رد: البصمة الوراثية ومدي مشروعية استخدامها في النسب والجناية
السلام عليكم ورحمنة الله وبركاته
أولا: مقال لأكاديمي مختص بالجينات مكتوب في 2006 يقول كاتبه بالنص في الفقرة الثانية (أنا لست خبيرا بهذه الفحوصات)
الكلام في الخبرة العملية ، وإلا فالكلام المذكور فيه صلب تخصصه.
والمقال الثاني مثال على أن المثالية التي تذكر مقترنة بهذه الفحوص هي لا شيء في أرض الواقع ، فإني كنت نقلت لذلك مثال أو اثنين سابقاً في موضوع (نكاح ابنته من الزنا) والذي ينقل العينات ويعمل الفحوصات ليس هو الفقيه ، بل المراكز المختصة التي سيدعي أصحابها أنهم يقومون بها كما يجب ، فلا يعقل أصلاً أن يقول مركز من المراكز : تعالوا سنقوم بفحص الصبغة الوراثية بشكل سيء ومخالف لما يجب ، سجلوا عندنا!
وسيبقى الشك الذي ذكرناه.
وفي المقال الثالث بيان أن الأخطاء ترد على الأعمال المخبرية ، والنتائج الهائلة التي ذكرها هي النسبة المفروضة في اختبارات عزل عنها الخطأ الإنساني ، الأمر الذي انصب مقاله على إثبات إمكان حصوله.
على أني كنت قرأت في إثبات نسبة الولد أن النسبة الواقعية ـ أي بالنظر إلى واقع النتائج الملموسة التي حصلت فعلاً ـ تبلغ السبعة وتسعين في المائة ، ولا زلت أبحث عن هذا المقال.
في الحقيقة ما نقلته اللجنة المكلفة من قبل المجمع ، والذي كان من نتائجه أن اختبار الصبغة الوراثية لا يأتيها الخطأ من حيث نفسها ، موهم جداً وخطأ واضح ، وذلك أن المراد باختبار البصمة إما إثبات النسب أو التعرف على الجرائم ، وفي إثبات النسب فإن اختبار البصمة من حيث هو ومع إلغاء وجود ا لخطأ الإنساني لا يحسم الأمر في جميع الحالات مع كونه ليس بخطأ ، كما في حالات إثبات النسب اعتماداً على فحص 6 مواقع (loci) فقط، فنقلت اللجنة حكماً كلياً ، والفقهاء ينزلون عليه أحكام الفحوص المعينة الواقعية ، وهذا خطأ لا محالة.
فإنا نقر أن اختبار ستة مواقع (loci) قد يكون صحيحاً تماماً ، لكن هذا لا يفيد إثبات النسب لإمكان حصول التوافق الكلي فيها مع الاختلاف في غيرها كما بينه صاحب المقال الذي نقلنا رابطه ثالثاً .
ففي هذه الحالة نتيجة الفحص ، وهي التوافق بين الصبغتية في الستة المواقع صحيح مائة في المائة ، لكن دقة إثبات النسب اعتماداً عليه ليست مائة في المائة ، هذا مع إلغائنا الكلام في الخطأ الإنساني أصلاً.
وهكذا قد تقع الطفرة (mutation) في موقعين ، وفي حالة أندر في ثلاثة ، في العملية من حيث هي بإلغاء الخطأ الإنساني صحيحة مائة في المائة ، والنتيجة التي هي نسبة أصحاب الصبغة بعضهم لبعض خطأ ، وهذا ما قاله الدكتور المختص كما في الرابط الأول .
فاجتمع هنا اليقين بالتطابق وعدم اليقين في إثبات النسب ، ولم أرَ في كلام المجمع التركيز على هاتين النقطتين ، وكأنهم ظنوا أن معنى صحة الفحص واليقين بالنتيجة ينسحب على جميع اختبارات الصبغة الوراثية ، أو ظنهم أن الفحوص تتم بطريقة واحدة وأن الفارق هو مجرد الخطأ الإنساني ، غير عالمين بأن الخطأ قد لا يكون إنسانياً بل في آلية الفحص وإن جرى على شكل صحيح ، فمثلاً ليس في كلام المجمع اشتراط أن يكون الفحص معتمداً على عدد معين من مواقع السلسلة الوراثية (loci) وذلك في ظني لأنهم لا يعلمون بأن لتعدادها فرقاً ، إذ حكم اللجنة المكلفة ـ بحسب ما نقلتم ـ جاء عاماً في اختبارات الفحوص المخبرية من غير تمييز.
كما أن عدم الحسم قد يكون بسبب أن الأب من الفئة المعروفة بالكمير (Chimera) وكلام اللجنة يعم كل الفحوص.
وكما قلت أولاً : إن كنا سنرجع إلى اعتماد أن الجماعة الفلانية رجعت إلى المختصين ، فلا يقين.
لكنها فائدة مهمة ـ في الحقيقة نتيجتها سلبية في نفسي ـ تتعلق بمصداقية مثل هذه اللجان ، على الأقل في إيضاحها حقائق الأمور للمفتين.
وعندي أن الفقهاء الذين يريدون إعطاء حكم للعمل بالصبغة الوراثية لا بد أن يأخذوا دورات تأهلهم لمعرفة حقيقة اختبار الصبغة الوراثية ، وأشكالها المختلفة ومدى مصداقية كل واحد منها ، ويكون جل اهتمامهم بالنظر في الموانع والمشاكل التي قد تعرقل تصحيح النتائج ، فإن لم تؤثر عندهم لضعفها ، أمكن حينئذٍ إعطاء الحكم مفصلا.
وأخيراً ، على فرض اليقينية ، نعود إلى الخطأ الإنساني ، وأنا لم أكن وقفت على إلزامكم تكرار العمل بالفحص أربع مرات.
ومع ذلك الشك وارد على الفحص أربع مرات إن كانت الجهة التي تجريه واحدة ، فهو كشهادة الشاهد الواحد أربع مرارت.
إلا أن تقولوا بلزوم فعلها في أربعة مراكز اختبار.
فإن قلتموه عاد الكلام إلى ما ذكرناه في مشاركاتنا أولاً ، من أنه إن ثبت أنه ولد على فراشه ، مع إمكان كونه منه، هل يجوز أن يلجأ الزوج إلى عمل اختبار البصمة الوراثية أم لا ؟
وذلك بالبناء على جواز الملاعنة ، فمتى جاز له الملاعنة فلا إشكال ، وحيث لم يجز لم نستفد من هذه اليقينية ـ على فرض ثبوتها ـ شيئاً، حتى تدللوا على جواز اللجوء إليها ، وقد وضعنا عليها إشكالات سابقاً لم تجيبوا عنها إلا جزئياً ، كإباحة اللجوء إلى الصبغة الوراثية عموماً بحيث يدخل في ذلك كل من أراد القيام بها كالفساق وأصحاب الوسواس ، بحيث ينتج عن ذلك المفاسد المذكورة سابقاً ، فذكرتم جواباً عليها أن الزوج لو كتم لما حصلت هذه المفاسد ، مع أن الكتمان ليست بشرط للجواز بحسب عموم إباحتكم للفعل ، فمن لم يرد أن يكتم جائز له اللجوء إلى هذا الاختبار بحسب عموم الإباحة غير المقيدة في كلامكم.
وذكرنا حصول المظنة بالفراش التي هي علامة حصول المئنة ، وما يتعلق به من المصالح ودفع المفاسد بعضها هنا وبعضها في موضوع (نكاح البنت من الزنا) وهي مصالح ومفاسد قد تجعل المظنة هي المقصود الأول ، فاكتفيتم بأن تحقيق المئنة ممكن باعتماد الصبغة الوراثية من غير تدليل على جواز إهمال المظنة المترتب عليه ما قدمنا من مفاسد ، سوى ذكركم أن النسب مقصود شرعي ، مع أنكم أرجعتموه إلى أن يكون وسيلة إلى غيره وذلك الغير غير معلوم التحقق أو مستغنى عنه بحصوله بغيره كما كنا قدمناه.
هذا وللمسألة تعلق بنصوص شرعية كقوله صلى الله عليه وسلم (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وهو مشعر بظاهره أن نفي النسب عن العاهر مقصود ، وأن اعتماد الصبغة يعود على النص بالقلب كما قدمناه ، بأن يكون الولد للعاهر ولصاحب الفراش الحجر، إن فسرنا الحجر بالخيبة كما فسره أهل العلم.
وقد كررنا ذلك لتكرريكم أن الصبغة يقينية ، مع أني في كثير من تعليقاتي بنيت على أن الاختبار يقيني ، ومنعت مع ذلك من تعلق الحكم به.
لذا تمنيت أن تفردوا لنا موضوعاً في حكم إثبات النسب إما على سبيل العموم أو مقيداً بالزاني، للنظر في المقصود الشرعي من هذا الحديث أولاً ، والنظر في غيره من الأدلة الشرعية.
وقد استفدت أمراً مهماً للغاية كنت أستغربه من قبل ، وهو إمكان أن يأتي الولد من نطفتين مختلفتين ـ وإن لم يثبت لي حصول هذا في الفعل ـ وهو مسألة كنت أستغربها في القيافة التي حصلت في عهد عمر، مما يدل على أن القيافة قوية الدلالة وإن كانت لا تقترب من قوة الصبغة الوراثية ، على الأقل أقوى من الفراش في قضية عبد بن زمعة ، ومع ذلك أهمله النبي صلى الله عليه وسلم واعتمد الفراش.
وفي الحقيقة الكلام يحتمل بسطاً أكثر ، ولكن ننتظر.
والله سبحانه أعلم