أبوبكر بن سالم باجنيد
:: مشرف سابق ::
- إنضم
- 13 يوليو 2009
- المشاركات
- 2,540
- التخصص
- علوم
- المدينة
- جدة
- المذهب الفقهي
- الحنبلي
قال الله تعالى: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْي مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } سورة البقرة: 196
هذه الآية الكريمة من سورة البقرة ثريةٌ بالأحكام، غزيرةٌ بالفوائد
وسأخصص هذا الموضوع -إن شاء الله تعالى- لمناقشة مسألةٍ تتعلق بالصوم لمن لم يجد الهدي ممن تمتعوا بالعمرة إلى الحج لعدم مال أو لعدم بهيمة الأنعام .. وقد بين اللهُ جل وعلا أن عليهم أن يصوموا ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
فقوله تعالى: { في الحج } يحتمل أمرين:
أولهما: أن تصام هذه الأيام الثلاثة في أيام الحج.
ثانيهما: أن تصام في موضع الحج.
- واختلف من جنحوا إلى الأول منهما في تعيين هذه الأيام، مبتدئها ومنتهاها، فأشهر الأقوال في تعيين أولها:
1- أن أول وقتها اليوم الذي يحرم فيه بعمرته التي تمتع بها إلى الحج، وقيل: إذا طاف لعمرته تلك فذلك أول وقت صيامها.
2- أن أول وقتها منذ يحرم بحجه، فإن صامها غير محرِم لم تجزئه.
3- أن أولها أولُ أشهر الحج ولو لم يُحرِم بعدُ، فإن صام قبل شوال لم يجزئه.
4- أن أولها أول شهر ذي الحجة، فإن صام قبله لم يجزئه.
5- أن أولها سابع ذي الحجة، وآخرها يوم عرفة، فهي ثلاثٌ معيَّنة متتابعة لا يجزئ صوم غيرها عنها.
فالأول لأبي حنيفة وأحمد؛ لأن الإحرام بالعمرة أحد إحرامي التمتع، وَلِأنه يجوز تَقْدِيمِ الْوَاجِبِ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ إذَا وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ، كَالْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْحَلِفِ قَبْلَ الْحِنْثِ.
فسبب الوجوب عند هؤلاء الأئمة في مسألتنا: هو الإحرام بالعمرة.
واحتج بعضهم بأن عامة الصحابة كانوا متمتعين، وكثير منهم لا يجد الهدي، وقد أحرموا بالحج يوم التروية، فلو لم يكن الصيام مجزئاً قبل الإحرام بالحج لوجب أن يقدموا الإحرام قبل يوم التروية.
فائدة: قال الماوردي: " وَالْعَجَبُ مِنْ أبي حنيفة يَمْنَعُ مِنَ الْهَدْيِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَعَ تَعَلُّقِهِ بِالْمالِ، وَيُجِيزُ الصِّيَامَ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ أُصُولِ الشَّرْعِ فِي الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَبْدَانِ وَالْأَمْوَالِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ بَدَلٌ يَجِبُ فِي وَقْتٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ مُبْدَلُهُ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ خِلَافُ أُصُولِ الشَّرْعِ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ".
والثاني هو قول مالك والشافعي.
وللمسألة تعلق وثيق بوجود السبب؛ إذ لا يجوز تقديم الواجب إذا لم يوجد سبب الوجوب عند عامة أهل العلم، وهو عند أصحاب القول الثاني: الإحرام بالحج، فهذا مربط الفرس ومعقد النزاع في المسألة، والله أعلم.
ووقع الخلاف بين السلف في آخرها..
1- فقيل: إن آخرها يوم التروية.
2- وقيل: إن آخرها يوم عرفة،
3- وقيل: بل يجزئه أن يصوم أيام التشريق (أيام مِنى): الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة؛ فعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْي.
ومن أصحاب هذا القول الأخير من يبيح له تأخير ابتداء صومها إلى أول أيام التشريق ليتحقق أنه لم يجد الهدي يوم النحر لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ إِلَّا بِأَنْ لَا يَجِدَ الْهَدْيَ يَوْمَ النَّحْرِ، ومنهم من جعل ذلك له إن فاته صومها قبل يوم النحر شبهاً القضاء.
وَإِن كَانَ الْمُرَادُ الثاني، وهو مَوْضِعَ الْحَجِّ؛ صَامَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ فِي أَيَّامِ مِنًى، كَمَا قَالَ عُرْوَةُ.
وفي قوله تعالى: { إذا رجعتم } أقوال:
الأول: إذا رجع إلى بلده وأهله، وهو نص الشافعي في "الأُم".
الثاني: إذا فرغ من أعمال حجه، وشرع في الرجوع منه في طريقه، ولا يجوز أن يصومها قبل الخروج من مكة راجعاً، وهو نص الشافعي في "الإملاء" كما ذكر النووي في "المجموع شرح المهذب" وغيره، وهو عندي أقرب القولين لمذهب الإمام الشافعي.
الثالث: إذا رجع من منى، سَوَاء رجع إلى مَكَّةَ أَو إلى بلده، فكل ذلك رجوع، وَمَا أُطْلِقَ في نص الْقُرْآنِ لَا يُقَيَّدُ من غير دليل.. "فَلَوْ قَدَّمَ السَّبْعَةَ عَلَى وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ لَمْ تُجْزِهِ، وَكَذَا لَوْ صَامَ شَيْئًا مِنْ السَّبْعَةِ بِمِنًى".
وهنا قَوَّى بعضهم قول عروة، وأن المراد في الأول: موضع الحج، وأن سياق الآية يستلزم ذلك؛ إذ لو كان المراد أيام الحج أو زمانه لقال: وسبعة إذا أحللتم أو فرغتم.
وردَّ الإمام ابن جرير الطبري التفسير الثالث بأن ادعى إجماع جميع أهل العلم على أن معناه الأول، إلا أنه يعكر على هذه الدعوى أن القول الثالث منسوب إلى الإمام مالك بن أنس، وقد علم الناظر في تفسير الإمام الطبري أنه ينقل الإجماع أحياناً ويريد به قول الأكثرين، بل هو كثير في كتابه.
وهنا مسألة: هل يجوز أن يصوم الأيام السبعة بعد أن يفرغ من حجه وقبل أن يصل إلى بلده؟
مال بعض العلماء إلى أن الله تعالى جعل الرجوع إلى البلد شرطاً، وما لم يُوجَدِ الشَّرْطُ لم يوجد المَشْرُوط، ومنهم من جعل ذلك لا على سبيل الشرط كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
فمن جعله شرطاً قال بعدم إجزاء تقدم صيامها على رجوعه إلى أهله وبلده..
قال الشنقيطي في "أضواء البيان": وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ السَّبْعَةَ إِنَّمَا يَصُومُهَا بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ، وَوُصُولِهِ إِلَى بَلَدِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصُومُهَا فِي طَرِيقِهِ فِي رُجُوعِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْمُرَادَ الرُّجُوعُ إِلَى أَهْلِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ. فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ. أهـ
- ويؤيد هذا القول ما جاء فِي الصحيحين من حديث ابن عمر: بلفظ: «فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» وَاللَفْظُ للْبُخَارِيِّ.
- وما جاء فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: «وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَمْصَارِكُمْ».
قال العلامة الشنقيطي: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي: أَنَّهُ إِنْ صَامَ السَّبْعَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، فَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مِنْ أَنَّهُ يَرَى إِجْزَاءَهَا لَا وَجْهَ لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: وَلَوْ تَحَمَّلَ الْمُتَمَتِّعُ فَصَامَ الْأَيَّامَ السَّبْعَةَ فِي سَفَرِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى وَطَنِهِ , أَوْ صَامَهُنَّ بِمَكَّةَ , كَانَ مُؤَدِّيًا مَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الصَّوْمِ فِي ذَلِكَ , وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي سَفَرِهِ، أَوْ مَرَضِهِ , مُخْتَارًا لِلْعُسْرِ عَلَى الْيَسَرِ. وبالذي قلنا في ذلك قالت علماء الأمة. أهـ
هذه الآية الكريمة من سورة البقرة ثريةٌ بالأحكام، غزيرةٌ بالفوائد
وسأخصص هذا الموضوع -إن شاء الله تعالى- لمناقشة مسألةٍ تتعلق بالصوم لمن لم يجد الهدي ممن تمتعوا بالعمرة إلى الحج لعدم مال أو لعدم بهيمة الأنعام .. وقد بين اللهُ جل وعلا أن عليهم أن يصوموا ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
فقوله تعالى: { في الحج } يحتمل أمرين:
أولهما: أن تصام هذه الأيام الثلاثة في أيام الحج.
ثانيهما: أن تصام في موضع الحج.
- واختلف من جنحوا إلى الأول منهما في تعيين هذه الأيام، مبتدئها ومنتهاها، فأشهر الأقوال في تعيين أولها:
1- أن أول وقتها اليوم الذي يحرم فيه بعمرته التي تمتع بها إلى الحج، وقيل: إذا طاف لعمرته تلك فذلك أول وقت صيامها.
2- أن أول وقتها منذ يحرم بحجه، فإن صامها غير محرِم لم تجزئه.
3- أن أولها أولُ أشهر الحج ولو لم يُحرِم بعدُ، فإن صام قبل شوال لم يجزئه.
4- أن أولها أول شهر ذي الحجة، فإن صام قبله لم يجزئه.
5- أن أولها سابع ذي الحجة، وآخرها يوم عرفة، فهي ثلاثٌ معيَّنة متتابعة لا يجزئ صوم غيرها عنها.
فالأول لأبي حنيفة وأحمد؛ لأن الإحرام بالعمرة أحد إحرامي التمتع، وَلِأنه يجوز تَقْدِيمِ الْوَاجِبِ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ إذَا وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ، كَالْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْحَلِفِ قَبْلَ الْحِنْثِ.
فسبب الوجوب عند هؤلاء الأئمة في مسألتنا: هو الإحرام بالعمرة.
واحتج بعضهم بأن عامة الصحابة كانوا متمتعين، وكثير منهم لا يجد الهدي، وقد أحرموا بالحج يوم التروية، فلو لم يكن الصيام مجزئاً قبل الإحرام بالحج لوجب أن يقدموا الإحرام قبل يوم التروية.
فائدة: قال الماوردي: " وَالْعَجَبُ مِنْ أبي حنيفة يَمْنَعُ مِنَ الْهَدْيِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَعَ تَعَلُّقِهِ بِالْمالِ، وَيُجِيزُ الصِّيَامَ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ أُصُولِ الشَّرْعِ فِي الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَبْدَانِ وَالْأَمْوَالِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ بَدَلٌ يَجِبُ فِي وَقْتٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ مُبْدَلُهُ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ خِلَافُ أُصُولِ الشَّرْعِ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ".
والثاني هو قول مالك والشافعي.
وللمسألة تعلق وثيق بوجود السبب؛ إذ لا يجوز تقديم الواجب إذا لم يوجد سبب الوجوب عند عامة أهل العلم، وهو عند أصحاب القول الثاني: الإحرام بالحج، فهذا مربط الفرس ومعقد النزاع في المسألة، والله أعلم.
ووقع الخلاف بين السلف في آخرها..
1- فقيل: إن آخرها يوم التروية.
2- وقيل: إن آخرها يوم عرفة،
3- وقيل: بل يجزئه أن يصوم أيام التشريق (أيام مِنى): الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة؛ فعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْي.
ومن أصحاب هذا القول الأخير من يبيح له تأخير ابتداء صومها إلى أول أيام التشريق ليتحقق أنه لم يجد الهدي يوم النحر لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ إِلَّا بِأَنْ لَا يَجِدَ الْهَدْيَ يَوْمَ النَّحْرِ، ومنهم من جعل ذلك له إن فاته صومها قبل يوم النحر شبهاً القضاء.
وَإِن كَانَ الْمُرَادُ الثاني، وهو مَوْضِعَ الْحَجِّ؛ صَامَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ فِي أَيَّامِ مِنًى، كَمَا قَالَ عُرْوَةُ.
وفي قوله تعالى: { إذا رجعتم } أقوال:
الأول: إذا رجع إلى بلده وأهله، وهو نص الشافعي في "الأُم".
الثاني: إذا فرغ من أعمال حجه، وشرع في الرجوع منه في طريقه، ولا يجوز أن يصومها قبل الخروج من مكة راجعاً، وهو نص الشافعي في "الإملاء" كما ذكر النووي في "المجموع شرح المهذب" وغيره، وهو عندي أقرب القولين لمذهب الإمام الشافعي.
الثالث: إذا رجع من منى، سَوَاء رجع إلى مَكَّةَ أَو إلى بلده، فكل ذلك رجوع، وَمَا أُطْلِقَ في نص الْقُرْآنِ لَا يُقَيَّدُ من غير دليل.. "فَلَوْ قَدَّمَ السَّبْعَةَ عَلَى وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ لَمْ تُجْزِهِ، وَكَذَا لَوْ صَامَ شَيْئًا مِنْ السَّبْعَةِ بِمِنًى".
قال السرخسي الحنفي في "المبسوط": وَالْمُرَادُ مِنْ الرُّجُوعِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] مُضِيُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حَتَّى إذَا صَامَ بَعْدَ مُضِيِّهَا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ جَازَ عندنا. أهـ
وهذا هو قول أحمد، قال الأثرم: سُئِل أحمد هل يصوم بالطريق أو بمكة؟ قال: كيف شاء.
وهذا هو قول أحمد، قال الأثرم: سُئِل أحمد هل يصوم بالطريق أو بمكة؟ قال: كيف شاء.
وهنا قَوَّى بعضهم قول عروة، وأن المراد في الأول: موضع الحج، وأن سياق الآية يستلزم ذلك؛ إذ لو كان المراد أيام الحج أو زمانه لقال: وسبعة إذا أحللتم أو فرغتم.
وردَّ الإمام ابن جرير الطبري التفسير الثالث بأن ادعى إجماع جميع أهل العلم على أن معناه الأول، إلا أنه يعكر على هذه الدعوى أن القول الثالث منسوب إلى الإمام مالك بن أنس، وقد علم الناظر في تفسير الإمام الطبري أنه ينقل الإجماع أحياناً ويريد به قول الأكثرين، بل هو كثير في كتابه.
وهنا مسألة: هل يجوز أن يصوم الأيام السبعة بعد أن يفرغ من حجه وقبل أن يصل إلى بلده؟
مال بعض العلماء إلى أن الله تعالى جعل الرجوع إلى البلد شرطاً، وما لم يُوجَدِ الشَّرْطُ لم يوجد المَشْرُوط، ومنهم من جعل ذلك لا على سبيل الشرط كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
فمن جعله شرطاً قال بعدم إجزاء تقدم صيامها على رجوعه إلى أهله وبلده..
قال الشنقيطي في "أضواء البيان": وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ السَّبْعَةَ إِنَّمَا يَصُومُهَا بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ، وَوُصُولِهِ إِلَى بَلَدِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصُومُهَا فِي طَرِيقِهِ فِي رُجُوعِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْمُرَادَ الرُّجُوعُ إِلَى أَهْلِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ. فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ. أهـ
- ويؤيد هذا القول ما جاء فِي الصحيحين من حديث ابن عمر: بلفظ: «فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» وَاللَفْظُ للْبُخَارِيِّ.
- وما جاء فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: «وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَمْصَارِكُمْ».
قال العلامة الشنقيطي: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي: أَنَّهُ إِنْ صَامَ السَّبْعَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، فَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مِنْ أَنَّهُ يَرَى إِجْزَاءَهَا لَا وَجْهَ لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ بِمُقْتَضَى النُّصُوصِ، وَقَالَ لَا تُجْزِئُ قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى أَهْلِهِ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ وَاضِحٌ ; لِأَنَّ مَنْ قَدَّمَهَا قَبْلَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَدْ خَالَفَ لَفْظَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الثَّابِتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ لَفْظٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فِي مَعْرِضِ تَفْسِيرِ آيَةِ: { وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } وَالْعُدُولُ عَنْ لَفْظِهِ الصَّرِيحِ، الْمُبَيِّنِ لِمَعْنَى الْقُرْآنِ. لَوْ قِيلَ: بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فَاعِلَهُ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. أهـ
ـ
قلت: نعم، لا يجوز العدول عن ظاهر اللفظ إلا بقرينة، وتفسير الآية بهذا هو المتعين، ولكنَّ الصواب في المسألة -والله أعلم- أن هذا على سبيل الرخصة والتوسعة والتخفيف كما قرره الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره، لا أن من صامهن قبل أن يرجع لأهله أو مصره لا تجزئه، فيكون ذلك كقول الله تعالى: { فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَر }، ومعلوم أن هذا على سبيل الرخصة عند عامة أهل العلم؛ إذ لو صام في مرضه أو سفره لم يكن عليه صيام أيام أُخَر على وجه القضاء.ـ
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: وَلَوْ تَحَمَّلَ الْمُتَمَتِّعُ فَصَامَ الْأَيَّامَ السَّبْعَةَ فِي سَفَرِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى وَطَنِهِ , أَوْ صَامَهُنَّ بِمَكَّةَ , كَانَ مُؤَدِّيًا مَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الصَّوْمِ فِي ذَلِكَ , وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي سَفَرِهِ، أَوْ مَرَضِهِ , مُخْتَارًا لِلْعُسْرِ عَلَى الْيَسَرِ. وبالذي قلنا في ذلك قالت علماء الأمة. أهـ
وبالله التوفيق
التعديل الأخير: