العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

الدراسات والمؤلفات المختصة بـ "دليل الاستحسان"

انضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
8,556
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
استفدت مادة هذا الموضوع من مقدمة كتاب د. يعقوب الباحسين "الاستحسان":
الدراسات والمؤلفات المختصة بـ "دليل الاستحسان":
1- قاعدة في الاستحسان لابن تيمية، طبعت ضمن المجموعة الثانية من جامع المسائل لآثار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
محاضرات ألقيت في أسبوع الفقه الإسلامي ومهرجان ابن تيمية، ومنها:
2- محاضرة الاستحسان والمصالح المرسلة لجودة هلال.
3- بحث في الاستحسان لمحمود عبد القادر مكاوي.
وطبعت هذه المحاضرات ضمن مجموعة في مطبعة كوستافوس في مصر سنة 1963م.
4- الاستحسان بين النظرية والتطبيق لـ د. شعبان محمد إسماعيل – نشر دار الثقافة في الدوحة سنة 1408هـ.
5- الاستحسان عند علماء أصول الفقه وأثره في الفقه لـ د. السيد صالح عوض نشر في مصر سنة 1410هـ.
6- نظرية الاستحسان لأسامة الحموي، أشرف عليها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ، كتبها مؤلفها لتكون رسالة ماجستير نشر في دمشق سنة 1412هـ.
7- مرآة الجنان في إيضاح الاستحسان لسليمان الفيفي/ كراس صغير.
8- الاستحسان الأصولي حقيقته وحجيته. بحث منشور في مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية العدد 4 سنة 1995م.
9- الاستحسان ونماذج من تطبيقاته في الفقه الإسلامي لفاروق عبد الله الكريم رسالة دكتوراه من جامعة بغداد سنة 1995.
10- نظرية الاستحسان في التشريع الإسلامي وصلتها بالمصلحة المرسلة للدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور.
11- الاستحسان حقيقته أنواعه حجيته تطبيقاته المعاصرة لـ د. يعقوب الباحسين.
 
انضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
8,556
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
حجية الاستحسان عند المذاهب الإسلاميّة


الشيخ سامي الغريري
 
التعديل الأخير:
انضم
7 فبراير 2017
المشاركات
2
التخصص
فقه وأصول
المدينة
أدرار
المذهب الفقهي
مالكي
رد: الدراسات والمؤلفات المختصة بـ "دليل الاستحسان"

جزاك الله خيرا فقط إذا ممكن عناوين دراسات حول التطبيقات المعاصرة للاستحسان ؟؟
 
انضم
11 يوليو 2012
المشاركات
230
التخصص
أصول فقه
المدينة
قرن المنازل
المذهب الفقهي
الدليل
رد: الدراسات والمؤلفات المختصة بـ "دليل الاستحسان"

أحسن الله إليكم
بخصوص رد الأخت الجزائرية :
1-الاستحسان حقيقته أنواعه حجيته تطبيقاته المعاصرة / يعقوب الباحسين .
2-الاستحسان وتطبيقاته في بعض القضايا الطبية المعاصرة / مجلة مؤته
3- الاستحسان بالضرورة وتطبيقاته في الفحص الطبي قبل الزواج .
4-تطبيقات الاستحسان في أحكام عقد الزواج و آثاره في مذهب الإمام أبي حنيفة .
5- دليل الاستحسان وحجيته دراسة تطبيقية / جامعة أم القرى .
والله الهادي .
 

إيمان الدوري

:: متابع ::
انضم
12 مايو 2013
المشاركات
32
التخصص
العلوم الاسلامية
المدينة
العراق
المذهب الفقهي
الشافعي
رد: الدراسات والمؤلفات المختصة بـ "دليل الاستحسان"

لو تفضلتم بروابط البحث اعلاه
 
انضم
3 أبريل 2018
المشاركات
110
الإقامة
مكة المكرمة - حي العوالي
الجنس
ذكر
الكنية
أبو زيد
التخصص
شريعة إسلامية
الدولة
سورية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
شافعي
انضم
15 أغسطس 2016
المشاركات
123
الإقامة
مكناس - المغرب
الجنس
ذكر
الكنية
امصنصف
التخصص
الدراسات الإسلامية
الدولة
المغرب
المدينة
مكناس
المذهب الفقهي
مالكي
مبحث الاستحسان في أصول الفقه

مقدمة

يُعدُّ مبحث الاستحسان من أدقّ الأبواب الأصولية وأكثرها غموضاً، إذ يمثل روح الفقه وواقعيته في مراعاة الجزئيات والمصالح التي قد تضيع لو اطّردت القواعد الكلية بلا استثناء. وقد شغل هذا الأصل حيزاً واسعاً من مباحث الأصوليين والفقهاء عبر القرون، فدارت حوله المناظرات، وتعددت فيه التعريفات، وتفرعت منه التطبيقات التي تمسّ شتى أبواب الفقه. ولما كان الاستحسان متعلقاً بدقائق المآلات والظنون القوية التي تعارض الظواهر الجلية، كان النظر فيه عسيراً لتداخله مع أدلة أخرى وخفاء وجه العدول فيه.

المبحث الأول: ماهية الاستحسان وحقيقته العلمية

المعنى اللغوي

يُعرَّف الاستحسان في اللغة بأنه اعتقاد الشيء حسناً، أو وجدان الشيء حسناً. وهو مأخوذ من مادة "الحُسن" على وزن استفعال، كأن يقول القائل "استحسنت كذا" أي اعتقدته حسناً ووجدته كذلك. ومن مدلولاته اللغوية في السياق الشرعي طلب الأحسن للاتباع المأمور به شرعاً في نصوص الوحي، وهو ما يميل إليه الإنسان ويهواه بطبعه السليم. فالاستحسان لغةً يستبطن معنى استظهار الشيء وطلبه لكونه موافقاً لميل النفس وغرضها المشروع.

المعنى الاصطلاحي عند القائلين به

تعددت عبارات الأصوليين في حدّ الاستحسان وتنوعت بتنوع مدارسهم وزوايا نظرهم:

- تعريف الإمام الكرخي (حنفي): العدول في مسألة عن مثل ما حُكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى يقتضي العدول. وهذا التعريف يوضح أن الاستحسان أداة أصولية للتعامل مع التعارض بين الأدلة، وخصوصاً عند تعارض القياس الجلي مع مقتضيات المصلحة الجزئية.

- تعريف أبي الحسين البصري: ترك وجه من وجوه الاجتهاد، غير شامل شمول الألفاظ، لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الوجه الأول. وهذا التعريف يبرز فكرة "الطارئية" في الدليل المستحسَن، أي أنه يأتي لاحقاً على الدليل الأول وأقوى منه.

- تعبير "القياس الخفي": وهو العدول من قياس جلي واضح العلة يتبادر إلى الأوهام قبل إنعام التأمل، إلى قياس خفي هو أقوى منه أثراً وأدقّ نظراً في تحقيق مقاصد الشارع.

- وصف "دليل ينقدح في نفس المجتهد": تسبق إليه الأوهام وتقصر عنه العبارة، ولا يقدر المجتهد على إظهاره باللسان مع تحقق ثبوته عنده. وقد اعتبر المحققون هذا الوصف بياناً لحال المجتهد عند إدراك الدقة في المأخذ، وليس تعريفاً حقيقياً لطبيعة الاستحسان ذاتها.

حقيقة الاستحسان عند المحققين

يرى المحققون أن حقيقة الاستحسان تدور حول فكرة "تخصيص الدليل بدليل أقوى منه"، فهو في جوهره يمثل الأخذ بأقوى الدليلين المتعارضين في مادة جزئية معينة. فالطبيعة التركيبية لهذا الأصل تقوم على ركنين أساسيين:

- الأول: العدول، أي ترك الحكم الذي تقتضيه نظائر المسألة أو القاعدة العامة.

- الثاني: المستند، أي وجود دليل شرعي معتبر من نص أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو قياس خفي يوجب هذا العدول ويجعله أرجح في ميزان الشريعة لتحقيق المصلحة أو دفع الحرج.

وقد حاول المتأخرون تأصيل الاستحسان كلامياً وربطه بالكلام النفسي والنسبة القائمة بالمتكلم، مؤكدين أن الحسن والقبح عند أهل السنة يرجعان إلى حكم الرب شرعاً لا إلى وصف العقل الذاتي، وبذلك ينتفي عن الاستحسان وصف التشريع بالهوى.

مكانته العلمية

عظم شأن الاستحسان عند أئمة الفقه، حتى نُسب للإمام مالك قوله: "الاستحسان تسعة أعشار العلم"، لما فيه من دقة في مراعاة الجزئيات والعدول بها عن القواعد الكلية عند وجود المصلحة أو الضرورة. ومن هنا كان هذا المبحث يتطلب من المجتهد نظراً ثاقباً في مآلات الأحكام وتوازنها مع مقاصد الشارع.

المبحث الثاني: مواقف المذاهب والاعتراضات الأصولية

أولاً: المثبتون للاستحسان

المثبتون هم الحنفية والمالكية والحنابلة، حيث اعتبروه دليلاً شرعياً ومصدراً أصيلاً من مصادر التشريع:

- الحنفية يعتبرونه ركناً متيناً في اجتهاداتهم ودليلاً أصيلاً يقدمونه أحياناً على القياس الجلي (وتفصيل تطبيقاتهم المذهبية في المبحث السادس).

- المالكية يعدّونه أصلاً ثابتاً يرجع في حقيقته إلى تقديم مصلحة جزئية أو عرف جارٍ على مقتضى قياس كلي.

- الحنابلة وافقوهم في اعتباره حجة شرعية معتبرة يُبنى عليها الحكم عند تعارض الأدلة.

ثانياً: النافون للاستحسان

- الشافعية: في مقدمة النافين، وقد أنكر الإمام الشافعي هذا الدليل بشدة، واعتبره حكماً بالهوى وتشريعاً بغير مستند، واشتهرت مقولته: "من استحسن فقد شرّع". وتفسير هذه المقولة عند الأصوليين أن من أثبت حكماً بغير مستند من وحي أو قياس صحيح فقد وضع شرعاً مستقلاً بهواه.

- الظاهرية: كداود الظاهري وابن حزم، أنكروه إنكاراً كلياً ووصفوه بالضلال والقول بغير برهان ولا اتباع للنصوص.

- المتكلمون والمعتزلة: وقفوا موقف المنكر له بوصفه قولاً بلا دليل يخرج عن مقتضى النص والقياس الصحيح.

ثالثاً: اعتراضات المنكرين ومناقشتها

أ. الطعن في تعريف "دليل ينقدح في النفس":


وجَّه المنكرون، وعلى رأسهم الشافعي وابن حزم والغزالي، انتقادات لاذعة لهذا التعريف، ووصفه الغزالي في المستصفى بأنه "هوس" وطرف من الجنون؛ لأن الأحكام الشرعية يجب أن تُبنى على أدلة منضبطة قابلة للبيان، وما لا يقدر اللسان على وصفه لا يُدرى أهو حق أم محض خيال لا أصل له. ورأوا أن هذا التعريف يفتح باب التشريع لكل ذي عقل بغير علم.

ب. مناقشة أدلة المثبتين:

- أما آيات "اتباع الأحسن" كقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}، فبيّن النافون أن "الأحسن" المأمور باتباعه هو ما وافق نص الكتاب والسنة أو الأظهر من الأدلة، وليس ما استحسنته العقول بغير برهان.

- وأما أثر ابن مسعود "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن"، فأوّلوا معناه بأنه يثبت حجية "إجماع الأمة" قاطبة، لأن لفظ المسلمين صيغة عموم تشمل أهل الحل والعقد، ولو حُمل على آحاد الناس للزم اتباع استحسان العوام وهو باطل إجماعاً.

- وأما الوقائع العملية كدخول الحمام، فدفعوا بأن مستندها "الإجماع" أو "السنة التقريرية" لجري العادة بها في عصر النبوة، وليست أصلاً مستقلاً بذاته (وتفصيل هذه التطبيقات في المبحث السابع).

ج. تهمة التشريع بالهوى:

اتهم النافون القائلين بالاستحسان بأنهم يشرعون بالهوى والتلذذ، إلا أن المحققين من الحنفية والمالكية أكدوا أنهم يبرأون من القول في الدين بغير حجة.

رابعاً: تحرير محل النزاع

عند تحرير محل النزاع، يتبين ما يأتي:

- الاستحسان بالهوى والتشهي أو مجرد ميل النفس دون مستند شرعي: محل اتفاق بين الأمة قاطبة على بطلانه وتحريمه.

- الاستحسان المستند لدليل شرعي: ذهب المحققون والمتأخرون إلى أن الخلاف فيه لفظي يرجع للتسمية فقط، لأن الكل يعمل بأقوى الدليلين عند التعارض. وقد حاول متأخرو الحنفية تضييق شقة الخلاف وتفسيره بالعمل بأرجح الدليلين أو تخصيص العلة، مؤكدين أنهم يبرأون من القول في الدين بغير حجة.

المبحث الثالث: الأدلة والحجج المثبتة للاستحسان

أولاً: الأدلة من القرآن الكريم

استدل القائلون بحجية الاستحسان بقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر: 55]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18]. ووجه الدلالة أن الله أمر باتباع "الأحسن" وأثنى على متبعيه، والاستحسان هو اتباع لأحسن الأدلة وأقواها عند التعارض.

ثانياً: الأدلة من السنة والآثار

احتجوا بأثر عبد الله بن مسعود: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن"، وفُسّر بأن ما يراه المجتهدون وأهل النظر حسناً بناءً على مآخذ الأدلة يكون مقبولاً شرعاً. كما استدلوا بقول القاضي إياس بن معاوية: "قيسوا القضاء ما علم الناس، فإذا فسدوا فاستحسنوا"، وهو إرشاد لمراعاة أحوال الناس ومصالحهم عند تغير الأزمان وفساد الأحوال بما يخرج عن مقتضى القياس المحض.

ثالثاً: الاستدلال بالإجماع العملي والعرف

تمسك القائلون بالاستحسان بوقوع الإجماع العملي في عصور مختلفة على صحة عقود وأفعال عُدل فيها عن مقتضى القياس الجلي؛ كإجازة عقد الاستصناع، ودخول الحمام، وشرب الماء من السقاء بغير تقدير دقيق للثمن أو الكمية أو مدة المكث. فالقياس في عقود المعاوضات يقتضي البطلان للجهالة والغرر، ولكن جرى العرف باستحسان ذلك للمصلحة العامة وعدم المشاحة في اليسير، فقام هذا العرف مقام الدليل المخصص للقياس العام (وتفصيل هذه الأمثلة في المبحث السابع).

رابعاً: الاستدلال بالاستقراء ومآلات الأفعال

أوضح المحققون أن تتبع أحكام الشريعة بالاستقراء يوضح رعاية الشارع للمصالح الجزئية المستثناة من القواعد الكلية لرفع الحرج والمشقة. فالاستحسان يمثل نظراً دقيقاً في "مآلات الأفعال" ونتائجها قبل إصدار الحكم؛ فإذا وجد المجتهد أن طرد القياس الكلي سيؤدي إلى مفسدة أو تفويت مصلحة أرجح في واقعة معينة، عدل عنه إلى الاستحسان استناداً لمسلك الشارع في التوسعة ورفع الضيق.

المبحث الرابع: أنواع الاستحسان وتقسيماته

أولاً: التقسيم من حيث المستند

ينقسم الاستحسان من حيث مستنده إلى عدة أنواع رئيسية:

1. الاستحسان بالنص: وهو العدول عن مقتضى القياس لوجود دليل خاص من الكتاب أو السنة يوجب حكماً مختلفاً في واقعة معينة (لأمثلته التفصيلية: المبحث السابع).

2. الاستحسان بالإجماع: ويتحقق عندما يجمع الفقهاء أو يجري العرف العام بلا نكير على حكم يخالف القاعدة الكلية (لأمثلته: المبحث السابع).

3. الاستحسان بالضرورة والحاجة: وهو استثناء حكم جزئي من قاعدة كلية لدفع حرج أو ضرورة ملحة (لأمثلته: المبحث السابع).

4. الاستحسان بالقياس الخفي: ويحدث عند تعارض قياسين، أحدهما جلي متبادر والآخر خفي دقيق ولكنه أقوى أثراً في تحقيق مقاصد الشريعة، فيُقدم الخفي استحساناً (لأمثلته: المبحث السابع).

5. الاستحسان بالعرف والعادة: وهو تخصيص الدليل العام بما تعارف عليه الناس وجرى به تعاملهم تيسيراً عليهم (لأمثلته: المبحث السابع).

6. الاستحسان بترك القياس لقول الصحابي: وذلك باتباع قول الصحابي إذا خالف القياس في مسائل لا تدرك بالرأي المحض، كبعض مسائل الحدود أو المقادير.

ثانياً: التقسيم من حيث الطبيعة

من حيث الجوهر، ينقسم الاستحسان إلى نوعين كبيرين:

- ترجيح قياس خفي على قياس جلي لمعنى أدق وأقوى أثراً.

- استثناء حكم جزئي من قاعدة كلية لمصلحة معتبرة أو ضرورة طارئة.

ثالثاً: تقسيم ابن العربي المالكي

وضع الإمام ابن العربي المالكي تقسيماً رباعياً للاستحسان يقوم على: ترك الدليل للعرف، وتركه للمصلحة، وتركه للإجماع، وتركه في الشيء اليسير لرفع المشقة والتوسعة على الخلق.

رابعاً: تقسيم الحنفية باعتبار القوة والظهور

ميز الحنفية في تقسيمهم الفني بين "استحسان قوي الأثر خفي الوجه" وهو المرجح عندهم غالباً، و"استحسان ظهر أثره وخفي وجه الفساد فيه" وهو ما يقابله القياس الذي ظهر فساده وخفي وجه صحته.

المبحث الخامس: القواعد الكلية والعلاقة بالأصول المجاورة

الاستحسان والقياس

يُصور الاستحسان أصولياً كأداة للتعامل مع التعارض بين الأدلة، فيُقدَّم على القياس الجلي إذا كان مأخذه أقوى في نظر المجتهد، ويُعتبر هذا العمل نوعاً من "الأخذ بأقوى الدليلين" (على النحو المفصّل في المبحث الأول). ومن حيث تعدية الحكم، فإن الاستحسان الذي يكون بالقياس الخفي يتعدى حكمه إلى نظائره لأنه في الحقيقة قياس شرعي، بينما الاستحسان الثابت بالنص أو الإجماع هو عدول عن أصل القياس فلا يحتمل التعدية.

الاستحسان والمصلحة المرسلة

يشترك الاستحسان مع المصلحة المرسلة في رعاية مقاصد الشارع، لكن الفرق الدقيق بينهما يكمن في "شرط الوجود"؛ فالاستحسان يشترط وجود دليل أو قياس معارض مرجوح يُعدل عنه لمصلحة جزئية، بينما المصلحة المرسلة هي مصلحة لم يشهد لها الشارع باعتبار ولا بإلغاء وتُبنى عليها الأحكام ابتداءً كقاعدة عامة دون الحاجة لأصل تُقاس عليه.

الاستحسان والتخصيص

يُعتبر الاستحسان عند المحققين وجهاً من وجوه تخصيص العموم أو تخصيص العلة، بوجود العلة مع عدم الحكم لمانع أقوى يقتضي الاستثناء. فهو استثناء صورة جزئية من قاعدة عامة لوجود معنى أقوى يقتضي ذلك.

الاستحسان وباب الرخص

يمثل الاستحسان الأصل الذي تُقتنص منه أحكام الرخص؛ فهو الحاكم في باب التخفيف لرفع الحرج والمشقة عن المكلفين عندما يؤدي طرد الأصل الكلي إلى ضيق غير مقصود شرعاً (لأمثلته: المبحث السابع).

المبحث السادس: الاستحسان في المذاهب الفقهية – التأصيل والتفريع

أولاً: في المذهب الحنفي

يُعدُّ الاستحسان عند الحنفية دليلاً أصيلاً ومرتبة عليا في الاجتهاد، ويقدمونه على القياس الجلي عند التعارض؛ لأنه عندهم "قياس تقوَّى بمرجح" أو وجه أوفق لمقاصد الشرع (للتعريفات الأصولية: المبحث الأول).

ومن تطبيقاتهم التفريعية:

- شهادة شهود الزنا في زوايا مختلفة، حيث استحسنوا إقامة الحدّ خلافاً لما يقتضيه القياس من اشتراط اتحاد المجلس.

- تضمين الأجير المشترك صيانةً لأموال الناس.

- قطع جميع الجماعة المشتركين في السرقة إذا أخرج المتاع أحدهم.

ثانياً: في المذهب المالكي

فُسّر الاستحسان عند المالكية بتفسيرات متعددة:

- عرّفه ابن خويز منداد والباجي بأنه "الأخذ بأقوى الدليلين" كتقديم النص الخاص على القياس العام، ومثاله تخصيص العرايا من عموم منع ربا الفضل.

- فسره أشهب بتخصيص الدليل بالعادة.

- اعتبره الأبياري استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي.

- ذهب أصبغ بن الفرج إلى أن الاستحسان المبني على "الأغلب" يُقدم على القياس المستمر الذي قد يؤدي طرده لمفارقة السنة أو الوقوع في الحرج.

- أكد الإمام القرافي أن الاستحسان موجود عملياً في جميع المذاهب عند التفريع الفقهي، حيث يُكتفى بمطلق المناسبة في الاستثناءات وإن أنكروه في الأصول النظرية.

ومن تطبيقاتهم: إجازة ضرب المتهم بالسرقة استثناءً لاستخراج الأموال المسروقة.

ثالثاً: في المذهب الشافعي

على الرغم من الإنكار الشديد المنسوب للإمام الشافعي (المفصّل في المبحث الثاني)، إلا أنه وردت عنه عبارة "أستحسن" في مواضع محددة؛ كتقدير المتعة، والتحليف على المصحف لزيادة الردع، ومدة الشفعة بثلاثة أيام، وقبول مراسيل سعيد بن المسيب. وقد وجَّه أتباع الشافعي هذه الاستعمالات بأنها ليست بناءً على "الاستحسان" كمصدر مستقل مختلف فيه، بل هي أحكام استندت إلى أدلة خاصة من أثر عن الصحابة أو إجماع أو مصلحة ضرورية، فالتسمية عنده لا تعدو كونها تعبيراً لغوياً عن قوة الدليل في تلك المسألة الجزئية.

المبحث السابع: النماذج والتطبيقات الفقهية

أولاً: في العبادات والطهارة

- سؤر سباع الطير:
يُحكم بطهارته بالقياس الخفي على الآدمي باعتبار منقارها عظماً جافاً، خلافاً للقياس الجلي على سباع الوحش التي تشرب بلسانها المختلط بلعابها (استحسان بالقياس الخفي).

- طهارة الآبار والحياض بالنزح: القياس يأبى طهارتها لأن الدلو ينجس بملاقاة الماء ثم يعود فينجسه، ولكن جاز ذلك للضرورة والعجز عن صونها وتيسيراً على الناس (استحسان بالضرورة).

- صوم من أكل ناسياً: القياس يقتضي فساد صومه لعدم تحقق ركن الإمساك، ولكن عُدل عن ذلك للنص النبوي "إنما أطعمه الله وسقاه" (استحسان بالنص).

- تيمم المستحاضة لكل صلاة.

- التحليف بالمصحف:
استثناءً من أصل الأيمان لزيادة الردع.

ثانياً: في المعاملات والعقود

- عقد الاستصناع:
جاز للتعامل الجاري بين الناس واتفاقهم العملي عليه، رغم أن القياس يمنعه لكونه بيعاً للمعدوم (استحسان بالإجماع العملي).

- السلم والإجارة والمزارعة: أجيزت رخصةً واستثناءً من النهي العام عن بيع ما ليس عند الإنسان (استحسان بالنص).

- دخول الحمام وشرب الماء من السقاء: بغير تقدير دقيق للثمن أو الكمية أو مدة المكث، دفعاً للحرج وعموم البلوى (استحسان بالعرف والضرورة).

- تحالف البائع والمشتري عند الاختلاف في الثمن والسلعة قائمة.

- بيع العرايا: تخصيصه استثناءً من منع المزابنة وربا الفضل.

ثالثاً: في الجنايات والضمان

-
تضمين الأجير المشترك كالخياط والصباغ ما تلف في يده صيانة لأموال الناس، عدولاً عن قياس الأمانة.

- إقامة حد الزنى على من شهد عليه أربعة في زوايا مختلفة.

- قطع جميع الجماعة المشتركين في السرقة إذا أخرج المتاع أحدهم.

- دية الجنين (الغُرّة): أوجبت استحساناً وإن لم تتيقن حياته.

- ضرب المتهم بالسرقة عند المالكية استثناءً لاستخراج الأموال المسروقة.

رابعاً: في المواريث والخيارات

- ورثة المشتري بالخيار
إذا اختلفوا بين الرد والإمضاء؛ حيث يتم العمل بما يحقق المصلحة أو يسقط الخيار استحساناً.

- عدم مطالبة الأخ لأخيه بأجرة السكنى في دار ورثاها من الميت إذا سكن أحدهما فيها مدة، استناداً للعرف ومكارم الأخلاق والمسامحة الجارية بين الأقارب.

خاتمة

يتبين من خلال ما سبق أن الاستحسان ليس باباً من أبواب التشريع بالهوى كما توهم خصومه، بل هو أداة أصولية دقيقة تضمن مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وتراعي المصالح الجزئية والضرورات الطارئة التي لا تستوعبها القواعد الكلية عند تطبيقها المطرد. وقد أثبت البحث أن الخلاف حول هذا الأصل يرجع في جوهره إلى التسمية لا إلى المضمون، وأن المثبتين والنافين يلتقون عند العمل بأقوى الدليلين عند التعارض، مما يجعل الاستحسان بحقّ أحد أهم أوجه شمول الفقه الإسلامي ومرونته.
 
أعلى