العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

تنبيه الخواص على بعض أحكام القصاص.

انضم
31 مايو 2024
المشاركات
46
الإقامة
الجزائر العاصمة
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أيمن
التخصص
أصول الفقه - فقه
الدولة
الجزائر
المدينة
الجزائر العاصمة
الحمد لله وبعد:
-فهذه نتف علمية، وفوائد فقهية تتعلق بباب عظيم من أبواب الفقه الإسلامي، وهو باب القصاص، جمعتها بغية نشرها، ولمن شاء الله أن يستفيد، والله تعالى أسأل أن ينفع بها، إنه سميع قريب.
🔴أولا- معنى القصاص:
●القصاص لغة: اﻟﻘﺘﻞ ﺑﺈﺯاء اﻟﻘﺘﻞ ﻭﺇﺗﻼﻑ اﻟﻄﺮﻑ ﺑﺈﺯاء ﺇﺗﻼﻑ اﻟﻄﺮﻑ ﻭﻗﺪ اﻗﺘﺺ ﻭﻟﻲ اﻟﻤﻘﺘﻮﻝ ﻣﻦ اﻟﻘﺎﺗﻞ ﺃﻱ اﺳﺘﻮﻓﻰ قصاصه، ﻭﺃﻗﺼﻪ اﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﻣﻦ اﻟﻘﺎﺗﻞ ﺃﻱ: ﺃﻭﻓﺎﻩ ﻗﺼﺎصه، ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻚ: ﻗﺺ اﻷﺛﺮ ﻭاﻗﺘﺼﻪ ﺃﻱ اﺗﺒﻌﻪ، ﻭﻗﺺ اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻭاﻗﺘﺼﻪ ﺃﻱ ﺭﻭاﻩ ﻋﻠﻰ ﺟﻬﺘﻪ.
ﻗﺎﻝ اﻟﻔﻴﻮﻣﻲ: "ﺛﻢ ﻏﻠﺐ اﺳﺘﻌﻤﺎﻝ اﻟﻘﺼﺎﺹ ﻓﻲ ﻗﺘﻞ اﻟﻘﺎﺗﻞ، ﻭﺟﺮﺡ اﻟﺠﺎﺭﺡ ﻭﻗﻄﻊ اﻟﻘﺎﻃﻊ"(1).
●وأما القصاص في الاصطلاح: فهو أن يفعل بالجاني مثل ما فعَل بالمجني عليه أو شبهه في القتل أو القطع أو الجرح، وهو ما يطلِق عليه الفقهاء مسمى "القَوَد"(2).
▪︎قال الفقهاء: ويلزم القصاص، سواء كان القتل مع سبق الإصرار أو الترصد أم لا.
🔴ثانيا-مشروعية القصاص:
ثبتت مشروعية القصاص بالقرآن والسنة والإجماع والمعقول:
●أما القرآن، فكقوله تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِی ٱلۡقَتۡلَىۖ ۝١٧٨﴾الآية، [البقرة ١٧٨]، وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ فِیهَاۤ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَیۡنَ بِٱلۡعَیۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصࣱۚ۝٤٥﴾ الآية، [المائدة ٤٥].
●وأما السنة، فكقولهﷺ: [لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ، إلّا بإحْدى ثلاثٍ: الثَّيِّبِ الزّاني، والنَّفْسِ بالنَّفْسِ، والتّاركِ لدِينِه المُفارقِ للجَماعةِ](3)، وقالﷺ: [مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى](4).
●وأما الإجماع: فقد اﺗﻔﻖ اﻟﻔﻘﻬﺎء ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺣﻜﻢ اﻟﻘﺼﺎﺹ اﻟﻮﺟﻮﺏ ﻋﻠﻰ ﻭﻟﻲ اﻷﻣﺮ ﺇﺫا ﺭﻓﻊ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﻣﺴﺘﺤﻘﻪ، ﻭﻣﺒﺎﺡ ﻃﻠﺒﻪ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻣﺴﺘﺤﻘﻪ ﺇﺫا اﺳﺘﻮﻓﻰ ﺷﺮﻭﻃﻪ، ﻓﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﻄﺎﻟﺐ ﺑﻪ، ﻭﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﺼﺎﻟﺢ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﻌﻔﻮ ﻋﻨﻪ، ﻭاﻟﻌﻔﻮ ﺃﻓﻀﻞ، ﺛﻢ اﻟﺼﻠﺢ(5).
ﻭﺳﻮاء ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻛﻠﻪ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ اﻟﺠﻨﺎﻳﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﻔﺲ ﺃﻭ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺩﻭﻧﻬﺎ.
●وأما الدليل من العقل: فإن "العقل يقضي بتشريع القصاص، إما عدالة بأن يفعل بالقاتل مثل جنايته، وإما مصلحة بتوفير الأمن العام وصون الدماء، وحماية الأنفس، وزجر الجناة، ولا يتحقق ذلك إلا به، فلا يلتفت إلى الدعاوى والمزاعم القائلة بأن فيه تهديما جديدا للبنية الإنسانية؛ لأن في تشريعه صون حق الحياة للمجتمع: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝١٧٩﴾[البقرة ١٧٩]"(6).
🔴ثالثا: أسباب القصاص:
أسباب القصاص هي: القتل، والقطع، والجرح، والشجاج، وإزالة معاني الأعضاء.(7).
🔴رابعا: حكمة مشروعية القصاص:
أما الحكمة من مشروعية القصاص فتتجلى في أن كل من سولت له نفسه بارتكاب جرم في حق الغير كالقتل أو الجرح أو نحو ذلك، فإنه ينزجر، لأنه يعلم أنه سيقتص منه، فيفعل به مثل ما فعل بغيره، ولهذا قال الحكيم العليم -سبحانه-: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝١٧٩﴾[البقرة ١٧٩]، أي لكم يا أصحاب العقول في القصاص حياة، فينتهي القاتل عن القتل مخافة أن يقتل، فيبقى هو والمقتول حيين.(8).
🔴خامسا: القصاص في الجناية على النفس:
●القصاص في النفس سببه القتل العمد بشروط خاصة.
●وهذه الشروط تكون في القاتل، والمقتول، وفعل القتل.
●ثم إن هذه الشروط منها ما هو متفق عليه بين الفقهاء، ومنها ما هو مختلف فيه، وهي:
التكليف، عصمة القتيل، المكافأة بين القاتل والقتيل، أن لا يكون القاتل حربيا، أن يكون القاتل متعمدا القتل، أن يكون القاتل مختارا، أن لا يكون المقتول جزء القاتل أو من فروعه، أن لا يكون المقتول مملوكا للقاتل، أن يكون القتل مباشرا، أن يكون القتل قد حدث في دار الإسلام، العدوان، أن لا يكون ولي الدم فرعا للقاتل، أن يكون ولي الدم في القصاص معلوما، أن لا يكون للقاتل شريك في القتل سقط القصاص عنه(9).
■ قلت: فهذه شروط القصاص في الجناية على النفس، فما اتفقوا عليه فلا بد من توفره، وما اختلفوا فيه فمرد ذلك إلى الوحيين، والله أعلم.
🔴سادسا: في المفاضلة بين القصاص، وأخذ الدية، والعفو:
بعد أن عرفنا حقيقة القصاص وشروطه وغير ذلك، يحسن بنا الآن أن نعرف الأفضلية بين أمور ثلاثة رخصها الله سبحانه لهذه الأمة، وهي: القصاص، وأخذ الدية، والعفو، يقول العلامة الفقيه ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-: "وقد رخص الله لهذه الأمة ثلاث مراتب: القصاص، وأخذ الدية، والعفو، فأيهما أفضل؟ ينظر للمصلحة، إذا كانت المصلحة تقتضي القصاص فالقصاص أفضل، وإذا كانت المصلحة تقتضي أخذ الدية فأخذ الدية أفضل، وإذا كانت المصلحة تقتضي العفو فالعفو أفضل. -ثم قال-: وهذا يجب على الإنسان فيه أن يأخذ بالعقل، لا بالعاطفة؛ لأن بعض الناس تأخذهم العاطفة فيعفون، وهذا ليس بصحيح؛ لأننا لسنا أحق بالعفو من الله تعالى، والله قد أوجب القصاص فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]"(10).
🔴🔴وأخيرا:
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفق ولي أمرنا للحكم بشريعته، واتباع سنة نبيهﷺ، إنه سميع قريب.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو أيمن أمين الجزائري.
____________________________
1)- أنظر: المغرب(ص٣٨٦)، طلبة الطلبة(ص١٦٣)، المصباح المنير(ص٥٠٥).
2)- أنظر: المبسوط للسرخسي(١٢٥/٢٦)، نهاية المحتاج(٢٨٧/٧)، المبدع(٢٤١/٨)، مواهب الجليل(٢٦٤/٧).
3)- أخرجه البخاري(٦٨٧٨)، ومسلم(١٦٧٦)، وأبو داود(٤٣٥٢)، والترمذي(١٤٠٢)، والنسائي(٤٧٢١)، وابن ماجه(٢٥٣٤)، وأحمد(٤٠٦٥).
4)- أخرجه البخاري(٦٨٨٠)، ومسلم(١٣٥٥)(٤٤٧).
5)- أنظر: حاشية اﺑﻦ ﻋﺎﺑﺪﻳﻦ(٣٤٠/٥-٣٤٢-٣٥٧)، اﻟﻤﻐﻨﻲ(٧٤٢/٧)، حاشية الدسوقي(٢٤٠/٤)، ﻣﻐﻨﻲ اﻟﻤﺤﺘﺎﺝ(٦/٤).
6)- أنظر: الفقه الإسلامي وأدلته(٥٦٦٢/٧).
7)- أنظر: الموسوعة الكويتية(٢٦١/٣٣).
8)- وانظر في معنى الآية: تفسير مجاهد(ص٢٢٠)، تفسير قتادة (١٢٥/١)، تفسير مقاتل(١٥٩/١)، الديات(ص٢٨ وما بعدها) لابن أبي عاصم، أحكام القرآن(٢٤٧/١) للشافعي، تفسير ابن أبي حاتم(٢٩٨/١)،
تفسير الطبري(١٢٠/٣)، تفسير السمعاني(١٧٤/١)، الدر المنثور(٤٢١/١).
9)- أنظر: بدائع الصنائع(٢٣٤/٧ ومابعدها)، الدر المختار(٣٨٧/٥)، الذخيرة(٣٣١/١٢)، شرح الدردير(٢٤٢/٤)، بداية المجتهد(٣٨٨/٢)، المهذب(١٨٣/٢)، مغني المحتاج(١٥/٤)، المغني(٦٦٤/٧وما بعدها)، الشرح الكبير(٧٩/٢٥)، كشاف القناع(٦٠٦/٥)، الموسوعة الكويتية (٢٦١/٣٣)، الفقه الإسلامي وأدلته(٥٦٦٥/٤).
10)- الشرح الممتع(٣٤/١٤).
 
أعلى