سن(14و 16شهراً) (الجذع) يكون في سن النضج التي يستهلك فيها لحمه و يصل وزنه 350كغ أو نحوها و لا يبقى عادة بعدها إلا للقاح و التناسل لا للحم و عندئذ يسمى مسنّاً أو ثنيًّا...
أنظر: http://www.dar-alifta.org/ViewFatwa.aspx?ID=3459
4- و المسنة من الإبل : (الثني) ما أتم خمس سنوات عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة .
والله أعلم

من مهمات مسائل الأضاحي:

الثالثة: ما هي العيوب التي ينبغي تجنبها في الأضحية ؟
أ- أربعة عيوب لا تجزئ معها الأضحية:
قال النبي صلى الله عليه وسلّم حين سئل ماذا يتقي من الضحايا فأشار بيده وقال:
" أربعاً : العرجاء البين ظلعها ، والعوراء البين عورها ، والمريضة البين مرضها ، والعجفاء التي لا تنقى ". رواه مالك في الموطأ من حديث البراء بن عازب ،
وفي رواية له في سنن أبي داود و سنن النسائي-رضي الله عنه-قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ظلعها والكسير التي لا تنقي". صححه الألباني(إرواء الغليل-1148) و مذهب ابن حزم أن لا عيوب إلا هذه الاربعة المذكورة...
ب- ويلحق بها بالاعتبار ما كان مثلها أو أشد، فلا تجزئ الأضحية بما يأتي و هذا مذهب الجمهور :
1 ـ العمياء التي لا تبصر بعينيها .
2 ـ المبشومة حتى تثلط(تتبرز)ويزول عنها الخطر .
3 ـ ما كان بها مرض خفيف و لكنه معد أو يُمرض من أكل لحمها أو حقنت بدواء أو هرمون مضر لمن أكل لحمها...أو المجنونة أو الجرباء...
4 ـ المصابة بما يميتها من خنق وسقوط من علو ونحوه حتى يزول عنها الخطر .
5 ـ المقعدة عن المشي لعاهة و إذا كانت لسمن فلا حرج .
6 ـ مقطوعة أحد الأطراف..
ج- ما كان أقل منها: و ههنا اختلف العلماء سلفاً و خلفاً اختلافاً بيّناً و استنادهم إلى نصوص بعضها صحيح و غير صريح و بعضها غير صحيح و بعضهم حكم بما تميل إليه نفسه أو ما يراه مناسباً لحال هاته الشعيرة فكره أو استحب ...
ففي حديث البراء بن عازب ...قال (أي الراوي عن البراء وهو عبيد بن فيروز): قلت:" فإني أكره أن يكون في القرن نقصٌ - أو قال : في الأذن نقص _ أو في السن نقص"، قال (أي البراء):" ما كرهتَ فدعه، ولا تحرمه على أحد" أخرجه أحمد، و أصحاب السنن، وصححه الترمذي.
1- مثل العيوب في الاُذن(كالمقابلة: التي شقت أذنها من الأمام عرضاً، والمدابرة: التي شقت أذنها من خلف ،والشرقاء: التي شقت أذنها من الأمام طولاً ،والخرقاء: التي خرقت أذنها)
2- و العيوب في الذَنَب(كالبتراء:التي قطع ذنبها أو بعضه)و تجزئ في قول ابن عمر وابن المسيب غيرهما.
3- العيوب في الأذن (كالصمعاء:صغيرة الأذن)
4- و العيوب في الأسنان(كالهتماء:التي سقطت أسنانها)
5- و العيوب في القرن(كالعضباء:التي كسر قرنها)
6- و العيب في الخصية(كالخصيّ:الذي قطعت خصيتاه و هو أفضل من الفحيل إذا كان سميناً)...و غيرها من العيوب ...
و الذي يترجّح لديّ أن هاته العيوب لا تمنع من الإجزاء و تصح معها الأضحية و لكن تعظيماً لهاته الشعيرة ينبغي أن نختار الأفضل و الأحسن و بحسب استطاعتنا قال الله تعالى:"ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)" و أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس " ذلك ومن يعظم شعائر الله " قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام ..
وقال أبو أمامة عن سهل: كنا نسمِّن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمِّنُون.
رواه البخاري.
و الله اعلم.



من مهمات مسائل الأضاحي:

الرابعة: هل يجوز النحر قبل الإمام ؟

- 1الحديث الذي اعتمِد في ذلك:
جاء في صحيح مسلم عن جابر أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم.
-2 قول المحدث الغماري في الحديث:
قال المحدِّث أحمد الصديق الغماريّ الحسنيّ في الهداية تخريج أحاديث البدايةج/6 ،ص/199،198:" و هو حديث شاذٌّ وقع فيه التصرّف من الراوي لظنه أن النبي صلى الله عليه و سلم إنما أمرهم بالإعادة لكونهم نحروا قبله و ليس كذلك فإن الاحاديث الصحيحة الأخرى مصرّحة منه صلى الله عليه و سلم من قوله و نصّه أن ذلك إنما هو لأجل أنهم ذبحوا قبل الصلاة لا قبل نحره صلى الله عليه و سلم مقدّم على فهم غيره و ظنه"
-3 الحديث الصحيح الصريح في الموضوع:
و ترجم البخاري في صحيحه:" باب من ذبح قبل الصلاة أعاد" ثم أخرج عن
أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"من ذبح قبل الصلاة فليعد"
- و أخرج البخاري عن البراء بن عازب قال:"خطبنا رسول الله يوم النحر بعد الصلاة، فقال من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم فقام أبو بردة بن نيار، فقال: يا رسول الله والله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله : تلك شاة لحم قال: فإن عندي عناق جذعة هي خير من شاتي لحم فهل تجزي عني قال: نعم ولن تجزي عن أحد بعدك"
-4 توجيه ابن رشد و ترجيحه:
و قال ابن رشد في البداية نفس المرجع السابق و نفس الموضع:" وقد اختلفت الرواية في حديث أبي بردة بن نيار ، وذلك أن في بعض رواياته : " أنه ذبح قبل الصلاة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد الذبح " . وفي بعضها : " أنه ذبح قبل ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالإعادة " . وإذا كان ذلك كذلك ; فحمل قول الراوي أنه ذبح قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقول الآخر ذبح قبل الصلاة على موطن واحد أولى ، وذلك أن من ذبح قبل الصلاة فقد ذبح قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيجب أن يكون المؤثر في عدم الإجزاء إنما هو الذبح قبل الصلاة ، كما جاء في الآثار الثابتة في ذلك من حديث أنس وغيره : " أن من ذبح قبل الصلاة فليعد " . وذلك أن تأصيل هذا الحكم منه صلى الله عليه وسلم يدل بمفهوم الخطاب دلالة قوية أن الذبح بعد الصلاة يجزئ ، لأنه لو كان هنالك شرط آخر مما يتعلق به إجزاء الذبح لم يسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن فرضه التبيين ، ونص حديث أنس هذا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر : " من كان ذبح قبل الصلاة فليعد " .
-5 الراجح في الموضوع:
و عليه فابتداء وقت الاضحية يكون بعد صلاة العيد-و قال الإمام مالك رحمه الله لا ذبح قبل الإمام- بل جوّز الثوري النحر بعد صلاة الإمام و قبل خطبته أو في أثنائها على أساس أن الاستماع إليها مندوب و ليس واجباً...و لا يشترط انتظار نحر الإمام لأضحيته فقد لا يضحي كما ثبت عن أبي بكر و عمر رضي الله عنهما و قد يتأخر لسبب ما ...و قد يتأخر المضحي عن الصلاة لعذر فيصلي وحده ...و في بعض المداشر قد لا تؤدى الصلاة جماعة ...فهؤلاء ينحرون بعد وقت حل النافلة بمقدار الصلاة و الخطبة كما قال الشافعي و داود..و قال أبو حنيفة ينحرون بعد الفجر ...
-6 اليسر فيما أمر به الشرع:
و لو قلنا بقول مالك و كان أهل البلد(المدينة) يصلون العيد جميعاً خلف إمام واحد كما كان يفعل الخليفة أو الأمير قديماً لهان الأمر و لم يكن فيه مشقة و لكننا اليوم نصلي في أكثر من 30 مسجداً في مدينة ليست بالكبيرة و أحياناً يتوزع أفراد الأسرة على مجموعة مساجد و ربما اشترك عدد من المضحين في عجل فيصلي كل واحد منهم في مسجد و يقع الحرج في انتظار عدد من الأئمة...
فالشريعة جاءت بالتيسير و رفع الحرج و هو ما يوافق ما قررناه من أن النحر أو الذبح يبدأ بعد صلاة العيد... و الله اعلم.

من مهمات مسائل الأضاحي:
الخامسة: هل يجوز ذبح شاة واحدة بنية الأضحية والعقيقة؟
1-تداخل العبادات قسمان:
أ‌- الأول:
أن تكون العبادة مقصودة بنفسها و لها سبب مستقل، أو تابعة لغيرها، فهذا لا يمكن أن تتداخل فيه العبادات ،
مثل : من فاتته سنة الفجر حتى طلعت الشمس، فصلى صلاة واحدة بنيتين (نية سنة الفجر و نية سنة الضحى) فلا تجزئه عن أيٍّ منهما لأن سنة الفجر مستقلة، وسنة الضحى مستقلة.
و مثل:من جمع مع و فريضة الفجر راتبتها فلا تجزئه عنها لأن الراتبة تابعة لصلاة الفريضة .
و مثل:الصيام بنية قضاء رمضان و ستة أيام من شوال أو كفارة يمين و يوم عرفة، لأن كلاً منهما مستقلة عن الأخرى و لها فضل في الشرع فقد يؤجر زيادة عن الفرض لفضل المحل و لكنه لا يؤجر كمن صام النفل مستقلاً عن الفرض.
و مثل: دم التمتع و دم الفدية في الحج لا يغني أحدهما عن الآخر...
ب‌- الثاني:
أن لا تكون العبادة نفسها مقصودة بل مجرد الفعل أو تكون من الوسائل(كما عند الحنفية)،
فهذا يمكن أن تتداخل العبادات فيه،
مثل: من دخل المسجد عند إقامة فريضة وجب عليه الالتحاق بالجماعة و لا ينشغل بتحية المسجد لأن الفريضة تقوم مقامها لأن المقصود أن تنشغل بالصلاة عند دخول المسجد و قد حصل بالفريضة فأغنت عن النافلة.
ومثل من دخل المسجد وقت الضحى وصلى ركعتين ينوي بهما صلاة الضحى أو نواهما معاً، أجزأته عن تحية المسجد.
و مثل:اجتماع الجمعة والعيد ، وأنه يجزئ القيام بإحدى الصلاتين عن الأخرى لورود النص بذلك و لأن المقصود هو الاجتماع لا نفس الصلاة وهو حاصل بإحداهما.

و مثل: الجمع في نية واحدة بين غسل الجمعة و الطهارة من الحيض أو الجنابة.


2-حكم الجمع بين أضحية وعقيقة بنية واحدة:
أ‌- لا تجزيء الأضحية عن العقيقة:
بناءً على ما تقدم فإن الأضحية و العقيقة مستقلتان و لكل منهما سبب مختلف فلا تجزيء ذبيحة واحدة عنهما معاً...وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، ورواية عن الإمام أحمد .
ب‌- تجزيء الأضحية عن العقيقة:
الفعل واحد و هو الذبح و القصد واحد و هو شكر الله تعالى و التقرب إليه بها و الأكل منها و التصدق فأغنت إحداهما عن الأخرى و هو قول الحسن البصري وقتادة وابن سيرين ، وهو مذهب الحنفية ، و الرواية الأخرى عن الإمام أحمد .
و لعل الأوّل أرجح بناءً على ما ذكرنا من ضوابط و لأنه قول الجمهور ...
و لكن بما أن الفقهاء لم يتفقوا على الضوابط و اختلفوا في الموضوع فليس ثم حسم و لا قطع و لذا فلا نحجر واسعاً فمن أخذ بفتوى المجيزين من العلماء فنرجو أن يؤجر على نيته و يتقبل الله منه و خاصة المعسرين الذين لا يستطيعون أن يذبحوا أكثر من شاة..
و الله أعلم.

من مهمات مسائل الأضاحي:

السادسة: هل يجب التصدق بثلث الاضحية؟

قال تعالى:" لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ "سورة الحج/28.
و قال تعالى:" وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" سورة الحج /36
و عن عائشة رضي الله عنها قالت:دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ البادية حَضْرَةَ الأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادَّخِرُوا ثَلاثًا ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ فَقَالَ:" إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا و تصدقوا" . أخرجه مسلم
1- شرح كلمات:
قال عكرمة: البائس الفقير هو المضطر الذي عليه البؤس.
و الْقَانِعَ: الفقير الذي لا يسأل، تقنعا، وتعففا، وَالْمُعْتَرَّ: الفقير الذي يتعرض للناس يسألهم.
( دَفَّ نَاس): جَاء ناس من أعراب البادية الضعفاء مسرعين إلى المدينة للمواساة
( اِدَّخِرُوا):أَمْر مِنْ بَاب الِافْتِعَال أَصْله إِذْدَخِرُوا فَأُدْغِمَتْ الذَّال فِي الدَّال.(عن عون المعبود بتصرف) أي وفِّروا أو اتخذوا الشيء ذخيرة و أما دَخَرَ :فمعناه صغر وذلَّ وهان قال تعالى:( سُجَّداً للهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ).(كما في لسان العرب)
( يَجْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَك):بِالْجِيمِ أَيْ يُذِيبُونَ الشَّحْم وَيَسْتَخْرِجُونَ مِنْهُ الْوَدَك أي الدهن.(عن عون المعبود بتصرف) .
2- الإذن بعد الحظر:
فما فعله صلى الله عليه و سلم من باب التضامن مع الوافدين على المدينة و مواساتهم ببذل شيء من لحوم الاضاحي لهم ...و بعد ذلك بيَّن لأصحابه تلك العلة و أباح لهم الادخار فوق ثلاث و الأكل و لم يوجب عليهم الصدقة بما فضل بعد الثلاث...
3- ماذا يفعل بلحمها؟:
أ- الأكل منها:
استدل بالآيتين و الحديث من رأى وجوب الأكل من الاضحية و لكن ذلك ليس صحيحاً بل الذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب ،و قد كان صلى الله عليه و سلم يفطر على لحم أضحيته و ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ ، فأكل من لحمها ، وحسا من مرقها. وقال عبد الله بن وهب:قال لي مالك:أحب أن يأكل من أضحيته;لأن الله يقول:( فكلوا منها) قال ابن وهب:"وسألت الليث ، فقال لي مثل ذلك"
و روي عن مجاهد و عطاء و هو مذهب ابن جرير الطبري.
و من الأكل منها الادخار كما في الحديث: ادَّخِرُوا ...و حكمه حكم الأكل ..
فلو لم يأكل منها شيئاً لم يأثم و لكن اتباع السنة أولى للأجر و التمتع بنعمة الله .
ب- التصدق منها:
أو جب الظاهرية و الشافعية والحنابلة التصدق من الأضحية أخذاً بظاهر الآيتين و الحديث..و الصحيح ما رآه مالك و الحنفية و غيرهم أن الامر للاستحباب فكما شرعت زكاة الفطر من رمضان لمواساة الفقراء و المساكين فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :"فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ ..." رواه أبو داود شرعت الأضحية لمواساتهم بلحمها فلا ينبغي ان نحرمهم من ذلك...
و لفظ(أطعموا) في الآية خاص بالفقير البائس القانع أو السائل وفي الحديث باللفظ الآخر عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال:"كلوا وأطعموا وادخروا" رواه البخاري فيفسر باللفظ الأول و هو الصدقة و يشمل كذلك إطعام الضيفان و الهدية للأقارب و الجيران و لو كانوا أغنياء...
ج- إعطاء الجزَّار من لحمها ثمناً لجزارته:
عن علي قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه أي الإبل وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها وأن لا أعطي الجزَّار منها. وقال: نحن نعطيه من عندنا) رواه البخاري ومسلم..
و لو أعطي منها بعد استيفائه أجرته صدقة أو هدية فلا حرج عندئذٍ...
4- تحديد مقدار ما يتصدق به منها:
من العلماء من رأى أن يأكل النصف و يتصدق بالنصف بدليل الآيتين: (فكلوا) و (أطعموا...(
و منهم من رأى التثليث بدليل الحديث:(كلوا) و(أطعموا أو تصدقوا) و (ادّخروا)...
قال أحمد : نحن نذهب إلى حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:(يأكل هو الثلث ويطعم من أراد الثلث ويتصدق على المساكين بالثلث ) رواه أبو موسى الأصفهاني في الوظائف وقال حديث حسن...
و الصحيح أن عدد ألفاظ الأوامر لا يدل على التنصيف أو التثليث ...بل يدل على مجرد التنويع و أن المضحي مخير بين هاته الأمور حسب رغبته و أهله في الأكل و حاجة الفقراء و المساكين و الضيفان و هو مذهب مالك و لفيف من العلماء قال ابن عبد البر في التمهيد:
"جائز للمضحي أن يأكل أضحيته كلها و جائز أن يتصدق بها كلها و جائز أن يدخر أو لا يدخر و على هذا جماعة العلماء إلا أنهم يستحبون للمضحي أن يأكل و يتصدق و يكرهون له أن لا يتصدق منها بشيء ....ثم يقول: و أما مالك فلم يحد في ذلك حدّاً و كان يستحب أن يأكل منها و يتصدق من غير أن يحد في ذلك حداً"3/2018.(أنظر:معجم فقه التمهيد ص/42-43)

من مهمات مسائل الأضاحي:

السابعة: ما هو أفضل أنواع الاضحية ؟
للعلماء في ذلك رأيان :
الأوّل: البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة، ثم شرك في بدنة - ناقة أو بقرة : و هو قول الجمهور أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد.و دليلهم ما أخرجه البخاري و مسلم في فضل التبكير إلى الجمعة:( مَنْ راح في الساعة الأولى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً) كما نظروا إلى وفرة اللحم و هو ما يستفاد منه في الأكل و الاطعام و الادخار.
الثاني: الكبش فحل الضأن ،ثم أنثاه ،ثم فحل المعز ،ثم أنثاه، ثم فحل البقر، ثم انثاه، ثم فحل الإبل ، ثم أنثاه و هو قول مالك-رحمه الله-و دليله أمران: - طيب اللحم و جودته..
- نصوص واردة :
1- قول الله تعالى:"و فديناه بذبح عظيم" أي كبش.
2- الأحاديث الكثيرة و منها: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:»ضحى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكبشين أملحين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما« رواه البخاري ومسلم.
و قال الشوكاني في السيل الجرار:(وملازمته صلى الله عليه وآله وسلم للتضحية بالكبش أو الكبشين مع وجود الإبل في عصره وكثرتها يُدلُ على أفضليتها في الأُضحية). إ.هـ
ترجيح الإمام ابي عمر بن عبد البر:
قال الإمام أبو عمر بن عبد البر:" فبان بهذا الحديث (حديث ساعات الجمعة)أن التقرب إلى اللَّه عز وجل بالإبل أفضل من التقرب إليه بالبقر، ثم بالغنم على ما في هذا الحديث.وقد أجمعوا على أن أفضل الهدايا الإبل ، واختلفوا في الضحايا ، فكان ما أجمعوا عليه في الهدي قاضيا على ما اختلفوا فيه في الأضاحي ، لأنه قربان كله ، وقد أجمعوا على أن(ما استيسر من الهدي) شاة ، فدل على نقصان ذلك عن مرتبة غيره ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْضَلُ الرِّقَابِ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا ، عِنْدَ أَهْلِهَا.ومعلوم أن الإبل أكثر ثمنا من الغنم ، فوجب أن تكون أفضل استدلالا بهذا الحديث.وأما الذبح العظيم الذي فدي به الذبيح : فجائز أن يطلق عليه عظيم لما ذكر ابن عباس أنه كبش رعى في الجنة أربعين خريفا ، وأنه الذي قربه ابن آدم فتقبل منه ورفع إلى الجنة".
و لعل الأفضل أن يوفق الانسان إلى اقتناء أضحية بحسب ما يستطيع دون مغالاة- و لو أن يشترك مع بعض إخوانه أو يشترى بالتقسيط أو يستدين دون أن يؤثر ذلك على دخل أسرته أو ينتقص من كرامته- و أن تكون لله خالصة لأن التقرب فيها لله تعالى أولاً قبل جودتها و وفرة لحمها هو إهراق دمها في سبيل الله و فداء لرقابنا كما فدى الله تعالى إسماعيل عليه السلام بذبح عظيم قال تعالى:"
لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ
" الحج/37

من مهمات مسائل الأضاحي:

الثامنة: هل يجوز الاشتراك في الاضحية ؟

للفقهاء في ذلك رأيان:

الأول : لا يجوز الاشتراك في شيء من الضحايا:
أي في ثمنها بل يشتريها أحدهم و يشركهم معه في الأجر مثل أهل البيت الواحد و سواء كانوا سبعة أو أكثر فقد أخرج ابن ماجه والترمذي وصحّحه من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: «كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ فَصَارَتْ كَمَا تَرَى».
و هذا قول مالك-رحمه الله- و الجمهور يوافقونه في كفاية الشاة عن أهل البيت الواحد...
الثاني: يجوز الاشتراك في البدنة:
يجوز الاشتراك سبعة فما دون في البدنة(بقرة أو ناقة) و منهم من رأى جواز اشتراك العشرة في الناقة لِمَا أخرجه الخمسةُ إلاَّ أبا داود من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَ الأَضْحَى فَذَبَحْنَا البَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالبَعِيرَ عَنْ عَشَرَةٍ»...
ويشهد له ما في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه: «أنّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ»
و هذا قول الجمهور أبي حنيفة و أحمد و الشافعي و الأوزاعي و الثوري و الطبري و الظاهرية...
و لعل هذا هو الموافق للدليل و فيه تخفيف على الناس و تيسير عليهم فقد يكون متوسط ثمن الكبش بـ:40.000دج و هو مبلغ باهض بالنسبة إلى أغلب الناس و لو اشترك 6 نفر في عجل ثمنه 180.000دج كان أقل ثمناً و أوفر لحماً ...
و الله أعلم.




من مهمات مسائل الأضاحي:

التاسعة: ما هي بداية و نهاية و قت ذبح الأضحية؟

1- الأيام المعلومات و الأيام المعدودات: (ملخّص بتصرف عن فتح الباري لابن رجب رحمه الله)
قال الله تعالى:" لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ" الحج/28.
و قال الله تعالى:" واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله" البقرة/203.
فأما المعلومات :
فقد روي عن ابن عباس ، أنها أيام عشر ذي الحجة ، كما حكاه عنه البخاري .
وروي -أيضاً- عن ابن عمر ، وعن عطاء والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة .
وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد - في المشهور ، عنه .
وقالت طائفة : الأيام المعلومات : يوم النحر ويومان بعده ، روي عن ابن عمر وغيره من السلف .
وروي - أيضاً - عن علي وابن عباس ، وعن عطاء الخراساني والنخعي وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد وأحمد - في رواية عنه .
والقول الأول أصح ...
- فان الله سبحانه وتعالى قالَ – بعد ذكره في هذه الأيام المعلومات : " ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ".
والتفث : هو ما يصيب الحاج من الشعث والغبار.وقضاؤه : إكماله .
وذلك يحصل يوم النحر بالتحلل فيه من الإحرام ، فقد جعل ذلك بعد ذكره في الأيام المعلومات ، فدل على أن الأيام المعلومات قبل يوم النحر الذي يقضى فيه التفث ويطوف فيه بالبيت العتيق و الطواف آخر افعال يوم العيد لمن استطاع فعله يومئذٍ..
- وأما قوله تعالى : " عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنعام".
فإما أن يقال : إن ذكره على الذبائح يحصل في يوم النحر ، وهو أفضل أوقات الذبح ، وهو آخر العشر .
وإما أن يقال : إن ذكره على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ، ليس هو ذكره على الذبائح ، بل ذكره في أيام العشر كلها ، شكراً على نعمة رزقه لنا من بهيمة الأنعام على العموم و ليس فقط الهدايا و الأضاحي.
وأما الأيام المعدودات :
فالجمهور على أنها أيام التشريق ، وروي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما .
واستدل ابن عمر بقوله تعالى :" فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ " وإنما يكون التعجيل في ثاني أيام التشريق قال الإمام أحمد : ما أحسن ما قال ابن عمر.
وقت النحر أو الذبح:
أ- ابتداؤه:
- لمن لا يصلون العيد كأهل البوادي و المسافرين:
يبدأ من فجر يوم العيد عند الحنفية و عند المالكية يتبعون أقرب إمام إليهم و عند الشافعية و الظاهرية ينتظرون مقدار الصلاة و الخطبة بعد الشروق...
- لمن يصلون العيد:
اتفق الفقهاء على أن أفضل وقت التضحية هو يوم العيد قبل زوال الشمس؛ لأنه السنة، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء"
كما أنهم اتفقوا على أن الذبح قبل الصلاة أو في ليلة العيد لا يجوز بدليل هذا الحديث ...
و لكنهم اختلفوا في اشتراط أن يكون النحر بعد نحر الإمام أضحيته :
فاشترطه مالك و بعض الفقهاء بدليل:
ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم.
و خالفهم جمهور العلماء، فهذا البخاري يترجم في صحيحه:" باب من ذبح قبل الصلاة أعاد" ثم أخرج عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"من ذبح قبل الصلاة فليعد"
قال المحدِّث أحمد الصديق الغُماريّ الحسنيّ في الهداية تخريج أحاديث البداية ج/6 ،ص/199،198:" و هو حديث شاذٌّ وقع فيه التصرّف من الراوي لظنه أن النبي صلى الله عليه و سلم إنما أمرهم بالإعادة لكونهم نحروا قبله و ليس كذلك فإن الأحاديث الصحيحة الأخرى مصرّحة منه صلى الله عليه و سلم من قوله و نصّه أن ذلك إنما هو لأجل أنهم ذبحوا قبل الصلاة لا قبل نحره صلى الله عليه و سلم مقدّم على فهم غيره و ظنه"
ب- انتهاؤه:
القول الأول:
بانتهاء اليوم الثاني بعد يوم النحر(أي 12ذي الحجة)، وهو قول الجمهور: الحنفية، والمالكية، والحنابلة.
و دليلهم:
- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"الأضحى يومان بعد يوم الأضحى" أخرجه مالك في الموطأ والبيهقي في الكبرى كلاهما من طريق نافع عنه، وهذا من أصح الأسانيد.
القول الثاني:
بانتهاء اليوم الثالث بعد يوم النحر(أي 13ذي الحجة)، و هو قول الشافعية، ورواية عن أحمد، واختيار ابن تيمية، وابن القيم.
و دليلهم:
قوله صلى الله عليه وسلم: "أيام التشريق أيام أكل وشرب" أخرجه مسلم .
قالوا: فجعل حكمها واحداً أنها أيام أكل لما يذبح فيها، وشرب، وذكر لله عز وجل.
و ليس للمختلفين دليل صريح يحسم القضية و لذا فيتوخى المضحي يوم النحر و اليومين بعده و إن نحر في اليوم الثالث فهو قول جماعة كبيرة من العلماء ...
ج- هل يجوز الذبح ليلاً؟
- لم ير مالك جواز الذبح ليلاً و كره ذلك أبو جعفر الطبري استناداً إلى قوله تعالى:" وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ" فكلمة يوم في الآية عنده يدل على النهار فقط فلا يجوز النحر ليلاً...
- و إن كان اسم اليوم مشتركاً يطلق على الليل و النهار معاً كما في قوله تعالى:" فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام".أو أحدهما فقط كما في قوله تعالى:"سخّرها عليهم سبع ليالٍ و ثمانية أيام حسوماً" فالأيام هنا يراد بها ما يقابل الليل و هو النهار..
و ليس في الآية ما يدل على تخصيص النهار دون الليل و ليس ثم دليل آخر من السنة..و لذا فقول الجمهور و منهم الشافعي هو الصحيح ...
و الله أعلم.
 

رشيد لزهاري حفوظة

:: مطـًـلع ::
إنضم
8 يناير 2012
المشاركات
102
الإقامة
الوادي/ الجزائر
الجنس
ذكر
الكنية
أبو عبد البر
التخصص
ماستر دراسات قرآنية و آداب إسلامية
الدولة
الجزائر
المدينة
الوادي
المذهب الفقهي
مالكي
رد: من مهمات مسائل الأضاحي

لم أَرَ أيّ تعقيب على الموضوع رُغم كونه طرق عدة قضايا تتعلق بالاضحية...
و غايتي من نشره هي أن أنفع غيري و أنتفع بآراء إخواني و أخَواتي و خاصة منها التي تصوّبني و الله الموفق للجميع...
 
أعلى