- انضم
- 23 أكتوبر 2007
- المشاركات
- 9,065
- الجنس
- ذكر
- الكنية
- أبو أسامة
- التخصص
- فقـــه
- الدولة
- السعودية
- المدينة
- مكة المكرمة
- المذهب الفقهي
- الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
المفكِّر الخوارزمي نقلة نوعيَّة بعد "المثقَّف جوجل"
بعد انقضاء سبعة عشر عاماً على نشر المقال البديع: "المثقَّف جوجل"، الذي خطَّه يراع أبي حسَّان، فضيلة الدكتور محمَّد الفقيه الغامدي بتاريخ (17-12-2008م)، مفكِّكاً فيه إشكاليَّة العقل المعلوماتي مع انطلاق عصر محرِّكات البحث؛ أنسجُ اليوم على المنوال ذاته؛ لتأتي هذه الكلمات استكمالاً لتلك الرُّؤية، وقراءةً للتَّحول الجذري في ثورة الذَّكاء الاصطناعي، الذي أحدث نقلةً نوعيَّةً من البحث عن المعلومة إلى توليدها؛ لنقف معاً أمام هذا الوافد الجديد:
"أَمَّا العقل الاصطناعي المعالج، الذي يقف عند حدود البيانات وتشابكاتها، فهو يجمع المقدِّمات، ويصوغ النَّتائج بناءً على احتمالات رياضيَّة صمَّاء، بلا بصيرة تدرك مآلات الأمور، ولا روح تستشعر وطأة التَّكليف".
أين تكمن الحقيقة في هذا الذَّكاء الوافد؟، هل تكمن في سرعة الاستجابة وسرد الجواب ليكون الرِّفد الرَّافد؟، أم في وعي المسؤوليَّة وإدراك وجهة القاصد؟.
لقد حفظ لنا تراثنا العظيم تميُّزاً لم تسبقه إليه حضارةٌ منذ النَّشأة الأولى للبنات العلوم الإسلاميَّة؛ حيث فرَّق ما بين "الرِّاوية" و"الدِّراية"؛ فجعل الحفظ والاستحضار آلة ووسيلة (الرِّواية)، وأقام الفقه والاستنباط غاية وفضيلة (الدِّراية)، وفي الحديث الصَّحيح عن النَّبيِّ ﷺ قال: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» أخرجه الإمام أحمد في مسنده (27/300-301)، ح(16738).
واليوم يطلُّ علينا "الذَّكاء الاصطناعي" ليجسِّد الشَّطر الأَوَّل من الحديث تجسيداً مذهلاً لم يسبق له مثيلٌ في تاريخ البشريَّة؛ فهو الحامل للفقه، والواعي للنُّصوص، والحافظ للمسائل، ولكنَّه يظلُّ "حاملاً" لا "فقيهاً"؛ فهو الوعاء الأضخم، لكنَّه الوعاء الذي لا ينطق بالحقِّ، ولا يروي الظامئ باليقين.
فإذا كان الدكتور الفقيه قد أبدع في تقسيم العقول البشريَّة إلى "عقل معلوماتي" و"عقل مبدع"، فإنَّنا أمام الذَّكاء الاصطناعي نواجه "العقل الخوارزمي" في مقابل "العقل التَّدبُّري".
فـالعقل الخوارزمي (الذَّكاء الاصطناعي): هو النُّسخة المتطرِّفة من العقل المعلوماتي؛ وعاءٌ لا قاع له، يبتلع المكتبات والمخطوطات، ويهضم اللُّغات واللَّهجات، لكنَّ اهتمامه مُنصبٌّ على الاحتمال؛ فهو يعاملك بمنطق الإحصاء لا بمنطق الاستنباط، يحفظ المتون والشُّروح بأدقِّ تفاصيلها، فإذا سألته أجابك بما طُعِّم به، كآلة تسجيل فائقة الذَّكاء، تربط الكلمة بأختها لا عن فهمٍ للمعنى، بل عن حسابٍ للمبنى.
بل يكفيه أن تعطيه طرفاً من المسألة، فيسارع إلى سرد أقوال الأَوَّلين والآخرين، ويرصُّ لك الأدلَّة رصَّاً، تماماً كما وصف المقال السَّابق العقل المعلوماتي الذي يتحوَّل إلى "أرشيف"، لكنَّ هذا الأرشيف الجديد (الذَّكاء الاصطناعي) لا يكتفي بالجمع، بل يُوهمك بالتَّأليف، فيخرج لك نصَّاً مسبوكاً تحسبه رأياً محبوكاً، وما هو إلا صدىً لآلاف الآراء التي خُلِطت بغير نيَّة، وشِيْبَتْ بغير قلبٍ واعٍ، ولا عقلٍ مستبصر.
وكما أَنَّ صاحب العقل المبدع يرى ضياعاً للعمر في مجادلة العقل المعلوماتي الذي لا يملك رؤية، فإِنَّ "المفكِّر البشري" اليوم يقع في حيرة شديدة؛ فبينما كان يجهد نفسه سابقاً في تتبُّع الجزئيَّات، جاءه هذا "الخوارزميُّ" ليكفيه مؤونة البحث، لكنَّه أغرقه في طوفان من النَّتائج المقولبة، والإجابات الجاهزة.
أَمَّا العقل التَّدبُّري (الإنسان المستخلف): فهو الذي لا يقف عند المُخرجات بحدِّ ذاتها، بل يبحث في المدركات وما وراءها؛ كونه الذي يملك الذَّائقة التي تميُّز بين الغثِّ والسَّمين، ويستحضر التَّقوى التي تزن الفتوى بميزان الواقع والمآلات، لا بميزان الألفاظ والمصطلحات.
إن مشكلة العقل الخوارزمي -الذَّكاء الاصطناعي- أَنَّه يفتقد حيرة السُّؤال، ولهفة البحث؛ فيبادر بالجواب قبل أن يكتمل في ذهنك السُّؤال، فيقتل مَلَكَة البحث والتَّنقيب، وهمَّة التَّأمُّل والنَّظر؛ فيحوِّل الباحثين وطلَّاب المعرفة إلى مدقِّقي معلومات، وظيفتهم التَّأكُّد من صحَّة ما جمعه "الرُّوبوت"، بدلاً من أن يكونوا هم صنَّاع المعرفة، وأولو الألباب.
وكما انتقد المقال الآنف الذِّكر تحوُّل الرَّسائل الجامعيَّة إلى "أرشيف معلومات"، فإِنَّ الخطر اليوم أعظم؛ إِذْ نخشى أن يتحوَّل العقل البشريُّ ذاته إلى مُستقبِلٍ سلبي لما يمليه هذا العقل الاصطناعي؛ فيتطوَّر الأمر إلى الاكتفاء بالنَّتيجة التي تظهر على الشَّاشة، وتُنسى المنهجيَّة التي توصلنا إليها.
والذَّكاء الاصطناعيَّ في أحسن أحواله ذلك الرَّاوية الذي يجمع ويُقمِّش، وينقل المعلومة كما هي ولا يُفتِّش؛ ليستفيد منها صاحب العقل المبدع؛ فحقيقته خادم الفقيه وليس الفقيه بعينه، هو الأرشيف الذَّكيُّ الذي يختصر الوقت، لكنَّه لا يُغني عن ثاقب النَّظر، الذي يضع المعلومة في سياقها المُنتظر، ويدرك أبعادها وإِلَّا وقع الخطر.
فالعقل الآلي يجمع الأشباه والنَّظائر في طرفة عين، لكنَّ العقل المبدع وحده هو الذي يدرك الفروق والدَّقائق، التي من شأنها أن تغيِّر وجه الحقائق، وهذا ما لا تدركه الخوارزميَّات مهما تعاظمت قدرتها على المعالجة والفرز في دقائق.
وختاماً فلئن كانت المعلومات اليوم تتدفَّق علينا سيلاً، وتتفجَّر عبر هذه النَّوافذ الذَّكيَّة بركاناً يقذف بحممه في كلِّ اتِّجاه؛ فإِنَّ الحاجة باتت ماسَّةً -أكثر من أيِّ وقتٍ مضى- إلى ذلك العقل المبدع الذي لا يكتفي بالتَّلقِّي، بل يغربل هذا الرُّكام، ويُحسن تطويع تلك الحمم الهائلة؛ فيستخلص من رواسبها تربةً بكراً نقيَّةً، مشبعةً بالمعادن الثَّمينة الصَّالحة لإنبات الأفكار، ونموِّ المحاصيل المعرفيَّة؛ إِذْ إِنَّ المعلومة وحدها -مهما تكاثرت ومهما ذكي مصدرها- تظلُّ جسداً خامداً بلا روح، حتَّى ينفخ فيها الإنسان من روح وعيه، ويُفيض عليها من ذكاء بصيرته.
"أَمَّا العقل الاصطناعي المعالج، الذي يقف عند حدود البيانات وتشابكاتها، فهو يجمع المقدِّمات، ويصوغ النَّتائج بناءً على احتمالات رياضيَّة صمَّاء، بلا بصيرة تدرك مآلات الأمور، ولا روح تستشعر وطأة التَّكليف".
أين تكمن الحقيقة في هذا الذَّكاء الوافد؟، هل تكمن في سرعة الاستجابة وسرد الجواب ليكون الرِّفد الرَّافد؟، أم في وعي المسؤوليَّة وإدراك وجهة القاصد؟.
لقد حفظ لنا تراثنا العظيم تميُّزاً لم تسبقه إليه حضارةٌ منذ النَّشأة الأولى للبنات العلوم الإسلاميَّة؛ حيث فرَّق ما بين "الرِّاوية" و"الدِّراية"؛ فجعل الحفظ والاستحضار آلة ووسيلة (الرِّواية)، وأقام الفقه والاستنباط غاية وفضيلة (الدِّراية)، وفي الحديث الصَّحيح عن النَّبيِّ ﷺ قال: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» أخرجه الإمام أحمد في مسنده (27/300-301)، ح(16738).
واليوم يطلُّ علينا "الذَّكاء الاصطناعي" ليجسِّد الشَّطر الأَوَّل من الحديث تجسيداً مذهلاً لم يسبق له مثيلٌ في تاريخ البشريَّة؛ فهو الحامل للفقه، والواعي للنُّصوص، والحافظ للمسائل، ولكنَّه يظلُّ "حاملاً" لا "فقيهاً"؛ فهو الوعاء الأضخم، لكنَّه الوعاء الذي لا ينطق بالحقِّ، ولا يروي الظامئ باليقين.
فإذا كان الدكتور الفقيه قد أبدع في تقسيم العقول البشريَّة إلى "عقل معلوماتي" و"عقل مبدع"، فإنَّنا أمام الذَّكاء الاصطناعي نواجه "العقل الخوارزمي" في مقابل "العقل التَّدبُّري".
فـالعقل الخوارزمي (الذَّكاء الاصطناعي): هو النُّسخة المتطرِّفة من العقل المعلوماتي؛ وعاءٌ لا قاع له، يبتلع المكتبات والمخطوطات، ويهضم اللُّغات واللَّهجات، لكنَّ اهتمامه مُنصبٌّ على الاحتمال؛ فهو يعاملك بمنطق الإحصاء لا بمنطق الاستنباط، يحفظ المتون والشُّروح بأدقِّ تفاصيلها، فإذا سألته أجابك بما طُعِّم به، كآلة تسجيل فائقة الذَّكاء، تربط الكلمة بأختها لا عن فهمٍ للمعنى، بل عن حسابٍ للمبنى.
بل يكفيه أن تعطيه طرفاً من المسألة، فيسارع إلى سرد أقوال الأَوَّلين والآخرين، ويرصُّ لك الأدلَّة رصَّاً، تماماً كما وصف المقال السَّابق العقل المعلوماتي الذي يتحوَّل إلى "أرشيف"، لكنَّ هذا الأرشيف الجديد (الذَّكاء الاصطناعي) لا يكتفي بالجمع، بل يُوهمك بالتَّأليف، فيخرج لك نصَّاً مسبوكاً تحسبه رأياً محبوكاً، وما هو إلا صدىً لآلاف الآراء التي خُلِطت بغير نيَّة، وشِيْبَتْ بغير قلبٍ واعٍ، ولا عقلٍ مستبصر.
وكما أَنَّ صاحب العقل المبدع يرى ضياعاً للعمر في مجادلة العقل المعلوماتي الذي لا يملك رؤية، فإِنَّ "المفكِّر البشري" اليوم يقع في حيرة شديدة؛ فبينما كان يجهد نفسه سابقاً في تتبُّع الجزئيَّات، جاءه هذا "الخوارزميُّ" ليكفيه مؤونة البحث، لكنَّه أغرقه في طوفان من النَّتائج المقولبة، والإجابات الجاهزة.
أَمَّا العقل التَّدبُّري (الإنسان المستخلف): فهو الذي لا يقف عند المُخرجات بحدِّ ذاتها، بل يبحث في المدركات وما وراءها؛ كونه الذي يملك الذَّائقة التي تميُّز بين الغثِّ والسَّمين، ويستحضر التَّقوى التي تزن الفتوى بميزان الواقع والمآلات، لا بميزان الألفاظ والمصطلحات.
إن مشكلة العقل الخوارزمي -الذَّكاء الاصطناعي- أَنَّه يفتقد حيرة السُّؤال، ولهفة البحث؛ فيبادر بالجواب قبل أن يكتمل في ذهنك السُّؤال، فيقتل مَلَكَة البحث والتَّنقيب، وهمَّة التَّأمُّل والنَّظر؛ فيحوِّل الباحثين وطلَّاب المعرفة إلى مدقِّقي معلومات، وظيفتهم التَّأكُّد من صحَّة ما جمعه "الرُّوبوت"، بدلاً من أن يكونوا هم صنَّاع المعرفة، وأولو الألباب.
وكما انتقد المقال الآنف الذِّكر تحوُّل الرَّسائل الجامعيَّة إلى "أرشيف معلومات"، فإِنَّ الخطر اليوم أعظم؛ إِذْ نخشى أن يتحوَّل العقل البشريُّ ذاته إلى مُستقبِلٍ سلبي لما يمليه هذا العقل الاصطناعي؛ فيتطوَّر الأمر إلى الاكتفاء بالنَّتيجة التي تظهر على الشَّاشة، وتُنسى المنهجيَّة التي توصلنا إليها.
والذَّكاء الاصطناعيَّ في أحسن أحواله ذلك الرَّاوية الذي يجمع ويُقمِّش، وينقل المعلومة كما هي ولا يُفتِّش؛ ليستفيد منها صاحب العقل المبدع؛ فحقيقته خادم الفقيه وليس الفقيه بعينه، هو الأرشيف الذَّكيُّ الذي يختصر الوقت، لكنَّه لا يُغني عن ثاقب النَّظر، الذي يضع المعلومة في سياقها المُنتظر، ويدرك أبعادها وإِلَّا وقع الخطر.
فالعقل الآلي يجمع الأشباه والنَّظائر في طرفة عين، لكنَّ العقل المبدع وحده هو الذي يدرك الفروق والدَّقائق، التي من شأنها أن تغيِّر وجه الحقائق، وهذا ما لا تدركه الخوارزميَّات مهما تعاظمت قدرتها على المعالجة والفرز في دقائق.
وختاماً فلئن كانت المعلومات اليوم تتدفَّق علينا سيلاً، وتتفجَّر عبر هذه النَّوافذ الذَّكيَّة بركاناً يقذف بحممه في كلِّ اتِّجاه؛ فإِنَّ الحاجة باتت ماسَّةً -أكثر من أيِّ وقتٍ مضى- إلى ذلك العقل المبدع الذي لا يكتفي بالتَّلقِّي، بل يغربل هذا الرُّكام، ويُحسن تطويع تلك الحمم الهائلة؛ فيستخلص من رواسبها تربةً بكراً نقيَّةً، مشبعةً بالمعادن الثَّمينة الصَّالحة لإنبات الأفكار، ونموِّ المحاصيل المعرفيَّة؛ إِذْ إِنَّ المعلومة وحدها -مهما تكاثرت ومهما ذكي مصدرها- تظلُّ جسداً خامداً بلا روح، حتَّى ينفخ فيها الإنسان من روح وعيه، ويُفيض عليها من ذكاء بصيرته.
