العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

تحقيقُ القولِ في معنى قول الله عزّ وجلّ:[سلام هي حتى مطلع الفجر]

انضم
8 يناير 2012
المشاركات
90
الإقامة
الوادي/ الجزائر
الجنس
ذكر
الكنية
أبو عبد البر
التخصص
ماستر دراسات قرآنية و آداب إسلامية
الدولة
الجزائر
المدينة
الوادي
المذهب الفقهي
مالكي
تحقيقُ القولِ في معنى قول الله عزّ وجلّ:
[سلام هي حتى مطلع الفجر]


مقدمة:

تميّز القرآن الكريم بنظمه الفريد؛ حيث تحتمل اللفظة الواحدة أكثر من معنًى،,وهذا من دلائل إعجازه. ومن شواهد ذلك سورة القدر التي أخبر الله تعالى فيها عن شرفِ ليلة القدر التي أُنزِل فيها القرآنُ الكريمُ؛ حيث يُعد قوله تعالى:]سلامٌ هيَ حتَّى مطلَعِ الفجرِ[ محورًا دلاليًا غزير المعنى؛ إذ جمعت الآيةُ بين مفهوم السلام المطلق والامتداد الزمني حتّى مطلع الفجر، مما يفتح آفاقًا واسعة للتدبر والتحليل.

وبما أنّ لفظة: ]سلامٌ[ حمّالةٌ لوجوهٍ، حيث تعدّدتْ فيها الأقوالُ، وكان المعنى الظاهر فيها يُصادمه الواقعُ؛ حيث نرى في تلك الليلة ما يناقض السلامَ، ولهذا لزمَ التحقيق في ذلك حتى الوصول إلى المعنى المناسب لسياق السورة وللسياق الزمني.
وحتّى نحقق هذا الغرض لا بد من الجمعِ بين التحليلِ اللغويِّ، والتفسيرِ بالمأثورِ، والتفسيرِ بالرأيِ، والنظرِ المقاصديِّ.



أوّلًا- معاني كلمة(سلام) في سورة القدر:
أ- المعنى المعجميّ لكلمة "سلام":
تدور مادة (س ل م) حول الخلاص، والعافية، والتسليم. و تفصيل ذلك كالتالي:

اسم من أسماء الله الحسنى: وهو الذي سَلِم من كل عيب ونقص، وقيل: هو الذي يُسلّم عباده من الظلم. تفسير الأسماء الحسنى للزجاج، ولسان العرب لابن منظور.

التحية والأمان: أي الأمان من الأذى والاعتداء، وهي تحية المسلمين (السلام عليكم) كإعلان للأمان بين الطرفين. المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني.

الصحة والعافية: أي السلامة من الأمراض والآفات البدنية أو النفسية. مقاييس اللغة لابن فارس.

شجر السَّلَم (بفتح السين واللام): نوع من شجر الشوك (السنط)، ويُطلق عليه "السَّلام" بفتح السين أيضاً. القاموس المحيط للفيروز آبادي.

الجنة (دار السلام): وهي الجنة؛ لأنها دار السلامة من الموت، والآفات، والأحزان، ولأن الله (السلام) هو ربها، ولأن الملائكة تُسلم على أهلها. تفسير القرطبي، وروح المعاني للألوسي.

الاستسلام والانقياد: يقال: "أسلمَ أمرَه لله" أي انقاد واستسلم بغير معارضة. تاج العروس للزبيدي.

القول السديد: كما قال تعالى:]وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا[؛ أي قالوا قولاً سديداً يسلمون فيه من الإثم ومن مقابلة الجاهل بجهله. تفسير الطبري.

  • ب- معنى كلمة "سلام" عند المفسّرين:
  • تسليم الملائكة على المؤمنين:
    وهو قول منصور بن زاذان(الدّرّ المنثور للسيوطيّ:8/570)[1]، ومحمد بن السائب(موسوعة التفسير بالمأثور:23/431)[2]، وقال عطاء: أهل الطاعة وأولياء الله(الموسوعة:23/431)، وقال الشعبيّ: على أهل المساجد[3](القرطبيّ).
  • السلامة:
    قال ابن أبي ليلى: من الأذى، ومن عمل الشيطان، ومن السّحر(الموسوعة:23/429-430)، وقال مجاهد: من الداء، وعمل الشيطان، والسحر(الموسوعة:23/430)، وقال ابن أبي ليلى: من الشّرّ(الموسوعة:23/429)، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: من الشّرّ(الموسوعة:23/431).
  • الخير والبركة:
    وهو قول مجاهد(الموسوعة:23/430)، ومقاتل(الموسوعة:23/431).
  • لا يقدّر الله في تلك الليلة إلا السلامة:
    وهو قول الضّحّاك(الموسوعة:23/430).
  • السّلامة من الذّنوب والخطايا:
    قال الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-: "...لكثرة من يسلم فيها من الآثام وعقوباتها"[4]؛ وقال السيوطي: "عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ﴾ قالَ: في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّياطِينَ وتُغَلُّ عَفارِيتُ الجِنِّ وتُفْتَحُ فِيها أبْوابُ السَّماءِ كُلُّها ويَقْبَلُ اللَّهُ فِيها التَّوْبَةَ لِكُلِّ تائِبٍ"(الدّرّ المنثور:8/570).
  • السلامة والنجاة يوم القيامة بالمغفرة لمن قامها:
    قال الألوسيّ: "والمرادُ أنها سببٌ تامٌّ للسّلامة والنجاة من المهالك يوم القيامة حيث إنّ من قامها إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه"(روح المعاني:15/420)[5].
  • السّلامة من الرمي فيها بالشهب:
    قال الضّحّاك: لَا يحل لكوكب أَن يرْجم بِهِ فِيهَا حَتَّى يصبح(الموسوعة:23/430)، (الدّرّ المنثور:8/569).وقال أبو مسلم الأصفهاني: عن الرِّيَاحِ وَالْأَذَى وَالصَّوَاعِقِ إِلَى مَا شَابَهَ ذَلِكَ(تفسير الفخر الرازي:32/236).
  • اطمئنان وسعادة يُحسُّ بها المؤمن ليلتها:
    قال محمد فاروق الزّين: "وفي ليلة القدر يتبدّدُ ظلام الجهل ويحلُّ السلام الروحيّ في نفوس المؤمنين ويطهّرهم من وساوس السّوء" (تفهيم القرآن:387).
  • الأمر بجعل تلك الليلة سلامًا:
    قال العلّامة ابن عاشور-رحمه الله-: "ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”سَلامٌ هي“ مُرادًا بِهِ الإخْبارُ فَقَطْ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَصْدَرِ الأمْرُ والتَّقْدِيرُ: سَلِمُوا سَلامًا، فالمَصْدَرُ بَدَلٌ مِنَ الفِعْلِ وعَدَلَ عَنْ نَصْبِهِ إلى الرَّفْعِ لِيُفِيدَ التَّمَكُّنَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود:79] . والمَعْنى: اجْعَلُوها سَلامًا بَيْنَكم، أيْ: لا نِزاعَ ولا خِصامَ. ويُشِيرُ إلَيْهِ ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ « بِلَيْلَةِ القَدْرِ فَتَلاحى رَجُلانِ فَرُفِعَتْ، وعَسى أنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكم فالتَمِسُوها في التّاسِعَةِ والسّابِعَةِ والخامِسَةِ خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكم ».(التحرير والتنوير:30 /465).
    وقال ابن عاشور-رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذ جَعَلنَا البيتَ مَثَابَة لِّلنَّاسِ وَأَمنًا﴾ [البقرة:125]: "والمُرادُ مِنَ الجَعْلِ في الآيَةِ إمّا الجَعْلُ التَّكْوِينِيُّ لِأنَّ ذَلِكَ قَدَّرَهُ اللَّهُ وأوْجَدَ أسْبابَهُ فاسْتَقَرَّ ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ويَسَّرَهم إلى تَعْظِيمِهِ، وإمّا الجَعْلُ أنْ أمَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِذَلِكَ فَأبْلَغَهُ إبْراهِيمُ ابْنَهُ إسْماعِيلَ وبَثَّهُ في ذُرِّيَّتِهِ فَتَلْقاهُ أعْقابُهم تَلَقِّي الأُمُورِ المُسَلَّمَةِ، فَدامَ ذَلِكَ الأمْنُ في العُصُورِ والأجْيالِ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ أغْنى اللَّهُ عَنْهُ بِما شَرَعَ مِن أحْكامِ الأمْنِ في الإسْلامِ في كُلِّ مَكانٍ وتَمَّ مُرادُ اللَّهِ تَعالى، فَلا يُريبكم ما حَدَثَ في المَسْجِدِ الحَرامِ مِنَ الخَوْفِ في حِصارِ الحَجّاجِ في فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ولا ما حَدَثَ فِيهِ مِنَ الرُّعْبِ والقَتْلِ والنَّهْبِ في زَمَنِ القَرامِطَةِ حِينَ غَزاهُ الحَسَنُ بْنُ بَهْرامَ الجُنّابِيُّ ...إذْ قَتَلَ بِمَكَّةَ آلافًا مِنَ النّاسِ وكانَ يَقُولُ لَهم يا كِلابُ ألَيْسَ قالَ لَكم مُحَمَّدٌ المَكِّيُّ ”﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:97]“ أيُّ أمْنٍ هُنا؟! وهو جاهِلٌ غَبِيٌّ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ الأمْرَ بِأنْ يَجْعَلَ المَسْجِدَ الحَرامَ مَأْمَنًا في مُدَّةِ الجاهِلِيَّةِ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ وازِعٌ عَنِ الظُّلْمِ، أوْ هو خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ الأمْرُ مِثْلَ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:228]"؛ التحرير والتنوير؛ (1/690-691).
ثانيًا- مناقشة هذه الأقوال: ترجع أقوال المفسّرين إلى خمسةِ أقوالٍ وهي:

  • السلامةُ من الأذى، والخيرُ والبركةُ: ولهما نفس المعنى؛ ولكنّنا نرى الواقع على خلافه، ولذا لزم تأويله بـ:
    أ- أن ذلك قد حدث ليلة نزول القرآن فقط، ولم يعد يحدث بعد ذلك.
    ولكن هذا التأويل مخالف لنصوص الكتاب والسنّة؛ فلا يعقلُ أن يكون الحديث عن ليلة حدث فيها ما يشبه مصباحًا، توهّج ثم انطفأ إلى الأبد. بما يعني أنه لا قيمة للحديث عن هاته الليلة.
    ومثل هذا التأويل ربما يفهم من كلام الشيخ محمد عبده-رحمه الله-في تفسيره لسورة القدر[6]، وقال به بعض القرآنيّين المعاصرين، بل قال بعضهم بأنّ هذه الليلة ثابتة بالتقويم الشمسيّ الغريغوريّ(الميلاديّ). ولهذا فقد لا تكون في رمضان، ولكنها ابتداءً حين نزول القرآن أوّل مرّة كانت في رمضان.
    وكل هذا قد يلتفت إليه إذا لم ترد نصوصٌ تعظّم ليلة القدر وتدعوا إلى إحيائها، ولكن مع ورودها فلا تترك لهذا القول من قيمة. يقول العلّامة ابن عاشور-رحمه الله-: "والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ بِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ مُؤْذِنٌ بِأنَّ هَذا التَّنَزُّلَ مُتَكَرِّرٌ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ ... لا جَرَمَ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ قَدِ انْقَضَتْ قَبْلَ أنْ يَشْعُرَ بِها أحَدٌ عَدا مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ كانَ قَدْ تَحَنَّثَ فِيها، وأُنْزِلَ عَلَيْهِ أوَّلُ القُرْآنِ آخِرَها، وانْقَلَبَ إلى أهْلِهِ في صَبِيحَتِها؛ فَلَوْلا إرادَةُ التَّعْرِيفِ بِفَضْلِ اللَّيالِي المُوافِقَةِ في كُلِّ السَّنَواتِ لاقْتَصَرَ عَلى بَيانِ فَضْلِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الأُولى. ولَما كانَتْ حاجَةٌ إلى تَنَزُّلِ المَلائِكَةِ فِيها، ولا إلى تَعْيِينِ مُنْتَهاها.[7]"
    ب- هو سلامٌ نفسيٌّ: وهو معقولٌ ومحسوسٌ، ولكنه-أي التأويل-يتعارض مع مضمون النصوص الشرعيّة؛ فالله تعالى بقول: ”سَلامٌ هي حتّى مطلع الفجر“، فالسلام هنا ليس موجودًا في الليلة فحسب، بل هو سلام يستغرقها حتّى صارت الليلة ذاتها سلامًا، فكيف يكون في داخل النفس فقط؟؟؟!!!
    ج- الأمر بجعلها سلامًا: وهذا له مثال سابق في التفسير؛ فقول الله عزّ وجلّ:]أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ[ [العنكبوت:67]، فقد فسّره محمد رشيد رضا-رحمه الله-بالأمر الإلهيّ للناس بتأمين الحرم. وقال بهذا المعنى العلّامة ابن عاشور-رحمه الله-كما ذكرنا من قبل، وألمح إليه شيخنا محمد الغزاليّ-رحمه الله-، وهو معنى مقبول حين يتعذّرُ الحملُ على الظاهر.
    ولكن ما يبعد هذا التأويل هو كون ليلة القدر غير معيّنة؛ إذ كيف نؤمّن مجهولًا؟! وأمّا الحرم فله حدود معلومة فتأمينه مقدورٌ عليه.
    ويُردُّ على هذا الاعتراضِ بإمكان تأمين العشر الأواخر من رمضان، والله أعلم.
  • السلامة يوم القيامة بالمغفرة ليلة القدر:
    وهذا كذلك معنىً معقولٌ مقبولٌ، وهو قريبٌ من القول بالسلام النفسيّ.
    ويكدّرُ عليه أنّ السلام في ليلة القدر ذاتها عامّة، فهي السلام، وليست مجرّد مؤَسِّسَةٍ للسلام الأخرويّ.
    وقد يقبل هذا المعنى إذا ضممناه إلى ما بعده؛ وهو:
  • تسليم الملائكة على المؤمنين أو القائمين:
    كما قال القشيريّ(ت456هـ)-رحمه الله- في "لطائف الإشارات": "أي مع كل مأمور منهم سلامي على أوليائي"[8]، فهو سلامٌ باللفظ يضمن به العبد السلامة يوم القيامة، وحتى مجرّد التسليم من الملائكة معقولٌ؛ فهم يسلّمون على المؤمنين حتى مطلع الفجر.
    وقد يكون سلامٌ مع تبشيرٍ بالمغفرة والجنّة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرةtأن جبريل عليه السلام قال للنبيّr: "هذه خديجة قد أتتك...فاقرأ عليها السلام من ربّها U ومنّي وبشّرها ببيتٍ في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصبَ".
    وقال ابن برّجان[9](تـ536هـ):"وأرى والله أعلم أنّ هذا هكذا؛ فهي مسلّمة في حقّ أهل الإيمان من الفتن والإضلال...فالملائكة تسلّم على أهل المسابقة في أعمال الطاعات، فهي في حقهم لا تأثيم فيها ولا لغو إلا قيلاً(سلامًا سلامًا)، وإنما هي في حقِّ هؤلاء صلاة ونيّة وصيامٌ وتلاوة قرآن وذكر واستغفار أو نوم سالم فقربت حال المؤمنين فيها من أحوالهم في الجنّة غدًا-إن شاء الله-، الملائكة تسلّم عليهم وهي سالمة في حقهم من إذاية الإضلال والافتتان وهم فيها سالمون غانمون"
    فكأنهم في الدنيا-في ليلة القدر-تسلّم عليهم الملائكة مثل حالهم وهم في الجنّة: ]والملائكة يدخلون عليهم من كل باب؛ سلام عليم بما صبرتم فنعم عقبى الدار[ [الرعد:23-24].
  • لا يقدّر فيها إلا السّلامة:
    وهذا لم يُرْوَ إلا عن الضّحّاك بن مزاحم(تـ102هـ)-رحمه الله-، وإن قال القرطبيّ-رحمه الله-: "ومثله لا يقال من جهة الرأي"[10]، إلا أنّ هذا لم يُرْوَ إلا عنه، وهو تابعيٌّ، ولم يخرّج له الشيخان، وكيف يكون في حكم المرفوع وله رأيٌ آخرُ؟! وهو السلامة من الرميِ فيها بالشهبِ، فأيّ قوليه المرفوعُ؟! ثمّ إنّ الزعم بأنّ التقدير: "تلك الليلة ليس فيها إلا الخير، وفيما سواها الخير والشّرُّ" غيرُ مفهومٍ.
    والذي نعلمه أنّ الذي يحدث في الأرض طوالَ العامِ فيه خيرٌ وشرٌ، وليس هناك دليل على تخصيص ليلة القدر بتقدير الخير فقط؛ لأنّ الله تعالى يقول: ]فيها يُفرقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ...[ [الدخان:4]، وهذا القولُ يؤولُ إلى القولِ الأوّلِ بعدمِ وجودِ الشّرّ والأذى فيها.
    وبعضهم يُؤَوّلُ وجود الشّرِّ في ليلة القدر-أو تقديرَه فيها-بأنّ كل ما يحصل من خيرٍ أو شرٍّ أو حربٍ أو معصيةٍ أو مرضٍ...الخ كلّ ذلك عند الله خيرٌ، وإن كان في تصوُّرِنا شرًّا لأنّ فيه حكمةً قد تخفى عنّا؛ كما في قتل الخضر-عليه السلام- الغلامَ، فقد كان رحمة لوالديهِ، قال تعالى: ]فأردنا أن يبدّلهما ربُّهما خيرًا منه زكاة وأقربَ رُحمًا[ [الكهف:81]، كما أنّ الحوادث مثل الزلزالِ خيرٌ كله؛ فهو عقوبةٌ للعاصين، وابتلاءٌ للناجين، وشهادة للمتوَفَّيْن، وتغييرٌ في جيولوجيا الأرضِ، وهذا صحيحٌ، ولكنّه عامٌّ يشملُ قدرَ الله في كلِّ حينٍ، وليسَ خاصًّل بليلة القدرِ.
  • السّلامة من الظواهر الكونيّة:
    فلا يقذف فيها بالشهبِ، ولا رياح فيها ولا صواعق.
    وهذا لا يصحُّ لعدمِ وجود نصِّ صحيحٍ يفيد ذلك. وكلّ ما ثبتَ في ذلك ما رواه الإمام مسلم عن أبيِّ ابن كعبٍt أنّ الشمسَ تطلعُ صبيحتها لا شعاعَ لها. وكما ثبت في الصحيحِ أنّه نزل فيها مطرٌ؛ فصلّى النبيّr في ماءٍ وطينٍ-كما رأى ذلك في المنام-وكان ذلك صبيحةَ ليلة إحدى وعشرين أو ثلاثٍ وعشرين. والمطر يصحبه عادةً برقٌ ورعدٌ، وربّما صواعقُ، وليس هناك نصٌّ صحيحٌ يؤيِّدُ هذا القولَ.
    ومن العلماءِ من يرى بأنّ حالَ الشمسِ صبيحتها ليس علامةَ لليلةَ القدرِ، بل هي حالٌ للشمسِ في تلك الصبيحةِ ذلك العامَ؛ وقد بيّن الشيخ عبد الوهّاب الطريريّ في فيديو له على اليوتيوب: بأنّه لم يكن حدثًا فلكيًّا كونيًّا تغيّرتْ فيه حالُ الشمسِ في ذلك اليومِ عن حالها في كلِّ يومٍ، ولكنّها في ذلك اليومِ كانتْ تُرى على هذا النّحوِ بسببِ الحالةِ الجوِّيَّةِ؛ إمّا لوجودِ سحابٍ رقيقٍ يحجبُ أشِعَّةَ الشّمسِ بعدَ ارتفاعها، بحيثُ تُرى كما يُرى القمرُ ليلةَ البدرِ، أو نحوِ ذلك، ومثلُ هذا يتكرَّرُ في أيّامٍ كثيرةٍ في السّنةِ، ولكنّه توافقَ مع ليلةِ القدرِ تلك السّنةِ؛ كما توافقَ معها في إحدى السّنواتِ المطرُ في ليلتها.[11]
    فنزولُ المطر في ليلة القدرِ ذلك العام، على عهد النبيّr ليس علامةً لها توجد في كلِّ عامٍ، قال القاضي عياض في إكمالِ المعلم: "وقوله r "وأراني أسجدُ في صبيحتها في ماءٍ وطينٍ" علامةٌ جُعِلَتْ له تلك السنةِ-والله أعلمُ-ليستدلَّ بها عليها، كما استَدلَّ بالشمس وغيرها"[12]
    ولعلّ الصحيحَ أن كونَ الشمسِ صبيحةَ ليلة القدرِ لا شعاعَ لها علامة تعرفُ بها ليلة القدرِ؛ ولكن لا يمنعُ هذا من وجودِ ظواهر كونيّةٍ عاديّةٍ تحجبُ الشّمسَ؛ فتظنُّ علامةً وليستْ كذلك، والله أعلمُ.
    وقولُ بعضهم: بأنّ سببَ ذلك هو كثرة الملائكةِ، كما جاء في إكمال المعلم: "وقيل: بل لكثرة اختلافِ الملائكةِ في ليلتها، ونزولها إلى الأرضِ وصعودها، بما تنزّلتْ به من عند الله، وبكلِّ أمرٍ حكيمٍ، وبالثوابِ والأجورِ، سترتْ أجسامُها اللطيفةُ، وأجنحتُها شعاعَها، وحجبتْ نورَها"[13].
    وهذا القولُ لا دليلَ عليه، بل الدليلُ على خلافِهِ؛ لأنّ الله تعالى جعلَ تنزُّلَ الملائكةِ حتّى مطلعِ الفجرِ، وما بين الفجرِ وشروقِ الشمسِ ساعةٌ ونصفٌ من الزّمنِ، حيثُ يكونُ الملائكة كلهم قد صعدوا إلى السماءِ، حتّى على فرضِ قولِ بعضهم بأنّ بقاءَهم يكونُ حتّى مطلع الفجرِ أي يشملُ الفجرَ أو حتّى الصلاةِ، لكنّه لا يستمرُّ سّاعةً ونّصفًا حتى تطلعَ الشمسُ.
    فيبقى أنّ سببَ احتجابِ شعاعِ الشمسِ صبيحةَ ليلةِ القدرِ من أمرِ اللهِ المغيَّبِ عنّا علمُهُ، والله أعلمُ.

  • ثالثًا- الراجح:
    وأخيرًا لعلَّ، الذي ترجَّحَ لديَّ هو أنّ السلام ليلة القدرِ؛ لا يخرجُ عن أحدِ وصفين:
    الأوّل- الإخبار: إخبار عن فعل الملائكة، وحال المؤمنين ليلتَها؛ فتسليم الملائكة على المؤمنينَ؛ لكونه قولَ غيرِ واحدٍ من السلفِ، ولسلامته من الاعتراضِ ولا يحتاجُ إلى تكلُّفِ تأويلٍ، وإذا جمعنا إليهِ السلامَ النفسيَّ والسلامة يوم القيامة بالمغفرةِ تشبيهًا لحالِ المؤمنينَ بحالهم في الجنّةِ؛ فهو من آثار سلامِ الملائكةِ عليهمُ السلامُ.
    الثاني- الأمر: أمر المؤمنين بتأمينِ ليلةِ القدرِ كما قال ابن عاشور-رحمه الله- فيكون للمؤمنين دور في حصول هذ السلام من خلالِ تزكية نفوسهم، حتى يكونوا مجتمعًا مسالمًا، لا ظلمَ فيهِ ولا شرَّ؛ كما في الحديث: "مثلُ المؤمنينَ في توادِّهم، وتعاطفهم، وتراحمهم، مثلُ الجسدِ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاءِ بالسهرِ والحُمَّى" متفق عليه عن النعمان بن بشيرt.
    وكذلك من خلالِ دورهم كدولةٍ أو سلطةٍ فيؤمّنون النّاس في مساجدهم وبيوتهم ومجالسهم .. كما يقومون بتأمينِ البيت الحرامِ بمكّةَ المكرّمةِ. والله أعلمُ.

  • حفوضة رشيد
    الوادي في يوم الخميس 3 شوّال1446هـ
    2 أفريل 2025م









[1] الدر المنثور في التفسير بالمأثور؛ عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت 911هـ)؛ دار الفكر- بيروت؛ دون تاريخ نشر.
[2] موسوعة التفسير بالمأثور، مركز الدراسات والمعلومات القرآنيّة، بإشراف: أ.د مساعد بن سليمان الطّيّار، دار ابن حزم، ط:1، 1939هـ-2017م.
[3] الجامع لأحكام القرآن؛ أبو عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي؛ تح: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش؛ دار الكتب المصرية-القاهرة؛ ط:2؛ 1384هـ-1964م؛ (20/134).
[4] تفسير جزء عم؛ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت1421هـ)؛ عداد وتخريج: فهد بن ناصر السليمان؛ نشر: دار الثريا للنشر والتوزيع، الرياض-المملكة العربيّة السعوديّة؛ ط: 2، 1423هـ-2002م؛ ص:272.
[5] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني؛ أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي (ت 1270هـ)؛ ضبط وتصحيح: علي عبد الباري عطية؛ دار الكتب العلمية-بيروت؛ ط: 1؛ 1425هـ-1994م.
[6] تفسير جزء عمّ؛ محمد عبده؛ مطلعة مصر-شركة مساهمة مصريّة؛ ط: 3؛ 1341هـ؛ ص: 132.
[7] التحرير والتنوير؛ محمد الطاهر بن عاشور(1973م)؛ الدار التونسية للنشر-تونس؛ ط:1؛ 1984م-1404هـ؛ (30/461-462)
[8] لطائف الإشارات؛ تفسير القشيري؛ عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (ت 465هـ)؛ تح إبراهيم البسيوني؛ الهيئة المصرية العامة للكتاب-مصر؛ ط:3؛ (3/751)
[9] كتاب: تنبيه الأفهام إلى تدبّر الكتاب الحكيم وتعرّف الآيات والنبأ العظيم، عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد بن برّجان اللخميّ الإشبيليّ، دار الكتب العلميّة-بيروت-لبنان ط:1، 1434هـ-2013م، (5/525).
[10] الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، تح: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية-القاهرة، ط:2، 1384هـ-1964 م (20/137-138).
[11] عنوان الفيديو: علامة ليلة القدر، على القناة: (عبد الوهاب الطريريّ القناة الرسميّة)، نشر في: 23 أفريل 2022م.
[12] إكمال المعلم، القاضي عياض؛ (4/148).
[13] نفس المرجع
 
انضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
9,089
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
انضم
8 يناير 2012
المشاركات
90
الإقامة
الوادي/ الجزائر
الجنس
ذكر
الكنية
أبو عبد البر
التخصص
ماستر دراسات قرآنية و آداب إسلامية
الدولة
الجزائر
المدينة
الوادي
المذهب الفقهي
مالكي
التعديل الأخير:
انضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
9,089
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
أجل دكتور، وبارك الله فيكم على التنبيه.
والتاريخ الصحيح هو:
22 شوّال1446هـ
20أفريل2025م.
فمعذرة عن هذا الخطأ.
‏الله يبارك فيكم
‏ويحفظكم ويرعاكم
هل التاريخ 22 شوال أو 3 شوال
 
انضم
8 يناير 2012
المشاركات
90
الإقامة
الوادي/ الجزائر
الجنس
ذكر
الكنية
أبو عبد البر
التخصص
ماستر دراسات قرآنية و آداب إسلامية
الدولة
الجزائر
المدينة
الوادي
المذهب الفقهي
مالكي
التاريخ: 3شوال1446ه
2 أفريل 2025م
 
التعديل الأخير:
انضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
9,089
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
أعلى