العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

بحث وقوع الإجماع في طلاق الثلاث.

إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
بحث وقوع الإجماع في طلاق الثلاث.

أشهر المخالفين في المسألة هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولذا سيكون كلامه محور النقاش إن شاء الله تعالى، آمل أن يكون النقاش قاصراً على وقوع الإجماع أو عدمه، من غير التعرض للجوانب الأخرى للمسألة، كما آمل عدم إخراج الموضوع عن مساره العلمي المحض.
يقول رحمه الله في جامع المسائل - تحقيق عزير شمس(1/ 328):
وأما الإجماع فلا إجماعَ في المسألة، بل قد نقل عن أكابر الصحابة - مثل الزبير وعبد الرحمن بن عوف وعلي وابن مسعود وابن عباس - أنه لا تقع الثلاث بكلمةٍ واحدةٍ، وهو قول غير واحدٍ من التابعين ومن بعدهم، كطاوس وعكرمة وابن إسحاق والحجاج بن أرطاة، وقول طائفة من أصحاب مالك من أهل قرطبة وغيرهم، وقول طائفة من فقهاء الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم، وكان جدُّنا أبو البركات يفتي بذلك أحيانًا، وقول طائفة من الناس من أهل الحديث والكلام والفقه، وهو أحد قولَي الظاهرية بل أكثرهم، وقول الشيعة.
 
إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
رد: بحث وقوع الإجماع في طلاق الثلاث.

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله كما في مجموع الفتاوى (33/ 82-84):
ومن هؤلاء وهؤلاء من يقول : إذا أوقع الثلاث جملة لم يقع به شيء أصلا ؛ لكن هذا قول مبتدع لا يعرف لقائله سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وطوائف من أهل الكلام والشيعة ؛ لكن ابن حزم من الظاهرية لا يقول بتحريم جمع الثلاث ؛ فلذا يوقعها وجمهورهم على تحريمها وأنه لا يقع إلا واحدة . ومنهم من عرف قوله في الثلاث ولم يعرف قوله في الطلاق في الحيض كمن ينقل عنه من أصحاب أبي حنيفة ومالك . وابن عمر روي عنه من وجهين أنه لا يقع . وروي عنه من وجوه أخرى أشهر وأثبت : أنه يقع . وروي ذلك عن زيد . وأما " جمع الثلاث " فأقوال الصحابة فيها كثيرة مشهورة : روي الوقوع فيها عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة . وعمران بن حصين وغيرهم . وروي عدم الوقوع فيها عن أبي بكر وعن عمر صدرا من خلافته وعن علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس أيضا وعن الزبير وعبد الرحمن بن عوف . رضي الله عنهم أجمعين .
قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث في كتابه الذي سماه " المقنع في أصول الوثائق . وبيان ما في ذلك من الدقائق " : وطلاق البدعة أن يطلقها ثلاثا في كلمة واحدة فإن فعل لزمه الطلاق . ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق ؟ فقال علي بن أبي طالب وابن مسعود رضي الله عنهما يلزمه طلقة واحدة وكذا قال ابن عباس رضي الله عنهما وذلك لأن قوله : " ثلاثا " لا معنى له ؛ لأنه لم يطلق ثلاث مرات ؛ لأنه إذا كان مخبرا عما مضى فيقول : طلقت ثلاث مرات يخبر عن ثلاث طلقات أتت منه في ثلاثة أفعال كانت منه فذلك يصح . ولو طلقها مرة واحدة فقال : طلقتها ثلاث مرات لكان كاذبا وكذلك لو حلف بالله ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان وأما لو حلف بالله فقال : أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة والطلاق مثله . قال : ومثل ذلك قال الزبير ابن العوام وعبد الرحمن بن عوف . روينا ذلك كله عن ابن وضاح يعني الإمام محمد بن وضاح الذي يأخذ عن طبقة أحمد بن حنبل وابن أبي شيبة ويحيى بن معين وسحنون بن سعيد وطبقتهم . قال : وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى ومحمد بن عبد السلام الحسيني فقيه عصره وابن بقي بن مخلد وأصبغ ابن الحباب وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة وذكر هذا عن بضعة عشر فقيها من فقهاء طليطلة المتعبدين على مذهب مالك بن أنس . قلت : وقد ذكره التلمساني رواية عن مالك وهو قول محمد بن مقاتل الرازي من أئمة الحنفية حكاه عن المازني وغيره وقد ذكر هذا رواية عن مالك وكان يفتي بذلك أحيانا الشيخ أبو البركات ابن تيمية.
 

متولى أمين حلوة

:: مشارك ::
إنضم
31 مايو 2010
المشاركات
248
التخصص
طب الأطفال
المدينة
الأحساء - الهفوف
رد: بحث وقوع الإجماع في طلاق الثلاث.

جزاكم الله خيراً شيخنا الفاضل ، و تلك مسألة يدخل فيها عدة علوم مثل علم أصول الفقه و علم الحديث و مصطلحه..

و الحافظ ابن حجر من أكثر العلماء - غير ابن تيمية - إلماماً بأطراف المسألة ..
و الكلام على حديث ركانة مهم في ذلك الباب ، فبثبوته ينتفي الإجماع بلا ريب ، و لذلك اعتنى به شيخ الإسلام أيما اعتناء و قال عنه إن أقل أحواله أن يكون حسناً..
-----------------
قال الإمام البخاري:-
باب من أجاز طلاق الثلاث لقول الله تعالى (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) وقال ابن الزبير في مريض طلق لا أرى أن ترث مبتوتته وقال الشعبي ترثه وقال ابن شبرمة تزوج إذا انقضت العدة قال نعم قال أرأيت إن مات الزوج الآخر فرجع عن ذلك
حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمرا العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له يا عاصم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل سل لي يا عاصم عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عاصم عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رجع عاصم إلى أهله جاء عويمر فقال يا عاصم ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم لم تأتني بخير قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها قال عويمر والله لا أنتهي حتى أسأله عنها فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها قال سهل فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن شهاب فكانت تلك سنة المتلاعنين...
قال الحافظ ابن حجر:-
قوله ( باب من جوز الطلاق الثلاث ) كذا لأبي ذر ، وللأكثر " من أجاز " . وفي الترجمة إشارة إلى أن من السلف من لم يجز وقوع الطلاق الثلاث ، فيحتمل أن يكون مراده بالمنع من كره البينونة الكبرى ، وهي بإيقاع الثلاث أعم من أن تكون مجموعة أو مفرقة ، ويمكن أن يتمسك له بحديث " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " وقد تقدم في أوائل الطلاق ، وأخرج سعيد بن منصور عن أنس " أن عمر كان إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع ظهره " وسنده صحيح . ويحتمل أن يكون مراده بعدم الجواز من قال لا يقع الطلاق إذا أوقعها مجموعة للنهي عنه وهو قول للشيعة وبعض أهل الظاهر ، وطرد بعضهم ذلك في كل طلاق منهي كطلاق الحائض وهو شذوذ ، وذهب كثير منهم إلى وقوعه مع منع جوازه ، واحتج له بعضهم بحديث محمود بن لبيد قال " أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا ، فقال : أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم " ؟ الحديث أخرجه النسائي ورجاله ثقات ، لكن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت له منه سماع ، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية ، وقد ترجم له أحمد في مسنده وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع ، وقد قال النسائي بعد تخريجه : لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة بن بكير يعني ابن الأشج عن أبيه اهـ . ورواية مخرمة عن أبيه عند مسلم في عدة أحاديث ، وقد قيل إنه لم يسمع من أبيه ، وعلى تقدير صحة حديث محمود فليس فيه بيان أنه هل أمضى عليه الثلاث مع إنكاره عليه إيقاعها مجموعة أو لا ؟ فأقل أحواله أن يدل على تحريم ذلك وإن لزم ، وقد تقدم في الكلام على حديث ابن عمر في طلاق الحائض " أنه قال لمن طلق ثلاثا مجموعة : عصيت ربك ، وبانت منك امرأتك " وله ألفاظ أخرى نحو هذه عند عبد الرزاق وغيره .

وأخرج أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد قال " كنت عند ابن عباس ، فجاءه رجل فقال : إنه طلق امرأته ثلاثا ، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه فقال : ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول : يا ابن عباس يا ابن عباس ، إن الله قال ومن يتق الله يجعل له مخرجا وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا ، عصيت ربك وبانت منك امرأتك " وأخرج أبو داود له متابعات عن ابن عباس بنحوه . ومن القائلين بالتحريم واللزوم من قال : إذا طلق ثلاثا مجموعة وقعت واحدة ، وهو قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي ، واحتج بما رواه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد ، فحزن عليها حزنا شديدا ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم : كيف طلقتها ؟ قال : ثلاثا في مجلس واحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما تلك واحدة ، فارتجعها إن شئت . فارتجعها وأخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه من طريق محمد بن إسحاق . وهذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات الآتي ذكرها . وقد أجابوا عنه بأربعة أشياء :

أحدها أن محمد بن إسحاق وشيخه مختلف فيهما ، وأجيب بأنهم احتجوا في عدة من الأحكام بمثل هذا الإسناد كحديث " أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على أبي العاص بن الربيع زينب ابنته بالنكاح الأول " وليس كل مختلف فيه مردودا .

والثاني معارضته بفتوى ابن عباس بوقوع الثلاث كما تقدم من رواية مجاهد وغيره ; فلا يظن بابن عباس أنه كان عنده هذا الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يفتي بخلافه إلا بمرجح ظهر له ، وراوي الخبر أخبر من غيره بما روى . وأجيب بأن الاعتبار برواية الراوي لا برأيه لما يطرق رأيه من احتمال النسيان وغير ذلك ، وأما كونه تمسك بمرجح فلم ينحصر في المرفوع لاحتمال التمسك بتخصيص أو تقييد أو تأويل ، وليس قول مجتهد حجة على مجتهد آخر .

الثالث أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته ألبتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة ، وهو تعليل قوي لجواز أن يكون بعض رواته حمل ألبتة على الثلاث فقال طلقها ثلاثا ، فهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس .
((قال الراجى عفو ربه : يراجع كلام شيخ الإسلام , و ابن القيم و العظيم آبادي حول هذه الجزئية))

الرابع أنه مذهب شاذ فلا يعمل به ، وأجيب بأنه نقل عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير مثله ، نقل ذلك ابن مغيث في " كتاب الوثائق " له وعزاه لمحمد بن وضاح ، ونقل الغنوي ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن تقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الخشني وغيرهما ، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاوس وعمرو بن دينار .

و يُتعجب من ابن التين حيث جزم بأن لزوم الثلاث لا اختلاف فيه ، وإنما الاختلاف في التحريم مع ثبوت الاختلاف كما ترى ، ويقوي حديث ابن إسحاق المذكور ما أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال " كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم " ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه " أن أبا الصهباء قال لابن عباس : أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر ؟ قال ابن عباس نعم " ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس " أن أبا الصهباء قال لابن عباس : ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة ؟ قال : قد كان ذلك ، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم " وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود ، لكن لم يسم إبراهيم بن ميسرة وقال بدله " عن غير واحد " ولفظ المتن " أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة " الحديث ، فتمسك بهذا السياق من أعل الحديث وقال : إنما قال ابن عباس ذلك في غير المدخول بها ، وهذا أحد الأجوبة عن هذا الحديث وهي متعددة ، وهو جواب إسحاق بن راهويه وجماعة ، وبه جزم زكريا الساجي من الشافعية ، ووجهوه بأن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها أنت طالق ، فإذا قال ثلاثا لغا العدد لوقوعه بعد البينونة . وتعقبه القرطبي بأن قوله أنت طالق ثلاثا كلام متصل غير منفصل ، فكيف يصح جعله كلمتين وتعطى كل كلمة حكما ؟ وقال النووي : أنت طالق معناه أنت ذات الطلاق ، وهذا اللفظ يصح تفسيره بالواحدة وبالثلاث وغير ذلك .

الجواب الثاني دعوى شذوذ رواية طاوس ، وهي طريقة البيهقي ، فإنه ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم الثلاث ثم نقل عن ابن المنذر أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ويفتي بخلافه ، فيتعين المصير إلى الترجيح ، والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم . وقال ابن العربي : هذا حديث مختلف في صحته ، فكيف يقدم على الإجماع ؟ قال : ويعارضه حديث محمود بن لبيد - يعني الذي تقدم أن النسائي أخرجه - فإن فيه التصريح بأن الرجل طلق ثلاثا مجموعة ولم يرده النبي صلى الله عليه وسلم بل أمضاه ، كذا قال ، وليس في سياق الخبر تعرض لإمضاء ذلك ولا لرده .

الجواب الثالث دعوى النسخ ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال : يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئا نسخ ذلك ، قال البيهقي : ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا ، فنسخ ذلك . وقد أنكر المازري ادعاء النسخ فقال : زعم بعضهم أن هذا الحكم منسوخ وهو غلط فإن عمر لا ينسخ ، ولو نسخ - وحاشاه - لبادر الصحابة إلى إنكاره . وإن أراد القائل أنه نسخ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمتنع لكن يخرج عن ظاهر الحديث ، لأنه لو كان كذلك لم يجز للراوي أن يخبر ببقاء الحكم في خلافة أبي بكر وبعض خلافة عمر . فإن قيل فقد يجمع الصحابة ويقبل منهم ذلك ، قلنا إنما يقبل ذلك لأنه يستدل بإجماعهم على ناسخ ، وأما أنهم ينسخون من تلقاء أنفسهم فمعاذ الله لأنه إجماع على الخطأ وهم معصومون عن ذلك . فإن قيل: فلعل النسخ إنما ظهر في زمن عمر ، قلنا : هذا أيضا غلط لأنه يكون قد حصل الإجماع على الخطأ في زمن أبي بكر ، وليس انقراض العصر شرطا في صحة الإجماع على الراجح . قلت : نقل النووي هذا الفصل في شرح مسلم وأقره ، وهو متعقب في مواضع :

أحدها أن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذكر ، وإنما قال ما تقدم يشبه أن يكون علم شيئا من ذلك نسخ ، أي اطلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعا ، ولذلك أفتى بخلافه . وقد سلم المازري في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ .

الثاني إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب ، فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتما .

الثالث أن تغليطه من قال المراد ظهور النسخ عجيب أيضا ، لأن المراد بظهوره انتشاره ، وكلام ابن عباس أنه كان يفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ فلا يلزم ما ذكر من إجماعهم على الخطأ ، وما أشار إليه من مسألة انقراض العصر لا يجئ هنا ، لأن عصر الصحابة لم ينقرض في زمن أبي بكر بل ولا عمر ، فإن المراد بالعصر الطبقة من المجتهدين وهم في زمن أبي بكر وعمر بل وبعدهما طبقة واحدة .

الجواب الرابع دعوى الاضطراب قال القرطبي في " المفهم " : وقع فيه مع الاختلاف على ابن عباس الاضطراب في لفظه ، وظاهر سياقه يقتضي النقل عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك ، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر فكيف ينفرد به واحد عن واحد ؟ قال : فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره إن لم يقتض القطع ببطلانه .

الجواب الخامس دعوى أنه ورد في صورة خاصة ، فقال ابن سريج وغيره : يشبه أن يكون . ورد في تكرير اللفظ كأن يقول أنت طالق أنت طالق أنت طالق ، وكانوا أولا على سلامة صدورهم يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد ، فلما كثر الناس في زمن عمر وكثر فيهم الخداع ونحوه مما يمنع قبول من ادعى التأكيد حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاه عليهم ، وهذا الجواب ارتضاه القرطبي وقواه بقول عمر : إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، وكذا قال النووي إن هذا أصح الأجوبة .

الجواب السادس تأويل قوله " واحدة " وهو أن معنى قوله " كأن الثلاث واحدة " أن الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يطلقون واحدة فلما كان زمن عمر كانوا يطلقون ثلاثا ، ومحصله أن المعنى أن الطلاق الموقع في عهد عمر ثلاثا كان يوقع قبل ذلك واحدة لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلا أو كانوا يستعملونها نادرا ، وأما في عصر عمر فكثر استعمالهم لها ، ومعنى قوله فأمضاه عليهم وأجازه وغير ذلك أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله ، ورجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة الرازي ، وكذا أورده البيهقي بإسناده الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال : معنى هذا الحديث عندي أن ما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقون واحدة ، قال النووي : وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة لا عن تغير الحكم في الواحدة فالله أعلم .

الجواب السابع دعوى وقفه ، فقال بعضهم : ليس في هذا السياق أن ذلك كان يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فيقره ، والحجة إنما هـي في تقريره . وتعقب بأن قول الصحابي " كنا نفعل كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " في حكم الرفع على الراجح حملا على أنه اطلع على ذلك فأقره لتوفر دواعيهم على السؤال عن جليل الأحكام وحقيرها .

الجواب الثامن حمل قوله " ثلاثا " على أن المراد بها لفظ ألبتة كما تقدم في حديث ركانة سواء . وهو من رواية ابن عباس أيضا ، وهو قوي ويؤيده إدخال ، البخاري في هذا الباب الآثار التي فيها ألبتة والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما وأن ألبتة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا إن أراد المطلق واحدة فيقبل ، فكأن بعض رواته حمل لفظ ألبتة على الثلاث لاشتهار التسوية بينهما فرواها بلفظ الثلاث وإنما المراد لفظ ألبتة ، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال أردت بألبتة الواحدة فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم . قال القرطبي : وحجة الجمهور في اللزوم من حيث النظر ظاهرة جدا ، وهو أن المطلقة ثلاثا لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجا غيره ، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعا ، وما يتخيل من الفرق صوري ألغاه الشرع اتفاقا في النكاح والعتق والأقارير ، فلو قال الولي أنكحتك هؤلاء الثلاث في كلمة واحدة انعقد كما لو قال أنكحتك هذه وهذه وهذه ، وكذا في العتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام ، واحتج من قال إن الثلاث إذا وقعت مجموعة حملت على الواحدة بأن من قال أحلف بالله ثلاثا لا يعد حلفه إلا يمينا واحدة ، فليكن المطلق مثله . وتعقب باختلاف الصيغتين فإن المطلق ينشئ طلاق امرأته وقد جعل أمد طلاقها ثلاثا ، فإذا قال أنت طالق ثلاثا فكأنه قال أنت طالق جميع الطلاق ، وأما الحلف فلا أمد لعدد أيمانه فافترقا . وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء
قال الراجي عفو ربه : قد أجاب عن تلك التسوية شيخ الإسلام و حاصل كلامه نفي التسوية لخفاء مسألة المتعة و عموم أحوال الطلاق
، أعني قول جابر إنها كانت تفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر ، قال : ثم نهانا عمر عنها فانتهينا ، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك ، ولا يحفظ أن أحدا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما ، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر ،
قال الراجى عفو ربه : هذا محض تكلف و أجاب عنه شيخ الإسلام بما فيه الكفاية ، عفا الله عن جميع علمائنا
فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق والله أعلم . وقد أطلت في هذا الموضع لالتماس من التمس ذلك مني والله المستعان .

قوله ( لقول الله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) قد استشكل وجه استدلال المصنف بهذه الآية على ما ترجم به من تجويز الطلاق الثلاث ، والذي يظهر لي أنه كان أراد بالترجمة مطلق وجود الثلاث مفرقة كانت أو مجموعة ، فالآية واردة على المانع لأنها دلت على مشروعية ذلك من غير نكير ،
وإن كان أراد تجويز الثلاث مجموعة وهو الأظهر فأشار بالآية إلى أنها مما احتج به المخالف للمنع من الوقوع لأن ظاهرها أن الطلاق المشروع لا يكون بالثلاث دفعة بل على الترتيب المذكور ، فأشار إلى أن الاستدلال بذلك على منع جميع الثلاث غير متجه إذ ليس في السياق المنع من غير الكيفية المذكورة ، بل انعقد الإجماع على أن إيقاع المرتين ليس شرطا ولا راجحا ، بل اتفقوا على أن إيقاع الواحدة أرجح من إيقاع الثنتين كما تقدم تقريره في الكلام على حديث ابن عمر ، فالحاصل أن مراده دفع دليل المخالف بالآية لا الاحتجاج بها لتجويز الثلاث ، هذا الذي ترجح عندي .

وقال الكرماني : وجه استدلاله بالآية أنه تعالى قال الطلاق مرتان فدل على جواز جمع الثنتين وإذا جاز جمع الثنتين دفعة جاز جمع الثلاث دفعة كذا ، قال : وهو قياس مع وضوح الفارق ،
لأن جمع الثنتين لا يستلزم البينونة الكبرى بل تبقى له الرجعة إن كانت رجعية وتجديد العقد بغير انتظار عدة إن كانت بائنا ، بخلاف جمع الثلاث .
ثم قال الكرماني : أو التسريح بإحسان عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة . قلت : وهذا لا بأس به لكن التسريح في سياق الآية إنما هـو فيما بعد إيقاع الثنتين فلا يتناول إيقاع الطلقات الثلاث ، فإن معنى قوله تعالى الطلاق مرتان فيما ذكر أهل العلم بالتفسير أي أكثر الطلاق الذي يكون بعده الإمساك أو التسريح مرتان ، ثم حينئذ إما أن يختار استمرار العصمة فيمسك الزوجة أو المفارقة فيسرحها بالطلقة الثالثة ، وهذا التأويل نقله الطبري وغيره عن الجمهور ، ونقلوا عن السدي والضحاك أن المراد بالتسريح في الآية ترك الرجعة حتى تنقضي العدة فتحصل البينونة ، ويرجح الأول ما أخرجه الطبري وغيره من طريق إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال قال رجل : يا رسول الله الطلاق مرتان ، فأين الثالثة ؟ قال : إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وسنده حسن ، لكنه مرسل لأن أبا رزين لا صحبة له ، وقد وصله الدارقطني من وجه آخر عن إسماعيل فقال " عن أنس " لكنه شاذ ، والأول هو المحفوظ ، وقد رجح الكيا الهراسي من الشافعية في كتاب " أحكام القرآن " له قول السدي ، ودفع الخبر لكونه مرسلا ، وأطال في تقرير ذلك بما حاصله أن فيه زيادة فائدة ، وهي بيان حال المطلقة وأنها تبين إذا انقضت عدتها ، قال : وتؤخذ الطلقة الثالثة من قوله تعالى فإن طلقها اهـ
والأخذ بالحديث أولى فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند صحيح قال إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة ، فإما أن يمسكها فيحسن صحبتها أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئا
وقال القرطبي في تفسيره : ترجم البخاري على هذه الآية من أجاز الطلاق الثلاث لقوله تعالى الطلاق مرتان وهذه إشارة منه إلى أن هذا العدد إنما هـو بطريق الفسحة لهم ، فمن ضيق على نفسه لزمه ، كذا قال ولم يظهر لي وجه اللزوم المذكور ، والله المستعان...انتهى كلام الحافظ ابن حجر

و قد أطال النفس في ذلك المقام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مبيناً عدم وقوع الإجماع ، و له مباحث حديثية و فقهية قوية في جامع المسائل في الفصول التالية:-
18. فصل في الطلاق وتقسيمه إلى سني وبدعي وبيان أن الطلاق البدعي لا يقع.
19. فتوى في طلاق السنة وطلاق البدعة.
20. فصل في جمع الطلاق الثلاث.
21. فصل في الأحاديث الواردة في الطلاق الثلاث.
22. فصل في الطلاق الثلاث.
23. فتوى في الطلاق الثلاث بكلمة واحدة.
http://www.islamhouse.com/p/272824
-----------
و من عون المعبود :-
فى شرح حديث أن أبا الصهباء قال لابن عباس أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر قال ابن عباس نعم...
( أن أبا الصهباء قال لابن عباس أتعلم إلخ ) : وفي رواية لمسلم عن ابن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم . وقوله أناة بفتح الهمزة أي مهلة وبقية استمتاع لانتظار المراجعة قاله النووي .

وهذا الحديث الصحيح يدل على أن الطلاق الثلاث إذا أوقعت مجموعة وقعت واحدة ...

ثم ساق كلام الحافظ في الفتح عن ثبوت الاختلاف ثم قال :
وقال الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين : وهذا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة كلهم معه في عصره وثلاث سنين من عصر عمر رضي الله عنه على هذا المذهب ، فلو عدهم العاد بأسمائهم واحدا واحدا أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها ، ولو فرض فيهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن منكرا للفتوى به بل كانوا ما بين مفت ومقر بفتيا وساكت غير منكر ، وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق رضي الله عنه إلى ثلاث سنين من خلافة عمر وهم يزيدون على الألف قطعا كما ذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق وكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر رضي الله عنهما كان على أن الثلاث واحدة فتوى أو إقرار أو سكوت ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا الإجماع قديم ، ولم تجتمع الأمة ولله الحمد على خلافه بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن وإلى يومنا هذا فأفتى به حبر الأمة عبد الله بن عباس وأفتى أيضا بالثلاث أفتى بهذا وهذا ، وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف حكاه عنهما ابن وضاح ، وعن علي وابن مسعود روايتان كما عن ابن عباس .

وأما التابعون فأفتى به عكرمة وأفتى به طاوس . وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق حكاه الإمام أحمد وغيره عنه ، وأفتى به خلاس بن عمرو والحارث العكلي .

وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه ، حكاه عنهم ابن المغلس وابن حزم وغيرهما وأفتى به بعض أصحاب مالك ، حكاه التلمساني في شرح التفريع لابن حلاب قولا لبعض المالكية ، وأفتى به بعض الحنفية حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل ، وأفتى به بعض أصحاب أحمد ، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه قال وكان الجد يفتي به أحيانا انتهى كلامه .
وذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء إلى أن الثلاث تقع ثلاثا ، وحديث ابن عباس الصحيح الصريح في عدم وقوع الثلاث حجة عليهم . وأجيب من قبلهم عن حديث ابن عباس بأجوبة لا يخلو واحد منها عن التكلف والتعسف ومحل بسطها والكشف عما فيها هو غاية المقصود .

وللقائلين بأن الثلاث واحدة حديث آخر صحيح وهو ما أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال : طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا ، قال فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف طلقتها ؟ قال طلقتها ثلاثا ، قال فقال في مجلس واحد ؟ قال نعم ، قال فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت . قال فراجعها . فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر . قال ابن القيم في إعلام الموقعين : وقد صحح الإمام هذا الإسناد وحسنه .
قال الراجي عفو ربه: ثم ساق صاحب عون المعبود كلام الحافظ في الفتح و أجوبته ..ثم قال:-
قلت : قد أجاب الحافظ عن الجواب الأول والثاني والرابع ولم يجب عن الثالث بل قواه وجوابه ظاهر من كلام ابن القيم في الإغاثة حيث قال : إن أبا داود إنما رجح حديث البتة على حديث ابن جريج لأنه روى حديث ابن جريج من طريق فيها مجهول ولم يرو أبو داود الحديث الذي رواه أحمد في مسنده من طريق محمد بن إسحاق أن ركانة طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد ، فلذا رجح أبو داود حديث البتة ولم يتعرض لهذا الحديث ولا رواه في سننه ، ولا ريب أنه أصح من الحديثين .

وحديث ابن جريج شاهد له وعاضد ، فإذا انضم حديث أبي الصهباء إلى حديث ابن إسحاق وإلى حديث ابن جريج مع اختلاف مخارجها وتعدد طرقها أفاد العلم بأنها أقوى من البتة بلا شك . ولا يمكن من شم روائح الحديث ولو على بعد أن يرتاب في ذلك فكيف يقدم الحديث الضعيف الذي ضعفه الأئمة ورواته مجاهيل على هذه الأحاديث انتهى كلام ابن القيم .

فإن قلت : قد ثبت من حديث ابن عباس أن الصحابة كلهم قد أجمعوا على أن الثلاث واحدة فكيف خالفهم عمر رضي الله عنه حيث أمضاها عليهم .

قلت : لم يخالف عمر رضي الله عنه إجماع من تقدمه بل رأى إلزامهم بالثلاث عقوبة لهم لما علموا أنه حرام وتتابعوا فيه ، ولا ريب أن هذا سائغ للأئمة أن يلزموا الناس ما ضيقوا به على أنفسهم ولم يقبلوا فيه رخصة الله عز وجل وتسهيله ورخصته ، بل اختاروا الشدة والعسر ، فكيف بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكمال نظره للأمة وتأديبه لهم ، ولكن العقوبة تختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه وخفائه ، وأمير المؤمنين رضي الله عنه لم يقل لهم إن هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو رأي رآه مصلحة للأمة يكفهم بها التسارع إلى إيقاع الثلاث ، ولهذا قال فلو أنا أمضيناه ، وفي لفظ آخر فأجيزوهن عليهم أفلا ترى أن هذا رأي منه رآه للمصلحة لا إخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولما علم رضي الله عنه أن تلك الأناة والرخصة نعمة من الله على المطلق ورحمة به وإحسان إليه وأنه قابلها بضدها ولم يقبل رخصة الله وما جعله له من الأناة عاقبه بأن حال بينه وبينها وألزمه ما التزمه من الشدة والاستعجال ، وهذا موافق لقواعد الشريعة بل هو موافق لحكمة الله في خلقه قدرا وشرعا ، فإن الناس إذا تعدوا حدوده ولم يقفوا عندها ضيق عليهم ما جعله لمن اتقاه من المخرج . وقد أشار إلى هذا المعنى بعينه .

من قال من الصحابة رضي الله عنهم من المطلق ثلاثا إنك لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا كما قاله ابن مسعود وابن عباس ، فهذا نظر أمير المؤمنين رضي الله عنه ومن معه من الصحابة لا أنه رضي الله عنه غير أحكام الله وجعل حلالها حراما . فهذا غاية التوفيق بين النصوص وفعل أمير المؤمنين رضي الله عنه ومن معه كذا في زاد المعاد .

قال المنذري : وأخرجه مسلم والنسائي . انتهى من عون المعبود..

الخلاصة :​
حديث ركانة حديث صريح كما يرى ، و هو صحيح كما صححه أو على أقل تقدير حسنه جمع من العلماء ( الإمام أحمد ، شيخ الإسلام ، ابن القيم كما في الصواعق المرسلة و غيره ، العلامة أحمد شاكر ، العلامة العظيم آبادي ، العلامة الشوكانى ، العلامة الألباني ، و جود إسناده العلامة ابن باز ) رحم الله الجميع..فبثبوت صحته و صراحته ينتفي الإجماع من أسرع طريق يكون ، أما دعوى النسخ فمدخولة.. و أجيب بما يشفي غليل طالب الإنصاف عن كل ما أورد على الأحاديث..



و الله تعالى أعلم..

اللهم اعفُ عن الزلل و الخلل و التقصير..
 
إنضم
9 ديسمبر 2011
المشاركات
103
العمر
34
الكنية
ابو حماد
التخصص
في الحديث
المدينة
ميلسي
رد: بحث وقوع الإجماع في طلاق الثلاث.

قد وقع اجماع الصحابة علي وقوع الطلاق الثلاث هذا هو الصحيح فيما اعلم بعد التحقيق
الحمد لله وحده والصلاة والسلام علي من لانبي بعده ولامعصوم بعده وعلي آله واصحابه البررة اما بعد فقد ذكر كثير من الفقهاء والعلماء ان وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة مما اجمع عليه الصحابة وهو كما قالوا ولكن قال ابن تيمية ان وقوع الطلاق الثلاث ليس مما اجمع عليه الصحابة الكرام وقد اخطا فيما اعلم والصواب ما قال غيره بان الاجماع قد وقع عليه فاذكر اقوال العلماء
قال المحدث الفقيه الطحاوي
فخاطب عمر رضي الله عنه بذلك الناس جميعا وفيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ورضي عنهم الذين قد علموا ما تقدم من ذلك في ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم ينكره عليه منهم منكر ولم يدفعه دافع فكان ذلك أكبر الحجة في نسخ ما تقدم من ذلك لأنه لما كان فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم جميعا فعلا يجب به الحجة كان كذلك أيضا إجماعهم على القول إجماعا يجب به الحجة وكما كان إجماعهم على النقل بريئا من الوهم والزلل كان كذلك إجماعهم على الرأي بريئا من الوهم والزلل
قال الحافظ ابن حجر المحدث الفقيه
تحريم المتعه وايقاع الثلاث للاجماع الذي انعقد في عهد عمر علي ذلك ولايحفظ ان احدا في عهد عمر خالفه في واحد منهما - فالمخالف بعد هذا الاجماع منابز له والجمهور علي عدم اعتبار من احدث الاختلاف بعد الاتفاق
قال ابو الوليد الباجي في المنتقي شرح الموطا
فمن اوقع الطلاق الثلث بلفظۃ واحدۃ لزم? ما اوقع? من الثلث وب? قال جماعۃ الفق?اء وح?ي القاضي ابو محمد في اشراف? عن بعض المبتدعۃ يلزم? طلقۃ واحدۃ وعن بعض ا?ل الظا?ر لايلزم? شيء انما يروي ?ذا عن الحجاج بن ارطاۃ ومحمد بن اسحاق والدليل علي ما نقول? اجماع الصحابۃ لان ?ذا مروي عن ابن عمر وعمران بن حصين وعبد الل? ابن مسعود وابن عباس وابي ?ريرۃ وعائشۃ ولامخالف ل?م ( المنتقي شرح الموطا ج3 ص238)
قال ابن العربي
الاول ان الصحيح في حديث ر?انۃ وابن عباس ان? لفظ البتۃ لا لفظ الثلاث ?ذل? في ?تب الحديث ۔ والثاني ان? منبئ?م ان عمر رد? الي الامضاء وماذا تريدون من حديث رد? عمر والصحابۃ متوافرون فلم ي?ن من?م من رد علي? ?ذا ابن عباس يري امضاء الثلث في ?لمۃ و?و راوي ?ذا الحديث الذي زعمتم ف?ل لحديث رد? راوي? وعمر الخليفۃالمطلب ؟ ان ?ذا لسوء راي وخطا في المذ?ب ۔ الثالث ان? اذا استقرات واستقريت الروايات لم تجد ل?ذا المذ?ب عضدا بل تلفي? منفردا فاطلب من? ملتحدا (عارضۃ الاحوذي شرح الترمذي لابن العربي ج1 ص115)
قال ابن رجب
اعلم ان? لم يثبت عن احد من الصحابۃ ولا من التابعين ولا من ائمۃ السلف المعتد بقول?م في الفتاوي في الحلال والحرام شيء صريح في ان الطلاق الثلث بعد الدخول يحسب واحدۃ اذا سيق بلفظ واحد (شرح علل الترمذي لابن رجب ج1 ص253، الاشفاق علي اح?ام الطلاق ص)
قال ابن عبد البر
قال ابو عمر ف?ؤلاء الصحابۃ ?ل?م قائلون وابن عباس مع?م بخلاف ما روا? طاوس عن ابن عباس وعلي ذل? جماعات التابعين وائمۃ الفتوي في امصار المسلمين(الاستذ?ار ج6 ص8)
قال ابو البركات مجدالدين ابن تيمية بعد ذكر آثار الصحابة
و?ذا ?ل? يدل علي اجماع?م علي صحۃ وقوع الثلث بال?لمۃ الواحدۃ(المنتقي باخبار المصطفي ج2ص602)
قال الملا علي القاري والعلامة ابن الهمام
وقول بعض الحنابلة القائلين بهذا المذهب توفي رسول الله عن مائة ألف عين رأته فهل صح لكم عن هؤلاء أو عن عشر عشر عشرهم القول بلزوم الثلاثمرقاة بفم واحد بل لو جهدتم لم تطيقوا نقله عن عشرين نفسا باطل أما أولا فا جماعهم ظاهر فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه خالف عمر حين أمضى الثلاث وليس يلزم في نقل الحكم الإجماعي عن مائة نفس أن يسمى كل ليلزم في مجلد كبير حكم على أنه إجماع سكوتي وأما ثانيا فإن العبرة في نقل الإجماع نقل ما عن المجتهدين لا العوام والمائة الذي توفي عنهم لا يبلغ عدة المجتهدين الفقهاء منهم أكثر من عشرين كالخلفاء والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأنس وأبى هريرة وقليل والباقون يرجعون إليهم ويستفتون منهم وقد أثبتنا النقل عن أكثرهم صريحا بإيقاع الثلاث ولم يظهر لهم مخالف فماذا بعد الحق إلا الضلال وعن هذا قلنا لو حكم حاكم بأن الثلاث بفم واحد واحدة لم ينفذ حكمه لأنه لا يسوغ الإجتهاد فيه فهو خلاف لا اختلافمرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح -فتح القدير
هذا ما ذكرت من اقوال العلماء في اجماع الصحابة وقد ذكر الفقهاء الكبار والعلماء الاجلاء ان الامة ايضا قد اجمعت علي وقوع الطلاق الثلاث وقد قالوا من خالف فيه فهوشاذ ليس مما يعترض به علي الاجماع فساذكر انشاء الله اقوال العلماء في اجماع الامةفيه
 
إنضم
30 أكتوبر 2012
المشاركات
25
العمر
39
الكنية
ابو امين
التخصص
الهندسة - الشريعة
المدينة
اربيل
رد: بحث وقوع الإجماع في طلاق الثلاث.

أتعجب من بعض العلماء ممن يستدلون بحديث ركانة ، لأن حديث ركانة من طريق طاووس عن ابن عباس مروية بالمعنى ، و خاصة أن طاووس متهم بإدراج كلامه على كلام شيخه ابن عباس ، و قد لاحظته عند دراسة حديث ( كفر دون كفر) و أنتم ياسادة الفقهاء تعلون البون الشاسع بين الإسدلال بالحديث الذي روي المعنى و الحديث الذي روي باللفظ و المعنى مع أن اللفظ الأصلي موجود كما هو معروف ، فلماذا لا تأتون بالحديث الأصلي ثم تستدلون به ، أرى أن الموضوع ليس فيها إنصاف من قبل الدليل و قد داركه شيء من الغموض .
و أقول لكم أن وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس واحد يقع ثلاثا تدرون لماذا؟ - و لا يحتاج الى هذه الكم من التسؤلات و الإستدلالات - تدرون لماذا ؟ لأنه أمر صادر من أمير المؤنين عمر بن الخطاب و ليس هناك دليل صريح بإلغائه من قبل أي أمير بعد عمر ، فيبقى الحكم على ما هو حتى يأتي أمير للمؤنين ، لأن أمره يرفع الخلاف وليس في الكون الآن أمير للمؤنين ، و لكننا ننتظره بإذن الله تعالى ، و لا تقولوا لي فلان و علان ، لأني و لله الحمد متابع لأخبار الأمة السياسية بشكل جيد - هذا من باب التحدث بنعمة الله - ، و أختم كلامي بقول جميل جدا ينقله لنا الإمام الشاطبي ، فماذا قال ؟
ينقل الإمام الشاطبيّ حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ مع أهل زمانه إذ حكى عن نفسه فقال : "عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين ، والعارفين والمنكرين ، فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقاً أو مخالفاً ، دعاني إلى متابعته على ما يقوله ، وتصديق قوله والشهادة له ، فإن كنت صدقته فيما يقول وأجزت له ذلك كما يفعله أهل هذا الزمان ـ سماني موافقاً وإن وقفت في حرف من قوله أو في شيء من فعله ـ سماني مخالفاً ، وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد ، سماني خارجياً ، وإن قرأت عليه حديثاً في التوحيد سماني مشبهاً ، وإن كان في الرؤية سماني سالمياً ، وإن كان في الإيمان سماني مرجئياً ، وإن كان في الأعمال ، سماني قدرياً ، وإن كان في المعرفة سماني كرامياً ، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر ، سماني ناصبياً ، وإن كان في فضائل أهل البيت سماني رافضياً ، وإن سكت عن تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما ، سماني ظاهرياً ، وإن أجبت بغيرهما ، سماني باطنياً ، وإن أجبت بتأويل ، سماني أشعرياً وإن جحدتهما ، سماني معتزلياً ، وإن كان في السنن مثل القراءة ، سماني شفعوياً ، وإن كان في القنوت ، سماني حنفياً ، وإن كان في القرآن ، سماني حنبلياً ، وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخبار ـ إذ ليس في الحكم والحديث محاباة ـ قالوا : طعن في تزكيتهم ، ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرؤون علي من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشتهون من هذه الأسامي ، ومهما وافقت بعضهم عاداني غيره ، وإن داهنت جماعتهم أسخطت الله تبارك وتعالى ، ولن يغنوا عني من الله شيئاً . وإني مستمسك بالكتاب والسنة وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور الرحيم ."
فكفانا من هذه المسائل الذي تكرر كل يوم ، يا أخي إيتنا بجديد ، إجتهدوا يا عالم افتحوا عقولكم ، الغرب و العلمانية يريدوننا أن ندور في مثل هذه الدوامات ..!! ؟.
 
أعلى