العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

جواز إخراج زكاة الفطر من الحليب المجفَّف للأطفال الرُّضَّع

انضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
9,103
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
جواز إخراج زكاة الفطر من الحليب المجفَّف للأطفال الرُّضَّع
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أَمَّا بعد:
فقد سُئِلت في رمضان عام (1437هـ) -من القيِّم على جامع الحيِّ- عن جواز إخراج الحليب زكاةً للفطر، فاستفسرت منه مستغرباً؛ فأبان أنَّه يعني الحليب المجفَّف للأطفال الرُّضَّع، والحاجة الدَّافعة إليه، فتأمَّلت في لحظتها فأجبته بالجواز؛ وأنَّه يُعدُّ من أنفع ما يُقدَّم للأسر المستحقَّة لزكاة الفطر؛ إِذْ به تتحقَّق مقاصد الشَّريعة في تلمُّس معاناة الفقير الملحَّة؛ وإليك تحرير هذه المسألة، بتأصيلها الشَّرعيِّ، وتوجيه مسلكها وفقاً للاعتبارات الفقهيَّة؛ وذلك من خلال وجهين رئيسين:

الوجه الأَوَّل: الأدلَّة الشَّرعيَّة المستند إليها:
أَوَّلاً: العِلَّة من الحديث (الغاية من الزَّكاة):
فعن ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- ‌زَكَاةَ ‌الْفِطْرِ ‌طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ»([1]).

ثانياً: حديث الأصناف (قُوْت البلد):
فعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ -رضي الله عنه- قال: «كُنَّا نُخْرِجُ ‌زَكَاةَ ‌الْفِطْرِ، ‌صَاعَاً مِنْ طَعَامٍ، أَوْ ‌صَاعَاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ ‌صَاعَاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ ‌صَاعَاً مِنْ أَقِطٍ، أَوْ ‌صَاعَاً مِنْ زَبِيبٍ»([2]).

الوجه الثَّاني: التَّوجيه الفقهيِّ والتَّعليل المقاصديِّ (إسقاط الفتوى على الواقع):
أَوَّلاً: تحقيق العِلَّة المنصوصة في الحديث: «طُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ»:

فالنَّصُّ صريحٌ في أَنَّ الغاية هي إطعام المسكين، وسدُّ جوعته يوم العيد؛ والحليب هو القوت الوحيد والمطعوم الأساس للأطفال الرُّضَّع، الذي به بقاء حياتهم، وعليه قوام أبدانهم؛ وعلى ذلك فإخراجه يتوافق مع صميم مقصد الإطعام.

ثانياً: القياس الواضح على «الأَقِطِ» وغالب قُوْت البلد:
حيث تمثِّل الأصناف المذكورة في الحديث أنواع الأطعمة الشَّائعة في ذلك الزَّمان والمكان، وكما أطبق غالب النَّاس اليوم على إخراج «الأرز»؛ لكونه الغذاء الرَّئيس متجاوزين إخراج بقيَّة الأصناف القديمة المنصوصة؛ فإِنَّ حليب الرُّضَّع المجفَّف يأخذ ذات الحكم؛ بل إِنَّه يُقاس بجلاءٍ على «الأَقِطِ» المنصوص عليه؛ وهو اللَّبن المجفَّف الذي يُتَّخذ قُوْتاً للكبار؛ وعليه فالمعنى والمنفعة فيهما متَّحدٌ؛ بل يزيد الحليب عليه أَنَّه الأكمل في النَّفع للبدن؛ لاحتوائه على كامل الخصائص الغذائيِّة دون اللَّبن الذي فُصل عن الحليب.

ثالثاً: مراعاة حظِّ الفقير وتفريج كربته:
من فقاهة النَّفس التفات المفتي إلى واقع النَّاس اليوم؛ فحليب الأطفال المجفَّف أصبح سلعةً باهظة الثَّمن، وتشكِّل عبئاً ماليَّاً ثقيلاً على كاهل أرباب الأسر المتعفِّفة؛ فالاقتصار على إخراج «الأرز» -وهو حال الأغلب في الإطعام- يجعل الفقير يتلقَّى صنفاً واحداً مكروراً لا يسدُّ جوعة رضيعه؛ ولذا فإِنَّ دفع زكاة الفطر من الحليب المجفَّف للأطفال «البودرة» يُعدُّ حظاً عظيماً للفقير، وإسعاداً كبيراً له، وتأديةً لحقِّ نفسٍ ضعيفة لها نصيبٌ مفروضٌ في هذه الزَّكاة.


والخلاصة:
بناءً على التَّأصيل الفقهيِّ فيما سبق؛ فيجوز إخراج زكاة الفطر من الحليب المجفَّف «البودرة» للرُّضَّع؛ وهو مَلْحَظٌ فقهيٌّ دقيق؛ يصيب مقاصد الشَّريعة، ويلامس حاجة الفقير الحقيقة؛ ويتحصَّل من هذا الاجتهاد ما يلي:

أَوَّلاً: تحقيق العِلَّة: إِذْ إِنَّ غاية الزَّكاة المنصوصة في الحديث هي كونها «طُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ»، والحليب المجفَّف «البودرة» هو القوت الأساس والمطعوم الوحيد الذي يقتات عليه الرَّضيع وتُبنى عليه حياته.

ثانياً: صحَّة القياس: يُقاس هذا الحليب بجلاء على صنف «الأَقِطِ» المنصوص عليه (اللَّبن المجفَّف) الوارد في حديث أصناف زكاة الفطر، وكما جاز إخراج «الأرز» لكونه غالب قوت البلد اليوم، فَلَأَن يجوز إخراج الحليب المجفَّف للأطفال الرُّضَّع -وهو قوتهم الوحيد- من بابٍ أولى، وقياسٍ أحرى.

ثالثاً: مراعاة حظِّ الفقير: فحليب الأطفال سلعة مكلفة الثَّمن في مقابل الأصناف المذكورة؛ وهو ممَّا يثقل كاهل الفقير، وإخراجه يسدُّ جوعة نفسٍ لها حقٌّ في الزَّكاة، ويفرَّج كربة الأسرة أكثر من تكديس صنف غذائيٍّ واحدٍ لديهم.

هذا ما تحصًّل إيراده، وباختصارٍ تمَّ إفراده
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه
وحرَّره في يوم الإثنين 27 رمضان 1447هـ

أ.د. عبدالحميد بن صالح الكرَّاني
أستاذ الفقه والمشرف العام على الشَّبكة الفقه


([1]) أخرجه أبو داود في سننه (2/111)، في كتاب: الزَّكاة، ‌‌باب: زكاة الفطر، حديث رقم: (1609)، وابن ماجه في سننه (1/585)، في كتاب: الزَّكاة، ‌‌باب: صدقة الفطر، حديث رقم: (1827)، وصحَّحه الحاكم في المستدرك على الصَّحيحين (1/568)، حديث رقم: (1488)، فقال: «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط البخاريِّ، ولم يُخرِّجاه»، ووافقه الذَّهبيُّ في التَّعليق فقال: «على شرط البخاريِّ».

([2]) متَّفقٌ عليه؛ أخرجه الإمام البخاريُّ في صحيحه (2/131)، في كتاب: الزَّكاة، باب: صدقة الفطر صاعاً من طعام، حديث رقم: (1506)، والإمام مسلمٌ في صحيحه (3/69)، في كتاب: الزَّكاة، ‌‌باب زكاة الفطر على المسلمين من التَّمر، والشَّعير، حديث رقم: (985).​
 
انضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
9,103
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
تذييلٌ وتنبيهٌ: في فقه الصَّدقة وتنوُّع أصناف زكاة الفطر:
إلحاقاً بما سبق تحريره، وتفاعلاً مع استفساراتٍ عدَّة وردتني حول التَّطبيق العمليِّ لهذه المسألة، أجدها فرصةً لبسط القول في فقه إخراج زكاة الفطر، وما يكتنفه من لطائف تربويَّة، وعوائد اجتماعيَّة، أسوقها في ومضات:

سلةٌ غذائيةٌ لا صنفٌ واحدٌ: إِنَّ القول بجواز إخراج الحليب لا يعني الانفراد به، بل الأحسن والأحظُّ للفقير أن تُدفع له زكاة الفطر على هيئة سلَّة غذائيَّة متنوِّعة؛ لمن قوي على ذلك؛ ووجد في نفسه عزماً، وخاصَّةً ممَّن يخرج زكاةً عن عدد كبير من الأفراد؛ فبدلاً من تكديس الأرز الذي قد يتعرَّض للتَّلف أو انتشار آفة السُّوس إذا خُزِّن طويلاً؛ فلتكن الزَّكاة مزيجاً من عدَّة أصنافٍ، مثل: الأرز، والفول، والعدس، والفاصولياء، والبازلاء، والحمُّص، والتَّمر (كالسّكري والخلاص)، وحليب الأطفال المجفَّف؛ وهذا ما صنعته أنا في إخراج زكاتي للفطر؛ ففي هذا تنويعٌ يحقِّق الكفاية التَّامَّة للأسرة في وجباتهم اليوميَّة الرَّئيسة، وتكاملٌ في العناصر الغذائيَّة يغنيهم وينمِّي أجسادهم.

فقه الجود والارتقاء بالنَّفس: هناك تفاوتٌ عظيمٌ بين من يُخرج زكاة الفطر وهو يستثقلها، باحثاً عن الأرخص تخلُّصاً من عهدتها، وبين من يخرجها تقرُّباً إلى الله؛ وتشوُّفاً إلى فرصةٍ سنحت لمرضاته؛ متلمِّساً أجود الأصناف وأنفعها للمحتاج. وهنا ملمحٌ مهمٌّ يبرز فيه فضل من وسَّع الله له في الرِّزق، وبسط له في الخُلُق؛ إِذْ إِنَّ سعر كيلو الحليب المجفَّف يعادل خمسة أضعاف سعر الأرز للكيلو الواحد تقريباً، فهذا البذل السَّخيُّ وتحمُّل هذه التَّكلفة المضاعفة ينمُّ عن نيَّة طاهرة، وصدقٍ في التَّعبُّد، ورغبة في إدخال السُّرور الحقيقيِّ على بيوت المتعفِّفين؛ وشتَّان بين العطاءين، وفرقٌ ما بين النِّيَّتين؛ وبونٌ شاسعٌ بين هِمَّتين: هِمَّةٌ تقف عند أدنى الإجزاء اكتفاءً، وهِمَّةٌ تسمو بأجود العطاء لله تقرُّباً؛ وهم درجاتٌ عند الله.

تنبيهٌ فقهيٌّ في اعتبار القوت والادِّخار: ممَّا يجدر التَّنبيه إليه في هذا المقام: أَنَّ الإشادة بغلاء ثمن الحليب لا تعني أَنَّ العبرة في إجزاء زكاة الفطر بغلاء الثَّمن؛ فالفقهاء نصُّوا على أنَّ المُخرَج يجب أن يكون من المُقتات المُدَّخر، والقُوْتُ: هو الغذاء الأساسيُّ المُشبع الذي يُقيم البدن، ويقبل التَّخزين والادِّخار دون فساد؛ والعبرة بما يقتاته غالب أهل كلِّ بلد ويمكن ادِّخاره، ولم يلاحظوا غلاء الثَّمن كعلَّةٍ للإجزاء؛ فالبيض -على سبيل المثال- لا يجزئ إخراجه وإن كان مطلوباً للأسرة مع ارتفاع ثمنه عن بقيَّة أصناف زكاة الفطر؛ لكونه لا يُعتبر قوتاً ولا يُدَّخر. وبذلك يخرج عن شرط الإجزاء ما كان مقصوده التَّفكُّه؛ كالفواكه والمكسَّرات، أو التَّداوي، أو الإدام والتَّحسين كالملح والبهارات؛ فالبيض واللَّحم ونحوهما ليسا قوتاً عند الفقهاء، بل هما إدامٌ يُخلط مع القوت ويُؤتدم به، ولا يُدَّخران بطبيعتهما لفتراتٍ طويلةٍ؛ ولذا فإنَّما صحَّ إخراج الحليب المجفَّف «البودرة» لكونه قوتاً أساسيَّاً للرَّضيع؛ وممَّا يمكن ادِّخاره، فاجتمع فيه صفتا الاقتيات والادِّخار، وازداد فضله بغلاء ثمنه، وعظيم نفعه.

إحياء شعيرة إخراج زكاة الفطر وتجذُّرها في نفوس النَّاشئة (مع ذكرياتي في الصَّاع): إِنَّ من أعظم مقاصد زكاة الفطر إظهارها، والاحتفاء بها أمام أعين الأسرة؛ لينشأ الأبناء على تعظيم شعائر الإسلام، وتتجذَّر فيهم قيم التَّعبُّد، ويرسخ البذل في نفوس النَّاشئة؛ وقد تركت هذه التَّربية العمليَّة أثراً بالغاً في نفسي؛ إِذْ لا أنسى نشأتي في بيئةٍ زراعيَّةٍ خيِّرةٍ، حيث كان جدِّي -رحمه الله- يعمد إلى إخراج زكاة الفطر من أنفس محاصيلنا الزِّراعيَّة الحِنْطة (القمح) التي جمعها بكدِّ يمينه، واستخرجها طيلة العام بعرق جبينه، وكان يكتال بعلبة الحليب (نيدو) من الحجم الكبير، متَّخذاً إيَّاها معياراً للصَّاع، ويستصحبنا إلى مخزن الحنطة لننتقي أطيبها، ويشركنا ببهجةٍ في كيل الزَّكاة وعَدِّ أصوعها؛ والعجيب أَنَّني بعد سنين وحين أكرمني الله بالحصول على إجازة في الصَّاع والمُدِّ النَّبويِّ، تتبَّعتُ مقداره فوجدتُّ علبة الحليب المجفَّف (النيدو) الكبيرة تكاد تكون مطابقةً لمقدار الصَّاع على حدٍّ تقريبيٍّ.

وأخيراً فهذا نداءٌ للأئمِّة والخطباء: أهيب بأصحاب الفضيلة الخطباء والأئمَّة من منابر الخير التي مكَّنهم الله فيها أن يوجِّهوا المصلِّين -ولاسيَّما الموسرين منهم- إلى هذا الملمح الفقهيِّ، والنَّظر المقاصديِّ؛ ليرتقي العبد بأداء واجب صدقة الفطر إلى هيئة مشروع تكافلٍ مجتمعيٍّ؛ يكسو الأسر المحتاجة غُنْيةً، ويسدُّ رمق صغيرهم، ويعضد كبيرهم.

خاتمة المطاف:
وهكذا يتجدَّد هذا المشهد الإيمانيُّ حوليَّاً في ختام شهر رمضان من كلِّ عام؛ وهو مشهدٌ تكافليٌّ ينتهض له المؤمن الصَّادق بقلبٍ محبٍّ، وينتصب لإكماله تحقيقاً لتوثيق اللُّحمة الاجتماعيَّة؛ وسدَّاً لخُلَّة إخوانه؛ وإتماماً لطهرة صومه، وقربةً من ربِّه ومولاه؛ ليفرح الجميع بفضل الله ورحمته، ويأنسون بالعيد السَّعيد.
نسأل الله العليَّ القدير أن يتقبَّل منَّا ومنكم صالح الأعمال، وأن يرزقنا وإيَّاكم فقه النَّفس، وسخاء اليد، والحمد لله ربِّ العالمين.
 
أعلى