رد: تعريف القاعدة الفقهية والفرق بينها وبين المصطلحات ذات الصلة
فمن أمثلة تلك الأحكام الجزئية المبدوءة بكلمة "كل":
كل صائم أكل أو شرب أو جامع نهارا ناسيا, لم يُفطر.
كل امرأة طلّقها زوجها فلها النفقة والسكنى في عدتها.
كل أنثى لا ةعقد نكاح أنثى, بخلاف الذكر.
كل واحد من اللصوص ونحوهم ضامن لِما أتلفه جميعهم.
هذه الصيغ من الكليات هي في الحقيقة أحكام جزئية دخل عليها لفظ "كل", فيُتوهم بسبب ذلك اشتباهها بالضوابط لِما يُفهم من العموم فيها بسبب كلمة "كل", مع أن الأمر ليس كذلك.
فالكلّية الأولى المتعلقة بالصائم, جاءت أصل عبارتها هكذا عند المرغيناني : "وإذا أكل الصائم أو شرب أو جامع نهارا ناسيا, لم يفطر"
.
والكلّية الثانية وردت أصل عبارتها عند المرغيناني أيضا هكذا: "وإذا طلق الرجل امرأته فلها النفقة والسكنى في عدتها رجعيا كان أو بائنا"
.
أما الكلّية الثالثة فأصلها مضمون حديث: "لا تزوج المرأة المرأة"
.
وأما الكلية الرابعة فمن الواضح أنها تتعلق بالأشخاص لا بحكم كلي عام.
ويمكن أن نلحظ من خلال أصل العبارات التي صيغت منها هذه الكليات أن كل واحدة منها هي في الحقيقة مسألة جزئية تقتصر على حالة واحدة فقط, أما ما يُتوهم فيها من العموم - لدخول كلمة "كل" عليها-, فهو عموم يتعلق بالأشخاص المتعلقة بهم هذه الأحكام, وهو عموم لا يكفي لانطباق مصطلح "الضابط الفقهي" عليها, لِما سبق في تعريف الضابط الفقهي أنه هو الذي يدخل تحته أكثر من مسألة من باب واحد, وليس كذلك ههنا, فتبقى هذه الصيغ من الكليات أحكاما جزئية وإن جاءت مبدوءة بكلمة "كل".
الفرق بين القاعدة الفقهية والكليات الفقهية:
يتضح مما سبق أن مصطلح "الكليات الفقهية" قد يكون أعم وأشمل من مصطلح "القواعد الفقهية", فقد رأينا أن "القواعد الفقهية" تُعتبر نوعا من "الكليات الفقهية", وهناك أنواع أخرى فقهية تندرج تحت مسمى "الكليات الفقهية", كالضوابط الفقهية, والأحكام الجزئية, والتعريفات ونحو ذلك. كما أن مصطلح القواعد الفقهية أعم من الكليات الفقهية, باعتبار أن قواعد فقهية كثيرة لا تبتدئ بلفظ "كل" ولا تتوقف عليه.
وعلى هذا يمكن القول بأن العلاقة بين كل من "الكليات الفقهية" و"القواعد الفقهية" هي علاقة عموم وخصوص وجهي, أي أنهما يجتمعان معا أحيانا, ويزيد كل منهما عن الآخر أحيانا.
فأما اجتماعهما معا فكما سبق في أمثلة الكليات التي هي قواعد فقهية, حيث يظهر أن كل مثال من تلك الأمثلة يصدُق عليه مصطلح: "الكلية الفقهية" كما يصدُق عليه في الوقت نفسه مصطلح "القاعدة الفقهية".
وأما انفراد "الكلية الفقهية" وحدها بدون أن ينطبق عليها مصطلح "القاعدة الفقهية", ففي الأمثلة السابقة أيضا التي سيقت لـ"كليات الضوابط الفقهية", وكذلك الأمثلة التي سيقت لنماذج الكليات التي ليست سوى أحكامٍ جزئية, أو تعريفات. فكل مثال من تلك الأمثلة يقال عنه: إنه "كلية فقهية" لوروده مصدّرا بلفظ "كل", لكن لا يقال عليه: إنه قاعدة فقهية كما لا يخفى.
وأما انفراد "القاعدة الفقهية" وحدها بدون أن يُطلق عليها مصطلح "الكلية" فذلك يتمثل في كل قاعدة فقهية جاءت بدون لفظ "كل", فلا ينطبق عليها مصطلح "الكلية الفقهية" لأن من شرط إطلاق هذا الاسم أن تكون العبارة مصدّرة بلفظ "كل".
---------------------------------------------
القواعد الفقهية للباحسين ص78 .
المرجع نفسه.
الكليات الفقهية للمقري (رقم 201) .
الكليات الفقهية للمقري (رقم 402) .
الهداية 1/122؛ وفي المجموع 6/324 "إذا أكل الصائم أو شرب أو جامع جاهلا بتحريمه. . . لم يفطر".
الهداية 2/44 .
رواه ابن ماجه 1/606 (1882) ؛ والدار قطني في سننه 3/227 (25)؛ والبيهقي في الكبرى 7/110، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا ، ورواه الشافعي في مسنده ( بدائع المنن 2/318 (1545) موقوفا على أبي هريرة . وقال البوصيري في مصباح الزجاجة 2/84 (672-1882): هذا إسناد مختلف فيه . وانظر نصب الراية 3/188 (4868) ؛ والبدر المنير لابن الملقن 19/122-118.