العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

الإيمان بالقضاء والقَدَر ركن الإيمان السادس

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
الإيمان بالقضاء والقَدَر ركن الإيمان السادس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله القويِّ القادر، الذي بيده الخلق، وإليه يرجع الأمر، كتب مقادير الخلائق، وعِلْمُه محيطٌ بكلِّ شيء صائر، ولا يَحْدُث شيء إلا بمشيئته سبحانه وبحمده، وصلى الله وسلَّم على المبعوث رحمةً للعالمين، الذي علَّم أمَّته معاني الإيمان ومعالم اليقين؛ إلى أن جاءه من ربِّه اليقين.

أَمَّا بعد: فهذه خلاصة يسيرة، موجزةٌ عميقة، لخَّصتها في معاني الإيمان بالقضاء والقَدَر، ومنزلته من الإيمان، ومعرفة مراتبه وأنواع المقادير، والفرق بين الإرادة الكونيَّة القدريَّة والإرادة الدينيَّة الشَّرعيَّة، ومعرفة مذهب السلف في القضاء والقَدَر، والتَّحذير من الخوض فيه، وبيان حكم الاحتجاج بالقضاء والقَدَر على المعاصي وعند المصائب، ومعرفة ثمرات الإيمان بالقضاء والقَدَر.

وأرجو أن يكون لمطالعها النفع، وأن تثمر في فؤاده اطمئناناً واسعاً، ورجاءً بالله صادقاً، وتوكُّلاً عليه جازماً؛ وتورث في نفسه الرَّاحة واليقين بربِّ العالمين.

والحمد لله ربِّ العالمين.

وكتبها
عبدالحميد بن صالح الكرَّاني

في البلدة الحرام

مكة المكرمة -حرسها الله-
الإثنين 20 / 5 / 1442هـ

الموافق 4 / 1 / 2021م
-----------------------------



الإيمان بالقضاء والقَدَر ركن الإيمان السادس
المحتويات:
أولاً: تعريف القضاء والقَدَر
ثانياً: الفرق بين القضاء والقَدَر
ثالثاً: منزلة الإيمان بالقضاء والقَدَر
رابعاً: مراتب الإيمان بالقَدَر
خامساً: الإرادة الكونيَّة القدريَّة، والإرادة الدينيَّة الشَّرعيَّة.
سادساً: أنواع المقادير
سابعاً: التَّحذير من الخوض في القضاء والقَدَر
ثامناً: مذهب السَّلف في القضاء والقَدَر
خلاصة مذهب السَّلف في القضاء والقَدَر
تاسعاً: حكم الاحتجاج بالقضاء والقَدَر على المعاصي
عاشراً: حكم الاحتجاج بالقضاء والقَدَر عند المصائب
حادي عشر: ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر

الخلاصة:
المصطلحات:
تفاعل مع ما قرأت:
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
المقدمة:

الإيمان بالقضاء والقَدَر

أولاً: تعريف القضاء والقَدَر.

القضاء: في لغة العرب يَرِدُ لعدَّة معانٍ، منها:


  • معنى: الحُكْم، كما في قول الله تعالى: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) [طه:٧٢]، أي: احكم بما شئت؛ وهو المراد به هنا.
  • معنى: الأَمْر، كما في قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [الإسراء:٢٣]، أي: أمر.
  • معنى: الفَرَاغ، كما في قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ) [القصص:٢٩]، أي: فَرَغَ من الأجل.
  • معنى: الأداء، كما في قوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ) [البقرة:٢٠٠]، أي: أديتموها، وأنهيتموها، وهو متقارب مع المعنى الذي قبله.
  • معنى: الموت، كما في قوله تعالى: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) [القصص:١٥]، أي: مات.
  • معنى: الإنهاء، كما في قوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) [الحجر:٦٦]، أي: أنهينا.
  • معنى الإخبار، كما في قوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) [الإسراء:٤]، أي: أخبرنا، وهو متقارب مع المعنى الذي قبله.
القدر: بسكون الدال وفتحها يَرِدُ لعدَّة معانٍ، منها:

القَدْر: مبلغ الشيء وكنهه ونهايته.

والقَدْر: يطلق على الحكم والقضاء، ومنه: حديث الاستخارة، وفيه: «فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي»([1]).

والقَدَر: الطَّاقة، وقدْرُ كل شيء ومقداره: مقياسه. يقال: قدَّره به إذا قاسه.

وقَدَرت الشيء أقدِّره من التَّقدير. والقُدْرة: اليسار، والغنى، والقوَّة.


معنى القضاء والقدر شرعاً: هو علم الله الأزلي بالكائنات قبل وجودها، فلا يحدث شيءٌ إلا وقد علمه، وقدَّره، وأراده، وكتبه في اللوح المحفوظ.




([1]) أخرجه البخاري في صحيحه (8/81)، كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند الاستخارة، برقم: (6382).
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
ثانياً: الفرق بين القضاء والقَدَر.

الأصل أَنَّ القضاء والقَدَر شيءٌ واحد؛ «فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأَنَّ أحدهما بمنزلة الأساس وهو القَدَر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه»([1]).

وذكر بعض العلماء أَنَّهما إذا اجتمعا في الذِّكْر افترقا في المعنى؛ بحيث يصبح لكلٍّ منهما معنىً يخصُّه، وإذا افترقا في الذِّكْر دخل أحدهما في معنى الآخر.


فيكون القَدَر: هو المقدَّر السَّابق، من التَّقدير بكتابته قبل وقوعه.

ويكون القضاء: هو اللَّاحق بوقوع المقدَّر وانتهائه.

وعليه: فالقدر أعمُّ وسابق، والقضاء أخصُّ ولاحق.




([1]) النهاية في غريب الحديث والأثر (4/78).
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
ثالثاً: منزلة الإيمان بالقضاء والقَدَر.

الإيمان بقضاء الله وقدره ركنٌ عظيمٌ من أركان الإيمان، وهو الركن السادس من أركان الإيمان، كما أجاب بذلك الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- حينما سأله جبريل -عليه السَّلام- عن الإيمان فقال: فأخبرني عن الإيمان، قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»([1]).

ومعنى الإيمان بالقضاء والقَدَر: هو التَّصديق الجازم بأَنَّ كلَّ ما يقع من الخير والشرِّ فهو بقضاء الله وتقديره، كما قال الله -عزَّ وجلَّ-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [الحديد:٢٢-٢٣].

وفي هذه الآية دلالة عظيمة على أَنَّ جميع ما يجري في الكون وفي الأنفس من خير أو شرٍّ فهو بتقدير الله تعالى، قد كتبه قبل خلق الخليقة؛ ولذا فما فات من المحبوب لا يوجب الحزن، وما حصل منه لا يوجب الفرح.

والإيمان بالقضاء والقَدَر شأنه عظيمٌ جدَّاً؛ إذ روى الإمام أحمد بسنده عن ابن الدَّيْلَمِيِّ، قال: لقيت أُبَيَّ بن كعب -رضي الله عنه-، فقلت: يا أبا المنذر، إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر، فَحَدِّثْني بشيء، لعلَّه يَذْهَبُ من قلبي. قال: «لَوْ أَنَّ اللهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ، كَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيْرًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ جَبَلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لَدَخَلْتَ النَّارَ». قال: فأتيت حذيفة، فقال لي مثل ذلك، وأتيت ابن مسعود، فقال لي مثل ذلك، وأتيت زيد بن ثابت، فَحَدَّثَنِي عن النبي e مثل ذلك ([2]).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»([3]).

وكل أقدار الله تعالى فهي لحكمة يعلمها، ولا يخلق الله تعالى شرَّاً محضاً لا يترتَّب عليه مصلحة؛ فالشَّرُّ ليس إليه من حيث هو شرٌّ محض، وإِنَّما هو داخلٌ في عموم خلقه لكلِّ شيء، وهو بالنسبة لله عدلٌ وحكمةٌ ورحمةٌ، ولا يدخل في شيءٍ من صفاته ولا أفعاله؛ فله الكال المطلق؛ يدلُّ على ذلك قول الحقِّ -تبارك وتعالى-: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء:٧٩].

فما يصيب الإنسان من الخير والإنعام فهو من الله -سبحانه وتعالى-، وما يصيبه من الشَّرِّ فبسبب ذنوبه ومعاصيه؛ ولا محيد لأحدٍ عن القدر المقدور، والله -عزَّ وجلَّ- خالق العباد، ولا يجري في ملكه إِلَّا ما يريد، ولا يرضى لعباده الكفر، وقد وهبهم القدرة والاختيار؛ فأفعاهم واقعة بقدرتهم وإرادتهم، يهدي من يشاء برحمته، ويُضِلُّ من شاء بحكمته، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:٢٣].




([1]) أخرجه مسلم (1/37)، كتاب: الإيمان، باب: معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر وعلامة الساعة، برقم: (8).
([2]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (35/465)، برقم: (21589)، وإسناده قوي.
([3]) أخرجه مسلم (4/2052)، كتاب: القدر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، برقم: (2664).
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
رابعاً: مراتب الإيمان بالقَدَر:

للقدر أربع مراتب؛ دلّت عليها نصوص الكتاب والسُّنَّة، وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخَلْق.

فَعِلْمُ الله سابقٌ محيطٌ بكل شيء، وقد كتب الأقدار، وشاءها -سبحانه وتعالى-، وخلقها.

وجُمِعَتْ في قوله:

عِلْمٌ كِتَابَةُ مَولانا مشيئتُهُ *** وخَلْقُهُ ذاكَ إيجادٌ وتكوينُ


وسأورد هذه المراتب الأربعة للقَدَر مفصَّلةً بإيجاز على النَّحو الآتي:

المرتبة الأولى: مرتبة العلم.

الإيمان بعلم الله الذي هو صفته الأزلية؛ فالله -سبحانه وتعالى- عالم بكل شيء، وهو بكل شيء محيط، فلا يعزب عنه مثقال ذرَّة في السماوات ولا في الأرض، فيعلم جميع خلقه قبل خلقهم، ويعلم ما ستكون عليه أحوالهم، كلها سرُّها وعلانيتها. والأدلَّة على ذلك متكاثرة من الكتاب والسُّنَّة؛ ومنها:


  • قول الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:١٢].
  • وقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [سبأ:٣].
  • وقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) [الحشر:٢٢].
  • وقوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [الأنعام:٥٩].
  • عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -رضي الله عنه-، قال: قيل: يا رسول الله: أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْ أَهْلِ النَّارِ؟، قال: فقال: «نَعَمْ»، قال قيل: فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قال: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»([1]). وفي هذا الحديث إخبارٌ من النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بأَنَّ الله قد عَلِمَ أهل الجنَّة من أهل النَّار؛ وهذا دليلٌ على علم الله المحيط بكلِّ شيء.
ونصوص الوحيين شاهدة على علم الله -سبحانه وتعالى- الشَّامل لكلِّ شيء.

المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة.

الإيمان بأَنَّ الله -سبحانه وتعالى- قد كتب مقادير الخلائق في اللَّوح المحفوظ، ولم يفرِّط في ذلك من شيء، وعلى هذا تظافرت أدلَّة الكتاب والسُّنَّة، ومنها:


  • قول الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحديد:٢٢].
  • وقوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحج:٧٠].
  • وقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [الأنعام:٣٨].
  • ما أخرجه الإمام أحمد بسنده عن عبادة بن الوليد بن عبادة، قال: حدثني أبي قال: دخلت على عبادة، وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي. فقال: أجلسوني. فلما أجلسوه قال: يا بُني إِنَّك لن تطعم طعم الإيمان، ولن تبلغ حق حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقَدَر خيره وشرِّه، قال: قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القَدَر من شرِّه؟ قال: تعلم أَنَّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. يا بُني إني سمعت رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، يا بُنَيَّ إن مِتَّ ولستَ على ذلك دخلت النار([2]).
  • عن علي -رضي الله عنه- قال: كان النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في جنازة، فأخذ شيئاً فَجَعَلَ يَنْكُتُ به الأرض، فقال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ»، قالوا: يا رسول الله، أَفَلاَ نَتَّكِلُ على كتابنا، وَنَدَعُ العمل؟ قال: «اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ: فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ: فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) [الليل:٥-١٠]([3]).
وهذه الأدلة وغيرها فيها التَّصريح بأَنَّ الله -تبارك وتعالى- كتب كلَّ شيء قبل أن يخلق الخلق، ولم يفرِّط في الكتاب من شيء؛ وهذا مقام: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) [الرعد:٩].

المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة.

مرتبة الإيمان بمشيئة الله -تعالى- النَّافذة، وقدرته الشَّاملة؛ فما شاءه الله -تعالى- أن يكون فهو كائن بقدرته ولابُدَّ، وما لم يشأ الله كونه لم يكن؛ لعدم المشيئة لا لعدم قدرته -عزَّ وجلَّ-؛ لأَنَّ الله -تبارك وتعالى- لا يعـجـزه شيء كما قال -سبحانه وتعالى-: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) [فاطر:٤٤].

والأدلة على المشيئة الشَّاملة لله -عزَّ وجلَّ- كثيرة جداً، نورد منها:


  • قول الله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:٢٩].
  • قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الأنعام:٣٩].
  • قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل:٩٣].
  • قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس:٨٢].
  • وفي الحديث عن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-، قال: سمعت النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»([4]).
ودلالة هذه الأدلة على عموم مشيئة الله تعالى ظاهرة؛ إذ كل ما يحصل في هذا الكون فهو مرادٌ له -سبحانه وتعالى- بالإرادة الكونيَّة؛ فهو الخالق وحده، المالك المدبِّر؛ فلا يجري في ملكه إِلَّا ما يريد، لا رادَّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه، ولا يعجزه شيء.

المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق.

الإيمان بأَنَّ الله -سبحانه وتعالى- خالق كل شيء، فلا خالق غيره، ولا ربَّ سواه؛ والأدلَّة ظاهرة على هذا، ومنها:


  • قول الله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة:٢].
  • قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [الزمر:٦٢].
  • قوله تعالى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان:٢].
  • قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:٩٦].
  • قوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [البقرة:١١٧]، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنعام:١٠١].
  • عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ»([5]).
وفي الأدلَّة السَّابقة النَّصُّ الصَّريح على أَنَّ -عزَّ وجلَّ- هو الذي قدَّر كل شيء وخلقه، وهو الذى أحاط الأشياء بعنايته ورعايته، وقدَّر أقدار الكائنات، وأوجدها لا على مثال سابق، ووهب بعض خلقه القدرة والفعل، والله -سبحانه وتعالى- هو الخالق للفاعل وفعله، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) [الحجر:٨٦].



([1]) أخرجه مسلم (4/2041)، كتاب: القدر، باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، برقم: (2649).
([2]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (37/378)، برقم: (22705)، حديثٌ صحيح.
([3]) أخرجه البخاري في صحيحه (6/171)، كتاب: تفسير القرآن، بَابُ: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) [الليل:7]، برقم: (4949).
([4]) أخرجه البخاري في صحيحه (1/25)، كتاب: العلم، باب: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، برقم: (71).
([5]) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (1/85)، برقم (86)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وقال الذهبي التَّلخيص: «على شرط مسلم».
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
خامساً: الإرادة الكونيَّة القدريَّة، والإرادة الدينيَّة الشَّرعيَّة.

الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونيَّة قدريَّة، وإرادة دينيَّة شرعيَّة.

فالإرادة الكونيَّة القدريَّة: هي الإرادة الشَّاملة لجميع الكائنات، وهي إرادة نافذة لا يخرج عنها أحدٌ من المخلوقات، فكل الحوادث الكونيَّة داخلةٌ في مراد الله -عزَّ وجلَّ- ومشيئته، ويشترك في الإرادة الكونيَّة القدريَّة: المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، وأهل الجنة وأهل النار، وأهل الطَّاعة وأهل المعصية.

وهذه الإرادة الكونيَّة القدريَّة: كما في قوله -سبحانه وتعالى-: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) [الأنعام:125]، وقوله -سبحانه وتعالى-: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) [هود:34].

وأَمَّا الإرادة الشَّرعيَّة الدينيَّة فهي المتضمِّنة: لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه، وهي تتناول جميع الطَّاعات، وقد تحصل لبعض العباد، وتتخلَّف عن آخرين؛ فالإرادة الشَّرعيَّة لا تستلزم وقوع المراد، كما في قول الله -جلَّ وعلا-: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة:185]، وقوله -عزَّ وجلَّ-: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء:28]. وقوله -سبحانه وتعالى-: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة:6].

الفرق بين الإرادتين:

الفرق بين الإرادتين: الكونيَّة القدريَّة والإرادة الدينيَّة الشَّرعيَّة أَنَّهما يجتمعان في حقِّ المطيع، ويفترقان في حقِّ العاصي والكافر، إِذْ الإرادة الكونيَّة أعمُّ وأشمل، والإرادة الشَّرعيَّة أخصُّ وأكمل؛ والإرادة الكونيَّة لازمة الوقوع، والإرادة الشَّرعيَّة لا تستلزم الوقوع.

كما أَنَّ الإرادة الكونيَّة لا يلزم أن يكون ما يقع فيها محبوباً لله تعالى، خلافاً للإرادة الشَّرعيَّة، فلا يقع فيها إِلاَّ ما كان محبوبًا لله تعالى.


فالمطيع الموحِّد اجتمع فيه الإرادتان؛ حيث وافق إرادة الله الكونيَّة القدريَّة؛ فوحَّد الله وأطاعه، ووافق الإرادة الشَّرعيَّة؛ لأنه بطاعته لله وتوحيده لله قد وافق الإرادة الشرعية أيضاً. وأَمَّا العاصي فقد وافق الإرادة الكونيَّة القدريَّة، ولكنَّه خالف الإرادة الشَّرعيَّة الدينيَّة.

فالإرادة الكونيَّة تجتمع مع الإرادة الشَّرعيَّة في مثل: إيمان المؤمن، وطاعة المطيع. وتنفرد الإرادة الكونيَّة في مثل: كفر الكافر، ومعصية العاصي. وتنفرد الإرادة الشَّرعيَّة في مثل: إيمان الكافر وطاعة العاصي.
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
سادساً: أنواع المقادير:

المقادير أربعة هي ضمن مرتبة كتابة المقادير العامَّة، وكلُّها ترجع إلى علم الله تعالى الشَّامل لكلِّ شيء:

التَّقدير الأول: التَّقدير العام.

وهو التَّقدير العام لجميع الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، حين خلق الله القلم، وأمره بالكتابة لما هو كائن إلى يوم القيامة؛ وهو التَّقدير الأزلي. ودليل هذا التَّقدير قول الحقِّ -تبارك وتعالى-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحديد:٢٢].

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، قال: سمعت رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»([1]).


التَّقدير الثَّاني: التَّقدير العُمْري.

وهو التَّقدير العُمْري لما يجري على الإنسان من بداية حياته عند تخليق النُّطفة إلى ما بعد ذلك، وهو عامٌّ للرِّزق والعمل والسعادة والشقاوة؛ ودليل ذلك ما رواه عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه-، قال: حدَّثنا رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وهو الصادق المصدوق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُكْتَبُ عَمَلُهُ، وَأَجَلُهُ، وَرِزْقُهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ»([2]).

التَّقدير الثَّالث: التَّقدير السَّنوي.

وهو التَّقدير السَّنوي الذي يكون في ليلة القدر من كل عام؛ كما قال الحقُّ -تبارك وتعالى-: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) [الدخان:٤-٥].

وقد ذكر المفسِّرون أَنَّه يكتب في هذه اللَّيلة كلُّ ما سيكون في العام من الخير والشَّرِّ، والأرزاق والآجال، وغير ذلك؛ إفراداً لحوادث السَّنة كلِّها، ممَّا سبق كتابته في اللَّوح المحفوظ، ومما أثبت فيها ممَّا يخص الإنسان في تقديره العُمْري؛ (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) [سبأ:٢١].


التَّقدير الرَّابع: التَّقدير اليومي.

وهو التَّقدير اليومي، وذلك لما يحصل في اليوم من الحوادث المقدَّرة؛ من الخلق، والرِّزق، والإحياء، والإماتة، ومغفرة الذنوب، وتفريج الكروب، كما قال الله -عزَّ وجلَّ-: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:٢٩]؛ من شأنه -سبحانه وتعالى- في خلقه.

وهذا التَّقدير اليومي، وما سبقه من: التَّقدير السَّنوي والعُمْري هو تفصيل من القَدَر الأزلي.




([1]) أخرجه مسلم (4/2044)، كتاب: القدر، باب: حجاج آدم وموسى عليهما السلام، برقم: (2653).
([2]) أخرجه البخاري في صحيحه (4/133)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، برقم: (3332).
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
سابعاً: التحذير من الخوض في القضاء والقَدَر

الإيمان بالقَدَر خيره وشره ركن من أركان الإيمان، والقَدَر نظام التوحيد، والإيمان بالأسباب الموصلة إلى خير القدر وشرِّه هي نظام الشَّرع، ولا يستقيم أمر الدُّنيا والدِّين بدون الإيمان بالتَّوحيد والشَّرع؛ وقد أكَّد هذا الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- حينما سئل: يا رسول الله، أَفَلاَ نَتَّكِلُ على كتابنا، وَنَدَعُ العمل؟ فقال: «اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ: فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ: فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) [الليل:٥-١٠].

وهذا القول من الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- أمرٌ بالعمل، ونهيٌ عن الاتِّكال، والأعمال الحاصلة من الإنسان دليل على ما سبقت به المشيئة، وما قُدِّر على الإنسان، وخالق الأسباب ومسبِّباتها هو الخالق لكل شيء -سبحانه وتعالى- لا يسأل عما يفعل، والقدر سِرُّ الله تعالى في خلقه، لم يُطْلِع عليه ملكاً مقرَّباً، ولا نبيَّاً مرسلاً، وقد جاءت النصوص الشرعية بنفي الظلم عن الله تعالى كما قال سبحانه: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) [الزخرف:٧٦]، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [يونس:٤٤]، وإثبات القدرة والمشيئة للعباد، وإسناد أفعاهم إليهم، كما قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الإنسان:٣٠]؛ مما يقود المسلم إلى الإيمان والتَّسليم بما أخفاه الله عنه، وهو من الغيب الذي يؤمن به المتَّقون المسلِّمون بعلم الله الشَّامل، وقدرته على كل شيء، وخلقه له؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

والرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- حريصٌ على أمته؛ فحذَّرها ممَّا يؤدِّي بها إلى المزالق الخَطِرة؛ فنهاها عن الخوض في القَدَر؛ لأَنَّ ذلك مدعاة لقياسه على المحسوسات المشاهدة، التي يترتَّب بعضها على بعض، من الماديات التي في حياتنا، وهذا مسلك خَطِر؛ يوصل الإنسان إلى الاعتراض على المالك المتصرِّف، ويوقع في الحيرة والضَّلال، ولا يصل الإنسان إلى ما يطمئن به القلب إِلَّا إذا امتثل الأمر، وترك الخوض في القَدَر، وجعل ما يدرك من أوامر الشَّرع دليلاً يقود إلى التَّسليم والرِّضى بما لم يصل به إدراكه إليه، وفي القرآن الكريم ما يُلفت الانتباه إلى مثل هذا في شأن الرُّوح؛ كما قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:٨٥]، أي لم تُؤْتَوا من العلم إِلَّا شيئاً قليلاً؛ لا يمكنكم من معرفة كُنْهِ الرُّوح وحقيقتها؛ إِنَّما يمكنكم من معرفة آثارها حال وجودها في الأجساد.
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
ثامناً: مذهب السلف في القضاء والقَدَر

يجتمع سلف الأمة على التَّصوُّر الحق في قضاء الله وقَدَرِه؛ فالله خالق كل شيءٍ، وربُّه ومليكه، لا يخرج عن ذلك شيء، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في الوجود شيءٌ إِلَّا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءه، وهو قادرٌ على كلِّ شيء، وعالمٌ بكلِّ ما كان وما سيكون، فكتب كل ما هو كائن قبل كونه أفعال العباد، وكتب الأرزاق، وحدَّد الآجال، وقضى بالسعادة والشقاوة لأصحابها؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأنعام:١٧]، وقوله -عزَّ وجلَّ-: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [التوبة:٥١]، وقوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [القصص:٦٨].

فكلُّ ما يجري في الكون هو من أقدار الله تعالى، كتبها عنده؛ وهذا مقتضى ربوبيته المطلقة -سبحانه وتعالى-؛ (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:٢٣]؛ (إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) [الذاريات:٣٠]؛ فرتَّب كلَّ شيء بعلمه وحكمته، فجعل من الأعمال الجارية ما لا قدرة لأحد عليه، ولا نفاذ لإرادة أحد فيه، كشأن الحياة والموت، والصفات الخِلْقِيَّة طولاً وعرضاً، شكلاً ولوناً، كما قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) [فاطر:٢٧-٢٨]، وكذلك ما يقع من المصائب والبلايا، وينزل من الكوارث والرزايا، كما قال الحقُّ -تبارك وتعالى-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحديد:٢٢].

وما يكون من الأفعال والصفات والأحداث خارج عن إرادة الإنسان وقدرته فليس هو محل تكليف من الله تعالى، ولا ينسب إلى الإنسان منه شيء، ولكن هناك أفعال مقدورة للإنسان يفعلها بما وهبه الله تعالى من القدرة والاختيار، ممَّا تظهر فيه الحكمة الإلهية في الجزاء بالاختبار، كما قال -سبحانه وتعالى-: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك:٢].

فالإنسان يجد من نفسه القدرة على تلك الأفعال وتركها؛ فهي فِعْلٌ له على الحقيقة كما شاء وأراد، قال -سبحانه وتعالى-: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف:٢٩]، وقال -عزَّ وجلَّ-: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور:٢١]، وقال -سبحانه وتعالى-: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) [التكوير:٢٨]، ولكون الإنسان مختاراً في فعله من الإيمان والاستقامة ترتَّب عليه السؤال والحساب والثواب والعقاب، ولا يعني ذلك خروج هذه الأفعال من الإنسان عن قدرة الله تعالى؛ فهو لا يقدر إِلَّا على ما أقدره الله تعالى عليه، ولا يشاء ولا يفعل إِلاَّ ما شاء الله له فعله.

فالله -سبحانه وتعالى- هو الخالق لكل شيء؛ خالق الإنسان وعمله، وقد ربط سبحانه الأسباب بمسبباتها، فلابد من الأسباب التي تحصل بها المسببات، والله خالق الأسباب ومسبباتها، فللإنسان قدرة ومشيئة ولكنها تابعة لقدرة الله تعالى ومشيئته، وإضافة الفعل إلى الله تعالى حقيقة كما أن إضافته إلى المخلوق أيضاً حقيقة. وأفعال الله تعالى من حيث هي فِعْلُه خيرٌ محض، وصدور الأفعال عن الله تعالى ليس فيه شرٌّ بوجه من الوجوه؛ فهو لم يخلق شرَّاً محضاً من جميع الوجوه، فإِنَّ حكمته -سبحانه وتعالى- تأبى ذلك؛ إذ لا مصلحة في خلقه على هذا وهو سبحانه بيده الخير كلَّه، والشَّرُّ ليس إليه، فما نسب إليه فليس شرَّاً، ونسبته إليه من حيث الخَلْق والمشيئة ليست بشرٍّ؛ فهو تعالى حَكَمٌ عَدْل؛ يضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها.

وما كان من الفعل شرَّاً فهو من جهة إضافته إلى العبد باكتسابه له؛ لما يلحقه من المهالك بسببه، كما قال الله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى:٣٠]، وكما قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن الله -جلَّ جلاله-: «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»([1])؛ أي: أَنَّ الشَّرَّ الذي في الوجود لا يكون إلى الله تعالى؛ لأَنَّه راجع إلى الذنوب، وذلك من نفس العبد، فلا يرجع إلى أسماء الله تعالى وصفاته من ذلك شيء؛ لكنه يرجع إلى مفعولاته -سبحانه وتعالى-.


خلاصة مذهب السَّلَف في القضاء والقَدَر

أورد لك خلاصة مذهب السَّلَف في القضاء والقَدَر بإيجازٍ في النقاط الآتية:


  • الإيمان بالربوبية المطلقة لله تعالى؛ فهو الرَّبُّ العالم -سبحانه وتعالى- بكلِّ شيء، وقد كتب مقادير الخلائق، وشاءها، وخَلَقَها.
  • أَنَّ للعبد قدرة ومشيئة واختياراً؛ وبهذه القدرة والمشيئة تتحقَّق أفعاله، كما قال تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) [التكوير:٢٨]، وعلى مقتضى هذه الأفعال يكون الثواب والعقاب؛ لقوله -تعالى-: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور:٢١].
  • أَنَّ قدرة العبد ومشيئته التي تحصل بها أعماله غير خارجة عن قدرة الله ومشيئته؛ فهو الذي منح الإنسان ذلك، وجعله قادرا على التَّمييز والاختيار، فأيُّ الفعلين اختار لم يخرج عن كونه داخلاً تحت مشيئة الله وقدرته وخلقه؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:٢٩].
  • أَنَّ الإيمان بالقدر خيره وشرِّه بحسب إضافته إلى الخلق يقع فيه الخير والشَّرُّ، وأَمَّا بالنسبة للخالق -عزَّ وجلَّ- فالقدر خيرٌ كلُّه، والشَّرُّ لا ينسب إلى الله تعالى؛ لأَنَّ عِلْمَ الله تعالى بالأشياء، ومشيئته لها، وكتابتها وخلْقُه إِيَّاها، كلُّ ذلك حكمةٌ وعدل، ورحمةٌ وخير؛ فالشَّرُّ لا يدخل في شيء من صفاته ولا أفعاله -سبحانه وتعالى-، ولا يلحق ذاته نقص ولا شرٌّ؛ إِذْ له الكمال المطلق، والجلال التَّامُّ؛ فلا يضاف إليه الشَّرُّ مفرداً، وإن كان ضمن خلقه لكلِّ شيء، لكن الخلق من حيث هو ليس بشرٍّ.


([1]) أخرجه مسلم (1/534) كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم: (771).
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
تاسعاً: حكم الاحتجاج بالقضاء والقَدَر على المعاصي

من عرف معنى القضاء والقَدَر، وأدرك مراتبه اللَّازمة للإيمان به، علم القول الحق؛ الذي به يفهم حقيقة القول في القضاء والقَدَر، ولا يعْلَقُ بذهنه ما قد يشتبه على بعض النَّاس، ممَّن قَصُر فهمه في معرفة حقيقة القَدَر.

وغالب ما يقع من بعض النَّاس في الاحتجاج بالقضاء والقَدَر إِنَّما هو ممَّا يُخيَّل إليهم أَنَّه حُجَّة عند ترك المأمورات، أو اقتراف المنهيات بكون ذلك مقضيَّاً ومقدَّراً، ويرون فيه مسلكاً تطمئنُّ به نفوسهم، ويلتبس عليهم أَنَّه من الإيمان بالقضاء والقَدَر، وهذا خطأ فاحشٌ في تصوُّرهم لحقيقة الإيمان بالقضاء والقَدَر؛ لاسيَّما والإيمان بالقَدَر خيره وشرِّه، حُلوه ومُرِّه، ركنٌ من أركان الإيمان بالله تعالى.


وإليك بيان بطلان الاحتجاج بالقضاء والقَدَر في ترك ما أمر الله به، وإتيان ما نهى الله عنه، وذلك موجزاً في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: أَن َّالله -تبارك وتعالى- هو الخالق لكل شيء، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالله تعالى وحده بذاته وصفاته الخالق، وما سواه مخلوق له؛ فهو الخالق وحده، ومن سائر مخلوقاته: الخير والشَّرُّ، والحسن والقبيح.

الوجه الثَّاني: أَنَّ حكمة الله -سبحانه وتعالى- جرت في جعل بعض خلقه مكلَّفاً، كما قال -عزَّ وجلَّ-: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود:٧]، وكما قال -تعالى-: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك:٢]، وكما في قوله -تعالى-: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان:٢]، وآيات القرآن الكريم دالَّةٌ على أَنَّ الإنسان مخلوقٌ للاختبار، وهذا يقتضي مقدرته على أفعاله بحسن العمل والاختيار.

الوجه الثَّالث: أَنَّ مقدرة العبد حاصلةٌ بما وهبه الله -تعالى- من القوى، وهي:


  • العقل الذي هو مناط التكليف؛ فمن عَقَل فهو المكلَّف، ومن زال عقله زال تكليفه.
  • سلامة الآلات التي يكون بها الاقتدار من جهة الصحة والوسع والتَّمكُّن.
  • المعرفة التي هي علم مادة الابتلاء، وقد جعل سبحانه وتعالى مصادر المعرفة متنوعة، فبعضها عن طبيعة الإنسان نفسه، وبعضها خارج عنه.
  • الدواعي المؤثِّرة لتحصيل الخير والشَّرِّ؛ فدواعي الخير هي: الفطرة، والعقل، والوحي الإلهي الذي يرسل الله به رسله إلى الناس. ودواعي الشَّرِّ هي: الشيطان باستغلاله رغبات النفوس؛ حيث قد مكَّنه الله تعالى من القدرة عل الوسوسة والتَّأثير على بني آدم، وقد أمر الله بالاستعاذة منه بقوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [الناس:١-٦]، وقول النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ»([1]).

الوجه الرَّابع: أَن َّالله -تبارك وتعالى- حكيمٌ عدل؛ له الحجة البالغة على خلقه أجمعين؛ إذ جعل دواعي الخير أكثر من دواعي الشَّرِّ، وبيَّن لخلقه الطَّريقين، كما قال -سبحانه وتعالى-: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد:١٠]، طريق الخير، وطريق الشَّرِّ؛ والمرء بعد ذلك يسلك أي الطَّريقين شاء بمحض اختياره، فمن سلك طريق الخير مستجيباً لدواعيه، متغلِّباً على دواعي الشَّرِّ استحقَّ الثَّواب. ومن سلك طريق الشَّرِّ، وانقاد لدواعيه، وتجاهل دواعي الخير استحقَّ العقاب، وفِعْلُه في الحالين، وسلوكه أيُّ الطَّريقين واقعٌ باختياره، وهو يحسُّ ضرورةً أَنَّه غير مجبور على الفعل أو التَّرك، وأَنَّه لو شاء لم يفعل، وهذا مُدْركٌ تماماً، بل ويُحِسُّه كلُّ إنسانٍ من نفسه بداهةً؛ وعلى ذلك الأدلة المتوافرة من القرآن الكريم، والسُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة كما سبق؛ ثم إِنَّ فعل الخير وفعل الشَّرِّ من العبد لا ينافي نسبتها إلى الله إيجاداً وخلقاً؛ لأَنَّه هو الخالق لجميع الأسباب التي وقعت بها.

الوجه الخامس: أَنَّ الله -تعالى- ذمَّ المشركين وعابهم حين احتجُّوا بمشيئة الله تعالى على كفرهم؛ حيث قال: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنعام:١٤٨-١٤٩]، فنفى الله تعالى عنهم العلم فيما ادَّعوه، بل وصف قولهم بالظَّنِّ والتَّخرُّص، ولو كان لهم حجَّة بالقَدَر ما أذاقهم الله بأسه وعذابه، وقد ساق الله شبهتهم في القرآن الكريم بقوله -تعالى-: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [النحل:٣٥]؛ فالاحتجاج بالقَدَر على ترك الأوامر شبهة السَّابقين الهالكين؛ فأهل الشرك احتجُّوا بمشيئة الله على رضاه ومحبته، فجعلوا المشيئة دليل الرِّضى، والله سبحانه لا يحب الشرك ولا يرضاه، بل يبغضه وينهى عنه ويأباه، فما أمر به فهو المحبوب المرضي، وما نهى عنه فهو المبغض المذموم، وكونه مبغضاً مذموماً لا يخرجه عن مشيئة الله الكونية؛ المتضمِّنة لكلِّ شيء.

الوجه السَّادس: أَنَّ في الاحتجاج بالقَدَر إبطالًا لمعنى الجزاء على الأعمال، وإبطالًا للحكمة في خلق الجنَّة والنَّار، كما قال الله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس:٩٩] ؛ فالمشيئة اقتضت التَّكليف؛ ولو كان القَدَر حجَّة للمخالفين لم تنتف بإرسال الرُّسل كما قال تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء:١٦٥]؛ لأَنَّ المخالفة بعد إرسالهم واقعةٌ بقَدَر الله -سبحانه وتعالى- أيضاً.

الوجه السَّابع: أَنَّ الواقع يظهر أَنَّ المحتجَّ بالقضاء والقَدَر لا يقبل الاحتجاج بالقضاء والقَدَر من غيره عليه؛ وذلك فيما لو أُخِذَ ماله أو اعتُدِيَ عليه ونحوه، بل تجده يسعى لتحصيل حقه، ويطالب بإيقاع العقوبة على من اعتدى عليه؛ ولو كان القَدَر حُجَّةً لكان حُجَّةً للجميع في كل أمرٍ، وفي كل حال.

الوجه الثَّامن: أَنَّ الله -سبحانه وتعالى- أمر العباد ونهاهم، ولم يكلِّفهم إِلاَّ ما يستطيعون؛ كما قال -تعالى-: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن:١٦]، وقال: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة:٢٨٦]، ولو كان العبد مجبراً على الفعل لكان مكلَّفاً مالا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل؛ ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل أو نسيان أو إكراه فـلا إثم عليه؛ لأَنَّه معذور.

الوجه التَّاسع: أَنَّ قَدَر الله -سبحانه وتعالى- سِرٌّ مكتوم لا يعلم به إِلَّا بعد وقوع المقدور، وإرادة العبد لما يفعله سابقة على فعله، فتكون إرادته الفعل غير مبنيَّة على علمٍ منه بقَدَر الله؛ وحينئذٍ تنتفي حُجَّته بالقَدَر؛ إذ لا حُجَّة للمرء فيما لا يعلمه.

الوجه العاشر: أَنَّ ممَّا هو معلومٌ بداهةً حرص الإنسان على ما يلائمه من أمور دنياه حتى يدركه؛ ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتجُّ على عدوله بالقَدَر، فلماذا يعدل عمَّا ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتجُّ بالقَدَر؟! فَلِمَ التَّفريق بين أمور الدِّين وأمور الدُّنيا؟، أليس شأن الأمرين واحداً ؟!.

وإليك ما يوضِّح ذلك: أَنَّا نرى المريض يأمره الطبيب بالدَّواء فيشربه ونفسه لا تشتهيه، وينهاه عن الطعام يضره فـيتركه ونفسه تشتهيه، كل ذلك طلباً للشِّفاء والسَّلامة، ولا يمكن أن يمتنع عن شرب الدَّواء أو يأكل الطعام الذي يضره ويحتج بالقَدَر!!؛ فلماذا يترك الإنسان ما أمر الله -سبحانه وتعالى- به، وأمر به رسوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-، أو يفعل ما نهى الله عنه ورسوله -صلَّى الله عليه وسلَّم- ثم يحتجُّ بالقَدَر؟!.

الوجه الحادي عشر: أَنَّ الذي يحتجُّ بالقَدَر على ما تركه من الواجبات أو ارتكبه من المعاصي لو اعتدى عليه شخص فأخذ ماله أو انتهك حرمته ثم احتجَّ بالقَدَر، وقال: لا تلمني فإِنَّ اعتدائي كان بقَدَر الله، لم يقبل حُجَّته؛ إذن فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر في اعتداء غيره عليه!!، وهو يحتجُّ به لنفسه في اعتدائه على حق الله تعالى؟! هذا عين التَّناقض؛ الذي يدلُّ على خللِ التَّصوُّر في فهم عقيدة الإيمان بالقضاء والقَدَر.




([1]) أخرجه البخاري في صحيحه (3/50)، كتاب: الاعتكاف، باب: زيارة المرأة زوجها في اعتكافه، برقم: (2038).
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
عاشراً: حكم الاحتجاج بالقضاء والقَدَر عند المصائب

الاحتجاج بالقَدَر على المصيبة جائز، وما قُدِّر على الإنسان من المصائب يجب الصبر عليها، والتَّسليم بما قدَّره الله -سبحانه وتعالى- وقضاه؛ حيث إِنَّ من كمال الإيمان الرضى بالأقدار، وذلك من الرضى بالربوبية.

وممَّا يدلُّ على جواز الاحتجاج بالقضاء والقَدَر على المصائب: حديث احتجاج آدم وموسى -عليهما السلام-؛ حيث قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا، خَيَّبْتَنَا، وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ. قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلاَمِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى»([1]).


فآدم -عليه السَّلام- احتجَّ بالقَدَر على المصيبة، وهي: الخروج من الجنَّة، وقد حاجَّه موسى -عليه السَّلام- بذلك حيث قال: «أَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ»، فكانت الحُجَّة لآدم على موسى -عليهما السَّلام-، والله -سبحانه وتعالى- قد كتب أَنَّ آدم وذرِّيَّته يعيشون في الأرض، وقد خلقهم لذلك، كما أخبر -سبحانه وتعالى- بقوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:٣٠].

فكانت الحجة لآدم على موسى، ولم تكن محاجَّة موسى لآدم -عليهما السَّلام- على المعصية، وهي: الأكل من الشجرة؛ حيث لم يلمه على ذلك، وموسى -عليه السَّلام- أعلم من أن يلومه على ذنب تاب منه، وتاب الله عليه، وآدم -عليه السَّلام- أعلم من أن يحتجَّ بالقَدَر على أَنَّ المذنب لا ملام عليه.



([1]) أخرجه البخاري في صحيحه (8/ 126)، كتاب: القَدَر، باب: تحاج آدم وموسى عند الله، برقم: (6614).
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
حادي عشر: ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر

الإيمان بالقضاء والقَدَر هو عقيدة المؤمن التي يجب أن ينعقد عليها قلبه؛ إذ هو ركنٌ من أركان الإيمان، ليس لِمُنْكِره في الإسلام نصيبٌ؛ وهذا كافٍ في بيان أهمِّيَّته، وكشف عظيم منزلته، إِلاَّ أَنَّ لهذا الإيمان آثاراً حسنة على حياة المؤمن به، ومن أهمِّها ما يلي:

  • أَنَّ الإيمان بالقضاء والقَدَر من أكبر مُحفِّزات الأعمال، ومن أعظم موجبات السَّعي في الحياة، والإقدام على المصالح بعزمٍ وثباتٍ ويقين.
  • أَنَّ الإيمان بالقضاء والقَدَر يدعو للتَّواضع وعدم التَّعالي على الخلق؛ لأَنَّه عاجزٌ عن معرفة المقدور، ومستقبل ما تصير إليه الأمور؛ فإن أصابه الخير شكر واطمأنَ، وإن أصابه الضُّرُّ صبر واستكنّ؛ وبهذا تكون عصمة الإنسان من البَطَر والكِبْر حال تحصيل المحابِّ، أو الجَزَعِ والحُزْنِ حين نزول المكاره والمُصاب.
  • أَنَّ الإيمان بالقضاء والقَدَر يُطهِّر القلب من نوازع الأمراض المعنويَّة الخفيَّة التي تصيبه؛ من لوثات الحَسَد، والحِقْدِ وغيرهما من الأمراض؛ إذ المؤمن يُحبُّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه؛ لأَنَّ الله هو الرَّازق، وبيده مقادير الأمور، ويعلم أَنَّه في اختبار وابتلاء أمام قسمة الأرزاق من المعطي الوهَّاب.
  • أَنَّ الإيمان بالقضاء والقَدَر يبعث في القلوب الشَّجاعة على مواجهة الشَّدائد، ويقوِّي العزائم، ويدعو إلى الصبر؛ لإيمانها بأنَّ الآجال محدودة، وأَنَّ ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
  • أَنَّ الإيمان بالقضاء والقَدَر يزرع الطُّمأنينة، ويغرس في العبد الثِّقة بالله، ويجعله دائم الصِّلة بالله؛ استعانةً، وتوكُّلاً، ودعاءً، ورجاءً؛ مع فعل الأسباب، وطلب الثبات حتَّى الممات.
  • أَنَّ الإيمان بالقضاء والقَدَر يدفع الإنسان لمراقبة الله تعالى في جميع أعماله، ولا يخاف في الله لومة لائم، يصدع بكلمة الحقِّ؛ لرسوخه في الإيمان والعمل.
  • أَنَّ الإيمان بالقضاء والقَدَر يجعل المسلم متوازناً في شؤون حياته، فيأخذ بالأسباب، مع التوكُّل على الله تعالى؛ فلا هو الذي يلتفت إلى الأسباب فقط، ولا هو الذي يفرِّط فيها زاعماً توكُّله على الله؛ لأَنَّ (الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التَّوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلِّيَّة قدحٌ في الشرع) ([1]).
  • أَنَّ الإيمان بالقضاء والقَدَر يتوافق مع التَّوكُّل، ولا يتنافى مع الاكتساب والسَّير في أرجاء الأرض لتحصيل الرِّزق، وتعاطي الأسباب والأخذ بها؛ وهذا التَّوازن في الإيمان هو الذي يكفل للمؤمن العيشة الهنيَّة، والحياة الرَّضيَّة، وإن صادفه القضاء والقَدَر عالجه بالقضاء والقَدَر؛ كما قال عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- لأبي عبيدة بن الجرَّاح -رضي الله عنه- لما جاء الخبر بانتشار الوباء في الشام، وفتك الطَّاعون بالنَّاس، ورأى عمر -رضي الله عنه- الرجوع، فقال له أبو عبيدة -رضي الله عنه-: «أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟. نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟، وَإِنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟. قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ- فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ([2]). فوافق فَهْمُ عمر -رضي الله عنه- في التَّعامل مع هذه الحادثة ما أُثِر عن النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-؛ بأَنَّ الأخذ بالأسباب داخلٌ في معنى الإيمان بالقضاء والقَدَر؛ وأَنَّه لا ينافيه.
  • أَنَّ الإيمان بالقضاء والقَدَر هو عُدَّة الحياة، وهو الدِّرع الواقي، والسِّياج الحامي، لما يلاقيه العبد من متاعب ومصاعب، برضى المؤمن الواثق المستوثق؛ وعلى هذا كان يربِّي النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أصحابه -رضوان الله عليهم-؛ وهو تعليمٌ لمن بعدهم من أُمَّته؛ فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كنت خلف رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يوماً، فقال: «يَا غُلاَمُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» ([3]).
  • أَنَّ الإيمان بالقضاء والقَدَر يدعو المؤمن إلى الجِدِّ والاجتهاد، والتَّغيير نحو الأفضل في جميع أحوال حياته، فيسعى لتغيير ما أصابه من الفقر إلى الغنى، ومن المرض إلى الصِّحَّة، ومن الجهل إلى العِلْمِ، ومن البخل إلى الكرم، ومن أنواع القصور والدنايا، إلى معالي الأمور والقضايا؛ عملاً بالتَّوجيه الإلهي، والأمر الرَّبَّاني: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:٢٠٠]، وأخذاً بالهدي النَّبوي؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ؛ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»([4])؛ ومن تأمَّل هذا الحديث بعمق، وغاص في معانيه برفق؛ وجده ناطقاً بعقيدة الإيمان بالقضاء والقَدَر؛ في أعظم توازنٍ تطيب به الحياة، والحمد لله رب العالمين.


([1]) مجموع الفتاوى (8/70).
([2]) أخرجه البخاري في صحيحه (7/130)، كتاب: الطِّبِّ، باب: ما يذكر في الطَّاعون، برقم: (5729).
([3]) أخرجه التِّرمذي في سننه (4/248)، كتاب: أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ، باب: (59)، برقم: (2516)، وقال التِّرمذي: (هذا حديثٌ حسنٌ صحيح).
([4]) أخرجه مسلم (4/2052)، كتاب: القَدَر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، برقم: (2664).
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
الخلاصة:

  • أَنَّ الإيمان بقضاء الله وقَدَره هو الرُّكن السَّادس من أركان الإيمان؛ الذي لا يتمُّ إيمان العبد إِلَّا به.
  • أَنَّ الإيمان بقضاء الله وقَدَره يشتمل على أربع مراتب يجب الإيمان بها؛ وهي: عِلْمُ الله السَّابقُ المحيطُ بكلِّ شيء، وكتابته للأقدار، ومشيئته لها، وخلقه إِيَّاها.
  • أَنَّ الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونيَّة قدريَّة: هي الإرادة الشَّاملة لجميع الكائنات، وهي إرادة نافذة لا يخرج عنها أحدٌ من المخلوقات، وإرادة شرعيَّة دينيَّة: متضمِّنة لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه، وقد تحصل للبعض وتتخلَّف عن آخرين.
  • أَنَّ الخوض في القضاء والقَدَر مدعاة لقياسه على المحسوسات المشاهدة، التي يترتَّب بعضها على بعض، وهذا مسلكٌ خَطِر؛ يوصل الإنسان إلى الاعتراض على المالك المتصرِّف، ويوقع في الحيرة والضَّلال.
  • بطلان الاحتجاج بالقضاء والقَدَر في ارتكاب المحرَّمات، وجوازه عند المصائب.
  • أَنَّ للإيمان بالقضاء والقَدَر ثمرات يجدها كلُّ مؤمن؛ فهو يزرع الطُّمأنينة في النَّفس، ويغرس في العبد الثِّقة بالله، ويجعله دائم الصِّلة بالله؛ استعانةً، وتوكُّلاً، ودعاءً، ورجاءً؛ مع فعل الأسباب المأمور بها.
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
المصطلحات:

  • القضاء والقَدَر شرعاً: هو علم الله الأزلي بالكائنات قبل وجودها، فلا يحدث شيءٌ إلا وقد علمه، وقدَّره، وأراده، وكتبه في اللوح المحفوظ.
  • الإرادة الكونيَّة القدريَّة: هي الإرادة الشَّاملة لجميع الكائنات، وهي إرادة نافذة لا يخرج عنها أحدٌ من المخلوقات، فكل الحوادث الكونيَّة داخلةٌ في مراد الله -عزَّ وجلَّ- ومشيئته.
  • الإرادة الشَّرعيَّة الدينيَّة: هي المتضمِّنة لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه، وهي تتناول جميع الطَّاعات، وقد تحصل لبعض العباد، وتتخلَّف عن آخرين؛ فالإرادة الشَّرعيَّة لا تستلزم وقوع المراد.
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
تفاعل مع ما قرأت:

  • ارجع لمصحفك الرقمي بهاتفك المحمول، وابحث عن آيات القضاء والقَدَر بمراتبه الأربع: العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق.
  • حاول التَّمرُّس على البحث الموسَّع باشتقاقات الكلمات السَّابقة: (العلم: علم، عالم، عليم، العالم، علام)، (الكتابة: كتب، كتاب، كتب)، (المشيئة: شاء، يشاء، تشاء، تشاءون، يشاءون)، (الخلق: خلق، خالق، الخالق، يخلق، الخلاق، خلقكم، يخلقكم).
 
إنضم
5 يونيو 2010
المشاركات
1,420
الجنس
ذكر
الكنية
أبو معاذ
التخصص
طبيب
الدولة
السعودية - مصر
المدينة
السعودية - مصر
المذهب الفقهي
شافعى
جزاكم الله خيرا
خلاصة مركزة فيها أصول مسائل القدر
كتب الله أجركم وجعله في موازين حسناتكم
 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,116
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
جزاكم الله خيرا
خلاصة مركزة فيها أصول مسائل القدر
كتب الله أجركم وجعله في موازين حسناتكم
أكرمكم الله دكتورنا الفاضل ...
بعض همتكم في تعليم الشريعة فروعاً وأصولاً ...
كتبنا الله وإياكم في المقبولين ...
 
أعلى