رد: البصمة الوراثية ومدي مشروعية استخدامها في النسب والجناية
يا دكتور أيمن إن أمامنا خياران كلاهما مهم
الأول: صحة النسب من جهة، والثاني: سمعة الزوج والزوجة والأبناء وشرفهم من جهة أخرى
هذا صحيح. ولكن السؤال أيهما نقدِّم؟
لو افترضنا السكوت عن ولد في أسرة هو ليس من نطفة أبيه (ليس ابنا حقيقيا له). ما هي المفاسد المترتبة على ذلك؟
أولا: تقرير خديعة الأب من قبل زوجته الزانية (وربما لا تزال تزني)، والسكوت على استغفالها إياه وخيانتها له.
ثانيا: وهذا ينبني على الأول: تشجيع الزوجات على الزنا لأن القانون يتستر عليهن حتى مع ثبوت زناهن قطعا وثبوت إنجابهن من هذا الزنا.
ثالثا: ولد الزنا سوف يطلع على عورات البيت وقريبات زوج الأم: أمه وأخواته، وكذا بناته من غير الزانية.
رابعا: ولد الزنا سوف يرث مال رجل ليس هو بأبيه الحقيقي. وهكذا كل الأحكام المتعلقة بالعصبة كالدية ونحو ذلك.
خامسا: الأب سيكلف بالإنفاق على هذا الولد، وهو ليس ابنه بل ابن عدوه والمسيء إليه الذي هو الزاني.
أما لو كشفت الجريمة فما هي الأضرار:
أولا: سمعة المرأة الزانية والرجل الزاني. وهذا أمره هين لأنها هي التي جلبت هذا لنفسها. والأصل أن يتحمل الشخص مسؤولية أفعاله.
ثانيا: مصلحة الولد بالانتساب. وهذه مصلحة تتعارض مع مصلحة الوالد بعدم نسبة من ليس منه إليه. وقد قدم الشارع مصلحة الوالد إذا شك في الولد فأجاز له الملاعنة فكيف إذا تيقَّن أن الولد ليس منه. ويمكن حل مشكلة الولد، إلى حد ما، إذا أجزنا نسبته إلى الزاني. فإذا قيل فأين تذهب بـ (وللعاهر الحجر) قلنا هذا حيث حصل تنازع على الولد كما في القصة التي ورد بسببها الحديث. أما حيث لا تنازع والولد لا نسب له فيمكن أن ينسب للزاني (أبوه الحقيقي) بل ينبغي إلزامه بالنفقة عليه حتى لو قلنا بأن نسبه منه لا يثبت.
أليس (الولد للفراش ) كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،،،
هذا الحديث فيه إشكالات كثيرة وقد أجمع الفقهاء على عدم الأخذ بظاهره في قضايا شتى، ومن هذه الإشكالات:
1. أن النبي قضى بالولد لأحد الطرفين دون التحقق من البينات، ودون استدعاء الطرف الآخر.
2. أنهم اتفقوا أن الولد لا يكون للفراش إذا جاءت به المرأة دون ستة أشهر من النكاح،
3. أن جمهور الفقهاء رأوا أن الولد ليس للفراش إذا حصل القطع بانتفاء الاتصال بين الزوجين كمشرقي ومغربي أو كمن تزوج وطلق في مجلس العقد.
3. أن الحديث وارد في الإماء، ومع هذا صح عن جمع من الصحابة نفي أولاد الإماء عنهم. ولهذا قال من قال من العلماء إنما الولد للفراش إذا كان ثم نزاع عليه كما في قصة الحديث. وهذا شيء معقول في زمنهم لأن دليل الفراش أقوى دلالة على البعضية من حدوث وطء الزنا أو حتى القيافة. وكذا هو دليل مشروع بخلاف وطء الزنا الذي هو جريمة.
والحاصل أن ظاهر هذا الحديث ليس بقوي. وقد أورد عليه الفقهاء تخصيصات متعددة الذي يهمنا منها هو اتفاقهم على أن الولد ليس للفراش إذا جاءت به المرأة دون ستة أشهر، والعلة في ذلك، كما لا يخفى على عامي فضلا عن فقيه، هو حصول القطع بأن هذا الولد ليس من هذا الأب. وكذلك فقل في قول جماهير أهل العلم إلا من شذ بأن الولد ليس للفراش في حالة القطع بعدم حدوث الوطء كمشرقي نكح مغربية أو كرجل تزوج وطلق في مجلس العقد. ونفي الولد بالبصمة الوراثية قياس جلي على هاتين المسألتين. والعلة المشتركة هي حصول القطع بأن هذا الولد ليس من هذا الأب رغم وجود الفراش، وقد سبق نقلنا لقول الشافعي رحمه الله تعالى: "إذَا أَحَاطَ الْعِلْمَ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْ الزَّوْجِ فَالْوَلَدُ مَنْفِيٌّ عَنْهُ بِلَا لِعَانٍ"، مع أن الشافعي أكثر العلماء جريا مع القياس في إثبات النسب بالعقد دون أدنى اعتبار للبعضية، ولذلك نُسب إليه القول بجواز نكاح الرجل ابنة المرأة التي زنا بها.
والآن سأعرض عليكم مثالا واقعيا لما يراه الأطباء من حوادث
قد يحتاج المريض إلى زراعة نخاع لأمراض مثل سرطان الدم أو الغدد اللمفاوية والمطابق عادة يكون من الإخوة الأشقاء أو الأخوات
وهناك طريقة يقوم بها الأطباء بدراسة مطابقة الأنسجة بين المريض والمتبرعين ، وهذه الدراسة (أو الفحص ) يظهر بواسطتها المطابق من الإخوة والذي يمكن أن يؤخذ منه النخاع المزروع
من هذا الفحص يمكن أن يعرف الأخ الشقيق من الأخ غير الشقيق ، وتمر على الأطباء حالات يظهر فيها الأخ المريض غير شقيق لإخوته في الوقت الذي يظن بأنه شقيقهم والباقي مفهوم
فهل من الواجب على الأطباء في هذه الحالة إعلام الأب بأنه من المستحيل أن يكون الولد ابنك بسبب هذا الفحص الأكيد بنسبة 99،99%، أم يهمل الموضوع على الرغم من اليقين.
لأن الستر أولى
الستر أولى إذا لم تكن هناك مفاسد شرعية أخرى تربو على مصلحة المستور عليه. وفي هذه الحالة يتحول الستر إلى تستر. والتستر من شأنه أن يشجع على الفواحش وهذا مضاد لمقصد الشارع. ثم ما ذنب هذا الأب المسكين أن يظن رجلا ولده من صلبه فينفق عليه ويرثه ويطلع على عورته وإذا به ليس ولده بل وَلَدَ مُعتدٍ أثيم عاشر زوجته الخائنة؟!
والله أعلم.