العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

بعض أسرار التشريع الجنائي

إنضم
26 فبراير 2010
المشاركات
596
الكنية
أبو الفضل
التخصص
الفقه المقارن
المدينة
الخليل
المذهب الفقهي
فقه مقارن
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذه بعض أسرار التشريع الجنائي في باب الحدود، والتي بالوقوف عليها و فهمها على وجهها يبين الفرق بينها وبين غيرها من الشرائع والقوانين،فإنه بضدها تتميز الأشياء.
وإنما اخترت هذا الموضوع لأنه موضوع حيوي-جدا- على عتاقته، فلا زالت الطعون توجه إلى هذا النظام المتين، وبالوقوف على بعض حكم الشريعة وأسرارها،من مسطورات الراسخين في العلم، ترسخ قدم من تضعضع،و يطيش سهم من تربص، فيزداد الذين آمنوا إيمانا وتسليما، ويزداد الذين طعنوا خيبة وخسراناً.
وقد وردت في بحثي المقتضب هذا عدة موارد فوجدت أصفاها بعد كتاب الله وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم- كتاب ابن القيم الفائق القيم "إعلام الموقعين"فجعلته العمدة،وقارنت بينه وبين غيره،واختصرت وهذبت وقربت،وإنما اكتفيت كثيراً بتعليقات ابن القيم لأمور:
1-لا أعرف أحداً أجاد في الباب إجادته أو أفاد إفادته، وكثيرا لم أجد من علق أو ناقش غيره من العلماء القدامى وكثير ممن جاء بعد اتكأ عليه.
2-تعليقاته حسان ممزوجة بمدهش الفهم وراقي البيان،كأنها لامع عسجد أو وضيء مرجان.
3-ضيق الوقت والمقام ،فإن هذا الأمر بحر بعيد الشطئان، يحتاج لكثير تمحيص،وقد اختصر-رحمه الله - بصنيعه أزمان.
أولا:التعريفات
الحدود: جمع حد وهو في اللغة المنع وفي الشرع عقوبة مقدرة وجبت حقا لله تعالى.1
قال ابن الأثير" وهي محَارم اللّه وعُقُوبَاتُه الَّتي قرَنَها بالذُّنوب ، وأصْل الحَدّ المنْع والفَصْل بين الشَّيئين فكأنَّ حُدُودَ الشَّرع فَصَلَتْ بين الحلال والحرام فمنها ما لا يُقْرَب كالفَواحش المُحَرَّمة"2.
قال أهل العلم في تسمية الحدود حدوداً: لأنها تفصل وتمنع وتحجز من الوقوع في الجريمة والإثم الذي يضر صاحبه ولا يقتصر ضرره عليه بل يتعداه إلى غيره، ومن هنا قالوا سميت الحدود حدوداً لأنها تمنع من الإقدام على ارتكاب المعاصي ولأنها من جهة أخرى تمنع من ارتكب المعصية من العود إليها إذا أخذ عقوبته المكافأة الزاجرة وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد وبأمة الإسلام أنه لم يجعل أمر العدوان على ثوابت استقرار المجتمعات أمراً يرجع إلى تقدير الخلق ومن ترك شرع الله سبحانه وتعالى تخبط.


--------------------------------------

1 - التعريفات (ج 1 / ص 113)، علي بن محمد بن علي الجرجاني تحقيق : إبراهيم الأبياري،دار الكتاب العربي – بيروت،الطبعة الأولى ، 1405هـ.وانظر: لسان العرب، مادة:حدد.
2 - النهاية في غريب الحديث والأثر ، (ج 1 / ص 909) ،أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، تحقيق : طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية - بيروت ، 1399هـ / 1979م.

يتبع...​
 
التعديل الأخير:
إنضم
26 فبراير 2010
المشاركات
596
الكنية
أبو الفضل
التخصص
الفقه المقارن
المدينة
الخليل
المذهب الفقهي
فقه مقارن
ثانيا: الفرق بين نظام العقوبات في الإسلام والنظم1 الوضعية:
إن العقوبات في الشريعة الإسلامية تعمل علي منع الجريمة بعدة طرق منها:
1 - التهذيب النفسي وتربية الضمير، فقد هذب الإسلام النفس الإنسانية بالعبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج لبيت الله الحرام، مما يجعل العبد المسلم أليف مؤتلف يري نفسه من ومع وإلي الجماعة التي يعيش في وسطها وكنفها وبالتالي فهو يعمل لصالحها وعلي حمايتها حتى من نفسه.
2 – تكوين رأي عام فاضل عماده وأساسه الأخلاق الفاضلة الكريمة لذلك دعت الشريعة الإسلامية إلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسود بذلك خلق الحياء في المجتمع الإسلامي والحياء إحساس قوي بالقيود النفسية التي تجعل الجماعة وما يرضيها مكانا في النفس الإنسانية مما يجعل الشخص يحس بسلطان الرأي العام علي نفسه، ولذلك حث الإسلام على الحياء ودعا إليه النبي صلي الله عليه وسلم وأكثر من الدعوة إليه.
3 – العقوبات الزاجرة والمانعة الرادعة فالعقوبة رادعة للمجرم زاجرة لغيرة، فالغاية من العقوبة في الشريعة الإسلامية أمران حماية الفضيلة وحماية المجتمع من أن تتحكم فيه الرذيلة، والثاني المنفعة العامة ومصلحة الناس، فالفضيلة والمصلحة وإن كانا يبدو بينهما خلاف إلا أنه ظاهري بل هما متلازمان فلا فضيلة بدون مصلحة ولا مصلحة بدون فضيلة، بل إن كثيرا من علماء الأخلاق يعتبرون مقياس الفضيلة أو الخير هو المصلحة الحقيقية بدون هوى.
4 – العقوبة شفاء لغيظ المجني عليه وليست للانتقام فشفاء غيظ المجني عليه وعلاجه له أثره في تهدئة نفس المجني عليه فلا يفكر في الانتقام ولا يسرف في الاعتداء وبالتالي تنتشر الجريمة وتتفشي في المجتمع، بالإضافة إلى الحفاظ علي الكليات الخمس ، ويعتبر ما سلف خير مانع للجريمة.
فالشريعة الإسلامية تتميز عن القوانين الوضعية بالكمال والسمو والمرونة والدوام والثبات والاستقرار، ويرجع ذلك إلي أنها منزلة من عند الله – سبحانه وتعالي- الذي يتصف بالكمال والسمو والقدرة والدوام.

----------------------------------------
1-- أبو الخير ،الدكتورالسيد مصطفي أحمد ،رائعة التشريع الجنائي الإسلامي في القصاص،ص2، بحث على موقع: alnoor.se/extra/aboalkher_1.doc
 
إنضم
26 فبراير 2010
المشاركات
596
الكنية
أبو الفضل
التخصص
الفقه المقارن
المدينة
الخليل
المذهب الفقهي
فقه مقارن
ثالثا:تقسيم العقوبات بحسب وقوعها على البدن أوالمال:
1-موجب القتل:
الجناية على النفس والدين والعرض، وهذه الثلاثة أهم مقاصد الشريعة والحفاظ عليها من آكد ما أتت به.
أ-الجناية على النفس:فمعلوم حرمة دم المسلم ،وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم"ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيرا(1 .
ب-الجناية على الدين: قال تعالى﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات/56]. قال ابن القيم".. وكالجناية على الدين بالطعن فيه والارتداد عنه وهذه الجناية أولى بالقتل وكف عدوان الجاني عليه من كل عقوبة إذ بقاؤه بين أظهر عباده مفسدة لهم ولا خير يرجى في بقائه ولا مصلحة فإذا حبس شره وأمسك لسانه وكف أذاه والتزم الذل والصغار وجريان أحكام الله ورسوله عليه وأداء الجزية لم يكن في بقائه بين أظهر المسلمين ضرر عليهم والدنيا بلاغ ومتاع إلى حين"2 .
ج- الجناية على العرض: قال ابن القيم"وجعله أيضا عقوبة الجناية على الفرج المحرمة لما فيها من المفاسد العظيمة واختلاط الأنساب والفساد العام"3 .
2-موجب القطع، أمران:
أ-السرقة. قال ابن القيم"وأما القطع فجعله عقوبة مثله عدلا وعقوبة السارق فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل فكان أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس وأخذ أموالهم"4 .
الحكمة في قطع يد السارق
وهو من أكثر ما يعترض عليه في عصرنا هذا من المستشرقين والمستغربين.
1- النكال: قال الله تعالى:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ المائدة: 38 – 39
2-ما دامت السرقة تقع سراً وخفية،فيحتاج معها إلى قوة في البدن ،وجلد في النفس،وقطع يد الجاني يوهن من قوته ويضعضع من عزمه،قال ابن القيم" واليدان للإنسان كالجناحين للطائر
في إعانته على الطيران ولهذا يقال وصلت جناح فلان إذا رأيته يسير منفردا فانضممت إليه لتصحبه فعوقب السارق بقطع اليد قصا لجناحه وتسهيلا لأخذه إن عاود السرقة"5
ب- الحرابة.
قال ابن القيم"ولما كان ضرر المحارب أشد من ضرر السارق وعدوانه أعظم ضم إلى قطع يده قطع رجله ليكف عدوانه و شر يده التي بطش بها ورجله التي سعى بها وشرع أن يكون ذلك من خلاف لئلا يفوت عليه منفعة الشق بكماله فكف ضرره وعدوانه ورحمه بأن أبقى له يدا من شق ورجلا من شق"6 .

----------------------------------

1 - رواه ابن ماجة،برقم 3932، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/630،
2 - ابن القيم، محمد بن أبي بكر،إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج 2 / ص 115)، تحقيق : طه عبد الرءوف سعد، الله،دار الجيل - بيروت ، 1973م.
3 - المرجع نفسه2/115
4 - المرجع نفسه2/116

5-المرجع نفسه2/126
6-المرجع نفسه2/117
 
إنضم
26 فبراير 2010
المشاركات
596
الكنية
أبو الفضل
التخصص
الفقه المقارن
المدينة
الخليل
المذهب الفقهي
فقه مقارن
موجب الجلد:
الجلد عقوبة الجناية على: أ-الأعراض، ب- العقول ، ج- الأبضاع .
قال ابن القيم"ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغا يوجب القتل ولا إبانة الطرف إلا الجناية على الأبضاع فإن مفسدتها قد انتهضت سببا لأشنع القتلات"1
وقد يعترض عليه بالزاني البكر: فأجاب ابن القيم " ولكن عارضها في البكر شدة الداعي وعدم المعوض فانتهض ذلك المعارض سببا لإسقاط القتل ولم يكن الجلد وحده كافيا في الزجر فغلظ بالنفي والتغريب ليذوق من ألم الغربة ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخلطاء ما يزجره عن المعاودة"2 .
وأما حد الخمر فكان الجلد له مناسبا لأنه لا جناية فيه على غير السكران غالبا.
قال ابن القيم" وأما الجناية على العقول بالسكر فكانت مفسدتها لا تتعدى السكران غالبا ولهذا لم يحرم السكر في أول الإسلام كما حرمت الفواحش والظلم والعدوان في كل ملة وعلى لسان كل نبي وكانت عقوبة هذه الجناية غير مقدرة من الشارع بل ضرب فيها بالأيدي والنعال وأطراف الثياب والجريد وضرب فيها أربعين فلما استخف الناس بأمرها وتتابعوا في ارتكابها غلظها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.3
والقذف: "ثم لما كان القذف دون سرقة المال في المفسدة جعل عقوبته دون ذلك وهو الجلد"4
----------------------------------------
1-إعلام الموقعين (ج 2 / ص 116)
2 -المرجع نفسه (ج 2 / ص 116)
3- -المرجع نفسه (ج 2 / ص 116)
4 - المرجع نفسه (ج 2 / ص 128


 
إنضم
26 فبراير 2010
المشاركات
596
الكنية
أبو الفضل
التخصص
الفقه المقارن
المدينة
الخليل
المذهب الفقهي
فقه مقارن
-موجب تغريم المال :
أمثلة:تحريق متاع الغال من الغنيمة ومنها: حرمان سهمه ومنها: إضعاف الغرم على سارق الثمار المعلقة ومنها: إضعافه على كاتم الضالة الملتقطة ومنها أخذ شطر مال مانع الزكاة.1
التغريم نوعان: 1-مقدر 2-وغير مقدر
التغريم المقدر
:
أمثلة:أ- إتلاف الصيد في الإحرام أو لحق الآدمي كإتلاف ماله وقد نبه الله سبحانه على أن تضمين الصيد متضمن للعقوبة بقوله ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ [المائدة/95] .
ب-مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان كعقوبة القاتل لمورثه بحرمان ميراثه وعقوبة المدبر إذا قتل سيده ببطلان تدبيره وعقوبة الموصي له ببطلان وصيته ومن هذا الباب عقوبة الزوجة الناشزة بسقوط نفقتها وكسوتها .2
التغريم غير المقدر:​
وأما النوع الثاني غير المقدر فهذا الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح ولذلك لم تأت فيه الشريعة بأمر عام وقدر لا يزاد فيه ولا ينقص كالحدود ولهذا اختلف الفقهاء فيه هل حكمه منسوخ أو ثابت والصواب أنه يختلف باختلاف المصالح ويرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان بحسب المصلحة إذ لا دليل على النسخ وقد فعله الخلفاء الراشدون من بعدهم من الأئمة .3

------------------------------------------
1-إعلام الموقعين2/117
2 - المرجع نفسه2/117
3 - المرجع نفسه(ج 2 / ص 117)
 
إنضم
26 فبراير 2010
المشاركات
596
الكنية
أبو الفضل
التخصص
الفقه المقارن
المدينة
الخليل
المذهب الفقهي
فقه مقارن
رابعا: شبهات وردود
1-الحكمة في عدم جعل العقوبة من جنس الذنب في كل الحالات:​
قال بعض الزنادقة: كيف تردعون عن سفك الدم بسفكه وهل مثال ذلك إلا إزالة نجاسة بنجاسة ،ومالفرق في صريح العقل بين أن يعاقب السارق بقطع يده التي اكتسب بها السرقة ولم تحسن عقوبة الزاني بقطع فرجه الذي اكتسب به الزنا .1
ويرد عليهم بمايلي:
أ- التسليم لأمر الله ومعرفة أن له حكمة في كل شئ يمنع من مثل هذا السؤال،قال ابن القيم " وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان وأحكمه غاية الإحكام فلأن يكون أمره في غاية الإتقان والإحكام أولى وأحرى ومن لم يعرف ذلك مفصلا لم يسعه أن ينكره مجملا ولا يكون جهله بحكمة الله في خلقه وأمره وإتقانه كذلك وصدوره عن محض العلم والحكمة مسوغا له إنكاره"2 .
ب-التسوية بين الجناة ظلم وجهل لا يرضاه أصحاب العقول والفطر السليمة، قال ابن القيم: "من المعلوم ببداهة العقول أن التسوية في العقوبات مع تفاوت الجرائم غير مستحسن بل مناف للحكمة والمصلحة فإنه إن ساوى بينهم في أدنى العقوبات لم تحصل مصلحة الزجر وإن ساوى بينها في أعظمها كان خلاف الرحمة والحكمة"3 .
ج- أما مسألة إتلاف النفس ، فقد قال تعالى﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة/179] قال العز بن عبد السلام"إذا ذكره الظالم كف عن القتل ، أو وجوب القصاص على القاتل وحده حياة له وللمعزوم على قتله فيحييان جميعاً"4 وقال الرازي"
المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلاً ، وفي حق من يراد جعله مقتولاً وفي حق غيرهما أيضاً ، أما في حق من يريد أن يكون قاتلاً فلأنه إذا علم أنه لو قتل قتل ترك القتل فلا يقتل فيبقى حياً ، وأما في حق من يراد جعله مقتولاً فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول ، وأما في حق غيرهما فلأن في شرع القصاص بقاء من هم بالقتل ، أو من يهم به وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما ، لأن الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس وفي تصور كون القصاص مشروعاً زوال كل ذلك وفي زواله حياة الكل
.5
وقال ابن القيم" فلولا القصاص لفسد العالم وأهلك الناس بعضهم بعضا ابتداء واستيفاء فكأن في القصاص دفعا لمفسدة التجري على الدماء بالجناية وبالاستيفاء وقد قالت العرب في جاهليتها القتل أنفى للقتل وبسفك الدماء تحقن الدماء فلم تغسل النجاسة بالنجاسة بل الجناية نجاسة والقصاص طهرة" .6



1-الحكمة في حد الزنا​
وأما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه، والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن، والغالب من فعله وقوعه برضا المزني بها، فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب فعوقب بما يعم بدنه من الجلد مرة والقتل بالحجارة مرة.
ثم إن للزاني حالتين: إحداهما أن يكون محصنا قد تزوج فعلم ما يقع به من العفاف عن الفروج المحرمة واستغنى به عنها وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنا فزال عذره من جميع الوجوه في تخطي ذلك إلى مواقعة الحرام.
والثانية أن يكون بكرا لم يعلم ما علمه المحصن ولا عمل ما عمله فحصل له من العذر بعض ما أوجب له التخفيف فحقن دمه وزجر بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد ردعا على المعاودة للاستمتاع بالحرام وبعثا له على القنع بما رزقه الله...فكان شرع الله سبحانه أكمل من اقتراح المقترحين .
7
قال الماوردي"ثم جعل حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها ، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به ، لثلاثة معانٍ :
أحدها : أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية ، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه .
والثاني : أن الحد زجر للمحدود وغيره ، وقطع اليد في السرقة ظاهر ، وقطع الذكر فى الزنى باطن ،
والثالث : أن فى قطع الذكر إبطال النسل وليس في قطع اليد إبطاله"8 .

2-سؤال:معلوم أن الكفر أعظم من الزنا ، وبناء عليه فالقذف بالكفر أعظم من القذف الزنا ،ومع ذلك فلم يرتب الشارع عليه حداً:
قال أبو المظفر السمعاني "وأما القذف بالزنا والقذف بالكفر فالفرق بينهما ظاهر لأن المقصود من إيجاب الحد نفى العار عن المقذوف والكفر قد ينتفى عنه بقول يبديه فيسلم من عاره والزنا لا يمكنه أن ينفيه عن نفسه بالقول فلم يكن بد من إيجاب الحد لينتفى منه عاره وشينه.

ببينة : أن الكافر يفعل الكفر تدينا فلا يتعير به بخلاف الزنا فإن المرء يفعله مستقبحا له فيلزمه العار العظيم من النسبة إليه ويمكن الجواب عن هذه الشبهة بجواب جدلى يدفع السؤال من أصله فيقال إنه ليس فيما قاله سوى أنه أرانا أمثال أماراتنا وقد نفت الشريعة أحكامها وذلك لا يمنع من كونها أمارة لأنه ليس من شرط الأمارة أن تدل هى وأمثالها على حكمها على كل حال. بل قد تنجزم دلالتها ولا تخرج عن كونها أمارة. 8
"فإن القاذف غيره بالزنا لا سبيل للناس إلى العلم بكذبه فجعل حد الفرية تكذيبا له وتبرئة لعرض المقذوف وتعظيما لشأن هذه الفاحشة التي يجلد من رمى بها مسلما وأما من رمى غيره بالكفر فإن شاهد حال المسلم واطلاع المسلمين عليها كاف في تكذيبه ولا يلحقه من العار بكذبه عليه في ذلك ما يلحقه بكذبه عليه في الرمي بالفاحشة ولا سيما إن كان المقذوف امرأة" 9
3-سؤال: أوجب الشارع الحد في القطرة الواحدة من الخمر دون الأرطال الكثيرة من البول؟
جوابه:
1-التسليم لأمر الله يمنع من مثل هذا السؤال.
2-قال ابن القيم" فإن ما جعل الله سبحانه في طباع الخلق النفرة عنه ومجانبته اكتفى بذلك عن الوازع عنه بالحد لأن الوازع الطبيعي كاف في المنع منه وأما ما يشتد تقاضي الطباع له فإنه غلظ العقوبة عليه بحسب شدة تقاضي الطبع له وسد الذريعة إليه من قرب وبعد وجعل ما حوله حمى ومنع من قربانه" 10
-----------------------------------
1-إعلام الموقعين (ج 2 / ص 119)،الماوردي، النكت والعيون (ج 2 / ص 35).
2-إعلام الموقعين - (ج 2 / ص 120)
3 - نفسه
4 - السلمي، عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن، تفسير ابن عبد السلام1/ 185 ، تحقيق الدكتور عبد الله بن إبراهيم الوهبي، دار ابن حزم- بيروت، 1416هـ/ 1996م
5- الرازي ،مفاتيح الغيب ،فخر الدين محمد بن عمر التميمي الشافعي،دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة : الأولى ،1421هـ /2000 م.
6- إعلام الموقعين - (ج 2 / ص 122)
7-نفسه (ج 2 / ص 127)
8 - الماوردي ،علي بن محمد بن حبيب البصري، النكت والعيون (ج 2 / ص 35)، تحقيق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم،دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان.
9-السمعاني، منصور بن محمد بن عبد الجبار، قواطع الأدلة في الأصول - (ج 2 / ص 83) ،دراسة وتحقيق:محمد حسن محمد حسن اسماعيل الشافعي،دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،الطبعة الأولى، 1418هـ/1999م
10- إعلام الموقعين - (ج 2 / ص 84)
 
إنضم
26 فبراير 2010
المشاركات
596
الكنية
أبو الفضل
التخصص
الفقه المقارن
المدينة
الخليل
المذهب الفقهي
فقه مقارن
خامسا: اختلاف الحد لاختلاف الجريمة(بحسب الضرر)
قال ابن القيم" ثم لما كان سرقة الأموال تلي ذلك في الضرر وهو دونه جعل عقوبته قطع الطرف ثم لما كان القذف دون سرقة المال في المفسدة جعل عقوبته دون ذلك وهو الجلد ثم لما كان شرب المسكر أقل مفسدة من ذلك جعل حده دون حد هذه الجنايات كلها ثم لما كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوتة غير منضبطة في الشدة والضعف والقلة والكثرة وهي ما بين النظرة والخلوة والمعانقة جعلت عقوبتها راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور بحسب المصلحة في كل زمان ومكان وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم"1 .
هذه بعض الحكم التي فتح الله علي فاقتصتها بما سمح به الوقت وأعان الفكر، والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا.

------------------------------------
1-إعلام الموقعين - (ج 2 / ص 103)
 

بشرى عمر الغوراني

:: فريق طالبات العلم ::
إنضم
29 مارس 2010
المشاركات
2,121
التخصص
الفقه المقارن
المدينة
طرابلس
المذهب الفقهي
حنبلي
خامسا: اختلاف الحد لاختلاف الجريمة(بحسب الضرر)
قال ابن القيم" ثم لما كان سرقة الأموال تلي ذلك في الضرر وهو دونه جعل عقوبته قطع الطرف ثم لما كان القذف دون سرقة المال في المفسدة جعل عقوبته دون ذلك وهو الجلد ثم لما كان شرب المسكر أقل مفسدة من ذلك جعل حده دون حد هذه الجنايات كلها ثم لما كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوتة غير منضبطة في الشدة والضعف والقلة والكثرة وهي ما بين النظرة والخلوة والمعانقة جعلت عقوبتها راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور بحسب المصلحة في كل زمان ومكان وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم"1 .
هذه بعض الحكم التي فتح الله علي فاقتصتها بما سمح به الوقت وأعان الفكر، والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا.

------------------------------------
1-إعلام الموقعين - (ج 2 / ص 103)

جزاكم الله خيراً على "اقتصاصاتك" النافعة، والحكم الجامعة، نفع الله بكم!
 
إنضم
26 فبراير 2010
المشاركات
596
الكنية
أبو الفضل
التخصص
الفقه المقارن
المدينة
الخليل
المذهب الفقهي
فقه مقارن
حياكم الله ،وهي اقتناصات.
والموضوع للإثراء
 
أعلى