العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

ذكر عظيم يقال عند دخول المسجد، وبيان فضله ومعناه.

انضم
31 مايو 2024
المشاركات
31
الإقامة
الجزائر العاصمة
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أيمن
التخصص
أصول الفقه - فقه
الدولة
الجزائر
المدينة
الجزائر العاصمة
الحمد لله وبعد:
فمن السنة عند دخول المسجد أن يأتي المسلم بذكر عظيم حفظه لنا الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وهو ما رواه أبو داود عنه عن النبيﷺ أنه[ كان إذا دَخَل المسجِدَ قال: "أعوذُ باللهِ العظيمِ، وبوَجْهِه الكريمِ، وسُلطانِه القَديمِ، مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ"، قال: أَقَطْ؟، قلتُ: نعم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطانُ: حُفِظَ مني سائِرَ اليومِ](1).
-هذا الحديث فيه أنه يستحب للمسلم إذا دخل المسجد أن يأتي بهذا الذكر العظيم، الذي يحمل معاني جليلة، حق على كل مسلم أن يعلمها ويفقهها.
▪︎فقولهﷺ: "أعوذ بالله العظيم"، أي: ألتجئ وأستجير "بالله العظيم"، و"العظيم" إسم من أسماء الله تعالى الحسنى الثابتة له، ومعناه: الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء والجبروت.
▪︎وقوله: "وبوجهه الكريم"، هو معطوف على ما قبله، أي: وأعوذ بوجهه الكريم، والاستعاذة بوجه الله تعالى جائزة لهذا الحديث، ولغيره من الأحاديث، و "وجه" الله تعالى صفة ذاتية تمدح بها رب العالمين جل وعلا، فيجب إثباتها على الوجه اللائق به سبحانه، من غير تحريف أو تمثيل أو تكييف أو تعطيل، ولا يجوز حملها على معنى الذات لأنه إبطال لها، وهو طريق المعطلة.
▪︎وقوله: "وسلطانه القديم"، أي: قهره وقوته الذي لا أول له، قاله العلامة محمود السبكي(2)، وقريب منه قول العظيم أبادي بأن:"سلطانه" أي: غلبته وقدرته وقهره على ما أراد من خلقه، "القديم"، أي: الأزلي الأبدي(3)، فالقديم هو وصف لسلطانه سبحانه الذي هو صفة من صفاته، وليس اسما من أسمائه سبحانه، يقول العلامة المحدث عبد المحسن العباد: "قوله:(وسلطانه القديم)، السلطان: صفة من صفات الله، وهي صفة سلطته وملكوته وعظمته وغلبته، لأنه لا يُستعاذ بمخلوق، والحديث جاء فيه الاستعاذة بالله وبصفاته، وأما كلمة (القديم) فالمقصود بها الأزلي، يعني: الذي صفاته وقدرته وغلبته وقهره ليس لها بداية، فهو متصف بذلك أزلًا، ولكن ليس من أسماء الله القديم،ولكن هذا وصف لقهره وغلبته بأنها أزلية"اه‍(4).
فإذن: لفظة: "القديم" في الحديث إنما هي وصف لسلطانه، وهو صفة من صفاته الأزلية، ومعلوم أن صفات الله تعالى كلها أزلية لا أول لها، فهذا هو معنى "القديم"، فلا يفهم منه أنه من أسماء الله تعالى كما هو صنيع أهل الكلام، فإنه لم يثبت فيه نص، ثم إنه من المعلوم أسماء الله تعالى توقيفية، لا تثبت إلا بنص، وهو الذي عليه أهل العلم.
▪︎وقوله: "من الشيطان"، بزنة "فيعال"، ﻣﻦ ﺷﻄﻦ ﺃﻱ ﺑﻌﺪ، ﻗﺎﻟﻪ اﻟﺒﺼﺮﻳﻮﻥ، ﻭﻗﺎﻝ اﻟﻜﻮﻓﻴﻮﻥ: "ﻓﻌﻼﻥ" ﻣﻦ ﺷﺎﻁ ﻳﺸﻴﻂ ﺃﻱ: ﻫﻠﻚ، وقيل: احترق، ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻨﺼﺮﻑ،ﻭﻫﻮ اﻟﻤﺒﻌﺪ ﻣﻦ ﺭﺣﻤﺔ اﻟﻠﻪ، اﻟﻤﻬﻠﻚ ﺑﻌﺬاﺑﻪ(5).
▪︎وقوله: "الرجيم"، على وزن فعيل، قال العلماء: هو فعيل بمعنى مفعول، أي مرجوم، والمعنى: المرجوم بشهب السماء واللعن(6)، هذا على أحد الأقوال، وهو وما في معناه هو المشهور عند الشراح، ثم إن الحديث وإن ورد بلفظ الإخبار إلا أن معناه الدعاء، يقول العلامة ملا علي القاري رحمه الله:"والظاهر أنه خبر معناه الدعاء، يعني اللهم احفظني من وسوسته وإغوائه وخطواته وخطراته وتسويله وإضلاله، فإنه السبب في الضلالة، والباعث على الغواية والجهالة، وإلا ففي الحقيقة أن الله هو الهادي المضل"اه‍(7)، ولاشك أن دعاء المسلم ربه بأن يعيذه من شر الشيطان هذا مما يجب التزامه.
▪︎قولهﷺ:"فإذا قال ذلك قال الشيطانُ: حُفِظَ مني سائِرَ اليومِ"، فاللام في "الشيطان" للعهد على الظاهر، والمراد به القرين(8)، وعليه يكون المعنى: أن من أتى بهذا الذكر المبارك فقد حفظ من الشيطان الرجيم.
▪︎وهل الحفظ على عمومه، أو من شيء مخصوص، أو من بعض المعاصي؟، خلاف بين العلماء، والعلم عند الله تعالى.
وبالله التوفيق.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو أيمن أمين الجزائري.
____________________
1)-أخرجه أبو داود(٤٦٦)، والبيهقي في"الدعوات الكبير"(٦٨).
والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه النووي في"الأذكار"(٤٦)، وقال علاء الدين مغلطاي في "شرح ابن ماجه"(٣‏/٢١٧): سنده صحيح، وصححه الألباني في صحيح أبي داود(٤٦٦).
2)-المنهل العذب المورود"(٧٦/٤)، وانظر: شرح أبي داود(٣٧٥/٢) للعيني.
3)-أنظر: عون المعبود(٩٤/٢).
4)-شرح سنن أبي داود(٦٦/٥).
5)- أنظر: شرح العيني(٣٧٥/٢)، عون المعبود(٩٤/٢)، المنهل العذب المورود(٧٦/٤).
6)- أنظر: المنهل العذب المورود(٧٦/٤).
7)-مرقاة المفاتيح(٦٢٧/٢)،وانظر: عون المعبود(٩٤/٢).
8)-وانظر: مرقاة المفاتيح(٦٢٨/٢)،عون المعبود(٩٤/٢)، بذل المجهود(١٩٢/٣).
 
أعلى