رد: المكتبات، منابع أصولنا الحضارية
مكتبة بيت الحكمة في بغداد
كانت مكتبة بيت الحكمة التي أسسها العباسيون بـ"بغداد" أول صرح ثقافي أقامه المسلمون، كما كانت أعظمها شأنًا وأكثرها أثرًا لما حوته من الكتب النفيسة والمخطوطات النادرة في شتى العلوم والمعارف بمختلف لغات ذلك العصر. وترجع النواة الأولى في وضع لبنات هذا الصرح الثقافي الكبير إلى خلافة أبي جعفر المنصور، الذي كان أول خليفة عباسيٍّ اهتم بالعلوم بعدما رأى اختلاط العرب بالفرس والروم وأن الحاجة تدعو إلى "معرفة علوم الفرس واليونان، فوجه اهتمامه إلى ترجمة الكتب من اللغات الأعجمية إلى اللغة العربية، من كتب في الفلك والرياضيات والطب والأدب، كما بدأ في عهده التدوين في الفقه والحديث والتفسير والتأريخ". فقد جمع المنصور هذه الكتب في خزانة كانت النواة الأولى لمكتبة بيت الحكمة، إلا أن الازدهار الحقيقي لهذه المكتبة يرجع للخليفة هارون الرشيد، الذي رأى بعد أن كثر عدد العلماء في بغداد أن ينشئ لهم بيت الحكمة، ليكون بمثابة أكاديمية علمية يجتمع فيها المعلمون والمتعلمون على حد سواء، كما حرص الرشيد على تزويدها بالكتب التي نقلت من بلاد الروم والقسطنطينية ومصر والشام، كما أضاف لها خزائنه مما اجتمع لديه من كتب فاتسعت خزانة الحكمة، التي صار لها أقسام متعددة لكل منها مَن يقوم بالإشراف عليه، ولها مَن يتولى ترجمة الكتب المختلفة إلى العربية... فكان يوحنا بن ماسويه يتولى أمر الكتب التي أمر الرشيد بنقلها من بلاد الروم بعد أن فتحها، وجعله الرشيد أمينًا على ترجمة تلك الكتب وكان أكثرها في الطب، وعين له كتّابًا مهرة لمساعدته... وكان أبو الفضل بن نوبخت الفارسي يقوم بترجمة كتب الحكمة الفارسية إلى العربية، كما أصبح لبيت الحكمة مجلدون يجلدون الكتب ويعتنون بزخرفتها وتنميقها.
وفي عهد المأمون بلغ الاهتمام ببيت الحكمة ذروته، حيث عمل المأمون على توسيع بيت الحكمة بزيادة عدد كتبها وبما يرد من كتب عديدة من بلاد الروم وغيرها، كما أرسل البعوث إلى القسطنطينية لإحضار المصنفات الفريدة في الفلسفة والهندسة والموسيقى والطب... ويروي ابن النديم: "أن المأمون كان بينه وبين إمبراطور الروم مراسلات، فكتب إليه يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة ببلاد الروم، فأجابه إلى ذلك بعد امتناع، فعهد المأمون إلى الحجاج بن يوسف ابن مطر، وابن البطريق وغيرهما بإحضار بعض الكتب من القسطنطينية، وبعد أن عادوا إليه مزوّدين بالكتب التي وقع اختيارهم عليها، أمرهم بنقلها إلى العربية". هذا وقد أنشأ المأمون إلى جانب مكتبة بيت الحكمة معهدًا رسميًّا للترجمة، ويعد هذا المعهد من وجوه كثيرة، أعظم المعاهد الثقافية التي نشأت بعد مدرسة الإسكندرية التي تأسست في القرن الثالث قبل الميلاد زمن الإسكندر المقدوني. وقد تُرجم في عهده الكثير من الكتب اليونانية نذكر منها؛ "الحكم الذهبية لفيثاغورث وبعض المصنفات لأبقراط وجالينوس في الطب، وكتاب السياسة والمدينة لأفلاطون، وكتاب المقولات والطبيعيات لأرسطو"... كما جعل المأمون من مكتبة بيت الحكمة مجمعًا كبيرًا لنشر الثقافة والعلم بين الناس، إذ إنه يسَّر لطلاب العلم الاطلاع على الكثير من مؤلفات علماء وفلاسفة اليونان منقولة إلى اللغة العربية... كما اهتم المأمون بختم الكتب الهامة بخاتمه، حتى تكون في مأمن من السرقة.
وفي عهد الخليفة المتوكل تم تجديد مدرسة الترجمة ومكتبتها في بغداد. ومن الأمور التي تحسب للخلفاء والأمراء الذين أقاموا بيت الحكمة، أنهم قد حرصوا على إقامة الحياة العلمية بين أركانه على أساس الحرية، فلا وجود للتعصب الذميم أو التزمت البغيض، بل كان الفلاسفة والمفكرين يتناظرون في حرية وصراحة، ويتعلم أهل الملل والنحل ما يبدو لهم دون حذف أو حذر. وإمعانًا في هذه الحرية التي لا تعرف تفضيل جنس على آخر أو طائفة على أخرى.
وقد تركت مكتبة بيت الحكمة أثرًا كبيرًا لدى العديد من الوزراء والكبراء، الذين حرصوا على إنشاء خزائن ومكتبات خاصة وعامة أسوة بمكتبة بيت الحكمة، فأنشأ علي بن يحيى المنجم خزانة للحكمة أقامها في ضيعته بـ"كركر" من نواحي "القفص" في بغداد، وهي خزانة كتبٍ عظيمة قصدها طلاب العلم يقيمون ويتعلمون فيها -على نفقته- صنوف العلم والأدب، مبذولة لهم الأرزاق، مغدقة عليهم العطايا.
وكذلك الأمر بخزانة الوزير الفتح بن خاقان، الذي اشتهر بولعه بالكتب وجمعها حتى توفرت لديه مكتبة من أكبر المكتبات في عصره... وقد استوزره المتوكل، وقيل عن شدة شغفه بالقراءة والاطلاع: "إذ كان جالسًا في قصر المتوكل وأراد أن يقوم إلى المتوضأ، أخرج من سلق موزته كتابًا لطيفًا فلا يزال يطالعه في ممره وعوده، فإذا وصل الحضرة الخليفية أعاده إلى ساق موزته"... كما عرف بشدة حبه للعلماء، فقد كان راعيًا لهم؛ إذ يحضر داره فصحاء العرب وعلماء الكوفة والبصرة الذين كانت له مواقف معهم تدل على سمو منزلته من العلم، الأمر الذي دعا الكثير من الكتّاب المرموقين في ذلك العصر، أن يؤلفوا الكتب ويجعلوا إهداءها إليه.
وكذلك الشأن بمكتبة دار العلم التي أنشأها أبو القاسم جعفر بن محمد بن ظهر في الموصل وجعل فيها وقفًا على كل طالب علم لا يمنع أحد من دخولها، وإذا جاءها غريب يطلب العلم والأدب وكان معسرًا أعطاه كتبًا ونقودًا... وأيضًا خزانة الوزير مؤيد الدين بن القصاب الذي نشأ مشتغلاً بالعلم والأدب، وقد قادته محبته للعلم والأدب إلى إنشاء خزانة للكتب أوقف على طلاب العلم الكثير منها، وكتب نص الوقفية بخطه... هذا إلى جانب العديد من المكتبات الأخرى التي كان لها أيدٍ بيضاء على مسيرة العلم في ذلك الزمان، وكان من ثمارها الطيبة تقريب العلم من نفوس محبيه، وكان لها أيضًا أثرها الحضاري الرائع في الحث على الاستزادة من العلوم وبث المعارف بين الناس.