العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

تحرير مصطلح ( الحلولية الجهمية ) عند ابن تيمية

إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
قال ابن تيمية رحمه الله في تلخيص الاستغاثة في الرد على البكري :
( ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش -لما وقعت محنتهم-"انا لو وافقتكم كنت كافرا لاني اعلم ان قولكم كفر، وانتم عندي لاتكفرون لانكم جهال"...وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم.) ص 253
يتبع ....
 
إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
المسألة الأولى :
هذه المسألة من الأهمية بمكان لأمور :
منها : أنك إذا اعتبر أن ابن تيمية رحمه لا يعتبر كفر أهل الوحدة وكانوا بذلك داخلين في زمرة المسلمين فماذا بقي للإسلام إذا أنكر المعبود ! ومن العابد إذا ؟
وأعجب من هذا وهذا الجزم بتكفير اليهود والنصارى والتردد في هؤلاء !
وكما أن تكفير المسلمين بلية فإن أسلمة الكافرين بلية أخرى فالتكفير سور عظيم يحفظ به أهل الإسلام من غيرهم وإلا ذابت هوية المسلم في أخلاط الناس
الأمر الآخر : كيف يستقيم بحال القول بأن ابن تيمية لم يكفرهم وكيف ساغ قبول ذلك ؟

__________________


المسألة الثانية :
وبما أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره فإن الحكم على" اصطلاح ما" فرع عن معرفة مراد المصطلحين وإلا كان الحكم واقعا على غير محله .
وفي مسألتنا المبحوثة يتضح بجلاء هذا المعنى فمن "حَكَم" على "حُكم " ابن تيمية في هذه المسألة "بحكم ما" لزمه وقوفه على المراد بهذا الاصطلاح وإلا أجنب وشط عن المقصود .
المسألة الثالثة :
إذا تبين لزوم معرفة هذا المصطلح قبل الحكم عليه دعانا ذلك إلى الوقوف على مقصود " المصطلِح"
والذي يبدو والعلم عند الله أن هذا اصطلاح خاص بابن تيمية رحمه الله لاعتبارات لائحة للعيان من غير تضارّ ولا تضام .
وإذا كان الأمر كذلك فإن البحث يتسلط تلقائيا على أحرف ابن تيمية رحمه الله واستعماله لهذا الاصطلاح .
 
إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
المسألة الرابعة :
وقبل الشروع في المقصود لزم القول بأن المتتبع لكلام الإمام ابن تيمية رحمه الله لا يشك طرفة عين في تكفيره للقائلين بالحلول المحض وهذا مما لا يمارى فيه وكان يصفهم بالملاحدة كثيرا وإن كان من شأن ابن تيمية رحمه الله أنه لا يتعرض للتكفير العيني لا أنه لا يوقعه ولكن لاعتبارات أخرى منها قوله بعد حكايته لبعض مقالات ابن عربي عقب بقوله : والله أعلم بما مات عليه
قال رحمه الله :
الْمَقَالَةُ الْأُولَى : مَقَالَةُ ابْنِ عَرَبِيٍّ صَاحِبِ فُصُوصِ الْحُكْمِ . وَهِيَ مَعَ كَوْنِهَا كُفْرًا فَهُوَ أَقْرَبُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ لِمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِ مِنْ الْكَلَامِ الْجَيِّدِ كَثِيرًا وَلِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى الِاتِّحَادِ ثَبَاتُ غَيْرِهِ بَلْ هُوَ كَثِيرُ الِاضْطِرَابِ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ قَائِمٌ مَعَ خَيَالِهِ الْوَاسِعِ الَّذِي يَتَخَيَّلُ فِيهِ الْحَقَّ تَارَةً وَالْبَاطِلَ أُخْرَى . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا مَاتَ عَلَيْهِ
ومرة قال عن الرازي الكبير وغيره :
َأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَحَدٌ إلَّا وَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ مَقَالَةٌ يُكَفِّرُ قَائِلُهَا عُمُومَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَصْحَابَهُ وَفِي التَّعْمِيمِ مَا يُغْنِي عَنْ التَّعْيِينِ فَأَيُّ فَرِيقٍ أَحَقُّ بِالْحَشْوِ وَالضَّلَالِ مِنْ هَؤُلَاءِ ؟ وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ الرِّدَّةِ فِيهِمْ كَمَا يُوجَدُ النِّفَاقُ فِيهِمْ كَثِيرًا . وَهَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَقَالَاتِ الْخَفِيَّةِ فَقَدْ يُقَالُ : إنَّهُ فِيهَا مُخْطِئٌ ضَالٌّ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ صَاحِبُهَا ; لَكِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي طَوَائِفَ مِنْهُمْ فِي الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَعْلَمُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ ; بَلْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَعْلَمُونَ : أَنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بُعِثَ بِهَا وَكَفَّرَ مُخَالِفَهَا ; مِثْلُ أَمْرِهِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنَهْيُهُ عَنْ عِبَادَةِ أَحَدٍ سِوَى اللَّهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ; فَإِنَّ هَذَا أَظْهَرُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَمِثْلُ أَمْرِهِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَإِيجَابِهِ لَهَا وَتَعْظِيمِ شَأْنِهَا وَمِثْلُ مُعَادَاتِهِ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ وَمِثْلُ تَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ وَالرِّبَا وَالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . ثُمَّ تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَقَعُوا فِي هَذِهِ الْأُمُورِ فَكَانُوا مُرْتَدِّينَ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَتُوبُونَ مِنْ ذَلِكَ وَيَعُودُونَ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ : أَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يَرَى وُجُوبَهَا ; كَرُؤَسَاءِ الْعَشَائِرِ مِثْلِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ وعيينة بْنِ حِصْنٍ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَدَخَلَ فِيهِ فَفِيهِمْ مَنْ كَانَ يُتَّهَمُ بِالنِّفَاقِ وَمَرَضِ الْقَلْبِ وَفِيهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ . أَوْ يُقَالُ : هُمْ لِمَا فِيهِمْ مِنْ الْعِلْمِ يُشَبَّهُونَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الَّذِي كَانَ كَاتِبَ الْوَحْيِ فَارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ فَأَهْدَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دَمَهُ عَامَ الْفَتْحِ ثُمَّ أَتَى بِهِ عُثْمَانُ إلَيْهِ فَبَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ . فَمَنْ صَنَّفَ فِي مَذْهَبِ الْمُشْرِكِينَ وَنَحْوِهِمْ أَحْسَنُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا . فَكَثِيرٌ مِنْ رُءُوسِ هَؤُلَاءِ هَكَذَا تَجِدُهُ تَارَةً يَرْتَدُّ عَنْ الْإِسْلَامِ رِدَّةً صَرِيحَةً وَتَارَةً يَعُودُ إلَيْهِ مَعَ مَرَضٍ فِي قَلْبِهِ وَنِفَاقٍ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَالٌ ثَالِثَةٌ يَغْلِبُ الْإِيمَانُ فِيهَا النِّفَاقَ لَكِنْ قَلَّ أَنْ يَسْلَمُوا مِنْ نَوْعِ نِفَاقٍ وَالْحِكَايَاتُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ مَشْهُورَةٌ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا فِي أَوَّلِ مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ وَقَدْ حَكَى أَهْلُ الْمَقَالَاتِ لِبَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا كَمَا يَذْكُرُهُ أَبُو عِيسَى الْوَرَّاقُ والنوبختي وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الباقلاني وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشهرستاني وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَذْكُرُ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْكَلَامِ . وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ : أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُصَنِّفُ فِي دِينِ الْمُشْرِكِينَ وَالرِّدَّةِ عَنْ الْإِسْلَامِ كَمَا صَنَّفَ الرازي كِتَابَهُ فِي عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ وَأَقَامَ الْأَدِلَّةَ عَلَى حُسْنِ ذَلِكَ وَمَنْفَعَتِهِ وَرَغَّبَ فِيهِ وَهَذِهِ رِدَّةٌ عَنْ الْإِسْلَامِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ تَابَ مِنْهُ وَعَادَ إلَى الْإِسْلَامِ .
وإليك بعض النقولات عن ابن تيمية رحمه الله في تقرير ما تقدم من تكفيره للحلولية :
( الرَّابِعُ ) الِاتِّحَادُ الْعَامُّ وَهُوَ قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ عَيْنُ وُجُودِ الْكَائِنَاتِ وَهَؤُلَاءِ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ وَجْهَيْنِ :
مِنْ جِهَةِ أَنَّ أُولَئِكَ قَالُوا إنَّ الرَّبَّ يَتَّحِدُ بِعَبْدِهِ الَّذِي قَرَّبَهُ وَاصْطَفَاهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونَا مُتَّحِدَيْنِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : مَا زَالَ الرَّبُّ هُوَ الْعَبْدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَ هُوَ غَيْرَهُ .
( وَالثَّانِي ) مِنْ جِهَةِ أَنَّ أُولَئِكَ خَصُّوا ذَلِكَ بِمَنْ عَظَّمُوهُ كَالْمَسِيحِ وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا ذَلِكَ سَارِيًا فِي الْكِلَابِ وَالْخَنَازِيرِ وَالْأَقْذَارِ وَالْأَوْسَاخِ وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ قَالَ : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } الْآيَةَ . فَكَيْفَ بِمَنْ قَالَ : إنَّ اللَّهَ هُوَ الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ وَالصِّبْيَانُ وَالْمَجَانِينُ وَالْأَنْجَاسُ والأنتان وَكُلُّ شَيْءٍ وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ رَدَّ قَوْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَمَّا قَالُوا : { نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } وَقَالَ لَهُمْ : { قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ } الْآيَةَ فَكَيْفَ بِمَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى هُمْ أَعْيَانُ وُجُودِ الرَّبِّ الْخَالِقِ لَيْسُوا غَيْرَهُ وَلَا سِوَاهُ ؟ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ إلَّا نَفْسَهُ ؟ وَأَنَّ كُلَّ نَاطِقٍ فِي الْكَوْنِ فَهُوَ عَيْنُ السَّامِعِ ؟ كَمَا فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا } وَأَنَّ النَّاكِحَ عَيْنُ الْمَنْكُوحِ حَتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ : - وَتَلْتَذُّ إنْ مَرَّتْ عَلَى جَسَدِي يَدِي لِأَنِّي فِي التَّحْقِيقِ لَسْت سِوَاكُمْ
وَاعْلَمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمَّا كَانَ كُفْرُهُمْ - فِي قَوْلِهِمْ : إنَّ اللَّهَ هُوَ مَخْلُوقَاتُهُ كُلُّهَا - أَعْظَمَ مِنْ كُفْرِ النَّصَارَى بِقَوْلِهِمْ : { إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } وَكَانَ النَّصَارَى ضُلَّالًا أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ مَذْهَبَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ إذْ هُوَ شَيْءٌ مُتَخَيَّلٌ لَا يُعْلَمُ وَلَا يُعْقَلُ حَيْثُ يَجْعَلُونَ الرَّبَّ جَوْهَرًا وَاحِدًا ثُمَّ يَجْعَلُونَهُ ثَلَاثَةَ جَوَاهِرَ وَيَتَأَوَّلُونَ ذَلِكَ بِتَعَدُّدِ الْخَوَاصِّ وَالْأَشْخَاصِ الَّتِي هِيَ الْأَقَانِيمُ وَالْخَوَاصُّ عِنْدَهُمْ لَيْسَتْ جَوَاهِرَ فَيَتَنَاقَضُونَ مَعَ كُفْرِهِمْ . كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ الِاتِّحَادِيَّةُ ضُلَّالٌ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ قَوْلَ رُءُوسِهِمْ وَلَا يَفْقَهُونَهُ وَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالنَّصَارَى كُلَّمَا كَانَ الشَّيْخُ أَحْمَقَ وَأَجْهَلَ كَانَ بِاَللَّهِ أَعْرَفَ وَعِنْدَهُمْ أَعْظَمَ . وَلَهُمْ حَظٌّ مِنْ عِبَادَةِ الرَّبِّ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ كَالنَّصَارَى هَذَا مَا دَامَ أَحَدُهُمْ فِي الْحِجَابِ فَإِذَا ارْتَفَعَ الْحِجَابُ عَنْ قَلْبِهِ وَعَرَفَ أَنَّهُ هُوَ : فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَيَبْقَى سُدًى يَفْعَلُ مَا أَحَبَّ وَبَيْنَ أَنْ يَقُومَ بِمَرْتَبَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِحِفْظِ الْمَرَاتِبِ ; وَلِيَقْتَدِيَ بِهِ النَّاسُ الْمَحْجُوبُونَ وَهُمْ غَالِبُ الْخَلْقِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا كَذَلِكَ إذْ عَدُّوهُمْ كَامِلِينَ .
وقال رحمه الله : (2/ 248) :
عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الْمَلَاحِدَةِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ . أَنَّهُ مَا ثَمَّ شَيْءٌ يَكُونُ الرَّبُّ قَدْ خَلَقَهُ أَوْ بَرَأَهُ أَوْ أَبْدَعَهُ إلَّا نَفْسُهُ الْمُقَدَّسَةُ وَنَفْسُهُ الْمُقَدَّسَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مَخْلُوقَةً مَرْبُوبَةً مَصْنُوعَةً مَبْرُوءَةً ; لِامْتِنَاعِ ذَلِكَ فِي بَدَائِهِ الْعُقُولِ وَذَلِكَ مِنْ أَظْهَرِ الْكُفْرِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالْآرَاءِ

فصـل‏ :
اعلم ـ هداك الله وأرشدك ـ أن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده، لا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر، وإنما تقع الشبهة؛ لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم، لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة، بل وهم أيضا لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه، ولهذا يتناقضون كثيرًا في قولهم، وإنما ينتحلون شيئا ويقولونه أو يتبعونه‏.‏
ولهذا قد افترقوا بينهم على فرق، ولا يهتدون إلى التمييز بين فرقهم، مع استشعارهم أنهم مفترقون‏:‏
ولهذا لما بينت لطوائف من أتباعهم ورؤسائهم حقيقة قولهم، وسر مذهبهم، صاروا يعظمون ذلك، ولولا ما أقرنه بذلك من الذم والرد لجعلوني من أئمتهم، وبذلوا لي من طاعة نفوسهم وأموالهم ما يجل عن الوصف، كما تبذله النصارى لرؤسائهم، والإسماعيلية لكبرائهم، وكما بذل آل فرعون لفرعون‏.‏
وكل من يقبل قول هؤلاء فهو أحد رجلين‏:‏ إما جاهل بحقيقة أمرهم، وإما ظالم يريد علوًا في الأرض وفسادًا، أو جامع بين الوصفين، وهذه حال أتباع فرعون الذين قال الله فيهم‏:‏ ‏{‏فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏54‏]‏
وحال القرامطة مع رؤسائهم‏.‏
وحال الكفار والمنافقين في أئمتهم الذين يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا‏}‏
إلى قوله‏:‏‏{‏وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏64-68‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏165-167‏]‏‏.‏
فصـل‏:‏
حقيقة قول هؤلاء‏:‏ أن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى ليس وجودها غيره ولا شيء سواه البتة، ولهذا من سماهم حلولية أو قال‏:‏ هم قائلون بالحلول رأوه محجوبًا عن معرفة قولهم، خارجا عن الدخول إلى باطن أمرهم؛ لأن من قال‏:‏ إن الله يحل في المخلوقات، فقد قال بأن المحل غير الحال، وهذا تثنية عندهم وإثبات لوجودين‏:‏
أحدهما‏:‏ وجود الحق الحال‏.‏
والثاني‏:‏ وجود المخلوق المحل، وهم لا يقرون بإثبات وجودين البتة‏.‏
ولا ريب أن هذا القول أقل كفرًا من قولهم، وهو قول كثير من الجهمية الذين كان السلف يردون قولهم، وهم الذين يزعمون أن الله بذاته في كل مكان‏.‏ وقد ذكره جماعات من الأئمة والسلف عن الجهمية وكفروهم به، بل جعلهم خلق من الأئمة ـ كابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من أهل العلم والحديث من أصحاب أحمد وغيره ـ خارجين بذلك عن الثنتين والسبعين فرقة‏.‏ وهو قول بعض متكلمة الجهمية وكثير من متعبديهم‏.‏
ولا ريب أن إلحاد هؤلاء المتأخرىن وتجهمهم وزندقتهم تفريع وتكميل لإلحاد هذه الجهمية الأولى وتجهمها وزندقتها‏.‏
 
إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
المسألة الخامسة :
مما سبق يتبين أن مراد ابن تيمية رحمه الله بـ"الحولية الجهمية" غير مراده بالحولية المحضة لجزمه بتكفير هؤلاء وامتناعه عن تكفير الأولين .

إذا ثبت هذا فإن الهمة حينئذ تنشط للبحث عن هذا مقصود هذا الإمام بـ " الحولية الجهمية " ونقاط الاتفاق والافتراق مع " الحلولية المحضة " ومع " الجهمية النفاة "
والمتتبع لكلامه رحمه الله يجد أنه كثيرا ما يعبر ب الجهمية النفاة أو نفاة الجهمية انظر ص ( 2/336) ( 5/64-175-187-183-310-553)
(6/34-217
ويعبر كذلك بالحلولية الجهمية وإن كان هذا التعبير أقل من ألأول (2/294-336) (8/414)
يظهر باديء ذي بدء أنهما اسمان متقابلان يتفرعان من جنس واحد فهم كلهم جهمية منهم حلولية ومنهم نفاة
ولعل الأمر كذلك فإن كل من نفى علو الله ومباينته لخلقه فإما أن يكون من النفاة يقول " لا داخل العالم ولا خارجه " وإما أن يكون قائلا بالحلول بأن الله ـ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ـ بذاته في كل مكان .
قال ابن تيمية رحمه الله :
َأَصْلُ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ : أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مُبَايَنَةَ اللَّهِ لِمَخْلُوقَاتِهِ وَعُلُوَّهُ عَلَيْهَا وَعَلِمُوا أَنَّهُ مَوْجُودٌ فَظَنُّوا أَنَّ وُجُودَهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ وُجُودِهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ رَأَى شُعَاعَ الشَّمْسِ فَظَنَّ أَنَّهُ الشَّمْسُ نَفْسُهَا . وَلَمَّا ظَهَرَتْ الجهمية - الْمُنْكِرَةُ لِمُبَايَنَةِ اللَّهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ - افْتَرَقَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : -
فَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ يَقُولُونَ : إنَّ اللَّهَ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَكَمَا عُلِمَ الْمُبَايَنَةُ وَالْعُلُوُّ بِالْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ الْمُوَافِقِ لِلْمَنْقُولِ الصَّحِيحِ وَكَمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ خَلْقَهُ ; مِنْ إقْرَارِهِمْ بِهِ وَقَصْدِهِمْ إيَّاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) قَوْلُ مُعَطِّلَةِ الجهمية وَنُفَتْهُمْ وَهُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ . لَا هُوَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا مُبَايِنَ لَهُ وَلَا محايث لَهُ ; فَيَنْفُونَ الْوَصْفَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَخْلُو مَوْجُودٌ عَنْ أَحَدِهِمَا كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ .
( وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ ) قَوْلُ حُلُولِيَّةِ الجهمية الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ النجارية - أَتْبَاعُ حُسَيْنٍ النَّجَّارِ - وَغَيْرُهُمْ مِنْ الجهمية وَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ : مَنْ جِنْسِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ الْحُلُولَ أَغْلَبُ عَلَى عُبَّادِ الجهمية وَصُوفِيَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ وَالنَّفْيُ وَالتَّعْطِيلُ أَغْلَبُ عَلَى نُظَّارِهِمْ وَمُتَكَلِّمِيهِمْ كَمَا قِيلَ : مُتَكَلِّمَةُ الجهمية لَا يَعْبُدُونَ شَيْئًا وَمُتَصَوِّفَةُ الجهمية يَعْبُدُونَ كُلَّ شَيْءٍ . وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَتَضَمَّنُ الطَّلَبَ وَالْقَصْدَ وَالْإِرَادَةَ وَالْمَحَبَّةَ وَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومِ فَإِنَّ الْقَلْبَ يَطْلُبُ مَوْجُودًا فَإِذَا لَمْ يَطْلُبْ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ : طَلَبَ مَا هُوَ فِيهِ . وَأَمَّا الْكَلَامُ وَالْعِلْمُ وَالنَّظَرُ : فَيَتَعَلَّقُ بِمَوْجُودِ وَمَعْدُومٍ فَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ يَصِفُونَ الرَّبَّ بِصِفَاتِ السَّلْبِ وَالنَّفْيِ - الَّتِي لَا يُوصَفُ بِهَا إلَّا الْمَعْدُومُ - لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ يُنَافِي عَدَمَ الْمَعْبُودِ الْمَذْكُورِ بِخِلَافِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ يُنَافِي عَدَمَ الْمَعْبُودِ . وَلِهَذَا تَجِدُ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ - عِنْدَ نَظَرِهِ وَبَحْثِهِ - يَمِيلُ إلَى النَّفْيِ وَعِنْدَ عِبَادَتِهِ وَتَصَوُّفِهِ يَمِيلُ إلَى الْحُلُولِ ; وَإِذَا قِيلَ لَهُ هَذَا يُنَافِي ذَلِكَ قَالَ : هَذَا مُقْتَضًى عَقْلِيٌّ وَنَظَرِيٌّ وَذَاكَ مُقْتَضًى ذَوْقِيٌّ ومعرفتي وَمَعْلُومٌ أَنَّ الذَّوْقَ وَالْوَجْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِلْعَقْلِ وَالنَّظَرِ وَإِلَّا لَزِمَ فَسَادُهُمَا أَوْ فَسَادُ أَحَدِهِمَا .
( وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ ) قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَالَمِ وَهُوَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَهَذَا قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ كَأَبِي مُعَاذٍ وَأَمْثَالِهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ فِي الْمَقَالَاتِ هَذَا عَنْ طَوَائِفَ وَيُوجَدُ فِي كَلَامِ - السالمية - كَأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ وَأَتْبَاعِهِ : كَأَبِي الْحَكَمِ بْنِ برجان وَأَمْثَالِهِ - مَا يُشِيرُ إلَى نَحْوٍ مَنْ هَذَا كَمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُنَاقِضُ هَذَا . وَفِي الْجُمْلَةِ فَالْقَوْلُ بِالْحُلُولِ أَوْ مَا يُنَاسِبُهُ : وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الصُّوفِيَّةِ ; وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْقَوْمِ يُحَذِّرُونَ مِنْهُ : كَمَا فِي قَوْلِ الجنيد - لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّوْحِيدِ - فَقَالَ : التَّوْحِيدُ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ فَبَيَّنَ أَنَّ التَّوْحِيدَ أَنْ يُمَيَّزَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ . وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَبِيٍّ - صَاحِبُ الْفُصُوصِ - وَادَّعَى أَنَّ الجنيد وَأَمْثَالَهُ مَاتُوا وَمَا عَرَفُوا التَّوْحِيدَ لَمَّا أَثْبَتُوا الْفَرْقَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ بِنَاءً عَلَى دَعْوَاهُ أَنَّ التَّوْحِيدَ لَيْسَ فِيهِ فَرْقٌ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ إلَّا مَنْ لَيْسَ بِقَدِيمِ وَلَا مُحْدَثٍ وَهَذَا جَهْلٌ فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ ذَاكَ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ هَذَا وَذَاكَ : لَا يَفْتَقِرُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْعَارِفُ الْمُمَيِّزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَيْسَ هُوَ أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ ; بَلْ الْإِنْسَانُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ الْآخَرُ مَعَ أَنَّهُ أَحَدُهُمَا فَكَيْفَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ رَبِّهِ ; وَإِنْ كَانَ هُوَ أَحَدَهُمَا ؟ )
 
إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
المسألة السادسة :
إذا تبين أن الجهمية منهم النفاة ومنهم الحلولية فإنه يستحسن المقام قليلا في مجلس لابن تيمية عقد فيه مقارنة بين طائفتي الجهمية الحلولية والنفاة قال رحمه الله :
قال ابن تيمية رحمه الله في درء تعارض العقل والنقل (6/148) :
فكان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يبينون فساد قول الجهمية سواء قالوا : إنه في كل مكان أو قالوا : لا داخل العالم ولا خارجه أو قالوا : إنه في العالم أو خارج العالم إذ جماع قولهم أنه ليس مباينا للعالم مختصا بما فوق العالم .
ثم هم مع هذا مضطربون يقولون هذا تارة وهذا تارة ولا يمكن بعض طوائفهم أن يفسد مقالة الأخرى لاشتراكهم في الأصل الفاسد .
ولهذا كان الحلولية والاتحادية منهم الذين يقولون : إنه في كل مكان يحتجون على النفاة منهم الذين يقولون : ليس مباينا للعالم ولا مداخلا له بأنا قد اتفقنا على أنه ليس فوق العالم وإذا ثبت ذلك تعين مداخلته للعالم إما أن يكون وجوده وجود العالم أو يحل في العالم أو يتحد به كما قد عرف من مقالاتهم .
والذين أنكروا الحلول والاتحاد من الجهمية ليست لهم على هؤلاء حجة إلا من جنس حجة المثبتة عليهم وهو قول المثبتة : إن ما لا يكون لا داخلا ولا مباينا غير موجود فإن أقروا بصحة هذه الحجة بطل قولهم وإن لم يقروا بصحتها أمكن إخوانهم الجهمية الحلولية أن لا يقروا بصحة حجتهم إذ هما من جنس واحد .
.....
وقال ص 154 :
وأما الأئمة الذين ردوا على الحلولية فأبطلوا نفس ما ادعوه وإن كان هؤلاء لا يقرون بأنا نقول بالحلول كما لا يقر القائلون بأنه لا داخل العالم ولا خارجه بالتعطيل فلزوم الحلول لهؤلاء كلزوم التعطيل لهؤلاء والتعطيل شر من الحلول .
ولهذا كان العامة من الجهمية إنما يعتقدون أنه في كل مكان وخاصتهم لا تظهر لعامتهم إلا هذا لأن العقول تنفر عن التعطيل أعظم من نفرتها عن الحلول وتنكر قول من يقول : إنه لا داخل العالم ولا خارجه أعظم مما تنكر أنه في كل مكان فكان السلف يردون خير قوليهم وأقربهما إلى المعقول وذلك مستلزم فساد القول الآخر بطريق الأولى .
ومن العجب أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم ينسبون المثبتين للصفات إلى قول النصارى ....وهم أشبه بالنصارى لأنه يلزمهم أن يقولوا : إنه في كل مكان وهذا أعظم من قول النصارى أو أن يقولوا ما هو شر من هذا وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه .
قال ابن تيمية رحمه الله في درء تعارض العقل والنقل ( 6/155 ):
ولهذا كان غير واحد من العلماء كعبد العزيز المكي وغيره يردون عليهم بمثل هذا ويقولون : إذا كان المسلمون كفروا من يقول :إنه حل في المسيح وحده فمن قال بالحلول في جميع الموجودات أعظم كفرا من النصارى بكثير .
وهم لا يمكنهم أن يردوا على من قال بالحلول إن لم يقولوا بقول أهل الإثبات القائلين بماينته للعالم فيلزمهم أحد الأمرين : إما قول أهل الحلول مع قولهم بالنفي الذي هو شر منه وإنما يمكن ذلك لأهل الإثبات .
وهم وإن قالوا : إن مذهب النصارى والحلولية أخس من أن يلتفت إليه فلا يقدرون على إبطاله مع قولهم بالتجهم ولهذا لم يكن فيما ذكروه حجة على إبطاله فيلزمهم إما إمكان تصحيح قول النصارى والحلولية وإما إبطال قولهم وهذا لا حيلة فيه لمن تدبر ذلك .
......والعارف المحقق عندهم من لا يقتصر على بعض المظاهر والمجالى بل يعبد كل شيء كما قد صرح بذلك ابن عربي صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم وأمثاله من أئمة هؤلاء الجهمية القائلين بوحدة الوجود الذين هم محققوا أهل الحلول والاتحاد ولهذا كان لهؤلاء الظهور والاستطالة على نفاة الحلول والمباينة جميعا بل هؤلاء يخضعون لأولئك ويعتقدون فيهم ولاية الله ويناصرونهم على أهل الإيمان القائلين بماينة الخالق للمخلوق كما قد رأيناه وجربناه .
وسبب ذلك أن قول هؤلاء الحلولية والاتحادية مسقف بالتأله والتعبد والتصوف والأخلاق ودعوى المكاشفات والمخاطبات ونحو ذلك مما لا يكاد يفهمه أكثر النفاة فإذا كانوا لا يفهمون حقيقة قولهم سلموا إليهم ما يقولونه وظنوا أن هذا من جنس كلام أكابر أولياء الله الذين أطلعهم الله من الحقائق على ما يقصر عنه عقول أكثر الخلائق وسلموا لهم ما لا يفهمونه من أقوالهم كما يسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يفهموه من أقواله ...
فهكذا نفاة العلو والصفاة من الجهمية أو نفاة العلو وحده إذا سمعوا النصوص الإلهية المثبتة للعلو والصفات أعرضوا عن فهم معناها وإثبات موجبها ومقتضاها وآمنوا بألفاظ لا يعرفون مغزاها وآمنوا للرسول إيمانا مجملا بأنه لا يقول إلا حقا ولم يكن في قلوبهم من العلم بمباينة الله لخلقه وعلوه عليهم ما ينفون به بدعة الحلولية والاتحادية وأمثالهم لأن أحد المتقابلين إنما يرتفع عن القلب بإثبات مقابله وأحد النقيضين لا يزول عن القلب زوالا مستقرا إلا بإثبات نقيضه .
فإذا كان حقيقة الأمر أن الرب تعالى : إما مباين للعالم وإما مداخل له كان من لم يثبت المباينة لم يكن عنده ما ينافي المداخلة بل إما أن يقر بالمداخلة وإما أن يبقى خاليا عن اعتقاد المتقابلين المتناقضين ولا يمكنه مع عدم اعتقاد نقيض قول أن يعتقد فساده
ولا ينكره ولا يرده بل يبقى بمنزلة من سمع أن محمدا قال : إنه رسول الله وأن مسيلمة قال : إنه رسول الله وهو لم يصدق واحدا منهما فمثل هذا يمتنع أن يرد على مسيلمة أو يكذبه .
فهذا من كان لم يقر بأن الخالق تعالى مباين للمخلوق لم يمكنه أن يناقض قول من يقول بالحلول والاتحاد بل غايته أن لا يوافقه كما لم يوافق قول أهل الاثبات فهو لم يؤمن بما قاله محمد رسول الله والمؤمنون به ولا بما قاله مخالفوه الدجالون الكذابون من أهل الحلول والاتحاد وغيرهم من نفاة العلو
وقول النفاة للمباينة والمداخلة جميعا لما كان في حقيقة الأمر نفيا للمتقابلين المتناقضين بمنزلة قول القرامطة الذين يقولون : لا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز كان قولهم في العقل أفسد من قول من لا يؤمن بمحمد ولا بمسيلمة فإن كلاهما مبطل لكن بطلان سلب النقيضين وما هو في معنى النقيضين أبين في العقل من الإقرار بنبوة رسول من رسل الله صلى الله عليهم أجمعين فلهذا لا تكاد تجد أحدا من نفاة المباينة والمداخلة جميعا أو من الواقفة في المباينة يمكنه مناقضة الحلولية والاتحادية مناقضة يبطل بها قولهم بل أي حجة احتج بها عليهم عارضوه بمثلها وكانت حجتهم أقوى من حجته .
 
إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
المسألة السابعة ( وهي بيت القصيد ومحط الرحال ) :

إذا انتهينا مما تقدم ومعرفة الفرق بين الجمهية النفاة والجهمية الحلولية وكذلك معرفة سبب وسم هؤلاء الحلولية بالجهمية فإنه حينئذ تحين الساعة التي يتسلط فيها الضوء على هذه الطائفة من الحلولية الجهمية التي امتنع ابن تيمية رحمه الله عن تكفيرها من خلال كلام ابن تيمية نفسه فإن ابن تيمية رحمه الله وإن كان يعتبر كفر أهل الحلول المحض فإن هذا لا يعني بالضرورة تكفير كل من انتسب إليهم وإليك بيان ذلك :
..قال رحمه الله في حكم الاتحادية ومن اعتذر عنهم :

فصــل‏:‏
وقد يقع بعض من غلب عليه الحال في نوع من الحلول أو الاتحاد، فإن الاتحاد فيه حق وباطل، لكن لما ورد عليه ما غيب عقله أو أفناه عما سوى محبوبه، ولم يكن ذلك بذنب منه، كان معذورًا غير معاقب عليه ما دام غير عاقل، فإن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق، وإن كان مخطئا في ذلك كان داخلا في قوله‏:‏‏{‏رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏286‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَيْسَ عليكم جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏5‏]‏‏.‏
وهذا كما يحكى أن رجلين كان أحدهما يحب الآخر فوقع المحبوب في اليم، فألقى الآخر نفسه خلفه‏.‏ فقال‏:‏ أنا وقعت، فما الذي أوقعك‏؟‏ فقال‏:‏ غبت بك عني، فظننت أنك أنِّي‏.‏
فهذه الحال تعتري كثيرا من أهل المحبة والإرادة في جانب الحق، وفي غير جانبه، وإن كان فيها نقص وخطأ فإنه يغيب بمحبوبه عن حبه وعن نفسه، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن عرفانه، وبمشهوده عن شهوده، وبموجوده عن وجوده، فلا يشعر حينئذ بالتمييز ولا بوجوده، فقد يقول في هذه الحال‏:‏ أنا الحق أو سبحاني، أو ما في الجبة إلا الله ونحو ذلك، وهو سكران بوجد المحبة الذي هو لذة وسرور بلا تمييز‏.‏
وذلك السكران، يطوى ولا يروى إذا لم يكن سكره بسبب محظور‏.‏
فأما إذا كان السبب محظورًا، لم يكن السكران معذورا‏.‏
وأما أهل الحلول، فمنهم من يغلب عليه شهود القلب وتجليه، حتى يتوهم أنه رأى الله بعيني رأسه‏.‏
ولهذا ذكر ذلك طائفة من العباد الأصحاء، غلطًا منهم‏.‏
وقد ثبت في صحيح مسلم‏:‏ عن النواس بن سمعان‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الدجال، ودعواه الربوبية، قال‏:‏ ‏(‏واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت‏)‏، وروى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخرى متعددة حسنة في حديث الدجال‏.‏
فإنه لما ادعى الربوبية، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فرقانين ظاهرين لكل أحد‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه أعور، والله ليس بأعور‏.‏
الثاني‏:‏ أن أحدًا منا لن يرى ربه حتى يموت، وهذا إنما ذكره في الدجال مع كونه كافرًا؛ لأنه يظهر عليه من الخوارق التي تُقَوِّى الشبهة في قلوب العامة‏.‏
فصــل‏:‏
فإذا عرف الاتحاد المعين مما يشبه الحلول أو الاتحاد الذي فيه نوع حق تبين أيضا ما في المطلق من ذلك‏.‏
فنقول‏:‏ لا ريب أن الله رب العالمين، رب السموات والأرضين وما بينهما ورب العرش العظيم، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا، ربكم ورب آبائكم الأولىن، رب الناس ملك الناس إله الناس، وهو خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل، خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى‏.‏
وهو رب كل شيء ومليكه، وهو مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، الرحمن على العرش استوى، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ‏{‏مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏‏[‏هود‏:‏56‏]‏
ثم قال رحمه الله :
وإذا كان كذلك، فجميع الكائنات آيات له، شاهدة دالة مظهرة لما هو مستحق له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وعن مقتضي أسمائه وصفاته خلق الكائنات‏.‏
فإن الرحم شُجْنَة من الرحمن، خلق الرحم وشق لها من اسمه، وهو الرزاق ذو القوة المتين، يرزق من يشاء بغير حساب، وهو الهادي النصير، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وهو الحكيم العلىم الرحيم، الذي أظهر من آثار علمه وحكمته ورحمته ما لا يحصيه إلا هو‏.‏
فهو رب العالمين، والعالمون ممتلئون بما فيهم من آثار أسمائه وصفاته، وكل شيء يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، من الناس من يدرك ما فيها من الدلالة والشهادة بالعلم والمعرفة، ومن خرق الله سمعه سمع تأويب الجبال والطير، وعلم منطق الطير‏.‏
فإذا فسر ظهوره وتجليه بهذا المعنى، فهذا صحيح، ولكن لفظ الظهور والتجلي فيه إجمال، كما سنبينه إن شاء الله تعالى‏.‏
وإذا قال القائل‏:‏ ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله؛ لأنه ربه، والرب متقدم على العبد، أو رأيت الله بعده، لأنه آيته ودليله وشاهده، والعلم بالمدلول بعد الدليل، أو رأيت الله فيه، بمعنى ظهور آثار الصانع في صنعته، فهذا صحيح‏.‏ بل القرآن كله يبين هذا ويدل عليه، وهو دين المرسلين، وسبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهو اعتقاد المسلمين أهل السنة والجماعة، ومن يدخل فيهم من أهل العلم والإيمان، ذوي المعرفة واليقين أولياء الله المتقين‏.‏
فصــل‏:‏
في الغلط في ذلك
ثم إن كثيرًا من أهل التوجه إلى الله إذا أقبلوا على ذكره وعبادته والإنابة إليه، شهدوا بقلوبهم هذه الربوبية الجامعة، وهذه الإحاطة العامة، فإنه بكل شيء محيط، وهو ـ سبحانه ـ الحق الذي خلق السموات والأرض، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر، ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وهو ـ سبحانه ـ نور السموات والأرض ‏{‏اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ‏}‏ الآية‏[‏النور‏:‏35‏]‏
وهو ـ سبحانه ـ ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات من نور وجهه‏.‏ هكذا قال عبدالله بن مسعود‏:‏ ‏(‏لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، أو النار، لو كشفها لأحرقت سبُحَات وجهه ما أدركه بصره من خلقه‏)‏، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي موسى‏.‏
فقد يشهد العبد القدر المشترك بين المصنوعات، وهو الحق الموجود فيها، الذي هو شامل لها، فيظن أنه الخالق، لمطابقته له في نوع من العموم، وإنما هو صنعه وخلقه، ثم قد يرتقي إلى حجاب من حجبه النورية أو النارية، فيظن أنه هو، ثم يرتقي إلى نوره، وما يظهر من أثر صفاته، فقد يقع بعض هؤلاء في نحو من مذهب أهل الاتحاد المطلق العام، فإن تداركهم الله برحمته فاعتصموا بحبل الله واتبعوا هدى الله، علموا أن هذا كله مخلوق لله، وأن الخالق ليس هو المخلوق، وأن جميعهم عباد لله، وربما قد يقع هذا في نوع من الفناء أو السكر، فيكون مخطئا غالطا، وإن كان ذلك مغفورا له، إذا كان بسبب غير محظور، كما ذكرنا نظيره في الاتحاد المعين‏.‏
فصــل‏:‏
فهذا فيما يشبه الاتحاد أو الحلول في معين، كنبي أو رجل صالح، ونحو ذلك‏.‏
قد بينا ما فيه من الحق المحض، وما فيه من الحق الملبوس بباطل، وسنبين إن شاء الله ما فيه من الباطل المحض‏.‏
وهذا القسم إنما يقع فيمن يعبد الله ـ سبحانه ـ ويتولاه، أو يظن به ذلك، فإنه بذلك تظهر ألوهية الله في عبده، وتظهر إنابة العبد إلى ربه، وموافقته له في محبته ورضاه، وأمره ونهيه‏.‏
وقد يشتبه بهذا قسم آخر، وهو ما يظهره الرب من آثار ربوبيته في بعض عباده وإن كان ذلك ليس مأمورا به، ولا هو عبادة له، مثل ما يعطيه من ملكه وسلطانه بعض الملوك المسلطين، ممن قد يكون مسلمًا، وقد لا يكون، كفرعون وجنكسخان ونحوهما، وما يهبه من الرزق والمال لبعض عباده، وما يقسمه من الجمال لبعض عباده من الرجال والنساء‏.‏
وكذلك ما يهبه من العلوم والمعارف، أو يهبه من الأحوال، أو يعطيه من خوارق العادات من أنواع المكاشفات والتأثيرات، سواء كان هؤلاء مؤمنين، أو كفارًا مثل الأعور الدجال ونحوه‏.‏
فإنه في هذا القسم يقوم في العبد المعين من آثار الربوبية وأحكام القدرة أكثر مما يقوم بغيره، كما يقوم بالقسم الأول من آثار الألوهية وأحكام الشرع أكثر مما يقوم بغيره، وقد يجتمع القسمان في عبد، كما يجتمع في الملائكة والأنبياء والأولياء مثل نبينا صلى الله عليه وسلم، والمسيح ابن مريم وغيرهما‏.‏
فهذا القسم وحده كاف في أحكام الكلمات الكونية، كالقسم الأول في أحكام الكلمات الدينية، فإن الحوادث إنما تكون بمشيئة الله وقدرته، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ ويعوذ، ويأمر بالاستعاذة بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بَرٌّ ولا فاجر‏.‏
فالكلمات التي بها كوَّن الله الكائنات لا يخرج عنها بر ولا فاجر، فما من ملك ولا سلطان، ولا مال ولا جمال، ولا علم ولا حال، ولا كشف ولا تصرف إلا وهو بمشيئته وقدرته، وكلماته التامات، ولكن من ذلك ما هو محبوب لله مأمور به، ومنه ما هو مكروه لله منهي عنه بل مباح أو عفو‏.‏ وإذا كان واقعًا بمشيئة الله وقدرته وكلمته، ولا يقدر على ذلك غيره وهو مضاف إلى الله من جهة ربوبيته وملكه، فبينه وبين القسم الأول من الاشتراك والمشابهة ما أوجب أن أقوامًا غلطوا في أمر الله، فجعلوه في القسمين واحدًا‏.‏
بل غلطوا ـ أيضا ـ في نفس الرب، فألحقوا بعض العباد المعبدين من القسم الثاني ببعض العباد العابدين من القسم الأول، ودخلوا في الاتحاد والحلول من هذا الوجه، حتى عبد من عبد فرعون والدجال، وعبد آخرون الصور الجميلة ونحو ذلك، ويزعمون أن هذا مظاهر الجمال، وكفر هؤلاء بالعبادات والإيمان تارة، وبالمعبود أخرى‏.‏
ولما كان المقصود هنا بيان الحق من ذلك، أو ما فيه حق، ذكرنا هذا‏.‏
فصــل‏:‏
وأما كفرهم بالمعبود، فإذا كان لهم في بعض المخلوقات هوى فقد يعبدونه بشبهة الحلول أو الاتحاد الفاسد، مثل من يعبد الصور الجميلة، ويقول‏:‏ هذا مظهر الجمال، أو الملك المطاع الجبار، ويقول‏:‏ هو مظهر الجلال، أو مظهر رباني ونحو ذلك، وليس في هذه المخلوقات نوع من الاتحاد أو الحلول الحق، لكن يشبه ما فيه الحق من جهة، إذ كلاهما بالله ومن الله، وأنه لله، ولهذا يسوى بينهما أهل الحلول والاتحاد المطلق، كما سنبينه إن شاء الله‏.‏
فهؤلاء الاتحادية والحلولية ـ الذين يخصونه ببعض المصنوعات التي ليس فيها عبادة وإثابة ـ هم فرع على أولئك، ليس معهم من الحق شيء ولا شبهة حق، كما مع أولئك ألفاظ متشابهة عن بعض الأنبياء والصالحين، ولكن مع هؤلاء قول فرعون‏:‏ ‏{‏أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏42‏]‏، و ‏{‏مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏38‏]‏، وقول الدجال‏:‏ ‏[‏أنا ربكم‏]‏ ونحو ذلك‏.‏
فهذه الألفاظ التي معهم من ألفاظ الكفار والمنافقين، ومعهم تشبيه الكونيات بالدينيات، والكونيات عامة لا اختصاص فيها، فلهذا كان هؤلاء أدخل في الاتحاد والحلول المطلق منهم في المعين، اعتقادا وقولا، وإن كانوا من جهة الحال والهوى يخصون بعض الأعيان ـ كما هو الواقع ـ لشبهة اختصاصه ببعض الأحكام الكونية، وسنتكلم عليهم إن شاء الله في الحلول الفاسد‏.‏
وإنما ذكرتهم هنا لما أردت أن أذكر كل ما فيه شَوْبُ اتحاد أو حلول بحق، فنبهت على ذلك ليفطن لموضع ضلالهم، فإذا علم حقيقة هذه الأمور علم حقيقة قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أصدق كلمة قالها الشاعر‏:‏ كلمة لبيد‏:‏
ألا كل شيء ما خلا الله باطل‏)‏
فإن الباطل ضد الحق، والله هو الحق المبين‏.‏
 
أعلى